بحارالانوار · المجلد السادس
12 - باب غزوة أحد وغزوة حمراء الأسد الآيات آل عمران 3
ج ۲۰، ص ۷۴–۱۰۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۵
فوالله ما تنفك منا عداوة * ولا منهم ما دام من نسلنا شفر وقوله: فاضت نفسه، معناه مات، قال أبو العباس: قال أبو بكر الأنباري حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن نصر بن علي، عن الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلا قال: يقال: فاظ الرجل: إذا مات، ولا يقال: فاظت نفسه، ولا فاضت نفسه وحدثنا أبو العباس، عن ابن الأنباري، عن عبد الله بن خلف قال: حدثنا صالح بن محمد بن دراج قال: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: يقال: فاظ الميت، ولا يقال: فاظت نفسه. ولا فاضت نفسه.
حدثنا أبو العباس قال: حدثنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى، عن سلمة بن عاصم، عن الفراء قال: أهل الحجاز وطي يقولون: فاضت نفس الرجل، وعكل وقيس وتميم يقولون: فاضت نفسه بالضاد، وأنشد:
يريد رجال ينادونها * وأنفسهم دونها فائضة وحدثنا أبو العباس، عن أبي بكر بن الأنباري، عن أبيه، عن أبي الحسن الطوسي، عن أبي عبيد، عن الكسائي قال: يقال: فاضت نفسه، وفاظ الميت، وأفاظ الله نفسه.
وبالاسناد عن أبي الحسن الطوسي ومحمد بن الحكم، عن الحسن اللحياني، قال: يقال: فاظ الميت بالظاء، وفاض الميت بالضاد.
وحدثنا أبو العباس، عن أبي بكر، عن أبيه، عن عبد الله بن محمد القمي، عن يعقوب بن السكيت قال: يقال: فاظ الميت يفوظ، وفاظ يفيظ.
وحدثنا أبو العباس، عن أبي بكر، عن أبيه، عن محمد بن الجهم، عن الفراء قال: يقال: فاظ الميت نفسه بالظاء، ونصب النفس.
وحدثنا أبو العباس قال: أنشدنا أبو بكر، قال: أنشدني أبي قال: أنشدنا أبو عكرمة الضبي:
وفاظ ابن حصن غائيا في بيوتنا * يمارس قدا في ذراعيه مصحبا بيان: قال الجوهري: غني بالمكان، أي أقام، وغني أي عاش، وقال:
القد: الشق طولا: والقد أيضا: جلد السخلة الماعزة، وبالكسر، سيرتقد من جلد غير مدبوغ وقال المصحب من الزق: ما الشعر عليه، وقد أصحبته: إذا تركت صوفه أو شعره عليه ولم تعطنه.
14 - تفسير علي بن إبراهيم: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما مر بعمرو بن العاص والوليد بن عقبة بن أبي معيط وهما في حائط يشربان ويغنيان بهذا البيت في حمزة بن عبد المطلب حين قتل:
كم من حواري تلوح عظامه * وراء الحرب عند ان يجر فيقبرا فقال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم العنهما واركسهما في الفتنة ركسا، ودعهما إلى النار دعا.
بيان: الحواري: الناصر، والركس، رد الشئ مقلوبا، والدع: الدفع.
15 - الخرائج: روي أن أبي بن خلف قال للنبي صلى الله عليه وآله بمكة: إني أعلف العوراء يعني فرسا له، أقتلك عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لكن، أنا إن شاء الله، فلقي يوم أحد، فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وآله الحربة من الحارث بن الصمة فمشى إليه فطعن وانصرف، فرجع إلى قريش وهو يقول: قتلني محمد، قالوا: وما بك بأس، قال: إنه قال لي بمكة: إني أقتلك، لو بصق علي لقتلني، فمات بشرف.
16 - الخرائج: من معجزاته صلى الله عليه وآله أنه لما كانت وقعة بدر قتل المسلمون من قريش سبعين رجلا، وأسروا منهم سبعين، فحكم رسول الله بقتل الأسارى وحرق الغنائم فقال جماعة من المهاجرين: إن الأسارى هم قومك وقد قتلنا منهم سبعين فأطلق لنا أن نأخذ الفداء من الأسارى والغنائم فنقوى بها على جهادنا، فأوحى الله إليه:
إن لم تقتلوا يقتل منكم في العام المقبل في مثل هذا اليوم عدد الأسارى، فأنزل الله:
" ما كان لنبي أن يكون أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا " فلما كان في العام المقبل وقتل من المسلمين سبعون بعدد الأسارى قالوا: يا رسول الله قد وعدتنا النصر فما هذا الذي وقع بنا؟ ونسوا الشرط ببدر فأنزل الله: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " يعني ما كانوا أصابوا من قريش ببدر وقبلوا الفداء من الاسرى " قلتم انى هذا قل هو من عند أنفسكم " يعني بالشرط الذي شرطوه على أنفسهم ان يقتل منهم بعدد الأسارى إذا هو أطلق لهم الفداء منهم والغنائم، فكان الحال في ذلك على حكم الشرط، ولما انكشفت الحرب يوم أحد سار أولياء
المقتولين ليحملوا قتلاهم إلى المدينة فشدوهم على الجمال، وكانوا إذا توجهوا بهم نحو المدينة بركت الجمال، وإذا توجهوا بهم نحو المعركة أسرعت، فشكوا الحال إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألم تسمعوا قول الله: " قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " فدفن كل رجلين في قبر إلا حمزة فإنه دفن وحده، وكان أصاب عليا عليه السلام في حرب أحد أربعون جراحة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الماء على فمه فرشه على الجراحات، فكأنها لم تكن من وقتها، وكان أصاب عين قتادة سهم من المشركين فسالت الحدقة، فأمسكها النبي صلى الله عليه وآله بيده فعادت كأحسن ما كانت.
ومنها: أن عليا عليه السلام قال: انقطع سيفي يوم أحد فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: إن المرأ يقاتل بسيفه، وقد انقطع سيفي، فنظر إلى جريدة نخل عتيقة يابسة مطروحة فأخذها بيده، ثم هزها فصارت سيفه ذا الفقار فناولنيه، فما ضربت به أحدا إلا وقده بنصفين.
ومنها: أن جابرا قال: كان النبي صلى الله عليه وآله بمكة ورجل من قريش يربي مهرا، كان إذا لقى محمدا والمهر معه يقول: يا محمد على هذا المهر أقتلك، قال النبي صلى الله عليه وآله: أقتلك عليه، قال: بل أقتلك. فوافى أحدا فأخذ النبي صلى الله عليه وآله حربة رجل وخلع سنانه ورمى به فضربها على عنقه، فقال: النار النار، وسقط ميتا.
ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله انتهى إلى رجل قد فوق سهما ليرمي بعض المشركين فوضع صلى الله عليه وآله يده فوق السهم وقال: ارمه، فرمى ذلك المشرك به فهرب المشرك
من السهم، وجعل يروغ من السهم يمنة ويسرة، والسهم يتبعه حيثما راغ حتى سقط السهم في رأسه، فسقط المشرك ميتا. فأنزل الله " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ".
وكان أبو غرة الشاعر حضر مع قريش يوم بدر [و] يحرض قريشا بشعره على القتال، فاسر في السبعين الذين أسروا، فلما وقع الفداء على القوم قال أبو غرة: يا أبا القاسم تعلم أني رجل فقير فامنن على بناتي، فقال: أطلقك بغير فداء ألا تكثر علينا بعدها، قال: لا والله، فعاهده على أن لا يعود، فلما كان حرب أحد دعته قريش إلى الخروج معها ليحرض الناس بشعره على القتال، فقال إني عاهدت محمدا أن لا أكثر عليه بعد ما من علي، قالوا: ليس هذا من ذلك، إن محمدا لا يسلم منا في هذه الدفعة، فغلبوه على رأيه، فلم يؤسر يوم أحد من قريش غيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألم تعاهدني؟ قال: إنهم غلبوني على رأيي فامنن على بناتي، قال: " لا، تمشي بمكة وتحرك كتفيك وتقول: سخرت من محمد مرتين " [فقال رسول الله صلى الله عليه وآله]: " المؤمن لا يلسع من جحر مرتين " يا علي اضرب عنقه.
بيان: راغ: مال وحاد.
17 - الإرشاد: ثم تلت بدرا غزاة أحد، وكانت راية رسول الله صلى الله عليه وآله بيد أمير المؤمنين
عليه السلام فيها كما كانت بيده يوم بدر، فصار اللواء إليه يؤمئذ دون صاحب الراية واللواء جميعا، وكان الفتح له في هذه الغزاة كما كان له ببدر سواء ، واختص بحسن البلاء فيها والصبر وثبوت القدم عندما زلت من غيره الاقدام، وكان له العناء برسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يكن لسواه من أهل الاسلام، وقتل الله بسيفه رؤوس أهل الشرك و الضلال وفرج الله به الكرب عن نبيه صلى الله عليه وآله، وخطب بفضله في ذلك المقام جبرئيل عليه السلام في ملائكة الأرض والسماء، وأبان نبي الهدي صلى الله عليه وآله من اختصاصه به ما كان مستورا عن عامة الناس.
فمن ذلك ما رواه يحيى بن عمارة قال: حدثني الحسن بن موسى بن رياح مولى الأنصار قال: حدثني أبو البختري القرشي قال: كانت راية قريش ولواؤها جميعا بيد قصي بن كلاب، ثم لم تزل الراية في يد ولد عبد المطلب يحملها منهم من حضر الحرب حتى بعث الله رسوله، فصارت راية قريش وغيرها إلى النبي صلى الله عليه وآله فأقرها في بني هاشم فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام في غزاة ودان، وهي أول غزاة حمل فيها راية في الاسلام مع النبي صلى الله عليه وآله، ثم لم تزل معه في المشاهد ببدر وهي البطشة الكبرى، وفي يوم أحد، وكان اللواء يومئذ في بني عبد الدار فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله مصعب بن عمير، فاستشهد، ووقع اللواء من يده فتشوقته القبائل، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله فدفعه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فجمع له يومئذ الراية واللواء، فهما إلى اليوم في بني هاشم.
وروى المفضل بن عبد الله عن سماك، عن عكرمة، عن عبد الله بن العباس أنه قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أربع ما هن لاحد: هو أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو صاحب لوائه في كل زحف، وهو الذي ثبت معه يوم المهراس - يعني يوم أحد - وفر الناس، وهو الذي أدخله قبره.
وروى زيد بن وهب الجهني، عن أحمد بن عمار، عن الحماني، عن شريك عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب قال: وجدنا من عبد الله بن مسعود يوما طيب نفس فقلنا له: لو حدثتنا عن يوم أحد وكيف كان، فقال: أجل، ثم ساق الحديث حتى انتهى إلى ذكر الحرب، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخرجوا إليهم على اسم الله، فخرجنا فصففنا لهم صفا طويلا، وأقام على الشعب خمسين رجلا من الأنصار وأمر عليهم رجلا منهم، وقال: لا تبرحوا من مكانكم هذا، ولو قتلنا عن آخرنا فإنما نؤتى من موضعكم، قال: فأقام أبو سفيان صخر بن حرب بإزائهم خالد ابن الوليد، وكانت الألوية من قريش في بني عبد الدار وكان لواء المشركين مع طلحة بن أبي طلحة، وكان يدعى كبش الكتيبة، قال: ودفع رسول الله صلى الله عليه وآله لواء المهاجرين إلى علي بن أبي طالب، وجاء حتى وقف تحت لواء الأنصار، قال: فجاء أبو سفيان إلى أصحاب اللواء فقال: يا أصحاب الألوية إنكم قد تعلمون أنما يؤتى القوم من قبل ألويتهم، وإنما أوتيتم يوم بدر من قبل ألويتكم، فإن كنتم
ترون أنكم قد ضعفتم عنها فادفعوها إلينا نكفكموها، قال: فغضب طلحة بن أبي طلحة وقال: ألنا تقول هذا؟ والله لأوردنكم بها اليوم حياض الموت، قال: وكان طلحة يسمى كبش الكتيبة، قال فتقدم وتقدم علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال علي:
من أنت؟ قال: أنا طلحة بن أبي طلحة كبش الكتيبة فمن أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، ثم تقاربا فاختلفت بينهما ضربتان فضربه علي بن أبي طالب عليه السلام ضربة على مقدم رأسه فبدرت عينه، وصاح صيحة لم يسمع مثلها قط وسقط اللواء من يده، فأخذه أخ له يقال له: مصعب، فرماه عاصم بن ثابت بسهم فقتله، ثم أخذ اللواء أخ له يقال له: عثمان، فرماه عاصم أيضا بسهم فقتله، فأخذه عبد لهم يقال له: صواب وكان من أشد الناس، فضرب علي عليه السلام على يده فقطعها فأخذ اللواء بيده اليسرى، فضرب علي على يده اليسرى فقطعها، فأخذ اللواء على صدره وجمع يديه وهما مقطوعتان عليه فضربه علي عليه السلام على أم رأسه فسقط صريعا فانهزم القوم وأكب المسلمون على الغنائم، فلما رأى أصحاب الشعب الناس يغنمون قالوا: يذهب هؤلاء بالغنائم ونبقي نحن؟ فقالوا لعبد الله بن عمر بن حزم الذي كان رئيسا عليهم: نريد أن نغنم كما يغنم الناس، فقال: إن رسول - الله صلى الله عليه وآله أمرني أن لا أبرح من موضعي هذا، فقالوا له: إنه أمرك بهذا وهو لا يدري أن الامر يبلغ إلى ما ترى، ومالوا إلى الغنائم وتركوه، ولم يبرح هو
من موضعه، فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله، ثم جاء من ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله يريده، فنظر إلى النبي صلى الله عليه وآله في خف من أصحابه فقال لمن معه: دونكم هذا الذي تطلبون فشأنكم به، فحملوا عليه حملة رجل واحد ضربا بالسيوف، وطعنا بالرماح ورميا بالنبل، ورضخا بالحجارة، وجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يقاتلون عنه حتى قتل منهم سبعون رجلا وثبت أمير المؤمنين عليه السلام و أبو دجانة وسهل بن حنيف للقوم يدفعون عن النبي صلى الله عليه وآله فكثر عليهم المشركون، ففتح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه ونظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقد كان أغمي عليه مما ناله، فقال: يا علي ما فعل الناس؟ فقال نقضوا العهد، وولوا الدبر، فقال له: فاكفني هؤلاء الذين قد قصدوا قصدي، فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام فكشفهم ثم عاد إليه وقد حملوا عليه من ناحية أخرى فكر عليهم فكشفهم، وأبو دجانة وسهل ابن حنيف قائمان على رأسه بيد كل واحد منهما سيف ليذب عنه، وثاب إليه من أصحاب المنهزمين أربعة عشر رجلا: منهم طلحة بن عبيد الله، وعاصم بن ثابت وصعد الباقون الجبل، وصاح صائح بالمدينة: قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، فانخلعت لذلك القلوب، وتحير المنهزمون، فأخذوا يمينا وشمالا، وكانت هند بنت عتبة جعلت لوحشي جعلا على أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وآله، أو أمير المؤمنين عليه السلام، أو حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه، فقال لها: أما محمد فلا حيلة لي فيه، لان أصحابه يطيفون به، وأما علي فإنه إذا قاتل كان أحذر من الذئب، وأما حمزة فإني أطمع فيه، لأنه إذا غضب لم يبصر بين يديه، وكان حمزة يومئذ قد أعلم بريشة نعامة في صدره، فكمن له وحشي في أصل شجرة، فرآه حمزة فبدر بالسيف إليه فضربه ضربة أخطأت رأسه، قال وحشي: وهززت حربتي حتى إذا تمكنت منه رميته فأصبته
في اربيته فأنفذته وتركته حتى إذا برد صرت إليه، فأخذت حربتي وشغل عني و عنه المسلمون بهزيمتهم، وجاءت هند فأمرت بشق بطن حمزة وقطع كبده والتمثيل به، فجدعوا أنفه واذنيه، ومثلوا به، ورسول الله صلى الله عليه وآله مشغول عنه لا يعلم بما انتهى إليه الامر.
قال الراوي للحديث وهو زيد بن وهب: قلت لابن مسعود: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لم يبق معه إلا علي بن أبي طالب وأبو دجانة وسهل بن حنيف، فقال انهزم الناس إلا علي بن أبي طالب وحده، وثاب إلى رسول - الله صلى الله عليه وآله نفر وكان أولهم عاصم بن ثابت، وأبا دجانة وسهل بن حنيف، ولحقهم طلحة بن عبيد الله، فقلت له: وأين كان أبو بكر وعمر؟ قال: كانا ممن تنحى قلت: وأين كان عثمان؟ جاء بعد ثالثه من الوقعة فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله:
لقد ذهبت فيها عريضة؟
قال: فقلت له: وأين كنت أنت؟ قال: كنت ممن تنحى، قلت له: فمن حدثك بهذا؟ قال عاصم وسهل بن حنيف، قال: قلت له: إن ثبوت علي عليه السلام في ذلك المقام لعجب، فقال: إن تعجبت من ذلك فقد تعجبت منه الملائكة، أما علمت أن جبرئيل عليه السلام قال في ذلك اليوم وهو يعرج إلى السماء: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي.
قلت له: فمن أين علم ذلك من جبرئيل؟ فقال: سمع الناس صائحا يصيح في السماء بذلك، فسألوا النبي صلى الله عليه وآله عنه فقال: ذلك جبرئيل.
وفي حديث عمران بن حصين قال: لما تفرق الناس عن رسول الله صلى اله عليه وآله في يوم أحد جاء علي عليه السلام متقلدا سيفه حتى قام بين يديه، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه إليه، فقال له: ما بالك لم تفر مع الناس؟ فقال: يا رسول الله أأرجع كافرا بعد إسلامي، فأشار له إلى قوم انحدروا من الجبل، فحمل عليهم فهزمهم، ثم أشار إلى قوم آخر فحمل عليهم فهزمهم، ثم أشار إلى قوم آخر فحمل عليهم فهزمهم، فجاء جبرئيل عليه السلام فقال: يا رسول الله لقد عجبت الملائكة وعجبنا معها من حسن مواساة علي لك بنفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وما يمنعه من هذا وهو مني وأنا منه؟ فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما.
وروى الحكم بن ظهير، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس أن طلحة بن أبي طلحة خرج يومئذ فوقف بين الصفين فنادى: يا أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله تعالى يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة فأيكم يبرز إلي؟ فبرز أمير المؤمنين عليه السلام إليه، فقال: والله لا أفارقك هذا اليوم حتى أعجلك بسيفي إلى النار، فاختلفا ضربتين فضربه علي بن أبي طالب عليه السلام على رجليه فقطعهما، فسقط فانكشف عنه، فقال له: أنشدك الله يا بن عم و الرحم، فانصرف عنه إلى موقفه، فقال له المسلمون: ألا أجهزت عليه؟ فقال:
ناشدني الله والرحم، والله لا عاش بعدها أبدا، فمات طلحة في مكانه، وبشر النبي صلى الله عليه وآله بذلك فسر به، وقال: هذا كبش الكتيبة.
وقد روى محمد بن مروان، عن عمارة، عن عكرمة قال: سمعت عليا عليه السلام يقول:
لما انهزم الناس يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وآله لحقني من الجزع عليه ما لم يلحقني قط ولم أملك نفسي، وكنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه، فرجعت أطلبه فلم أره فقلت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله ليفر، وما رأيته في القتلى، وأظنه رفع من بيننا إلى السماء، فكسرت جفن سيفي، وقلت في نفسي: لأقاتلن به عنه حتى اقتل، وحملت على القوم فأفرجوا عني وإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وآله قد وقع على الأرض مغشيا عليه فقمت على رأسه، فنظر إلي فقال: ما صنع الناس يا علي؟ فقلت: كفروا يا رسول الله، وولوا الدبر من العدو وأسلموك، فنظر النبي صلى الله عليه وآله إلى كتيبة قد أقبلت إليه فقال لي: رد عني يا علي هذه الكتيبة فحملت عليها أضربها بسيفي يمينا وشمالا حتى ولوا الادبار، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أما تسمع يا علي مديحك في السماء، إن ملكا يقال له: رضوان ينادي: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي.
فبكيت سرورا وحمدت الله سبحانه وتعالى على نعمته.
وقد روى الحسن بن عرفة، عن عمارة بن محمد، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام عن آبائه عليهما السلام قال: نادى ملك من السماء يوم أحد: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي.
وروى مثل ذلك إبراهيم بن محمد بن ميمون، عن عمرو بن ثابت، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: ما زلنا نسمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقولون: نادى في يوم أحد مناد من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي.
وروى سلام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: لو رأيت مقام علي يوم أحد لوجدته قائما على ميمنة رسول الله صلى الله عليه وآله يذب عنه بالسيف، وقد ولى غيره الادبار.
وروى الحسن بن محبوب قال: حدثنا جميل بن صالح، عن أبي عبيدة، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: كان أصحاب اللواء يوم أحد تسعة قتلهم علي بن أبي طالب عليه السلام عن آخرهم، وانهزم القوم، وطارت مخزوم فضحها علي عليه السلام يومئذ.
قال: وبارز علي عليه السلام الحكم بن الأخنس فضربه فقطع رجله من نصف الفخذ فهلك منها، ولما جال المسلمون تلك الجولة أقبل أمية بن أبي حذيفة ابن المغيرة وهو دارع وهو يقول: يوم بيوم بدر، فعرض له رجل من المسلمين فقتله أمية، وصمد له علي بن أبي طالب عليه السلام فضربه بالسيف على هامته فنشب في بيضة مغفره، فضربه أمية بسيفه فاتقاها أمير المؤمنين عليه السلام بدرقته فنشب فيها، ونزع أمير المؤمنين عليه السلام سيفه من مغفره، وخلص أمية سيفه من درقته أيضا، ثم تناوشا فقال علي عليه السلام: فنظرت إلى فتق تحت إبطه فضربته بالسيف فيه فقتلته، و انصرفت عنه.
ولما انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وآله في يوم أحد وثبت أمير المؤمنين عليه السلام قال له النبي صلى الله عليه وآله ما لك لا تذهب مع القوم؟ قال أمير المؤمنين عليه السلام: أذهب وأدعك يا رسول الله؟ والله لا برحت حتى اقتل، أو ينجز الله لك ما وعدك من النصرة، فقال
له النبي صلى الله عليه وآله: أبشر يا علي فإن الله منجز وعده، ولن ينالوا منا مثلها أبداء، ثم نظر إلى كتيبة قد أقبلت إليه فقال له: احمل على هذه يا علي، فحمل أمير المؤمنين عليه السلام عليها فقتل منها هشام بن أمية المخزومي، وانهزم القوم، ثم أقبلت كتيبة أخرى فقال له النبي صلى الله عليه وآله: احمل على هذه، فحمل عليها فقتل منها عمرو بن عبد الله الجمحي، وانهزمت أيضا، ثم أقبلت كتيبة أخرى فقال له النبي صلى الله عليه وآله: احمل على هذه، فحمل عليها فقتل منها بشر بن مالك العامري، و انهزمت الكتيبة ولم يعد بعدها أحد منهم، وتراجع المنهزمون من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وآله، وانصرف المشركون إلى مكة، وانصرف المسلمون مع النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة، فاستقبلته فاطمة عليها السلام ومعها إناء فيه ماء فغسل به وجهه، ولحقه أمير المؤمنين عليه السلام وقد خضب الدم يده إلى كتفه، ومعه ذو الفقار فناوله فاطمة عليها السلام وقال لها: خذي هذا السيف فقد صدقني اليوم، وأنشأ يقول:
أفاطم هاك السيف غير ذميم * فلست برعديد ولا بمليم لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد * وطاعة رب بالعباد عليم أميطي دماء القوم عنه فإنه * سقى آل عبد الدار كأس حميم وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: خذيه يا فاطمة فقد أدي بعلك ما عليه، وقد قتل الله بسيفه صناديد قريش.
وقد ذكر أهل السير قتلى أحد من المشركين، وكان جمهورهم قتلى
أمير المؤمنين عليه السلام، فروى عبد الملك بن هشام قال: حدثنا زياد بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق قال: كان صاحب لواء قريش يوم أحد طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، قتله علي بن أبي طالب عليه السلام، وقتل ابنه أبا سعد ابن طلحة، وقتل أخاه كلدة بن أبي طلحة، وقتل عبد الله بن حميد بن زهرة بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، وقتل أبا الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي، وقتل الوليد بن أبي حذيفة بن المغيرة، وقتل أخاه أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة وقتل أرطاة بن شرحبيل، وقتل هشام بن أمية، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي و بشر بن مالك، وقتل صوابا مولى بني عبد الدار.
وكان الفتح له، ورجوع الناس من هزيمتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله بمقامه يذب عنه دونهم، وتوجه العتاب من الله تعالى إلى كافتهم لهزيمتهم يومئذ سواه ومن ثبت معه من رجال الأنصار وكانوا ثمانية نفر، وقيل: أربعة، أو خمسة، وفي قتله عليه السلام من قتل يوم أحد وعنائه في الحرب وحسن بلائه يقول الحجاج بن علاط السلمي:
لله أي مذبب عن حزبه * أعني ابن فاطمة المعم المخولا
جادت يداك له بعاجل طعنة * تركت طليحة للجبين مجدلا وشددت شدة باسل فكشفتهم * بالسفح إذ يهوون أسفل أسفلا وعللت سيفك بالدماء ولم يكن * لترده حران حتى ينهلا بيان: الخف بالكسر: الجماعة القليلة. والأربية بالضم والتشديد: أصل الفخذ.
وقال الجوهري: المعم المخول: الكثير الأعمام والأخوال الكريمهم، وقد يكسران. وقال: طعنه فجدله، أي رماه بالأرض، وقال: البسالة: الشجاعة.
أسفل أسفلا، أي كشفتهم عند هويهم من الجبل إلى أسفل الوادي، والتكرير للمبالغة، وفي بعض النسخ أخول أخولا.
قال الجوهري: يقال: تطاير الشرر أخول أخول، أي متفرقا، وهو الشرر الذي يتطاير من الحديد الحار إذا ضرب.
والعلل: الشرب الثاني من الإبل، يقال: عله يعله ويعله إذا سقاه السقية الثانية، وعل بنفسه يتعدى ولا يتعدى والنهل: الشرب الأول، وقد نهل كعلم والحران: العطشان، فالمعنى حتى. ينهل فقط من دون علل، أو المراد بالنهل هنا الارتواء، والناهل: الريان، فالتقابل بحسب اللفظ فقط، وعلى التقديرين هو من أحسن الكلام وألطف الاستعارات.
18 - تفسير العياشي: الحسين بن المنذر قال: سألت أبا عبد الله عن قوله: " أفإن مات
أو قتل انقلبتم على أعقابكم " القتل أم الموت؟ قال: يعني أصحابه الذين فعلوا ما فعلوا.
19 - تفسير العياشي: منصور بن الوليد الصيقل انه سمع أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام قرأ: " وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير " قال: ألوف وألوف، ثم قال: إي والله يقتلون.
بيان: قال الطبرسي رحمه الله: قرأ أهل البصرة وابن كثير ونافع (قتل) بضم القاف بغير ألف، وهي قراءة ابن عباس، والباقون " قاتل " بألف، وهي قراءة ابن مسعود.
20 - تفسير العياشي: الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام وذكر يوم أحد ان رسول الله صلى الله عليه وآله كسرت رباعيته، إن الناس ولوا مصعدين في الوادي، والرسول يدعوهم في أخراهم فأثابهم غما بغم، ثم انزل عليهم النعاس، فقلت النعاس ما هو؟
قال: الهم، فلما استيقظوا قالوا كفرنا، وجاء أبو سفيان فعلا فوق الجبل بإلهه هبل، قفال: اعل هبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ.
الله أعلى وأجل.
فكسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وآله واشتكت لثته، وقال: ننشدك يا رب ما وعدتني، فإنك إن شئت لم تعبد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي أين كنت؟ فقال: يا رسول الله لزقت الأرض، فقال: ذاك الظن بك. فقال: يا علي ايتني بماء أغسل عني فأتاه في صحفة فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله قد عافه، وقال: ائتني في يدك، فأتاه بماء
في كفه، فغسل رسول الله صلى الله عليه وآله عن لحيته صلى الله عليه وآله.
بيان: النعاس ما هو؟، أي ما سببه؟ قالوا: كفرنا، أي بما تكلموا في نعاسهم من كلمة الكفر، أو بتقصيرهم في إعانة الرسول صلى الله عليه وآله، لزقت الأرض أي لم أفر ولم أتحرك عن مكاني.
21 - تفسير العياشي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام في قوله:
" إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " فهو عقبة بن عثمان وعثمان بن سعد.
22 - تفسير العياشي: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وآله يوم أحد نادى رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله قد وعدني أن يظهرني على الدين كله، فقال له بعض المنافقين وسماهما: فقد هزمنا ويسخر بنا.
23 - تفسير العياشي: عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " قال: هم أصحاب العقبة.
بيان: لعل المراد بأصحاب العقبة أصحاب الشعب الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بحفظه، أو الأنصار الذين بايعوا في العقبة، أو المعنى إن الذين فروا يوم الأحد وقفوا على العقبة لينفروا نافة الرسول صلى الله عليه وآله، والأول أنسب.
24 - تفسير العياشي: عن محمد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " قال: كان المسلمون قد أصابوا ببدر مائة وأربعين رجلا: قتلوا سبعين رجلا، وأسروا سبعين، فلما كان يوم أحد أصيب من المسلمين سبعون رجلا، قال: فاغتموا بذلك فأنزل الله تبارك وتعالى: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ".
25 - تفسير العياشي: عن سالم بن أبي مريم قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إن
رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عليا عليه السلام في عشرة " استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح " إلى " أجر عظيم " إنما نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام.
26 - مناقب ابن شهرآشوب: ابن فياض في شرح الاخبار: روى محمد بن الجنيد بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: أصابت عليا عليه السلام يوم أحد ست عشرة ضربة، وهو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يذب عنه، كل ضربة يسقط إلى الأرض، فإذا سقط رفعه جبرئيل عليه السلام. خصائص العلوية: قيس بن سعد، عن أبيه قال علي عليه السلام: أصابني يوم أحد ست عشرة ضربة سقطت إلى الأرض في أربع منهن، فأتاني رجل حسن الوجه، حسن اللمة، طيب الريح، فأخذ بضبعي، فأقامني، ثم قال: أقبل عليهم، فإنك في طاعة الله وطاعة رسول الله وهما عنك راضيان، قال علي عليه السلام:
فأتيت النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته فقال: يا علي أقر الله عينك ذاك جبرئيل عليه السلام.
بيان: اللمة بالكسر: الشعر يجاوز شحمة الأذن.
27 - تفسير العياشي: عن الحسين بن حمزة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ما صنع بحمزة بن عبد المطلب قال: " اللهم لك الحمد و إليك المشتكى وأنت المستعان على ما أرى " ثم قال: " لئن ظفرت لأمثلن و لأمثلن " قال: فأنزل الله " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أصبر أصبر.
28 - إعلام الورى: ثم كانت غزوة أحد على رأس سنة من بدر، ورئيس المشركين
يؤمئذ أبو سفيان بن حرب، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يؤمئذ سبعمائة، والمشركون ألفين، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله بعد أن استشار أصحابه وكان رأيه صلى الله عليه وآله أن يقاتل الرجال على أفواه السكك، ويرمي الضعفاء من فوق البيوت فأبوا إلا الخروج إليهم، فلما صار على الطريق قالوا: نرجع، فقال: ما كان لنبي إذا قصد قوما أن يرجع عنهم، وكانوا ألف رجل، فلما كانوا في بعض الطريق انخزل عنهم عبد الله بن أبي بثلث الناس، وقال: والله ما ندري على ما نقتل أنفسنا والقوم قومه؟ وهمت بنو حارثة وبنو سلمة بالرجوع، ثم عصمهم الله عز وجل، وهو قوله: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا " الآية.
وأصبح رسول الله صلى الله عليه وآله متهيأ للقتال وجعل على راية المهاجرين عليا عليه السلام، وعلى راية الأنصار سعد بن عبادة، وقعد رسول الله صلى الله عليه وآله في راية الأنصار، ثم مر صلى الله عليه وآله على الرماة وكانوا خمسين رجلا وعليهم عبد الله بن جبير فوعظهم وذكرهم، وقال: " اتقوا الله واصبروا، وإن رأيتمونا يخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم " وأقامهم عند رأس الشعب، وكانت الهزيمة على المشركين، و حسهم المسلمون بالسيوف حسا، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله: أنسيتم قول رسول الله صلى الله عليه وآله؟ أما أنا فلا أبرح موقفي الذي عهد إلي فيه رسول الله ما عهد، فتركوا أمره وعصوه بعدما رأوا ما يحبون، وأقبلوا على الغنائم، فخرج كمين المشركين عليهم خالد بن الوليد فانتهى إلى عبد الله بن جبير فقتله، ثم أتى الناس من أدبارهم، ووضع في المسلمين السلاح فانهزموا، وصاح إبليس لعنه الله: وقتل محمد ورسول الله يدعوهم في أخراهم: " أيها الناس إني رسول الله إن الله قد وعدني النصر فإلى أين الفرار "؟ فيسمعون الصوت
ولا يلوون على شئ وذهبت صيحة إبليس حتى دخلت بيوت المدينة، فصاحت فاطمة عليها السلام ولم تبق هاشمية ولا قرشية إلا وضعت يدها على رأسها، وخرجت فاطمة عليها السلام تصرخ.
قال الصادق عليه السلام: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله فغضب غضبا شديدا، و كان إذا غضب انحدر من وجهه وجبهته مثل اللؤلؤ من العرق، فنظر فإذا علي عليه السلام إلى جنبه، فقال: مالك لم تلحق ببني أبيك؟ فقال علي عليه السلام يا رسول الله أكفر بعد إيمان (1)؟ إن لي بك أسوة، فقال: أما لا فاكفني هؤلاء، فحمل علي عليه السلام فضرب أول من لقى منهم، فقال جبرئيل عليه السلام: إن هذه لهي المواساة يا محمد، قال:
" إنه مني وأنا منه " قال جبرئيل: وأنا منكما.
وثاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة من أصحابه، وأصيب من المسلمين سبعون رجلا منهم أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، وعبد الله بن جحش، و مصعب بن عمير، وشماس بن عثمان بن الشريد، والباقون من الأنصار.
قال: وأقبل يومئذ أبي بن خلف وهو على فرس له وهو يقول: هذا ابن أبي كبشة، بوء بذنبك، لا نجوت إن نجوت، ورسول الله صلى الله عليه وآله بين الحارث بن الصمة وسهل بن حنيف يعتمد عليهما، فحمل عليه فوقاه مصعب بن عمير بنفسه فطعن مصعبا فقتله، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عنزة كانت في يد سهل بن حنيف ثم طعن أبيا في جربان الدرع فاعتنق فرسه فانتهى إلى عسكره، وهو يخور خوار الثور، فقال أبو سفيان: ويلك ما أجزعك؟ إنما هو خدش ليس بشئ، فقال: ويلك يا بن حرب أتدري من طعنني؟ إنما طعنني محمد وهو قال لي بمكة: إني سأقتلك، فعلمت أنه قاتلي، والله لو أن ما بي كان بجميع أهل الحجاز لقضت عليهم، فلم يزل يخور الملعون حتى صار إلى النار.
وفي كتاب أبان بن عثمان: إنه لما انتهت فاطمة عليها السلام وصفية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ونظرتا إليه قال لعلي عليه السلام: أما عمتي فاحبسها عني، وأما فاطمة
فدعها، فلما دنت فاطمة عليها السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله ورأته قد شج في وجهه وادمي فوه إدماء صاحت وجعلت تمسح الدم، وتقول: اشتد غصب الله على من أدمى وجه رسول الله، وكان يتناول في يده رسول الله صلى الله عليه وآله ما يسيل من الدم فيرميه في الهواء فلا يتراجع منه شئ.
قال الصادق عليه السلام: والله لو سقط منه شئ على الأرض لنزل العذاب.
قال أبان بن عثمان: حدثني بذلك عنه الصباح بن سيابة، قال: قلت:
كسرت رباعيته كما يقوله هؤلاء؟ قال: لا والله ما قبضه الله إلا سليما، ولكنه شج في وجهه، قلت: فالغار في أحد الذي يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله صار إليه، قال:
والله ما برح مكانه، وقيل له: ألا تدعو عليهم؟ قال: " اللهم اهد قومي ".
ورمى رسول الله صلى الله عليه وآله ابن قميئة بقذافة فأصاب كفه حتى ندر السيف من يده، وقال خذها مني وأنا ابن قميئة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أذلك الله و أقمأك " وضربه عتبة بن أبي وقاص بالسيف حتى أدمى فاه، ورماه عبد الله بن شهاب بقلاعة فأصاب مرفقه، وليس أحد من هؤلاء مات ميتة سوية، فأما ابن قميئة فأتاه تيس وهو نائم بنجد فوضع قرنه في مراقه ثم دعسه فجعل ينادي: وا ذلاه حتى أخرج قرنيه من ترقوته.
وكان وحشي يقول: قال لي جبير بن مطعم: وكنت عبدا له إن عليا قتل عمي يوم بدر، يعني طعيمة، فإن قتلت محمد فأنت حر، وإن قتلت عم محمد فأنت حر وان قتلت ابن عم محمد فأنت حر، فخرجت بحربة لي مع قريش إلى أحد أريد العتق
لا أريد غيره، ولا أطمع في محمد، وقلت لعلي أصيب من علي أو حمزة غرة فأزرقه، وكنت لا أخطئ في رمي الحراب تعلمته من الحبشة في أرضها، وكان حمزة يحمل حملاته، ثم يرجع إلى موقفه. قال أبو عبد الله عليه السلام وزرقه وحشي فوق الثدي فسقط، وشدوا عليه فقتلوه، فأخذ وحشي الكبد فشد بها إلى هند بنت عتبة فأخذتها فطرحتها في فيها، فصارت مثل الداغصة فلفظتها.
وقال: وكان الحليس بن علقمة نظر إلى أبي سفيان وهو على فرس وبيده رمح يجأبه في شدق حمزة فقال: يا معشر بني كنانة انظروا إلى من يزعم أنه سيد قريش ما يصنع بابن عمه الذي قد صار لحما؟ وأبو سفيان يقول: ذق عقق، فقال أبو سفيان: صدقت إنما كانت مني زلة اكتمها علي.
قال: وقام أبو سفيان فنادى بعض المسلمين: أحي ابن أبي كبشة؟ فأما ابن أبي طالب عليه السلام فقد رأيناه مكانه، فقال علي: إي والذي بعثه بالحق إنه ليسمع كلامك، قال: إنه قد كانت في قتلاكم مثله، والله ما أمرت ولا نهيت، إن ميعادنا بيننا وبينكم موسم بدر في قابل هذا الشهر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قل: نعم، فقال:
نعم، فقال أبو سفيان لعلي: إن ابن قميئة أخبرني أنه قتل محمدا وأنت أصدق عندي منه وأبر، ثم ولى إلى أصحابه وقال: اتخذوا الليل جملا وانصرفوا.
ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا فقال: اتبعهم فانظر أين يريدون فإن كانوا ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، وإن كانوا ركبوا الإبل و ساقوا الخيل فهم متوجهون إلى مكة.
وقيل: إنه بعث لذلك سعد بن أبي وقاص.
فرجع فقال: رأيت خيلهم تضرب بأذنابها مجنوبة مدبرة، ورأيت القوم قد تجملوا سائرين، فطابت أنفس المسلمين بذهاب العدو فانتشروا يتتبعون قتلاهم، فلم يجدوا قتيلا إلا وقد مثلوا به إلا حنظلة بن أبي عامر كان أبوه مع المشركين فترك له، ووجدوا حمزة قد شق بطنه، وجدع أنفه، وقطعت أذناه، واخذ كبده
فلما انتهى إليه رسول الله صلى الله عليه وآله خنقته العبرة وقال: لأمثلن بسبعين من قريش فأنزل الله سبحانه: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " الآية، فقال:
بل أصبر. وقال: من ذلك الرجل الذي تغسله الملائكة في سفح الجبل؟ فسألوا امرأته فقالت: إنه خرج وهو جنب، وهو حنظلة بن أبي عامر الغسيل.
قال أبان: وحدثني أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله رجل من أصحابه يقال له: قزمان بحسن معونته لاخوانه وذكوه، فقال صلى الله عليه وآله إنه من أهل النار، فاتي رسول الله صلى الله عليه وآله وقيل: إن قزمان استشهد، فقال:
يفعل الله ما يشاء، ثم أتي فقيل: إنه قتل نفسه، فقال: أشهد أني رسول الله، قال: وكان قزمان قاتل قتالا شديدا، وقتل من المشركين ستة أو سبعة، فأثبتته الجراح، فاحتمل إلى دور بني ظفر، فقال له المسلمون: أبشر يا قزمان فقد أبليت اليوم، فقال. بم تبشرون؟ فوالله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت، فلما اشتدت عليه الجراحة جاء إلى كنانته فأخذ منها مشقصا فقتل به نفسه.
قال: وكانت امرأة من بني النجار قتل أبوها وزوجها وأخوها مع رسول الله صلى الله عليه وآله فدنت من رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون قيام على رأسه، فقال لرجل:
أحي رسول الله؟ قال: نعم، قالت: أستطيع أن أنظر إليه؟ قال: نعم، فأوسعوا لها فدنت منه وقالت: كل مصيبة جلل بعدك، ثم انصرفت.
قال: وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة حين دفن القتلى فمر بدور بني الأشهل وبني ظفر، فسمع بكاء النوائح على قتلاهن، فترقرقت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وبكى، ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له اليوم، فلما سمعها سعد بن معاذ
وأسيد بن حضير قالا لا تبكين امرأة حميمها حتى تأتي فاطمة عليها السلام فتسعدها، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله الواعية على حمزة وهو عند فاطمة عليها السلام على باب المسجد قال: ارجعن رحمكن الله فقد آسيتن بأنفسكن.
ثم كانت غزوة حمراء الأسد، قال أبان بن عثمان: لما كان من الغد من يوم أحد نادى رسول الله صلى الله عليه وآله في المسلمين فأجابوه فخرجوا على علتهم وعلى ما أصابهم من القرح، وقدم عليا بين يديه براية المهاجرين حتى انتهى إلى حمراء الأسد، ثم رجع إلى المدينة فهم الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، و خرج أبو سفيان حتى انتهى إلى الروحاء فأقام بها وهو يهم بالرجعة على رسول الله صلى الله عليه وآله، ويقول: قد قتلنا صناديد القوم، فلو رجعنا استأصلناهم، فلقي معبدا الخزاعي فقال: ما وراءك يا معبد؟ قال: قد والله تركت محمدا وأصحابه وهم يحرقون عليكم، وهذا علي بن أبي طالب قد أقبل على مقدمته في الناس، وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه، وقد دعاني ذلك إلى أن قلت: شعرا، قال أبو سفيان: وماذا قلت؟
قال: قلت:
كانت تهد من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردي بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا خرق معاذيل الأبيات.
فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ثم مر به ركب من عبد القيس يريدون الميرة من المدينة فقال لهم: أبلغوا محمدا أني قد أردت الرجعة إلى أصحابه لأستأصلهم، و أوقر لكم ركابكم زبيبا إذا وافيتم عكاظ، فأبلغوا ذلك إليه، وهو بحمراء الأسد، فقال صلى الله عليه وآله والمسلمون معه: حسبنا الله ونعم الوكيل.
ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة يوم الجمعة.
قال: ولما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله حمراء الأسد وثبت فاسقة من بني حطمة يقال لها: العصماء أم المنذر بن منذر تمشي في مجالس الأوس والخزرج وتقول شعرا تحرض على النبي صلى الله عليه وآله، وليس في بني حطمة يومئذ مسلم إلا واحد يقال له: عمير بن عدي، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله غدا عليها عمير فقتلها، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إني قتلت أم المنذر لما قالته من هجر، فضرب رسول الله على كتفه وقال: هذا رجل نصر الله ورسوله بالغيب، أما إنه لا ينتطح فيها عنزان.
قال عمير بن عدي: فأصبحت فمررت ببنيها وهم يدفنونها فلم يعرض لي أحد منهم، ولم يكلمني.
بيان: بؤ بذنبك، أي اعترف أو ارجع به. جربان القميص بالضم والتشديد:
لبته، معرب كريبان، ويقال: ضربه فقضى عليه، أي قتله، والتأنيث بتأويل الضربة أو الجراحة. وندر الشئ كنصر: سقط، والقذافة بالفتح والتشديد:
الذي يرمى به الشئ فيبعد. وأقمأه بالهمز: صغره وأذله. والقلاعة بالضم: الحجر أو المدر يقتلع من الأرض فيرمى به. والمراق بتشديد القاف: ما دق من أسفل البطن ولان، والدعس: الطعن. والمزراق: رمح قصير، وزرقه به: رماه به. قوله:
يجأبه، هو من قولهم: وجأه بالسكين كوضعه أي ضربه.
وقال الجزري: فيه أن أبا سفيان مر بحمزة قتيلا فقال له: ذق عقق، أراد ذق القتل يا عاق قومه كما قتلت يوم بدر من قومك، يعني كفار قريش. و عقق منقول من عاق للمبالغة كغدر من غادر. وفسق من فاسق، وقال: يقال للرجل إذا سرى ليلته جمعاء أو أحياها بصلاة أو غيرها من العبادات: اتخذ الليل جملا، كأنه ركبه ولم ينم فيه.
قوله: قد تجملوا أي ركبوا الجمل. والابلاء: الانعام والاحسان. والجلل
بالتحريك: الامر العظيم، والهين، وهو من الأضداد، والمراد هنا الثاني، أي كل مصيبة سهلة هينة بعد سلامتك وبقائك.
قوله صلى الله عليه وآله: لا ينتطح فيها عنزان، أي يذهب هدرا لا ينازع في دمها رجلان ضعيفان أيضا، لان النطاح من شأن التيوس والكباش.
29 - كشف الغمة: قال الواقدي في المغازي: إنه لما فر الناس يوم أحد ما زال النبي صلى الله عليه وآله شبرا واحدا، يرمي مرة عن قوسه، ومرة بالحجارة، وصبر معه أربعة عشر رجلا: سبعة من المهاجرين، وسبعة من الأنصار، أبو بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، و أبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام، ومن الأنصار الحباب بن المنذر وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، ويقال: ثبت سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة فجعلوهما مكان أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وبايعه يومئذ ثمانية على الموت: ثلاثة من المهاجرين، وخمسة من الأنصار: علي عليه السلام والزبير وطلحة وأبو دجانة والحارث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف، فلم يقتل منهم أحد.
وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، قال: فجئت
إلى النبي صلى الله عليه وآله وقلت: يا رسول الله إن تحتي امرأة شابة جميلة أحبها وتحبني، فأنا أخشى أن تقذر مكان عيني، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله فردها فأبصرت وعادت كما كانت لم تؤلمه ساعة من ليل أو نهار، فكان يقول بعد أن أسن: هي أقوى عيني، وكانت أحسنهما.
وباشر النبي صلى الله عليه وآله القتال بنفسه، ورمى حتى فنيت نبله، وأصاب شفتيه و رباعيته عتبة بن أبي وقاص، ووقع صلى الله عليه وآله في حفرة، وضربه ابن قميئة فلم يصنع سيفه شيئا إلا وهن الضربة بثقل السيف وانتهض وطلحة تحمله من ورائه، و علي عليه السلام أخذ بيديه حتى استوى قائما.
وعن أبي بشير الحارثي: حضرت يوم أحد وأنا غلام فرأيت ابن قميئة علا رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف فوقع على ركبتيه في حفرة أمامه حتى نوارى، فجعلت أصيح وأنا غلام حتى رأيت الناس ثابوا إليه.
ويقال: الذي شجه في جبهته ابن شهاب، والذي أشظى رباعيته وأدمى شفته عتبة بن أبي وقاص، والذي دمى وجتيه حتى غاب الحلق في وجنته ابن قميئة، وسال الدم من جبهته حتى أخضل لحيته، وكان سالم مولي أبي حذيقة يغسل الدم عن وجهه وهو يقول: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله: " ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم " الآية.
وذكر أحمد بن حنبل في مسنده، عن أبي حازم، عن سهل بأي شئ دووي جرح رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: كان علي عليه السلام يجئ بالماء في ترسه، وفاطمة عليها السلام
تغسل الدم عن وجهه، وأخذ حصيرا فأحرق وحشي به جرحه.
وقال علي عليه السلام: ولقد رأيتني وانفردت يومئذ منهم فرقه خشناء فيها عكرمة بن أبي جهل فدخلت وسطهم بالسيف فضربت به واشتملوا علي حتى أفضيت إلى آخرهم، ثم كررت فيهم الثانية حتى رجعت من حيث جئت، ولكن الأجل استأخر ويقضي الله أمرا كان مفعولا، قال: وكان عثمان من الذين تولى يوم التقى الجمعان.
وقال ابن أبي نجيح: نادى في ذلك اليوم مناد: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي.
بيان: قال في النهاية: التشظي: التشعب والتشقق، ومنه الحديث فانشظت رباعية رسول الله صلى الله عليه وآله، أي انكسرت.
30 - تفسير فرات بن إبراهيم: أبو القاسم بن حماد معنعنا، عن حذيفة اليماني رضي الله عنه
أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بالجهاد يوم أحد، فخرج الناس سراعا يتمنون لقاء عدوهم وبغوا في منطقهم، وقالوا: والله لئن لقينا عدونا لا نولي حتى يقتل عن آخرنا رجل أو يفتح الله لنا، قال: فلما أتوا إلى القوم ابتلاهم الله بالذي كان منهم ومن بغيهم فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وأبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ما قد نزل بالناس من الهزيمة والبلاء رفع البيضة عن رأسه وجعل ينادي: " أيها الناس أنا لم أمت ولم اقتل " وجعل الناس يركب بعضهم بعضا لا يلوون على رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يلتفتون إليه، فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا المدينة، فلم يكتفوا بالهزيمة حتى قال أفضلهم رجلا في أنفسهم: قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما آيس الرسول من القوم رجع إلى موضعه الذي كان فيه فلم ير إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وأبا دجانة الأنصاري رضي الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا دجانة ذهب الناس فالحق بقومك، فقال أبو دجانة: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ما على هذا بايعناك و بايعنا الله، ولا على هذا خرجنا، يقول الله تعالى: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا دجانة أنت في حل من بيعتك فارجع، فقال أبو دجانة: يا رسول الله لا تحدث نساء الأنصار في الخدور أني أسلمتك ورغبت بنفسي عن نفسك، يا رسول الله لا خير في العيش بعدك، قال: فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله كلامه ورغبته في الجهاد انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صخرة فاستتر بها ليتقي بها من السهام سهام المشركين، فلم يلبث أبو دجانة إلا يسيرا حتى أثخن جراحة فتحامل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
فجلس إلى جنبه وهو مثخن لا حراك به.
قال: وعلي عليه السلام لا يبارز فارسا ولا راجلا إلا قتله الله على يديه حتى انقطع سيفه فلما انقطع سيفه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله انقطع سيفي ولا سيف لي، فخلع رسول الله صلى الله عليه وآله سيفه ذا الفقار فقلد عليا عليه السلام ومشى إلى جمع المشركين، فكان لا يبرز له أحد إلا قتله، فلم يزل على ذلك حتى وهنت ذراعه فعرف رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فيه، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى السماء، وقال: " اللهم إن محمدا عبدك و رسولك، جعلت لكل نبي وزيرا من أهله لتشد به عضده وتشركه في أمره، وجعلت لي وزيرا من أهلي، علي بن أبي طالب أخي، فنعم الأخ ونعم الوزير، اللهم وعدتني أن تمدني بأربعة آلاف من الملائكة مردفين، اللهم وعدك وعدك، إنك لا تخلف الميعاد، وعدتني أن تظهر دينك على الدين كله ولو كره المشركون ".
قال: فبينما رسول الله صلى الله عليه وآله يدعو ربه ويتضرع إليه إذ سمع دويا من السماء فرفع رأسه فإذا جبرئيل عليه السلام على كرسي من ذهب، ومعه أربعة آلاف من الملائكة مردفين، وهو يقول: لا فتى ألا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار.
فهبط جبرئيل عليه السلام على الصخرة وحفت الملائكة برسول الله صلى الله عليه وآله فسلموا عليه، فقال جبرئيل صلى الله عليه وآله: يا رسول الله بالذي أكرمك بالهدى لقد عجبت الملائكة المقربون لمواساة هذا الرجل لك بنفسه، فقال: يا جبرئيل وما يمنعه يواسيني بنفسه وهو مني وأنا منه؟ فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما، حتى قالها ثلاثا، ثم حمل علي بن أبي طالب عليه السلام وحمل جبرئيل والملائكة ثم إن الله تعالى هزم جمع المشركين وتشتت أمرهم فمضى رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي
طالب عليه السلام بين يديه، ومعه اللواء قد خضبه بالدم، وأبو دجانة رضي الله عنه خلفه فلما أشرف على المدينة فإذا نساء الأنصار يبكين رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما نظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله استقبله أهل المدينة بأجمعهم، ومال رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المسجد، ونظر إلى الناس فتضرعوا إلى الله وإلى رسوله. وأقروا بالذنب وطلبوا التوبة، فأنزل الله فيهم قرآنا يعيبهم بالبغي الذي كان منهم وذلك قوله تعالى: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون " يقول: قد عاينتم الموت والعدو، فلم نقضتم العهد وجرعتم من الموت وقد عاهدتم الله أن لا تنهزموا حتى قال بعضكم: قتل محمد، فأنزل الله تعالى: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " إلى قوله: " وسيجزي الله الشاكرين يعني عليا وأبا دجانة.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أيها الناس إنكم رغبتم بأنفسكم عني ووازرني علي وواساني فمن أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني وفارقني في الدنيا والآخرة ".
قال: فقال حذيفة: ليس ينبغي لاحد يعقل أن يشك فمن لم يشرك بالله إنه أفضل ممن أشرك به، ومن لم ينهزم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل ممن انهزم، وإن السابق إلى الايمان بالله ورسوله أفضل، وهو علي بن أبي طالب.
تفسير فرات بن إبراهيم: الحسين بن سعيد معنعنا عن حذيفة مثله.
31 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن سنان، عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله كفن حمزة بثيابه ولم يغسله ولكنه صلى عليه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.