پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

12 - باب غزوة أحد وغزوة حمراء الأسد الآيات آل عمران 3

ج ۲۰، ص ۱۳–۴۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۰

وقال تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين * ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون * وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين * وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين * وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين 139 - 146.

إلى قوله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين * بل الله مولاكم وهو خير الناصرين * سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين * ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين * إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخريكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون * ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ قل إن الامر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور * إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم * يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير * ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون * ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون * فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين * إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون * وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون 149 - 161.

إلى قوله تعالى:

أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شئ قدير * وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون * الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين * ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم * إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين * ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب 165 - 176.

النساء 4: فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا 88.

وقال تعالى: ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما 104.

الأنفال 8: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون 36.

تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " وإذ غدوت من أهلك "، أي اذكر يا محمد إذ خرجت من المدينة غدوة " تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال " أي تهيئ

للمؤمنين مواطن القتال، أو تجلسهم وتقعدهم في مواضع القتال ليقفوا فيها ولا يفارقوها، واختلف في أي يوم كان ذلك فقيل: يوم أحد عن ابن عباس، وأكثر المفسرين وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وقيل: كان يوم الأحزاب عن مقاتل وقيل: يوم بدر عن الحسن " والله سميع " لما يقوله النبي صلى الله عليه وآله " عليم " بما يضمرونه " إذ همت " أي عزمت " طائفتان منكم " أي من المسلمين " أن تفشلا " أي تجبنا وهما بنو سلمة وبنو حارثة حيان من الأنصار، عن ابن عباس وأكثر المفسرين وعن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وقال الجبائي: نزلت في طائفة من المهاجرين وطايفة من الأنصار، وكان سبب همهم بالفشل أن عبد الله بن أبي سلول دعاهما إلى الرجوع إلى المدينة عن لقاء المشركين يوم أحد فهما به ولم يفعلاه " والله وليهما " أي ناصرهما، ويروى عن جابر بن عبد الله أنه قال: فينا نزلت وما أحب أنها لم تكن لقوله: " والله وليهما ".

وقال بعض المحققين: هذا هم خطرة لا هم عزيمة، لان الله سبحانه مدحهما وأخبر أنه وليهما، ولو كان هم عزيمة لكان ذمهم أولى.

أقول: ثم روى الطبرسي قصة غزوة أحد عن أبي عبد الله عليه السلام مثل ما سيأتي في رواية علي بن إبراهيم، ثم قال: وروى أبو إسحاق والسدي والواقدي و ابن جريح وغيرهم قالوا كان المشركون نزلوا بأحد يوم الأربعاء في شوال سنة

ثلاث من الهجرة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم يوم الجمعة، وكان القتال يوم السبت للنصف من الشهر، وكسرت رباعيته صلى الله عليه وآله وشج وجهه، ثم رجع المهاجرون والأنصار بعد الهزيمة، وقد قتل من المسلمين سبعون، وشد رسول الله بمن معه حتى كشفهم، وكان الكفار مثلوا بجماعة، وكان حمزة أعظم مثلة، وضربت يد طلحة فشلت.

وقال في قوله: " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة " هو إخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله قال لقومه: ألن يكفيكم يوم بدر أن جعل ربكم ثلاثة آلاف من الملائكة مددا لكم، وقيل: إن الوعد بالامداد بالملائكة كان يوم أحد وعدهم الله المدد إن صبروا " منزلين " أي من السماء " بلى " تصديق للوعد، أي يفعل كما وعدكم ويزيدكم " إن تصبروا " أي على الجهاد وعلى ما أمركم الله " وتتقوا " معاصي الله ومخالفة رسوله " ويأتوكم من فورهم هذا " أي رجع المشركون إليكم من جهتهم هذا، وقيل: من غضبهم هذا، وكانوا قد غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما لقوا فهو من فور الغضب أي غليانه " يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة " أي يعطكم مددا لكم ونصرة، وإنما قال ذلك لان الكفار في غزاة أحد ندموا بعد انصرافهم لم لم يعبروا على المدينة، وهموا بالرجوع فأوحى الله إلى نبيه أن يأمر أصحابه بالتهيؤ للرجوع إليهم، وقال لهم: " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " ثم قال: إن صبرتم على الجهاد وراجعتم الكفار أمدكم الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. فأخذوا في الجهاد وخرجوا يتبعون الكفار على ما بهم من الجراح، وأخبر المشركون من رسول الله صلى الله عليه وآله أنه يتبعكم فخاف المشركون

إن رجعوا أن تكون الغلبة للمسلمين، وأن يكون قد التأم إليهم من كان تأخر عنهم، وانضم إليهم غيرهم، فدسوا نعيم بن مسعود الأشجعي حتى يصدهم بتعظيم أمر قريش، وأسرعوا في الذهاب إلى مكة، وكفى الله المسلمين أمرهم، ولذلك قال قوم من المفسرين: إن جميعهم ثمانية آلاف، وقال الحسن: إن جميعهم خمسة آلاف منهم ثلاثة آلاف المنزلين، على أن الظاهر يقتضي أن الامداد بثلاثة آلاف كان يوم بدر، ثم استأنف حكم يوم أحد فقال: " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا " أي إن رجعوا إليكم بعد انصرافكم " أمدكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " وهذا قول البلخي، رواه عن عكرمة، قال: لم يمدوا يوم أحد ولا بملك واحد، وعلى هذا فلا تنافي بين الآيتين " مسومين " أي معلمين، أو مرسلين " وما جعله الله إلا بشرى لكم " أي ما جعل الله الامداد والوعد به إلا بشارة لكم " ولتطمئن قلوبكم به " فلا تخافوا كثرة عدد العدو " وما النصر إلا من عند الله " معناه إن الحاجة إلى الله سبحانه لازمة في المعونة وإن أمدكم بالملائكة فلا استغناء لكم عن معونته طرفة عين.

وقال البيضاوي: وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد، وإنما أمدهم ووعد لهم بشارة لهم وربطا على قلوبهم من حيث أن نظر العامة إلى الأسباب أكثر وأحث على أن لا يبالوا بمن تأخر عنهم.

" ليقطع طرفا من الذين كفروا ".

قال الطبرسي: اختلف في وجه اتصاله بما قبله، فقيل: يتصل بقوله: " وما

النصر إلا من عند الله " أي أعطاكم الله هذا النصر ليقطع طائفة من الذين كفروا بالقتل والأسر، وقيل: هو متصل بقوله: " ولقد نصركم الله ببدر " وقيل: معناه ذلك التدبير " ليقطع طرفا " أي قطعة منهم. والمعنى ليهلك طائفة منهم، وقيل: ليهدم ركنا من أركان الشرك بالأسر والقتل، فأما اليوم الذي وقع فيه ذلك فيوم بدر وقيل: هو يوم أحد، قتل فيه ثمانية عشر رجلا " أو يكبتهم " أي يخزيهم بالخيبة مما أملوا من الظفر بكم، وقيل: يردهم عنكم منهزمين، وقيل: يصرعهم على وجوههم، وقيل: يظفركم عليهم، وقيل: يلعنهم، وقيل: يهلكهم " فينقلبوا خائبين " لم ينالوا مما أملوا شيئا " ليس لك من الامر شئ " قيل: هو متصل بقوله: " وما النصر إلا من عند الله " أي ليس لك ولا لغيرك من هذا النصر شئ، وقيل: إنه اعتراض بين الكلامين، وقوله: " أو يتوب عليهم " متصل بقوله: " ليقطع طرفا " فالتقدير ليقطع طرفا منهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم قد استحقوا العقاب، وليس لك من هذه الأربعة شئ، وذلك إلى الله تعالى.

واختلف في سبب نزوله، فروي عن أنس بن مالك وابن عباس والحسن و قتادة والربيع أنه لما كان من المشركين يوم أحد من كسر رباعية الرسول صلى الله عليه وآله وشجه حتى جرت الدماء على وجهه، فقال: " كيف تفلح قوم نالوا هذا من نبيهم " وهو مع ذلك حريص على دعائهم إلى ربهم؟ فأعلمه الله سبحانه أنه ليس إليه فلاحهم، وأنه ليس إليه إلا أن يبلغ الرسالة، ويجاهد حتى يظهر الدين، وإنما ذلك إلى الله، وكان الذي كسر رباعيته وشجه في وجهه عتبة بن أبي وقاص، فدعا عليه بأن لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا، فمات كافرا قبل حول الحول وأدمى وجهه رجل من هذيل يقال له: عبد الله بن قميئة، فدعا عليه فكان حتفه أن سلط الله عليه تيسا فنطحه حتى قتله، وروي أنه صلى الله عليه وآله كان يمسح الدم عن وجهه و

يقول: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " فعلى هذا يمكن أن يكون صلى الله عليه وآله على وجل من عنادهم وإصرارهم على الكفر، فأخبر سبحانه أنه ليس إليه إلا ما أمر به من تبليغ الرسالة ودعائهم إلى الهدى، وذلك مثل قوله تعالى: " فلعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين " وقيل: إنه صلى الله عليه وآله استأذن ربه تعالى في يوم أحد في الدعاء عليهم فنزلت الآية، فلم يدع عليهم بعذاب الاستيصال، وإنما لم يؤذن له فيه لما كان المعلوم من توبة بعضهم، وقيل: أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم أحد فنهاه الله عن ذلك وتاب عليهم أي ليس لك أن تلعنهم وتدعو عليهم، وقيل: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ما فعل بأصحابه وبعمه حمزة من المثلة من جدع الأنوف والآذان وقطع المذاكير قال: " لئن أدالنا الله منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلهم أحد من العرب بأحد قط " فنزلت الآية، وقيل: نزلت في أهل بئر معونة وهم سبعون رجلا من قراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأميرهم المنذر بن عمرو، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم، فقتلهم جميعا عامر بن الطفيل، وكان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك وجدا شديدا وقنت عليهم شهرا فنزلت، والأصح أنها نزلت في أحد، وإنما قال: " ليس لك من الامر شئ " مع أن له صلى الله عليه وآله أن يدعوهم إلى الله ويؤدي إليهم ما أمره بتبليغه، لان معناه ليس لك شئ من أمر عقابهم أو استيصالهم أو الدعاء عليهم أو لعنهم حتى يقع إنابتهم " أو يتوب عليهم " أي يلطف لهم بما يقع معه توبتهم، أو يقبل توبتهم إذا تابوا

" أو يعذبهم " إن لم يتوبوا " فإنهم ظالمون " أي يستحقون العذاب بظلمهم.

وقال رحمه الله في قوله تعالى: " ولا تهنوا " قيل: نزلت الآية تسلية للمسلمين لما نالهم يوم أحد من القتل والجراح عن الزهري وقتادة وابن نجيح، وقيل:

لما انهزم المسلمون في الشعب وأقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلوا عليهم الجبل فقال النبي صلى الله عليه وآله: " لا يعلن علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم لا يعبدك بهذه البلدة إلا هؤلاء النفر " فأنزل الله الآية، وثاب نفر رماة وصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم، وعلا المسلمون الجبل فذلك قوله: " وأنتم الأعلون " عن ابن عباس، وقيل: نزلت الآية بعد يوم أحد حين أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه بطلب القوم، وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم، وقال صلى الله عليه وآله: " لا يخرج إلا من شهد معنا بالأمس " فاشتد ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى هذه الآية عن الكلبي، ودليله قوله تعالى: " ولا تهنوا في ابتغاء القوم " الآية.

" ولا تهنوا " أي لا تضعفوا عن قتال عدوكم " ولا تحزنوا " بما يصيبكم في أموالكم وأبدانكم، وقيل: لا تضعفوا بما نالكم من الجراح ولا تحزنوا على ما نالكم من المصائب بقتل الاخوان، أو لا تهنوا لما نالكم من الهزيمة، ولا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة " وأنتم الأعلون " أي الظافرون المنصورون، أو الأعلون في المكان " إن كنتم مؤمنين " معناه إن من كان مؤمنا يجب أن لا يهن ولا يحزن لثقته بالله، أو إن كنتم مصدقين بوعدي لكم بالنصرة والظفر على عدوكم " إن يمسسكم قرح " أي جراح فقد أصاب القوم جراح مثله عن ابن عباس: وقيل: إن يصبكم ألم و جراحة يوم أحد فقد أصاب القوم ذلك يوم بدر.

وقال أنس بن مالك: اتي رسول الله صلى الله عليه وآله بعلي عليه السلام يومئذ وعليه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسحها وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن.

وعن ابن عباس قال: لما كان يوم أحد صعد أبو سفيان الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا " فمكث أبو سفيان ساعة، وقال: يوما بيوم إن الأيام دول، وإن الحرب سجال، فقال صلى الله عليه وآله: أجيبوه، فقالوا: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فقال:

لنا عزى ولا عزى لكم.

فقال النبي صلى الله عليه وآله:

الله مولانا ولا مولى لكم.

فقال أبو سفيان: اعل هبل.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله أعلى وأجل.

" وتلك الأيام نداولها بين الناس " أي نصرفها مرة لفرقة، ومرة عليها، و إنما يصرف الله سبحانه الأيام بين المسلمين والكفار بتخفيف المحنة على المسلمين أحيانا، وتشديدها عليهم أحيانا، لا بنصرة الكفار عليهم، لان النصرة تدل على المحبة، والله لا يحب الكافرين، وإنما جعل الله الدنيا منقلبة لكيلا يطمئن المسلم إليها، ولتقل رغبته فيها، إذ تفنى لذاتها. ويظعن مقيمها، ويسعى للآخرة التي تدوم نعيمها، وإنما جعل الدولة مرة للمؤمنين ومرة عليهم ليدخل الناس في الايمان على الوجه الذي يجب الدخول فيه لذلك، وهو قيام الحجة، فإنه

لو كانت الدولة دائما للمؤمنين لكان الناس يدخلون في الايمان على سبيل اليمن و الفأل، على أن كل موضع حضره النبي صلى الله عليه وآله لم يخل من ظفر، إما في ابتداء الامر، وإما في انتهائه، وإنما لم يستمر ذلك لما بيناه.

" وليعلم الله الذين آمنوا " تقديره: وتلك الأيام نداولها لوجوه من المصالح وليعلم الذين آمنوا متميزين بالايمان عن غيرهم، وعلى هذا يكون " يعلم " بمعنى يعرف، لأنه ليس المعنى أنه يعرف الذوات، بل المعنى أنه يعلم تميزها بالايمان، ويجوز أن يكون المعنى ليعلم الله الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم، أي يعاملهم معاملة من يعرفهم بهذه الحال، وقيل: معناه وليعلم أولياء الله الذين آمنوا، وإنما أضاف إلى نفسه تفخيما " ويتخذ منكم شهداء " أي ليكرم منكم بالشهادة من قتل يوم أحد، أو يتخذ منكم شهداء على الناس بما يكون منهم من العصيان لما لكم في ذلك من جلالة القدر " وليمحص الله الذين آمنوا " أي وليبتلي الله الذين آمنوا، أو ليجنبهم من الذنوب بالابتلاء " ويمحق الكافرين " أي ينقصهم أو يهلكهم.

" أم حسبتم أن تدخلوا الجنة " المراد به الانكار، أي أظننتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " أي ولما يجاهد المجاهدون منكم فيعلم الله جهادهم، ويصبر الصابرون فيعلم صبرهم على القتال " ولقد كنتم تمنون الموت " وذلك أن قوما ممن فاتهم شهود بدر كانوا يتمنون الموت بالشهادة بعد بدر قبل أحد، فلما رأوه يوم أحد أعرض كثير منهم عنه فانهزموا فعاتبهم الله على ذلك " من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه " الضميران راجعان إلى الموت والمراد أسبابه كالحرب، وقيل: راجعان إلى الجهاد " وأنتم تنظرون " تأكيد للرؤية أو النظر بمعنى التفكر، وقيل: معناه وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وآله، وفيه حذف، أي فلم انهزمتم " وما محمد إلا رسول " قال أهل التفسير: سبب نزول هذه الآية أنه

لما أرجف بأن النبي صلى الله عليه وآله قتل يوم أحد وأشيع ذلك قال الناس: لو كان نبيا لما قتل، وقال آخرون: نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به، وارتد بعضهم، و انهزم بعضهم، وكان سبب انهزامهم وتضعضعهم إخلال الرماة لمكانهم من الشعب، و كان رسول الله صلى الله عليه وآله نهاهم عن الاخلال به، وأمر عبد الله بن جبير وهو أخو خوات ابن جبير على الرماة وهم خمسون رجلا، وقال: لا تبرحوا مكانكم فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم بمكانكم، وجاءت قريش على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ومعهم النساء يضربن بالدفوف، وينشدون الاشعار فقالت هند:

نحن بنات طارق * نمشي على النمارق إن تقبلوا نعانق * أو تدبروا نفارق فراق غير وامق وكان أبو عامر عبد عمرو بن الصيفي أول من لقيهم بالأحابيش وعبيد أهل مكة فقاتلهم قتالا شديدا. وحميت الحرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من يأخذ بهذا السيف بحقه ويضرب به العبيد حتى ينحني "؟ فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري، فلما أخذ السيف اعتم بعمامة حمراء وجعل يفتخر ويقول:

أنا الذي عاهدني خليلي * أن لا أقيم الدهر في الكبول أضرب بسيف الله والرسول فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع "

ثم حمل النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه على المشركين فهزموهم، وقتل علي بن أبي طالب عليه السلام أصحاب اللواء، وأنزل الله نصرته على المسلمين. قال الزبير: فرأيت هندا و صواحبها هاربات مصعدات في الجبال نادية خدامهن، ما دون أخذهن شئ، فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ورأوا النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب واختلفوا، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله، و قال بعضهم: ما بقي من الامر شئ، ثم انطلقوا عامتهم وألحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة، ورأي ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين وحمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله من خلفهم فهزموهم و قتلوهم، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وآله بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله، وتفرق عنه أصحابه، وأقبل يريد قتله، فذب مصعب بن عمير وهو صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر ويوم أحد وكان اسم رايته العقاب عن رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قتل مصعب بن عمير قتله ابن قميئة فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: إني قتلت محمدا، وصاح صائح، ألا أن محمدا قد قتل، ويقال:

إن الصائح كان إبليس لعنه الله، فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يدعو الناس ويقول: " إلي عباد الله إلي عباد الله " فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين، ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه، و أصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست، وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وآله مكانها فعادت كأحسن ما كانت، فلما

انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله أدركه أبي خلف الجمحي وهو يقول: لا نجوت إن نجوت، فقال القوم يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا؟ فقال: دعوه حتى إذا دنا منه، وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول: عندي رمكة اعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى " فلما كان يوم أحد ودنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وآله الحربة من الحرث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه، فخدش خدشة فتدهدأ عن فرسه، وهو يخور خوار الثور وهو يقول: قتلني محمد، فاحتمله أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس، فقال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقلتهم أليس قال لي: أقتلك؟ فلو بزق علي بعد تلك المقالة لقتلني، فلم يلبث إلا يوما حتى مات، قال: وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قتل، فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم، وقال أناس من أهل النفاق فالحقوا بدينكم الأول وقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقوله هؤلاء، يعني المنافقين، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني المنافقين، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس، فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وآله كعب بن مالك قال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معاشر المسلمين هذا رسول الله، فأشار إلي: أن اسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم النبي صلى الله عليه وآله على الفرار فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر أنك قتلت فرعبت

قلوبنا فولينا مدبرين، فأنزل الله تعالى هذه الآية: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل " يعني أنه بشر اختاره الله لرسالته، وقد مضت قبله رسل بعثوا فأدوا الرسالة ومضوا وماتوا، وقتل بعضهم، وإنه يموت كما ماتت الرسل، فليس الموت بمستحيل عليه ولا القتل، وقيل: أراد أن أصحاب الأنبياء لم يرتدوا عند موتهم أو قتلهم فاقتدوا بهم " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " فسمي الارتداد انقلابا على العقب وهو الرجوع القهقرى " ومن ينقلب على عقبيه " أي من يرتدد عن دينه " فلن يضر الله شيئا " بل مضرته عائدة عليه " وسيجزي الله الشاكرين " أي المطيعين.

قوله تعالى: " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله " قال البيضاوي: أي بمشية الله أو بإذنه لملك الموت، والمعنى أن لكل نفس أجلا مسمى في علمه تعالى وقضائه لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون بالاحجام عن القتال والاقدام عليه " كتابا " مصدر مؤكد، أي كتب الموت كتابا " مؤجلا " صفة له، أي موقتا لا يتقدم ولا يتأخر " ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها " تعريض بمن شغلتهم الغنائم يوم أحد " ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها " أي من ثوابها " وسنجزي الشاكرين " الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شئ من الجهاد " وكأين " أصله " أي " دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى " كم " والنون تنوين أثبت في الخط على غير قياس " من نبي " بيان له " قتل معه ربيون كثير " ربانيون علماء أتقياء أو عابدون لربهم وقيل: جماعات، والربي منسوب إلى الربة، وهي الجماعة للمبالغة " فما

وهنوا لما أصابهم في سبيل الله " فما فتروا ولم ينكسر جدهم لما أصابهم من قتل النبي أو بعضهم " وما ضعفوا " عن العدو أو في الدين " وما استكانوا " وما خضعوا للعدو " والله يحب الصابرين " فينصرهم ويعظم أمرهم.

قوله تعالى: " إن تطيعوا الذين كفروا " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: نزلت في المنافقين إذ قالوا للمؤمنين يوم أحد عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وارجعوا إلى دينهم عن علي عليه السلام، وقيل: هم اليهود والنصارى، والمعنى إن أصغيتم إلى قول اليهود والمنافقين أن محمدا صلى الله عليه وآله قتل فارجعوا إلى عشائركم " يردوكم على أعقابكم " أي يرجعوكم كفارا كما كنتم " فتنقلبوا " أي ترجعوا " خاسرين " لأنفسكم " بل الله مولاكم " أي هو أولى بأن تطيعوه، وهو أولى بنصرتكم " وهو خير الناصرين " أي ان اعتد بنصر غيره فهو خير ناصر " سنلقي في قلوب الذين كفروا " قال السدي: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة قالوا: بئسما صنعنا، قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم ، فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به، فنزلت الآية " الرعب " أي الخوف " بما أشركوا بالله " أي بشركهم به " ما لم ينزل به سلطانا " أي برهانا وحجة " ومأواهم " أي مستقرهم " النار " يعذبون بها " وبئس مثوى الظالمين " أي النار، وروي أن الكفار دخلوا مكة كالمنهزمين مخافة أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وآله الكرة عليهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله " نصرت بالرعب مسيرة شهر " " ولقد صدقكم الله وعده " أي وفى لكم بما وعدكم من النصر على عدوكم في قوله: " بلى إن تصبروا وتتقوا " الآية، وذكر ابن عباس وغيره أن الوعد كان يوم أحد لان المسلمين كانوا يقتلون المشركين حتى أخل الرماة لمكانهم الذي أمرهم الرسول بالقيام عنده، فأتاهم خالد بن الوليد من ورائهم، وقتل عبد الله بن جبير

ومن معه، وتراجع المشركون، وقتل من المسلمين سبعون رجلا، ونادى مناد قتل محمد، ثم من الله على المسلمين فرجعوا، وفي ذلك نزلت الآية، فالوعد قول النبي صلى الله عليه وآله للرماة: " لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم في مكانكم ".

" إذ تحسونهم " أي تقتلونهم " بإذنه " أي بعلمه أو بلطفه " حتى إذا فشلتم " أي جبنتم عن عدوكم " وتنازعتم في الامر " أي اختلفتم " وعصيتم " امر نبيكم في حفظ المكان " من بعدما أريكم ما تحبون " من النصرة على الكفار وهزيمتهم والغنيمة، وأكثر المفسرين على أن المراد بالجميع يوم أحد، وقال الجبائي:

إذ تحسونهم يوم بدر حتى إذا فشلتم يوم أحد والأول أولى، وجواب " إذا " محذوف، وتقديره حتى إذا فعلتم ذلك ابتلاكم وامتحنكم ورفع النصرة عنكم " منكم من يريد الدنيا " يعني الغنيمة، وهم الذين أخلوا المكان الذي رتبهم النبي صلى الله عليه وآله فيه " ومنكم من يريد الآخرة " أراد عبد الله بن جبير، ومن ثبت مكانه " ثم صرفكم عنهم " فيه وجوه:

أحدها أنهم كانوا فريقين منهم من عصى بانصرافه، ومنهم من لم يعص، لأنهم قلوا بعد انهزام تلك الفرقة فانهزموا بإذن الله لئلا يقتلوا، لان الله أوجب ثبات المائة للمائتين، فإذا نقصوا لا يجب عليهم ذلك، فجاز أن يذكر الله الفريقين بأنه صرفهم " وعفى عنهم " يعني صرف بعضهم، وعفى عن بعض عن الجبائي.

وثانيها " أن معناه رفع النصر عنكم ووكلكم إلى أنفسكم بخلافكم للنبي عليه السلام فانهزمتم عن جعفر بن حرب.

وثالثها: أن معناه لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم " ليبتليكم " بالمظاهرة في الانعام عليكم والتخفيف عنكم عن البلخي " ليبتليكم " أي يعاملكم معاملة المختبر " ولقد عفا عنكم " أي صفح عنكم بعد أن خالفتم أمر الرسول، وقيل: عفا عنكم تتبعهم بعد أن أمركم بالتتبع لهم عن البلخي، قال لما بلغوا حمراء الأسد عفا عنهم

من ذلك " والله ذو فضل على المؤمنين " أي ذو نعمة ومن عليهم بنعم الدنيا والدين، وروى الواقدي، عن سهل بن سعد الساعدي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وكانت فاطمة بنته عليها السلام تغسل عنه الدم وعلي بن أبي طالب عليه السلام يسكب عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة عليها السلام . أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى إذا صار رمادا ألزمته الجرح فاستمسك الدم.

" إذ تصعدون " قال البيضاوي: متعلق بصرفكم، أو ليبتليكم، أو بمقدر كاذكر، والاصعاد: الذهاب والابعاد في الأرض " ولا تلوون على أحد " لا يقف أحد لاحد ولا ينتظره " والرسول يدعوكم " كان يقول: " إلي عباد الله، إلي عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة ".

" في اخراكم " في ساقتكم وجماعتكم الآخرين " فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم " عطف على صرفكم، والمعنى فجازاكم الله على فشلكم وعصيانكم غما متصلا بغم من الاغتمام بالقتل والجرح وظفر المشركين والارجاف بقتل الرسول الله صلى الله عليه وآله، أو فجازاكم غما بسبب غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وآله بعصيانكم له لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا فيما بعد على نفع فائت، ولا ضر لاحق، وقيل: لا مزيدة، والمعنى لتأسفوا على ما فاتكم من الظفر و الغنيمة، وعلى ما أصابكم من الجرح والهزيمة عقوبة لكم، وقيل: الضمير في " فأثابكم " للرسول صلى الله عليه وآله، أي واساكم في الاغتمام فاغتم بما نزل عليكم كما اغتممتم بما نزل عليه ولم يثربكم على عصيانكم تسلية لكم " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم " من النصر " ولا " على " ما أصابكم " من الهزيمة " والله خبير بما تعملون " عالم بأعمالكم وبما قصدتم بها " ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا " أنزل الله عليكم الامن حتى أخذكم النعاس، وعن أبي طلحة: غشينا النعاس في المصاف حتى كان

السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه، والامنة: الامن، نصب على المفعول، و " نعاسا " بدل منها، أو هو المفعول و " أمنة " حال منه متقدمة أو مفعول له، أو حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة أو على أنه جمع آمن " يغشى طائفة منكم " أي النعاس.

قال الطبرسي رحمه الله: وكان السبب في ذلك توعد المشركين لهم بالرجوع إلى القتال، فقعد المسلمون تحت الحجف متهيئين للحرب، فأنزل الله الامنة على المؤمنين فناموا دون المنافقين الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم، أو يغيروا على المدينة لسوء الظن فطير عنهم النوم.

وقال البيضاوي: و " طائفة " هم المنافقون " قد أهمتهم أنفسهم " أوقعتهم أنفسهم في الهموم أو ما يهمهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها " يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية " صفة أخرى لطائفة، أو حال أو استيناف على وجه البيان لما قبله، و " غير الحق " نصب على المصدر، أي يظنون بالله غير ظن الحق الذي يحق أن يظن به، و " ظن الجاهلية " بدله، وهو الظن المختص بالملة الجاهلية وأهلها " يقولون " أي لرسول الله صلى الله عليه وآله وهو بدل يظنون: " هل لنا من الامر من شئ " هل لنا مما أمر الله ووعد من النصر والظفر نصيب قط، وقيل: اخبر ابن أبي بقتل بني الخزرج فقال ذلك، والمعنى أنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا فلم يبق لنا من الامر شئ، أو هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الامر شئ " قل إن الامر كله لله " أي الغلبة الحقيقية لله ولأوليائه، فإن حزب الله هم الغالبون، أو القضاء له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو اعتراض " يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك " حال من ضمير " يقولون " أي يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر

مبطنين الانكار والتكذيب " يقولون " في أنفسهم أو إذا خلا بعضهم إلى بعض، وهو بدل من " يخفون " أو استيناف على وجه البيان له " لو كان لنا من الامر شئ " كما وعد محمد صلى الله عليه وآله، وزعم أن الامر كله لله ولأوليائه، أو لو كان لنا اختيار وتدبير لم نبرح كما كان رأي ابن أبي وغيره " ما قتلنا هيهنا " ما غلبنا، ولما قتل من قتل منا في هذه المعركة " قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " أي لخرج الذين قدر الله عليهم القتل وكتب في اللوح المحفوظ إلى مصارعهم، ولم تنفع الإقامة بالمدينة، ولم ينج منه أحد " وليبتلي الله ما في صدوركم " ليمتحن ما في صدوركم ويظهر سرائرها من الاخلاص والنفاق، وهو علة فعل محذوف أي وفعل ذلك ليبتلي، أو عطف على محذوف، أي لبرز لنفاذ القضاء، أو لمصالح جمة ولابتلاء، أو على قوله: " لكيلا تحزنوا ".

" وليمحص ما في قلوبكم " وليكشفه ويميزه أو يخلصه من الوساوس " والله عليم بذات الصدور بخفياتها قبل إظهارها، وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء، وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين، وإظهار حال المنافقين " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " يعني إن الذين انهزموا يوم أحد إنما كان السبب في انهزامهم أن الشيطان طلب منهم الزلل فأطاعوه واقترفوا ذنوبا بترك المركز والحرص على الغنيمة أو الحياة فمنعوا التأييد وقوة القلب لمخالفة النبي صلى الله عليه وآله، وقيل: استزلال الشيطان توليهم، وذلك بسبب ذنوب تقدمت لهم، فإن المعاصي يجر بعضها بعضا كالطاعة، وقيل:

استزلهم بذكر ذنوب سلفت منهم وكرهوا القتل قبل إخلاص التوبة والخروج

من المظلمة " ولقد عفا الله عنهم " لتوبتهم واعتذارهم " إن الله غفور " للذنوب " حليم " لا يعاجل بعقوبة المذنب كي يتوب " يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا " يعني المنافقين " وقالوا لإخوانهم " لأجلهم وفيهم، ومعنى اخوتهم اتفاقهم في النسب أو في المذهب " إذا ضربوا في الأرض " إذا سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها " أو كانوا غزى " جمع غاز " لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا " مفعول قالوا " ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم " متعلق بقالوا على أن اللام لام العاقبة، أو بلا تكونوا أي لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول والاعتقاد ليجعله حسرة في قلوبهم خاصة فذلك إشارة إلى ما دل عليه قولهم من الاعتقاد، وقيل: إلى ما دل عليه النهي، أي لا تكونوا مثلهم، ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، فإن مخالفتهم و مضادتهم مما يغمهم " والله يحيي ويميت " رد لقولهم، أي هو المؤثر في الحياة و الممات، لا الإقامة والسفر، فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد " والله بما تعملون بصير " تهديد للمؤمنين على أن يماثلوهم " ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم " أي في سبيله " لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون " جواب القسم وهو ساد مسد الجزاء، والمعنى أن السفر والغزو ليس مما يجلب الموت وتقدم الأجل وإن وقع ذلك في سبيل الله فما ينالون من المغفرة والرحمة بالموت خير مما يجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم يموتوا " ولئن متم أو قتلتم " على أي وجه اتفق هلاككم " لإلى الله تحشرون " لإلى معبودكم الذي توجهتم إليه، وبذلتم مهجتكم لوجهه، لا إلى غيره لا محالة تحشرون فيوفي أجوركم ويعظم ثوابكم " فبما رحمة من الله لنت لهم " ما مزيدة للتأكيد، والدليل على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله وهو ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق بهم حين اغتم لهم بعد أن خالفوه " ولو كنت فظا " سيئ الخلق جافيا " غليظ القلب " قاسية " لا نفضوا من حولك " لتفرقوا عنك ولم يسكنوا إليك " فاعف عنهم " فيما يختص بك " واستغفر لهم "

فيما لله " وشاورهم في الامر " أي في أمر الحرب، إذ الكلام فيه أو فيما يصح أن يشاور فيه استظهارا برأيهم، وتطييبا لنفوسهم وتمهيدا سنة المشاورة للأمة " فإذا عزمت " فإذا وطنت نفسك على شئ بعد الشورى.

وقال الطبرسي رحمه الله: ورووا عن جعفر بن محمد عليهما السلام وعن جابر بن يزيد " فإذا عزمت " بالضم، فعلى هذا يكون معناه فإذا عزمت لك ووفقتك وأرشدتك " فتوكل على الله ".

قال البيضاوي: في إمضاء أمرك على ما هو أصلح لك، فإنه لا يعلمه سواه " إن الله يحب المتوكلين " فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح " إن ينصركم الله " كما نصركم يوم بدر " فلا غالب لكم " فلا يغلبكم أحد " وإن يخذلكم " كما خذلكم يوم أحد " فمن ذا الذي ينصركم من بعده " من بعد خذلانه، أو من بعد الله " و على الله فليتوكل المؤمنون " فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا أن لا ناصر سواه و آمنوا به.

" وما كان لنبي أن يغل " قال الطبرسي: روي عن ابن عباس وابن جبير أنها نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من المغنم، فقال بعضهم: لعل النبي صلى الله عليه وآله أخذها.

وفي رواية الضحاك قال: إن رجلا غل بمخيط، أي بإبرة من غنائم هوازن يوم حنين فنزلت الآية.

وعن مقاتل: أنها نزلت في غنائم أحد حين تركت الرماة المركز طلبا للغنيمة

وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: من أخذ شيئا فهو له ولا يقسم كما لم يقسم يوم بدر، ووقعوا في الغنائم، فقال صلى الله عليه وآله: " أظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم " فأنزل الله الآية، وقيل: إنه قسم الغنيمة ولم يقسم للطلائع، فلما قدمت الطلائع قالوا: أقسم الفئ ولم يقسم لنا؟ فعرفه الله الحكم فيه، ونزلت الآية، وقيل:

نزلت في أداء الوحي كان صلى الله عليه وآله يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم، فسألوه أن يطوي ذلك عنهم فنزلت.

وقال البيضاوي: أي وما صح لنبي أن يخون في الغنائم فإن النبوة تنافي الخيانة " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة " يأت بالذي غله يحمله على عنقه كما جاء في الحديث، أو بما احتمل من وباله وإثمه " ثم توفى كل نفس ما كسبت " يعطي جزاء ما كسبت وافيا " وهم لا يظلمون " فلا ينقص ثواب مطيعهم، ولا يزاد في عقاب عاصيهم.

" أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " قال الطبرسي: أي حين أصابكم القتل والجرح وذلك ما أصاب المسلمين يوم أحد، فإنه قتل منهم سبعون رجلا و كانوا أصابوا من المشركين يوم بدر مثليها، فإنهم كانوا قتلوا من المشركين سبعين رجلا، وأسروا سبعين، وقيل: قتلتم منهم ببدر سبعين، وبأحد سبعين، وهذا ضعيف فإنه لا خلاف بينهم أنه قتل منهم بأحد نفر يسير " قلتم أنى هذا " أي من أي وجه أصابنا هذا ونحن مسلمون، وفينا رسول الله صلى الله عليه وآله وينزل عليه الوحي، وهم مشركون؟

وقيل: إنهم إنما استنكروا ذلك لأنه وعدهم بالنصر من الله إن أطاعوه " قل هو من

عند أنفسكم " أي ما أصابكم من الهزيمة والقتل من عند أنفسكم بخلافكم أمر ربكم وترككم طاعة الرسول صلى الله عليه وآله، وفيه أقوال: أحدها: أن ذلك مخالفتهم الرسول صلى الله عليه وآله في الخروج من المدينة للقتال يوم أحد، وكان النبي صلى الله عليه وآله دعاهم أن يتحصنوا بها ويدعو المشركين إلى أن يقصدوهم فيها، فقالوا: كنا نمتنع من ذلك في الجاهلية ونحن الآن في الاسلام، وأنت يا رسول الله بيننا أحق بالامتناع وأعز.

وثانيها: أن ذلك باختيارهم الفداء من الاسرى يوم بدر، وكان الحكم فيهم القتل، وشرط عليهم إن قبلتم الفداء قتل منكم في القابل بعدتهم، قالوا: رضينا، فإنا نأخذ الفداء فننتفع به، وإذا قتل منا فيما بعد كنا شهداء، عن علي عليه السلام و عبيدة السلماني، وهو المروي عن الباقر عليه السلام.

وثالثها: أن ذلك بخلاف الرماة يوم أحد لما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله به من ملازمة مراكزهم.

" إن الله على كل شئ قدير " أي فهو قادر على نصركم فيما بعد، وإن لم ينصركم في الحال لمخالفتكم " وما أصابكم " أيها المؤمنون " يوم التقى الجمعان " جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد بقتل من قتل منكم " فبإذن الله " أي بعلم الله، وقيل: بتخلية الله بينكم وبينهم التي تقوم مقام الاطلاق في الفعل برفع الموانع والتمكين من الفعل الذي يصح معه التكليف، وقيل: بعقوبة الله لتركهم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله " وليعلم المؤمنون * وليعلم الذين نافقوا " أي وليميز المؤمنين من المنافقين " وقيل لهم " أي للمنافقين " تعالوا قاتلوا في سبيل الله " قالوا: أن عبد الله بن أبي والمنافقين معه من أصحابه انخذلوا يوم أحد بنحو من ثلاثمائة رجل، وقالوا: علام نقتل أنفسنا؟ وقال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري:

تعالوا قاتلوا قي سبيل الله واتقوا الله ولا تخذلوا نبيكم " أو ادفعوا " عن حريمكم

وأنفسكم إن لم تقاتلوا في سبيل الله، وقيل: معناه، أقيموا معنا، وكثروا سوادنا " قالوا " أي المنافقون.

" لو نعلم قتالا لاتبعناكم " قال البيضاوي: أي لو نعلم مما يصلح أن يسمى قتالا لاتبعناكم فيه، لكن ما أنتم عليه ليس بقتال، بل إلقاء بالأنفس إلى التهلكة أو لو نحسن قتالا لاتبعناكم، وإنما قالوا ذلك دغلا واستهزاء " هم للكفر يؤمئذ أقرب منهم للايمان " لانخزالهم وكلامهم هذا، فإنهما أول أمارة ظهرت منهم مؤذنة بكفرهم، وقيل: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الايمان " يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم " يظهرون خلاف ما يضمرون لا تواطئ قلوبهم ألسنتهم بالايمان " والله أعلم بما يكتمون " من النقاق وبما يخلو به بعضهم إلى بعض " الذين قالوا لإخوانهم " أي لأجلهم، يريد من قتل يوم أحد من أقاربهم أو من جنسهم " وقعدوا " مقدرا بقد، أي قالوا قاعدين عن القتال " لو أطاعونا " في القعود " ما قتلوا " كما لم نقتل " قل فادرؤا " الآية أي إن كنتم صادقين أنكم تقدرون على دفع القتل عمن كتب عليه فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه فإنه أحرى بكم، والمعنى أن العقود غير مغن فإن أسباب الموت كثيرة، وكما أن القتال يكون سببا للهلاك والقعود سببا للنجاة قد يكون الامر بالعكس.

" ولا تحسبن الذين قتلوا " قال الطبرسي: قيل: نزلت في شهداء بدر، و قيل: في شهداء أحد وكانوا سبعين، أربعة من المهاجرين: حمزة، ومصعب بن عمير

وعثمان بن شماس، وعبد الله بن جحش، وسائرهم من الأنصار، وقال الباقر عليه السلام وكثير من المفسرين: إنها تتناول قتلى بدر واحد معا، وقيل: نزلت في شهداء بئر معونة " الذين استجابوا لله والرسول " قال رحمه الله: لما انصرف أبو سفيان و أصحابه من غزاة أحد فبلغوا الروحاء ندموا على انصرافهم عن المسلمين وتلاوموا، قالوا: لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فبلغ ذلك الخبر رسول الله صلى الله عليه وآله فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، وقال: " ألا عصابة تشدد لأمر الله تطلب عدوها فإنها انكاء للعدو وأبعد للسمع " فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من القرح والجرح الذي أصابهم يوم أحد، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله ليرهب العدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم فينصرفوا فخرج في سبعين رجلا حتى بلغ حمراء الأسد وهو من المدينة على ثمانية أميال.

وروى محمد بن إسحاق بن يسار عن عبد الله بن خارجة، عن زيد بن ثابت، عن أبي السائب أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله من بني عبد الأشهل كان شهد أحدا، قال: شهدت أحدا أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله بالخروج في طلب العدو قلنا: لا تفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وآله

والله مالنا دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله و كنت أيسر جرحا من أخي، فكنت إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة حتى بلغنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله حمراء الأسد. فمر برسول الله عليه وآله معبد الخزاعي بحمراء الأسد وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عينة رسول الله صلى الله عليه وآله بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا، ومعبد يؤمئذ مشرك، فقال: والله يا محمد لقد عز علينا مصابك في قومك وأصحابك، ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم، ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء وأجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالوا: قد أصبنا جل أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال:

محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا وقد اجتمع عليه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ضيعتهم وفيهم من الحنق عليكم ما لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ فقال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم قال: فوالله إني لأنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت أبياتا فيه من شعر، قال: وما قلت؟ قال قلت:

كادت تهد من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل

تردي بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا خرق معاذيل فظلت عدوا أظن الأرض مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول وقلت: وي لابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إني نذير لأهل السير ضاحية * لكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش تنابلة * وليس يوصف ما أثبت بالقيل قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومر به ركب من عبد القيس فقال:

أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة نريد الميرة، فقال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم إبلكم هذه زبيبا بعكاظ غدا إذا وافيتمونا؟

قالوا: نعم، قال: إذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا الكرة إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، وانصرف أبو سفيان، ومر الركب برسول الله صلى الله عليه وآله وهو بحمراء الأسد فأخبروه بقول أبي سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله بعد الثالثة إلى المدينة وقد ظفر في وجهه

ذلك بمعاوية بن المغيرة بن العاص، وأبي غرة الجمحي، هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد وعكرمة: نرلت هذه الآيات في غزاة بدر الصغرى، و ذلك أن أبا سفيان قال يوم أحد حين أراد أن ينصرف: يا محمد موعدنا بيننا وبينك موسم بدر الصغرى، لقابل إن شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ذلك بيننا وبينك، فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية من مر الظهران، ثم ألقى الله عليه الرعب فبدا له في الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم معتمرا، فقال له أبو سفيان: إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى. وإن هذه عام جدب فلا يصلح لنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة، فألحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل أضعها على يدي سهيل بن عمرو، فأتى نعيم المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال لهم: بئس الرأي رأيتم، أتوكم في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم إلا شريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، فوالله لا يفلت منكم أحد، فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الخروج، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي فأما الجبان فإنه رجع، وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى وهو ماء لبني كنانة، وكان موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام، فأقام ببدر ينتظر أبا سفيان،

وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة فسماهم أهل مكة جيش السويق، وقالوا:

إنما خرجتم تشربون السويق، ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه أحد من المشركين ببدر، ووافقوا السوق، وكانت لهم تجارات فباعوها، وأصابوا الدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. وقد روى ذلك أبو الجارود عن الباقر عليه السلام المعنى.

" الذين استجابوا لله والرسول " أي أطاعوا الله في أوامره وأطاعوا رسوله " من بعد ما أصابهم القرح " أي نالهم الجراح يوم أحد " للذين أحسنوا منهم " بطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وإجابته إلى الغزو " واتقوا " معاصي الله " لهم أجر عظيم " أي ثواب جزيل " الذين قال لهم الناس " في المعني بالناس الأول ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم الركب الذين دسهم أبو سفيان إلى المسلمين ليجبنوهم عند منصرفهم من أحد، لما أرادوا الرجوع إليهم، عن ابن عباس وابن إسحاق، وقد مضت قصتهم.

والثاني: أنه نعيم بن مسعود الأشجعي، وهو قول أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام.

والثالث: أنهم المنافقون عن السدي.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.