بحارالانوار · المجلد السادس
10. باب غزوة بدر الكبرى
ج ۱۹، ص ۳۰۰–۳۳۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۴ از ۵
45 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول في هذه الآية: " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما اخذ منكم ويغفر لكم " قال: نزلت في العباس وعقيل ونوفل، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى يوم بدر أن يقتل أحد من بني هاشم وأبو البختري، فاسروا فأرسل عليا عليه السلام فقال: انظر من ههنا من بني هاشم، قال فمر علي عليه السلام على عقيل بن أبي طالب كرم الله وجهه فحاد عنه فقال له عقيل: يا ابن أم علي أما والله لقد رأيت مكاني، قال: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: هذا أبو الفضل في يد فلان، وهذا عقيل في يد فلان، وهذا نوفل بن الحارث في يد فلان، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله حتى انتهى إلى عقيل فقال له: يا أبا يزيد قتل أبو جهل، فقال: إذا لا تنازعون في تهامة فقال: إن كنتم أثخنتم القوم و
إلا فاركبوا أكتافهم، قال فجئ بالعباس فقيل له: افد نفسك وافد ابن أخيك فقال: يا محمد تتركني أسأل قريشا في كفي؟ فقال: أعط ما خلقت عند أم الفضل وقلت لها: إن أصابني في وجهي هذا شئ فأنفقيه على ولدك ونفسك، فقال له:
يا بن أخي من أخبرك بهذا؟ فقال: أتاني به جبرئيل من عند الله عز ذكره، فقال ومحلوفه ما علم بهذا أحد إلا أنا وهي، أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فرجع الاسرى كلهم مشركين إلا العباس وعقيل ونوفل كرم الله وجوههم، وفيهم نزلت هذه الآية: " قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا إلى آخر الآية.
تفسير العياشي: عن معاوية بن عمار مثله.
بيان: قوله صلى الله عليه وآله وأبو البختري؟ هو العاص بن هشام بن الحارث بن أسد، ولم يقبل أمان النبي صلى الله عليه وآله ذلك اليوم وقتل. فالضمير في قوله عليه السلام: فاسروا، راجع إلى بني هاشم، وأبو البختري لم يكن من بني هاشم، لكن النبي صلى الله عليه وآله قد كان نهى عن قتله أيضا. قال ابن أبي الحديد: قال الواقدي: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن قتل أبي البختري، وكان قد لبس السلاح بمكة يوما قبل الهجرة في بعض ما كان ينال النبي صلى الله عليه وآله من الأذى، وقال: لا يعرض اليوم أحد لمحمد بأذى إلا وضعت فيه السلاح
فشكر ذلك له النبي صلى الله عليه وآله، وقال أبو داود المازني: فلحقته يوم بدر، فقلت له:
إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن قتلك إن أعطيت بيدك، قال: وما تريد إلي إن كان قد نهى عن قتلي، فقد كنت أبليته ذلك، فأما أن أعطى بيدي فو اللات والعزى لقد علمت نسوة بمكة أني لا أعطى بيدي، وقد عرفت أنك لا تدعني فافعل الذي تريد، فرماه أبو داود بسهم، وقال: اللهم سهمك وأبو البختري عبدك فضعه في مقتله وأبو البختري دارع ففتق السهم الدرع فقتله.
قال الواقدي: ويقال: إن المجذر بن زياد قتل أبا البختري وهو لا يعرفه، وقال المجذر في ذلك: شعرا عرف منه أنه قاتله.
وفي رواية محمد بن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى يوم بدر عن قتل أبي البختري واسمه الوليد بن هشام لأنه كان أكف الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة، كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شئ يكرهه، وكان فيمن قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم، فلقيه المجذر بن زياد البلوي حليف الأنصار فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهانا عن قتلك، ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة يقال له: جنادة بن مليحة، فقال أبو البختري وزميلي قال المجذر: والله ما نحن بتاركي زميلك، ما نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله إلا عنك وحدك، قال: إذا والله لأموتن أنا وهو جميعا، لا تتحدث عني نساء أهل مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة، فنازله المجذر، وارتجز أبو البختري فقال:
لن يسلم ابن حرة زميله * حتى يموت أو يرى سبيله ثم اقتتلا فقتله المجذر، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره وقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت أن يستأسر فأتيك به فأبى إلا القتال فقاتلته فقتلته، ثم
قال: قال محمد بن إسحاق وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى في أول الوقعة أن يقتل أحد من بني هاشم.
وروى بإسناده عن ابن عباس أنه قال قال النبي صلى الله عليه وآله لأصحابه: إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لنا بقتلهم، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري فلا يقتله، ومن لقي العباس عم رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يقتله فإنه إنما اخرج مستكرها.
قوله صلى الله عليه وآله: ابن أخيك يعني عقيلا، وفي بعض النسخ: ابني أخيك أي ابني أخويك: نوفلا وعقيلا، كما روى ابن أبي الحديد، عن محمد بن إسحاق قال: لما قدم بالأسارى إلى المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: افد نفسك يا عباس وابني أخويك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وحليفك عقبة بن عمرو، فإنك ذو مال إلى قوله: ثم فدى نفسه وابني أخويه.
قوله عليه السلام: " ومحلوفه " الظاهر أنه كان حلف باللات والعزى فكره عليه السلام التكلم به فعبر هكذا، وفي الكشاف أنه حلف بالله، فيحتمل أن يكون بكراهة أصل الحلف.
46 - الكافي: محمد بن يحيى ، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن أبان، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان إبليس يوم بدر يقلل المؤمنين في أعين الكفار ويكثر الكفار في أعين الناس، فشد عليه جبرئيل عليه السلام بالسيف فهرب منه و
هو يقول: يا جبرئيل إني مؤجل، حتى وقع في البحر، قال زرارة: فقلت لأبي جعفر عليه السلام: لأي شئ كان يخاف وهو مؤجل؟ قال: يقطع بعض أطرافه.
47 - إكمال الدين: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن ابن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كأني أنظر إلى القائم عليه السلام على ظهر النجف ركب فرسا أدهم أبلق ما بين عينيه شمراخ، ثم ينتفض به فرسه، فلا يبقى أهل بلدة إلا وهم يظنون أنه معهم في بلادهم، فإذا نشر راية رسول الله صلى الله عليه وآله انحط عليه ثلاثة عشر ألف ملك وثلاثة عشر ملكا كلهم ينظرون القائم عليه السلام، وهم الذين كانوا مع نوح عليه السلام في السفينة، والذين كانوا مع إبراهيم عليه السلام حيث القي في النار، وكانوا مع عيسى عليه السلام حين رفع، وأربعة آلاف مسومين ومردفين، وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكا ملائكة يوم بدر، وأربعة آلاف ملك الذين هبطوا يريدون القتال مع الحسين عليه السلام فلم يؤذن لهم.
أقول: سيأتي مثله بأسانيد جمة في كتاب الغيبة.
48 - قرب الإسناد: ابن طريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام عن ابن عباس قال: انتدب رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة البدر إلى الماء فانتدب علي عليه السلام فخرج، وكانت ليلة باردة ذات ريح وظلمة، فخرج بقربته، فلما كان إلى القليب
لم يجد دلوا، فنزل في الجب تلك الساعة فملا قربته: ثم أقبل فاستقبلته ريح شديدة فجلس حتى مضت، ثم قام، ثم مرت به أخرى فجلس حتى مضت، ثم قام، ثم مرت به أخرى فجلس حتى مضت، فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وآله: ما حبسك يا أبا الحسن؟ قال: لقيت ريحا، ثم ريحا ثم ريحا، شديدة، فأصابتني قشعريرة، فقال:
أتدري ما كان ذاك يا علي؟ فقال: لا، فقال: ذاك جبرئيل في ألف من الملائكة وقد سلم عليك وسلموا، ثم مر ميكائيل في ألف من الملائكة فسلم عليك وسلموا، ثم مر إسرافيل وألف من الملائكة فسلم عليك وسلموا.
49 - تفسير العياشي: عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن علي بن الحسين عليهما السلام مثله بأدنى تغيير، وزاد في آخره: وهم مدد لنا، وهم الذين رآهم إبليس
فنكص على عقبيه يمشي القهقرى حين يقول: " إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب ".
50 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ولقد كنتم تمنون الموت " الآية، إن المؤمنين لما أخبرهم الله عز وجل بمنازل شهدائهم يوم بدر من الجنة رغبوا في ذلك، وقالوا: اللهم أرنا قتالا نستشهد فيه، فأراهم الله إياه يوم أحد، فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم.
51 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في بيان خروج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى مكة وإحرامه ومنع قريش المسلمين وإرادته صلى الله عليه وآله الصلح، وعدم رضا الأمة به، وإرائتهم الحرب وهزيمتهم من قريش - وساق الحديث إلى أن قال: - فرجع، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله مستحيين، وأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: ألستم أصحابي يوم بدر إذ أنزل الله فيكم: " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين "؟ ألستم أصحابي يوم أحد " إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في اخراكم "؟ ألستم أصحابي يوم كذا ويوم كذا (7)؟
فاعتذروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وندموا على ما كان منهم الخبر.
52 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله تعالى: " وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله " قال: نزلت في الأوس والخزرج، روي عن الامام أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى:
وإن يريدوا أن يخدعوك " الآية، قال: هم الذين استشارهم الرسول في أمر قريش ببدر، فقال رجل منهم: يا رسول الله إنها قريش وخيلاؤها، وإنها ما آمنت قط الحديث، فقال تعالى: " فإن حسبك الله " إلى قوله تعالى: " فإنه عزيز حكيم " قال: هم الأنصار، وكان ألف بين قلوبهم ونصرتهم نبيه، وهو قوله تعالى، " لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم " فالذين ألف الله بين قلوبهم الأنصار خاصة.
53 - الخصال: القطان، عن عبد الرحمن بن محمد الحسيني، عن محمد بن علي الخراساني عن سهل بن صالح العباسي، عن أبيه، وإبراهيم بن عبد الرحمن، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهما السلام، عن الحسين بن علي عليهما السلام وساق الحديث في الخمسة المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله - ثم قال الصدوق: ويقال في خبر آخر في الأسود
ابن عبد يغوث: قول آخر، يقال: إن النبي صلى الله عليه وآله كان قد دعا عليه أن يعمي الله بصره، وأن يثكله ولده، فلما كان في ذلك اليوم جاء حتى صار إلى كدا فأتاه جبرئيل بورقة خضراء فضرب بها وجهه فعمي وبقي حتى أثكله الله عز وجل ولده يوم بدر ثم مات.
54 - تفسير علي بن إبراهيم: " ومن عاقب بمثل ما عوقب به " قال: فهو رسول الله صلى الله عليه وآله، لما أخرجته قريش من مكة وهرب منهم إلى الغار طلبوه ليقتلوه فعاقبهم الله تعالى يوم بدر، فقتل عتبة وشيبة والوليد وأبو جهل وحنظلة بن أبي سفيان وغيرهم، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله طلب بدمائهم.
55 - تفسير علي بن إبراهيم: " أم يقولون نحن جميع منتصر * سيهزم الجمع ويولون الدبر " قال: فقالت: قريش: قد اجتمعنا لننتصر ونقتلك يا محمد، فأنزل الله: " أم يقولون " يا محمد " نحن جميع منتصر * سيهزم الجمع ويولون الدبر " يعني يوم بدر حين هزموا وأسروا وقتلوا.
56 - تفسير علي بن إبراهيم: " سأل سائل بعذاب واقع " قال : وفي حديث آخر: لما
اصطفت الخيلان يوم بدر رفع أبو جهل يديه فقال: اللهم أقطعنا للرحم، و آتانا بما لا نعرف فأحنه العذاب، فأنزل الله تبارك وتعالى: " سأل سائل بعذاب واقع ".
57 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: فأما من أوتي كتابه بيمينه، فهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومي و هو من بني مخزوم " وأما من أوتي كتابه وراء ظهره " فهو أخوه الأسود بن عبد الأسد بن هلال المخزومي، قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر.
58 - التوحيد: بإسناده عن وهب القرشي عن الصادق عن آبائه، عن أمير - المؤمنين عليهم السلام قال: رأيت الخضر عليه السلام في المنام قبل بدر بليلة فقلت له: علمني شيئا انصر به على الأعداء، فقال: قل: " يا هو يا من لا هو إلا هو " فلما أصبحت قصصتها على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي: يا علي علمت الاسم الأعظم، وكان على لساني يوم بدر أقول: سيأتي تمامه بإسناده في كتاب الدعاء وغيره.
59 - تفسير النعماني: عن الصادق، عن أمير المؤمنين عليهما السلام قال: لما كان يوم بدر وعرف الله حرج المسلمين أنزل على نبيه: " فإن جنحوا للسلم فاجنح
لها وتوكل على الله " فلما قوي الاسلام وكثر المسلمون أنزل الله تعالى: " ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم " فنسخت هذه الآية التي أذن لهم فيها أن يجنحوا - وساق الحديث إلى أن قال: - أما الجدال ومعانيه في كتاب الله " وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بدر كان خروجه في طلب العدو، وقال لأصحابه: إن الله عز وجل قد وعدني أن أظفر بالعير، أو بقريش، فخرجوا معه على هذا، فلما أفلتت العير وأمره الله بقتال قريش أخبر أصحابه فقال: إن قريشا قد أقبلت، وقد وعدني الله سبحانه إحدى الطائفتين أنها لكم، وأمرني بقتال قريش، قال: فجزعوا من ذلك وقالوا: يا رسول الله فإنا لم نخرج على أهبة الحرب، قال: وأكثر قوم منهم الكلام والجدال، فأنزل الله تعالى: " وإذ يعدكم الله " الآية، وساقه إلى أن قال: رجل من الأنصار يقال له: رفاعة بن زيد بن عامر، وكان عم قتادة بن النعمان الأنصاري وكان قتادة ممن شهد بدرا.
أقول: سيأتي في غزوة أحد بعض أخبار الباب.
60 - الاختصاص: ابن الوليد، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن
إسماعيل العلوي عن محمد بن الزبرقان الدامغاني، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: إن العباس كان في عدد الأسارى عند النبي صلى الله عليه وآله، وجحد أن يكون له الفداء فأنزل الله تبارك وتعالى على النبي صلى الله عليه وآله يخبره بدفين له من ذهب، فبعث عليا عليه السلام فأخرجه من عند أم الفضل، وأخبر العباس بما أخبره جبرئيل عن الله تبارك و تعالى فأذن لعلي وأعطاه علامة الذي دفن فيه فقال العباس عند ذلك: يا ابن أخي ما فاتني منك أكثر، وأشهد أنك رسول رب العالمين، فلما أحضر علي الذهب قال العباس: أفقرتني يا بن أخي فأنزل الله تبارك وتعالى " إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم ".
61 - أقول: روى السيد في كتاب سعد السعود من تفسير محمد بن العباس بن
علي بن مروان قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن سلام، عن حجاج بن المنهال عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي محلث، عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب أنه قال: سمعته يقول: " أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الرحمن قال قيس: وفيهم نزلت هذه الآية: " هذان خصمان اختصموا في ربهم " قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة، وشيبة وعتبة والوليد.
حدثنا الحسن بن عامر قال حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان الأحمر، عن أبي بصير عن عكرمة عن ابن عباس قال: خرج عتبة وشيبة والوليد للبراز، وخرج عبيد الله بن رواحة من ناحية أخرى، قال: فكره رسول الله صلى الله عليه وآله أن تكون الحرب أول ما لقي بالأنصار. فبدأ بأهل بيته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: مروهم أن يرجعوا إلى مصافهم
إنما يريد القوم بني عمهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وحمزة وعبيدة بن الحارث ابن عبد المطلب، فبرزوا بين يديه بالسلاح، فقال: اجعلاه بينكما، وخاف عليه الحداثة، فقال: اذهبوا فقاتلوا عن حقكم وبالدين الذي بعث به نبيكم إذ جاؤوا بباطلهم ليطفؤوا نور الله بأفواههم، اذهبوا في حفظ الله [أو في عون الله] فخرجوا يمشون حتى إذا كانوا قريبا حيث يسمعون الصوت. فصاح بهم عتبة: انتسبوا نعرفكم، فإن تكونوا أكفاء نقاتلكم، وفيهم نزلت هذه الآية: " هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ".
فقال عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان قريب السن من أبي طالب وهو يومئذ أكبر المسلمين فقال هو: كفو كريم، ثم قال لحمزة: من أنت؟ قال: أنا حمزة بن عبد المطلب، أنا أسد الله وأسد رسوله، أنا صاحب الحلفاء، فقال له عتبة: سترى صولتك اليوم يا أسد الله وأسد رسوله، قد لقيت أسد المطيبين، فقال لعلي: من أنت، فقال: أنا عبد الله وأخو رسوله، أنا علي بن أبي طالب، فقال: يا وليد دونك الغلام، فأقبل الوليد يشتد إلى علي قد تنور وتخلق عليه خاتم من ذهب بيده السيف - قال علي: قد ظل علي في طول نحو من ذراع، فختلته حتى ضربت يده التي فيها السيف، فبدرت يده وبدر السيف حتى نظرت إلى بصيص الذهب في البطحاء، وصاح صيحة أسمع أهل العسكرين - فذهب مولى نحو أبيه و شد عليه علي عليه السلام فضرب فخذه فسقط، وقام علي عليه السلام وقال:
أنا ابن ذي الحوضين عبد المطلب * وهاشم المطعم في العام السغب أوفي بميثاقي وأحمي عن حسب ثم ضربه فقطع فخذه، قال ففي ذلك تقول هند بنت عتبه:
أبي وعمى وشقيق بكري * أخي الذي كانوا كضوء البدر بهم كسرت يا علي ظهري.
ثم تقدم شيبة بن ربيعة وعبيدة بن الحارث فالتقيا فضربه شيبة فرمى رجله، وضربه عبيدة فأسرع السيف فيه فأقطعه فسقطا جميعا، وتقدم حمزة وعتبة فتكادما الموت طويلا، وعلي قائم على الوليد، والناس ينظرون، فصاح رجل من الأنصار يا علي ما ترى الكلب قد بهر عمك؟ فلما أن سمعها أقبل يشتد نحو عتبة فحانت من عتبة التفاته إلى علي فرآه وقد أقبل نحوه يشتد، فاغتنم عتبة حداثة سن علي فأقبل نحوه، فلحقه حمزة قبل أن يصل إلى علي فضربه في حبل العاتق، فضربه علي فأجهز عليه، قال: وأبو حذيفة بن عتبة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله ينظر إليهم فأربد وجهه، وتغير لونه، وهو يتنفس، ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول: صبرا يا با حذيفة حتى قتلوا، ثم أقبلا إلى عبيدة حتى احتملاه فسال المخ على أقدامهما، ثم اشتدوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا رسول الله ألست شهيدا؟ قال: بلى، قال:
لو كان أبو طالب حيا لعلم أني أولى بهذا البيت منه حيث يقول:
ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبناءنا والحلائل بيان: البصيص: البريق، وقال الفيروزآبادي: كدمه: عضه بأدنى فمه، أو أثر فيه بحديدة، والدابة تكادم الحشيش: إذا لم تستمكن منه.
62 - إعلام الورى: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر كفا من تراب فرماه إليهم وقال: " شاهت
الوجوه " فلم يبق منهم أحد إلا اشتغل بفرك عينيه، وقتل علي عليه السلام فيها الوليد ابن عتبة وكان شجاعا فاتكا، والعاص بن سعيد، وطعيمة بن عدي، ونوفل بن خويلد، وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة بحبل وعذبهما يوما إلى الليل وهو عم الزبير.
وروى جابر، عن الباقر، عن أمير المؤمنين عليهما السلام قال: لقد تعجبت يوم بدر من جرأة القوم وقد قتلت الوليد بن عتبة إذ أقبل إلي حنظلة بن أبي سفيان، فلما دنا مني ضربته بالسيف فسالت عيناه ولزم الأرض قتيلا.
وقتل زمعة بن الأسود، والحارث بن زمعة، وعمير بن عثمان عم طلحة، و عثمان ومالكا أخوي طلحة في جماعة، وهم ستة وثلاثون رجلا، واستشهد من المسلمين يوم بدر أربعة عشر رجلا، منهم: عبيدة بن الحارث، وذو الشمالين عمرو بن نضلة ومهجع مولى عمر، وعمير بن أبي وقاص، وصفوان بن أبي البيضاء، هؤلاء من المهاجرين، والباقون من الأنصار.
63 - الخصال: عن عامر بن واثلة في خبر الشورى قال أمير المؤمنين عليه السلام: نشدتكم بالله هل فيكم أحد بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله ليجئ بالماء كما بعثني، فذهبت حتى حملت القربة على ظهري، ومشيت بها فاستقبلتني ريح فردتني حتى أجلستني، ثم قمت فاستقبلتني ريح فردتني حتى أجلستني ثم قمت فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي: ما حبسك، فقصصت عليه القصة، فقال: " قد جاءني جبرئيل فأخبرني: أما الريح الأولى فجبرئيل كان في ألف من الملائكة يسلمون عليك، وأما الثانية فميكائيل في ألف من الملائكة يسلمون عليك " غيري؟ قالوا: اللهم لا. الخبر.
64 - الإحتجاج: عن أبي جعفر عليه السلام في خبر الشورى قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام:
نشدتكم بالله هل فيكم أحد ناول رسول الله صلى الله عليه وآله قبضة من تراب فرمى به في وجوه الكفار فانهزموا غيري؟ قالوا: لا، قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نودي باسمه يوم بدر: " لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي " غيري؟ قالوا: لا، قال:
نشدتكم بالله هل فيكم أحد سلم عليه جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في ثلاثة آلاف من الملائكة يوم بدر غيري؟ قالوا: لا.
بيان: المشهور في الاخبار أن النداء بلا سيف إنما كان يوم أحد، ولعله من تصحيف الرواة، مع أنه يحتمل أن يكون النداء به في اليومين معا.
65 - كنز الكراجكي: عن الحسين بن محمد بن علي الصيرفي، عن محمد بن عمر الجعابي، عن محمد بن سليمان بن محبوب، عن أحمد بن عيسى الحربي، عن إسماعيل ابن يحيى، عن ابن جريح، عن عطا، عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله ليلة بدر قائما يصلي ويبكي ويستعبر ويخشع ويخضع كاستطعام المسكين، و يقول: " اللهم أنجز لي ما وعدتني " ويخر ساجدا ويخشع في سجوده ويكثر التضرع، فأوحى الله إليه: قد أنجزنا وعدك، وأيدناك بابن عمك علي، ومصارعهم على يديه، وكفيناك المستهزئين به، فعلينا فتوكل، وعليه فاعتمد، فأنا خير من
توكلت عليه، وهو أفضل من اعتمد عليه.
67 - الكافي: محمد بن يحيى، والحسين بن محمد جميعا، عن جعفر بن محمد، عن عبادة بن يعقوب، عن أحمد بن إسماعيل، عن عمر بن كيسان، عن أبي عبد الله الجعفي قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: فإنما مثلنا ومثلكم مثل نبي كان في بني إسرائيل فأوحى الله عز وجل إليه أن: ادع قومك للقتال فإني سأنصرك. فجمعهم من رؤوس الجبال ومن غير ذلك، ثم توجه بهم فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتى انهزموا، ثم أوحى الله تبارك، وتعالى إليه أن: ادع قومك إلى القتال، فإني سأنصرك، فجمعهم ثم توجه بهم فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتى انهزموا. ثم أوحى الله إليه أن: ادع قومك إلى القتال فإني سأنصرك، فدعاهم فقالوا: وعدتنا النصر فما نصرنا، فأوحى الله عز وجل إليه: إما أن يختاروا القتال أو النار، فقال: يا رب القتال أحب من النار، فدعاهم فأجابه منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدة أهل بدر، فتوجه بهم فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتى فتح الله عز وجل لهم.
68 - تفسير العياشي: عن محمد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول
الله: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " قال: كان المسلمون قد أصابوا ببدر مائة وأربعين رجلا، وأسروا سبعين، فلما كان يوم أحد أصيب من المسلمين سبعون رجلا، قال: فاغتموا بذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ".
69 - تفسير العياشي: عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام قال: قلت: الزبير شهد بدرا قال: نعم، ولكنه فر يوم الجمل، فإن كان قاتل المؤمنين فقد هلك بقتاله إياهم، وإن كان قاتل كفارا فقد باء بغضب من الله حين ولاهم دبره.
70 - تفسير العياشي: عن زرارة وحمران عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في قوله:
" خير الماكرين " قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قد كان لقي من قومه بلاء شديدا حتى أتوه ذات يوم وهو ساجد حتى طرحوا عليه رحم شاة، فأتته ابنته وهو ساجد لم يرفع رأسه فرفعته عنه ومسحته، ثم أراه الله بعد ذلك الذي يحب، إنه كان ببدر وليس معه غير فارس واحد، ثم كان معه يوم الفتح اثنا عشر ألفا حتى جعل أبو سفيان والمشركون يستغيثون.
71 - تفسير العياشي: عن محمد بن يحيى، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " والركب أسفل منكم " قال: أبو سفيان وأصحابه.
72 - إكمال الدين: الطالقاني، عن ابن عقدة، عن علي بن فضال، عن أبيه، عن
محمد بن الفضيل، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: السنة فينا في الصلاة على الميت خمس تكبيرات، وقد كان رسول الله يكبر على أهل بدر سبعا وتسعا.
73 - قصص الأنبياء: بالاسناد عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب. عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن عبد الحميد بن أبي الديلم عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.
وقد مضى تمامه في أبواب أحوال آدم عليه السلام.
74 - إكمال الدين: بإسناده عن المفضل قال: قال الصادق عليه السلام: كأني أنظر إلى القائم على منبر الكوفة وحوله أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر وهم أصحاب الألوية. الخبر.
وسيأتي أخبار كثيرة في بيان هذا العدد في كتاب الغيبة وباب الرجعة.
75 - الغيبة للنعماني: أحمد بن هوذة، عن النهاوندي، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله ابن سنان، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: أبى الله إلا أن يخلف وقت الموقتين، وهي راية رسول الله صلى الله عليه وآله، نزل جبرئيل يوم بدر سرية ثم قال: يا با محمد ما هي والله قطن ولا كتان ولا خز ولا حرير، قلت: من أي شئ؟ قال: من ورق الجنة، نشرها رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر ثم لفها ودفعها إلى علي عليه السلام، ففتح الله عليه،
ثم لفها، وهي عندنا هناك لا ينشرها أحد حتى يقوم القائم، فإذا قام نشرها فلم يبق في المشرق والمغرب أحد إلا آلفها، ويسير الرعب قدامها شهرا، وعن يمينها شهرا وعن يسارها شهرا. الخبر.
76 - أقول: روي في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام.
ألم تر أن الله أبلى رسوله * بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل بما أنزل الكفار دار مذلة * ولاقوا هوانا من أسار ومن قتل فأمسى رسول الله صلى الله عليه وآله قد عز نصره * وكان أمين الله ارسل بالعدل فجاء بفرقان من الله منزل * مبينة آياته لذوي العقل فآمن أقوام كرام وأيقنوا * وأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم * فزادهم الرحمن خبلا على خبل وأمكن منهم يوم بدر رسوله * وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل بأيديهم بيض خفاف قواطع * وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل فكم تركوا من ناشئ ذي حمية * صريعا ومن ذي نجدة منهم كهل وتبكي عيون النائحات عليهم * تجود بارسال الرشاش وبالوبل نوائح تبكى عتبة الغي وابنه * وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل وذا الذحل تنعى وابن جذعان فيهم * مسلبة حرى مبينة الثكل
ثوى منهم في بئر بدر عصابة * ذوو نجدات في الحزون وفي السهل دعى الغي منهم من دعا فأجابه * وللغي أسباب مقطعة الوصل فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل * عن البغي والعدوان في أشغل الشغل بيان: الابلاء: الانعام. والزيغ: الميل عن استقامة، والخبل: الفساد في العقل، ومحادثة السيف: جلاؤه، والناشئ: الحدث السن، والذحل: الحقد و العداوة.
77 - وفي الديوان أيضا: قال علي عليه السلام مخاطبا للوليد:
تبا وتعسا لك يا بن عتبة * أسقيك من كأس المنايا شربة ولا أبالي بعد ذلك غبه.
بيان: تبا وتعسا، أي ألزمك الله خسرانا وهلاكا، وضمير " غبه " راجع إلى السقي. وغب الشئ: عاقبته.
78 - ومنه في تلك الغزاة:
والخيل جالت يومها غضابها * بمربط سربالها ترابها وسط منايا بينها أحقابها * اليوم عني ينجلي جلبابها بيان: الضمائر راجعة إلى الحرب، والمربط بالكسر: الرسن، والحقب بالتحريك: حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير.
79 - ومنه فيها:
قد عرف الحرب العوان عني * بازل عامين حديث سني سنحنح الليل كأني جني * أستقبل الحرب بكل فن
معي سلاحي ومعي مجني * وصارم يذهب كل ضغن أقصى به كل عدو عني * لمثل هذا ولدتني أمي بيان: العوان من الحرب: التي قوتل فيها مرة، وجعل " أمي " قافية لقرب مخرج الميم من النون، وهذا مجوز عند العرب.
80 - مناقب ابن شهرآشوب: ثم غزا صلى الله عليه وآله بدر الكبرى وهو يوم الفرقان قوله تعالى: " كما أخرجك ربك " السورة، وقوله: " قد كان لكم آية " وبدر ما بين مكة و المدينة.
وقال الشعبي والثمالي: بئر منسوبة إلى بدر الغفاري، وقال الواقدي هو اسم الموضع، خرج صلى الله عليه وآله سابع شهر رمضان، ويقال: ثالثه في ثلاثمائة و سبعة عشر رجلا في عدة أصحاب طالوت، منهم ثمانون راكبا أو سبعون، ويقال:
سبعة وسبعين رجلا من المهاجرين، ومائتي وثلاثين رجلا من الأنصار، وكان المقداد فارسا فقط، يعتقب النفر على البعير الواحد، وكان بين النبي صلى الله عليه وآله وبين أبي مرثد بعير، ويقال: فرس وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف قاصدا إلى أبي سفيان وعتبة بن أبي ربيعة في أربعين من قريش أو سبعين، فأخبر بالنبي صلى الله عليه وآله فأخذوا على الساحل واستصرخوا إلى أهل مكة على لسان ضمضم الغفاري، قال ابن قتيبة: خرجوا تسعمائة وخمسين، ويقال: ألف ومائتان و خمسون، ويقال: ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس يقودونها، والقيان يضربن بالدفوف ويتغنين بهجاء المسلمين، ولم يكن من قريش بطن إلا خرج منهم ناس إلا
من بني زهرة وبني عدي بن كعب، وأخرج فيهم طالب كرها فلم يوجد في القتلى والأسرى.
الكلبي وأبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام: كان إبليس في صف المشركين آخذا بيد الحارث بن هشام فنكص على عقيبة، فقال له الحارث: يا سراق إلى أين؟ أتخذلنا على هذه الحالة؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، فقال: والله ما ترى إلا جعاسيس يثرب فدفع في صدر الحارث وانطلق وانهزم الناس، وقال النبي صلى الله عليه وآله في العريش:
" اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعد اليوم " فنزل: " إذ تستغيثون ربكم " فخرج يقول: " سيهزم الجمع ويولون الدبر " الآية، فأيده الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، وكثرهم في أعين المشركين في أعينهم.
وقال علي عليه السلام وابن عباس في قوله: " مسومين " كان عليهم عمائم بيض أرسلوها بين أكتافهم، وقال عروة: كانوا على خيل بلق عليهم عمائم صفر.
الحسن وقتادة: كانوا أعلموا بالصوف في نواصي الخيل وأذنابها.
ابن عباس: وسمع غفاري في سحابة حمحمة الخيل وقائل يقول: أقدم حيزوم.
البخاري: قال النبي صلى الله عليه وآله يوم بدر: هذا جبرئيل أخذ برأس فرسه عليه أدات الحرب.
الثعلبي وسماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " وما رميت إذ رميت " إن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: ناولني كفا من حصباء فناوله فرمى به في وجوه القوم، فما بقي أحد إلا امتلأت عينه من الحصباء.
وفي رواية غيره: وأفواههم ومناخرهم.
قال أنس: رمى بثلاث حصيات في الميمنة والميسرة والقلب.
قال ابن عباس: " وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا " يعني وهزم الكفار ليغنم النبي والوصي عليهما السلام، وكان الاسرى سبعين، ويقال: أربع وأربعون، ولم يؤسر أحد من المسلمين، والشهداء كانوا أربعة عشر، واخذ الفداء من كل مشرك أربعين أوقية، ومن العباس مائة، وقالوا: كان أكثر من أربعة آلاف درهم، فنزل عتابا في الفداء والأسرى: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى " وقد كان كتب في اللوح المحفوظ " لولا كتاب من الله سبق " وكان القتال بالسابع عشر من شهر رمضان، وكان لواؤه مع مصعب بن عمير ، ورايته مع علي عليه السلام، ويقال رايته مع علي عليه السلام، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة.
بيان: الجعاسيس: اللئام في الخلق والخلق الواحد جعسوس بالضم.
81 - الخصال: بالاسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام في خبر اليهودي الذي سأله عليه السلام
عما امتحنه الله به في حياة النبي صلى الله عليه وآله وبعد وفاته، قال: وأما الثالثة يا أخا اليهود فإن ابني ربيعة وابن عتبة كانوا فرسان قريش، دعوا إلى البراز يوم بدر، فلم يبرز لهم خلق من قريش، فأنهضني رسول الله مع صاحبي رضي الله عنهما وقد فعل وأنا أحدث أصحابي سنا، وأقلهم للحرب تجربة، فقتل الله عز وجل بيدي وليدا وشيبة سوى من قتلت من جحاجحة قريش في ذلك اليوم وسوى من أسرت، وكان مني أكثر مما كان من أصحابي، واستشهد ابن عمي في ذلك اليوم رحمة الله عليه، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
بيان: الجحاجحة، جمع الجحجاح وهو السيد الكريم.
82 - وقال الكازروني في المنتقى: قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة قال: جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر وهو في الحجر، وكان عمير شيطانا من شياطين قريش، وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه بمكة وكان ابنه وهيب بن عمير في أسارى بدر، فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله ليس في العيش خير بعدهم، فقال له عمير: صدقت والله، أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قبلهم علة ابني أسير في أيديهم، فقال صفوان: فعلي دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي، أواسيهم أسوتهم ما بقوا، قال عمير: فاكتم علي شأني وشأنك، قال: أفعل، ثم إن عميرا أمر بسيفه فشحذ له وسم، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فلما دخل على النبي صلى الله عليه وآله فقال:
أنعموا صباحا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة، ما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف في عنقك: قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت شيئا؟ قال: اصدقني بالذي جئت له، قال: ما جئت إلا لذلك، فقال النبي
صلى الله عليه وآله: بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علي وعلي عيالي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حائل بيني وبينك، فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا نكذبك، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا و صفوان، فوالله إني لاعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للاسلام، و ساقني هذا المساق، ثم تشهد شهادة الحق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فقهوا أخاكم في دينه، وعلموه القرآن، وأطلقوا له أسيره، ففعلوا، ثم قال: يا رسول الله إني كنت جاهدا في إطفاء نور الله شديد الأذى لمن كان على دين الله، وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الاسلام، لعل الله أن يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم، فأذن له، فلحق بمكة، وكان صفوان حين خرج عمير يقول لقريش: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبدا، ولا ينفعه بنفع أبدا، فلما قدم مكة أقام بها يدعو إلى الاسلام ويؤدى من خالفه، فأسلم على يديه ناس كثيرة.
وروى بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: إني لواقف يوم بدر في الصف فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع أقوى منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ فقلت: نعم، وما حاجتك إليه يا بن أخي؟ قال: بلغني أنه سب رسول الله صلى الله عليه وآله، والذي نفسي بيده لو رأيته لم يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: فغمزني الآخر فقال لي: مثلها، فتعجبت لذلك، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت لهما: الا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما فاستقبلهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته،
قال: هل مسحتما سيفكما (1)؟ قالا: لا، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله في السيفين فقال:
كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو، وهما معاذ بن عمرو ومعاذ بن عفراء.
وفي رواية أن معاذ بن عفراء ضرب أبا جهل هو وأخوه عوف بن الحارث حتى أثبتاه، فعطف عليهما فقتلهما، ثم وقع صريعا فدفف عليه ابن مسعود.
83 - أقول: قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة قال الواقدي:
بلغ رسول الله أن عير قريش فصلت من مكة تريد الشام، وقد جمعت قريش فيها أموالها، فندب لها أصحابه، وخرج يعترضها على رأس ستة عشر شهرا من مهاجره فخرج في خمسين ومائة، ويقال: في مائتين، ولم يلق العير وفاتته ذاهبة إلى الشام، وهذه غزاة ذي العشيرة رجع منها إلى المدينة ولم يلق حربا، فلما تحين انصراف العير من الشام قافلة ندب أصحابه لها وبعث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد قبل خروجه من المدينة بعشر ليال يتجسسان خبر العير، وندب رسول الله المسلمين و قال: هذه عير قريش فيها أموالهم، لعل الله أن يغنمكموها، فأسرع من أسرع حتى أن كان الرجل ليساهم أباه في الخروج، فكان ممن ساهم أباه سعد بن خيثمة، فخرج سهم سعد فقتل ببدر، وأبطأ عن النبي صلى الله عليه وآله كثير من أصحابه، وكرهوا خروجه، وكان في ذلك كلام كثير واختلاف، وتخلف بعضهم من أهل النيات والبصائر لم يظنوا أنه يكون قتال إنما هو الخروج للغنيمة، ولو ظنوا أنه يكون قتال لما تخلفوا، منهم أسيد بن حضير، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله حتى انتهى إلى المكان المعروف بالبقع وهي بيوت السقيا، وهي متصلة ببيوت المدينة، فضرب عسكره هناك وعرض
المقاتلة، دعا يومئذ لأهل المدينة فقال: " اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك دعاك لأهل مكة، وإني محمد عبدك ونبيك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم وثمارهم، اللهم حبب إلينا المدينة، واجعل ما بها من الوباء بخم اللهم إني حرمت ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم خليلك مكة " فراح صلى الله عليه وآله من السقيا لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، وخرج المسلمون معه، فكانت الإبل سبعين بعيرا، وكانوا يتعاقبون الإبل الاثنين والثلاثة والأربعة، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام ومرثد بن أبي مرثد - ويقال: زيد بن حارثة مكان مرثد - يتعاقبون بعيرا.
قال الواقدي: فروى معاذ بن رفاعة، عن أبيه قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وآله إلى بدر وكان كل ثلاثة يتعاقبون بعيرا فكنت أنا وأخي خلاد بن أبي رافع على بكر لنا، ومعنا يزيد بن عامر، فكنا نتعاقب، فسرنا حتى إذا كنا بالروحاء برك علينا بكرنا وأعيا، فقال أخي: اللهم إن لك علي نذرا لئن رددتنا إلى المدينة لأنحرنه، فمر بنا النبي صلى الله عليه وآله ونحن على تلك الحال، فقلنا: يا رسول الله برك علينا بكرنا، فدعا بماء فتمضمض وتوضأ في إناء ثم قال: افتحا فاه فصبه في فيه، ثم على رأسه، ثم على عنقه، ثم على حاركه، ثم على سنامه، ثم على عجزه، ثم على ذنبه، ثم قال: اركبا، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله، فلحقناه أسفل من المنصرف، وإن بكرنا لينفر بنا حتى إذا كنا بالمصلى راجعين من بدر برك علينا، فنحره أخي فقسم لحمه وتصدق به.
قال الواقدي: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله حين فصل من بيوت السقيا " اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأشبعهم، وعالة فأغنهم من فضلك " فما رجع أحد منهم يريد أن يركب إلا وجد ظهرا، للرجل البعير والبعيران و اكتسى من كان عاريا، وأصابوا طعاما من أزوادهم، وأصابوا فداء الاسرى فأغني به كل عائل.
قال: وكان معهم فرسان: فرس لمرثد، وفرس للمقداد بن عمرو حليف بني زهرة، ويقال: فرس للزبير.
قال الواقدي: ولحقت قريش بالشام في عيرها، وكانت العير ألف بعير، و كان فيها أموال عظام، ولم يبق بمكة قرشي ولا قرشية له مثقال فصاعدا إلا بعث به في العير، فلما اخبر أبو سفيان أن النبي صلى الله عليه وآله يريد أن يتعرض للعير بعث ضمضم ابن عمرو إلى مكة - ثم ذكر رؤيا عاتكة - ثم قال: قال الواقدي: وكان عمرو ابن العاص يحدث بعد ذلك فيقول: لقد رأيت كل هذا، ولقد رأيت في دارنا فلقة من الصخرة التي انفلقت من أبي قبيس ولقد كان ذلك عبرة.
قال الواقدي: ولما تهيؤا للخروج وأخرج عتبة وشيبة دروعا لهما فنظر إليهما مولاهما عداس وهما يصلحان دروعهما وآلة حربهما فقال: ما تريدان؟ فقالا:
ألم تر إلى الرجل الذي أرسلناك إليه بالعنب في كرمنا بالطائف (2)؟ قال نعم، قالا:
نخرج فتقاتله فبكى وقال: لا تخرجا فوالله إنه لنبي، فأبيا فخرجا وخرج معهما فقتل ببدر معهما.
قال واستقسمت قريش بالأزلام عند هبل للخروج، فاستقسم أمية بن
خلف وعتبة وشيبة بالآمر والناهي فخرج القدح الناهي، فأجمعوا المقام حتى أزعجهم أبو جهل، فقال: ما استقسمت ولا نتخلف عن عيرنا.
وروي عن حكيم بن حزام قال: ما توجهت وجها قط كان أكره إلي من مسيري إلى بدر، ولا بان لي في وجه قط ما بان لي قبل أن أخرج، قال: قدم ضمضم فصاح بالنفير فاستقسمت بالأزلام، كل ذلك يخرج الذي أكره، ثم خرجت على ذلك حتى نزلنا مر الظهران فنحر ابن الحنظلية جزورا منها بها حياة فما بقي خبأ من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها، فكان هذا بينا، ثم هممت بالرجوع، ثم أذكر ابن الحنظلية وشومه فيردني حتى مضيت لوجهي، ولقد رأيت حين بلغنا الثنية البيضاء إذا عداس جالس عليها والناس يمرون إذ مر علينا ابنا ربيعة فوثب عليهما وأخذ بأرجلهما في غرزهما وهو يقول: بأبي أنتما وأمي إنه لرسول الله، وما تساقان إلا إلى مصارعكما، وإن عينيه لتسيلان دمعا على خديه، فأردت أن أرجع أيضا، ثم مضيت فمر به العاص بن منبه بن الحجاج فوقف عليه حين ولى عتبة وشيبة فقال: ما يبكيك؟ قال: يبكيني سيداي وسيدا أهل الوادي، يخرجان إلى مصارعهما، ويقاتلان رسول الله، فقال العاص: وإن محمدا لرسول الله صلى الله عليه وآله فانتفض عداس انتفاضة واقشعر جلده ثم بكى وقال: إي والله إنه رسول الله إلى الناس كافة، قال: فأسلم العاص بن منبه ومضى وهو على الشك حتى قتل مع المشركين على شك وارتياب، ويقال: رجع عداس ولم يشهد بدرا، ويقال: شهد بدرا وقتل.
قال الواقدي: والقول الأول أثبت عندنا.
قال: فلما أجمعوا على المسير ذكروا الذي بينهم وبين بني بكر من العداوة وخافوهم على من يخلفونه، فتصور لهم إبليس في صورة سراقة فقال: يا معشر قريش قد عرفتم شرفي ومكاني في قومي، أنا لكم جار أن يأتيكم كنانة بشئ تكرهونه، فخرجوا سراعا بالقيان والدفوف يتغنين في كل منهل، وينحرون الجزر، وخرجوا
بتسعمائة وخمسين مقاتلا، وقادوا مائة فرس بطرا ورئاء الناس. وكانت الإبل سبعمائة بعير، وكان أهل الخيل كلهم دارعا وكانوا مائة، وكان في الرجالة دروع سوى ذلك فلما انتهوا إلى الجحفة رأى جهيم بن الصلت بين النوم واليقظة: رجل أقبل على فرس معه بعير له حتى وقف عليه، فقال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وزمعة بن الأسود وأمية بن خلف وأبو البختري وأبو الحكم ونوفل بن خويلد في رجال سماهم من أشراف قريش، واسر سهيل بن عمرو، وفر الحارث بن هشام عن أخيه قال: وكأن قائلا يقول: والله إني لأظنهم الذين يخرجون إلى مصارعهم، قال:
ثم أراه ضرب في لبة بعيره فأرسله في العسكر، فقال أبو جهل: وهذا نبي آخر من بني عبد مناف، ستعلم غدا من المقتول، نحن أو محمد وأصحابه.
قال: فلما أفلت أبو سفيان بالعير أرسل يأمرهم بالرجوع فأبوا، وردوا القيان وأما رسول الله عليه السلام فكان صبيحة أربع عشرة من شهر رمضان بعرق الظبية فجاء أعرابي قد أقبل من تهامة، فقال له أصحاب النبي صلى الله عليه وآله: هل لك علم بأبي سفيان قال: ما لي بأبي سفيان علم، قالوا: تعال فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: أوفيكم رسول الله؟ قالوا نعم قال: فأيكم رسول الله؟ قالوا: هذا، فقال: أنت رسول الله; قال: نعم قال: فما في بطن ناقتي هذه إن كنت صادقا؟ فقال سلمة بن سلامة بن وقش: نكحتها فهي حبلى منك، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله مقالته وأعرض عنه.
قال الواقدي: وسار رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أتى الروحاء ليلة الأربعاء للنصف من شهر رمضان فقال لأصحابه: هذا أفضل أو دية العرب، وصلى، فلما رفع رأسه من الركعة الأخيرة من وتره لعن الكفرة ودعا عليهم فقال: " اللهم لا تفلتن أبا جهل بن هشام فرعون هذه الأمة، اللهم لا تفلتن زمعة بن الأسود، اللهم أسخن عين أبي زمعة اللهم أعم بصر أبي زمعة، اللهم لا تفلتن سهيل بن عمر " ثم دعا
لقوم من قريش فقال: " اللهم أنج سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة و المستضعفين من المؤمنين " قال: ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وادي بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان، فبعث عليا عليه السلام والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس بن عمرو يتجسسون على الماء، فوجدوا روايا قريش فيها سقاؤهم فأسروهم وأفلت بعضهم واتي بهم النبي صلى الله عليه وآله وهو قائم يصلي، فسألهم المسلمون فقالوا: نحن سقاء قريش بعثونا نسقيهم من الماء فضربوهم، فلما أن لقوهم بالضرب قالوا: نحن لأبي سفيان ونحن في العير، وهذا العير بهذا الفوز، فكانوا إذا قالوا ذلك يمسكون عن ضربهم، فسلم رسول الله صلى الله عليه وآله من صلاته، ثم قال: إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبوكم تركتموهم، فلما أصبحوا عدل رسول الله صلى الله عليه وآله الصفوف وخطب المسلمين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه، وأنهاكم عما نهاكم الله عنه، فإن الله عظيم شأنه يأمر بالحق، ويحب الصدق، ويعطي على الخير أهله على منازلهم عنده، به يذكرون، وبه يتفاضلون، وإنكم قد أصبحتم بمنزل من منازل الحق لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغى به وجهه، وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله به الهم وينجي به من الغم، تدركون به النجاة في الآخرة، فيكم نبي الله يحذر كم ويأمر كم، فاستحيوا اليوم أن يطلع الله على شئ من أمركم يمقتكم عليه، فإنه تعالى يقول: " لمقت الله أكبر من مقتكم
أنفسكم " انظروا إلى الذي أمركم به من كتابه، وأراكم من آياته، وما أعزكم به بعد الذلة، فاستمسكوا به له يرض ربكم عنكم، وأبلوا ربكم في هذه المواطن أمرا تستوجبوا به الذي وعدكم من رحمته ومغفرته، فإن وعده حق، وقوله صدق، وعقابه شديد، وإنما أنا وأنتم بالله الحي القيوم، إليه ألجأنا ظهورنا، وبه اعتصمنا وعليه توكلنا، وإليه المصير، ويغفر الله لي و للمسلمين ".
قال الواقدي: ولما رأى رسول الله قريشا تصوب من الوادي قال: " اللهم إنك أنزلت علي الكتاب، وأمرتني بالقتال، ووعدتني إحدى الطائفتين، وإنك لا تخلف الميعاد، اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتني اللهم أحنهم الغداة.
أقول: ثم ذكر مبارزة عتبة وشيبة والوليد.
ثم قال: قال الواقدي: ثم قال عتبة لابنه: قم يا وليد فقام الوليد، وقام إليه علي عليه السلام وكانا أصغر النفر، فاختلفنا ضربتين فقتله علي عليه السلام، ثم قام عتبة وقام إليه حمزة فاختلفا ضربتين فقتله حمزة رضي الله عنه، ثم قام شيبة وقام إليه عبيدة وهو يومئذ أسن أصحاب رسول الله فضرب شيبة رجل عبيدة بذباب السيف فأصاب عضلة ساقه
فقطعها، وكر حمزة وعلي عليهما السلام على شيبة فقتلاه، ونزلت فيهم هذه الآية: " هذان خصمان اختصموا في ربهم ".
وروى محمد بن إسحاق أن عتبة بارز عبيدة، وشيبة حمزة، فقتل حمزة شيبة لم يمهله أن قتله، ولم يمهل علي عليه السلام الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلي على عتبة: بأسيافهما حتى دففا عليه، واحتملا صاحبهما إلى الصف.
قال ابن أبي الحديد: هذه الرواية توافق ما يذكره أمير المؤمنين عليه السلام في كلامه إذ يقول لمعاوية: " وعندي السيف الذي أعضضت به أخاك وخالك وجدك يوم بدر " ويقول في موضع آخر: " قد عرفت مواضع نصالها في أخيك وخالك وجدك وما هي من الظالمين ببعيد ".
واختار البلاذري رواية الواقدي وقال: هذا هو المناسب لأحوالهم من طريق السن لان شيبة أسن الثلاثة فجعل بإزاء عبيدة وهو أسن الثلاثة.
قال الواقدي: روى عروة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله جعل شعار المهاجرين يوم بدر: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله، قال: وروى زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام أن شعار رسول الله صلى الله عليه وآله كان يوم بدر: يا منصور أمت.
قال الواقدي: ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن قتل أبي البختري، وقد مر ذكره وعن قتل الحارث بن عامر بن نوفل وكان كارها للخروج إلى بدر، فلقيه خبيب بن يساف فقتله ولا يعرفه، وعن قتل زمعة بن الأسود فقتله ثابت بن الجذع ولا يعرفه قال الواقدي: وكان عقبة بن أبي معيط قال شعرا بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة فبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك فقال: " اللهم أكبه لمنخره واصرعه " فجمح به فرسه
يوم بدر فأخذه عبد الله بن سلمة أسيرا، فأمر النبي صلى الله عليه وآله عاصم بن الأفلح فضرب عنقه صبرا، قال: وكان عبد الرحمن بن عوف يحدث ويقول: إني لأجمع أدراعا يوم بدر بعد أن ولى الناس فإذا أمية بن خلف وكان لي صديقا في الجاهلية ومعه ابنه علي فناداني مرتين فأجبته، فقال: نحن خير لك من أدراعك هذه، فقلت:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.