پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

10. باب غزوة بدر الكبرى

ج ۱۹، ص ۲۳۳–۲۶۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۹

الحجة عليه ويكون بقاء من بقي على الايمان حياة له، وقوله: " عن بينة " أي بعد بيان " وإن الله لسميع " لأقوالهم " عليم " بما في ضمائرهم " إذ يريكهم الله " العامل في إذ ما تقدم وتقديره آتاكم النصر إذ كنتم بشفير الوادي إذ يريكهم الله، وقيل: العامل فيه محذوف، أي اذكر يا محمد إذ يريك الله يا محمد هؤلاء المشركين الذين قاتلوكم يوم بدر " في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الامر " معناه يريكهم الله في نومك قليلا لتخبر المؤمنين بذلك فيجترؤوا على قتالهم، وهو قول أكثر المفسرين، وهذا جائز لان الرؤيا في النوم هو تصور يتوهم معه الرؤية في اليقظة ولا يكون إدراكا ولا علما، بل كثير مما يراه الانسان في نومه يكون تعبيره بالعكس مما رآه، كما يكون تعبير البكاء ضحكا، قال الرماني: ويجوز أن يريد الله الشئ في المنام على خلاف ما هو به، لان الرؤيا في المنام تخيل للمعنى من غير قطع وإن جامعه قطع مع الانسان على المعنى، وإنما ذلك على مثل ما يخيل السراب ماء من غير قطع على أنه ماء، ولا يجوز أن يلهمه اعتقادا للشئ على خلاف ما هو به، لان ذلك يكون جهلا لا يجوز أن يفعله الله سبحانه، والرؤيا على أربعة أقسام: رؤيا من الله تعالى ولها تأويل، ورؤيا من وساوس الشيطان، ورؤيا من غلبة الاخلاط، ورؤيا من الأفكار، وكله أضغاث أحلام إلا الرؤيا التي من قبل الله التي هي إلهام في المنام، ورؤيا النبي صلى الله عليه وآله هذه كانت بشارة له وللمؤمنين بالغلبة، وقال الحسن: معنى قوله: " في منامك " في موضع نومك، أي في عينك التي تنام بها، وليس من الرؤيا في النوم، وهو قول البلخي وهذا بعيد " ولو أراكهم كثيرا " على ما كانوا عليه لجبنتم عن قتالهم وضعفتم، ولتنازعتم في أمر القتال " ولكن الله سلم " أي المؤمنين عن الفشل والتنازع " إنه عليم بذات الصدور " أي بما في قلوبهم " وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا " أضاف الرؤية في النوم إلى النبي صلى الله عليه وآله لان رؤيا الأنبياء لا يكون إلا حقا، وأضاف رؤية العين إلى المسلمين، قلل الله المشركين

في أعين المؤمنين ليشتد بذلك طمعهم فيهم وجرأتهم عليه، وقلل المؤمنين في أعين المشركين لئلا يتأهبوا لقتالهم، ولا يكترثوا بهم فيظفر بهم المؤمنون، وذلك قوله: " ويقللكم في أعينهم " وقد وردت الرواية عن ابن مسعود أنه قال: قلت لرجل بجنبي: تراهم سبعين رجلا؟ فقال: هم قريب من مائة، وقد روي أن أبا جهل كان يقول: خذوهم بالأيدي أخذا، ولا تقاتلوهم، ومتى قيل: كيف قللهم الله في أعينهم مع رؤيتهم لهم، فالقول أنه يجوز أن يكون ذلك لبعض الأسباب المانعة من الرؤية إما بغبار أو ما شاكله فيتخيلونهم بأعينهم قليلا من غير رؤية عن الصحة لجميعهم، وذلك بلطف من ألطافه تعالى " إذا لقيتم فئة " أي جماعة كافرة " فاثبتوا " لقتالهم " و اذكروا الله كثيرا " مستعينين به على قتالهم " ولا تنازعوا " في لقاء العدو " فتفشلوا " أي فتجبنوا عن عدوكم " وتذهب ريحكم " أي صولتكم وقوتكم أو نصرتكم أو دولتكم وقيل: إن المعنى ريح النصر التي يبعثها الله مع من ينصره على من يخذله، ومنه قوله صلى الله عليه وآله: " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ".

" واصبروا " على قتال الأعداء " إن الله مع الصابرين " بالنصر والمعونة " ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا " أي بطرين، يعني قريشا خرجوا من مكة ليحموا عيرهم فخرجوا معهم بالقيان والمعازف يشربون الخمور، وتعزف عليهم القيان " ورئاء الناس " قيل: إنهم كانوا يدينون بعبادة الأصنام، فلما أظهروا التقرب بذلك إلى الناس كانوا مرائين، وقيل: إنهم وردوا بدرا ليروا الناس أنهم لا يبالون بالمسلمين وفي قلوبهم من الرعب ما فيه، فسمى الله سبحانه ذلك رئاه " ويصدون عن سبيل الله " أي ويمنعون غيرهم عن دين الله " والله بما يعملون محيط " أي عالم بأعمالهم.

قال ابن عباس: لما رأى أبو سفيان أنه أحرز عيره أرسل إلى قريش أن ارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا - وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام - فنقيم بها ثلاثا، وننحر الجزر، ونطعم الطعام ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدا، فوافوها فسقوا كؤوس المنايا، وناحت عليهم النوائح " وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم " أي حسنها في نفوسهم ، وذلك أن إبليس حسن لقريش مسيرهم إلى بدر لقتال النبي صلى الله عليه وآله، وقال: " لا غالب لكم اليوم من الناس " أي لا يغلبكم أحد من الناس لكثرة عددكم وقوتكم، " وإني " مع ذلك " جار لكم " أي ناصر لكم، و دافع عنكم السوء، وقيل: معناه وإني عاقد لكم عقد الأمان من عدوكم " فلما تراءت الفئتان " أي التقت الفرقتان " نكص على عقبيه " أي رجع القهقرى منهزما وراءه " وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون " أي رجعت عما كنت ضمنت لكم من الأمان والسلامة، لأني أرى من الملائكة الذين جاؤوا لنصر المسلمين ما لا ترون، و كان إبليس يعرف الملائكة وهم كانوا لا يعرفونه " إني أخاف الله " أي أخاف عذاب الله على أيدي من أراهم " والله شديد العقاب " لا يطاق عقابه، وقيل: معناه إني أخاف أن يكون قد حل الوقت الذي انظرت إليه، فان الملائكة لا ينزلون إلا لقيام الساعة أو للعقاب، وقال قتادة: كذب عدو الله ما به من مخافة، ولكنه علم أنه لا قوة له ولا منعة، وذلك عادة عدو الله لمن أطاعه حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم، وتبرأ منهم، وعلى هذا فيكون قوله: " أرى ما لا ترون " معناه أعلم ما لا تعلمون، وأخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك، واختلف في ظهور الشيطان يوم بدر كيف كان؟ فقيل: إن قريشا لما أجمعت للمسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فكاد ذلك أن يثنيهم، فجاء إبليس

في جند من الشيطان فتبدى لهم في سورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني ثم المدلجي، وكان من أشراف كنانة فقال لهم: " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم " أي مجير لكم من كنانة، فلما رأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء و علم أنه لا طاقة له بهم نكص على عقبيه عن ابن عباس وغيره، وقيل: إنهم لما التقوا كان إبليس في صف المشركين آخذا بيد الحارث بن هشام فنكص على عقبيه فقال له الحارث: يا سراق أين؟ أتخذلنا على هذه الحالة؟ فقال له: إني أرى ما لا ترون فقال: والله ما ترى إلا جعاسيس يثرب فدفع في صدر الحارث وانطلق وانهزم الناس، فلما قدموا مكة فقالوا: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقال:

والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، قالوا: إنك أتيتنا يوم كذا، فحلف لهم، فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان، روي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وقيل: إن إبليس لا يجوز أن يقدر على خلع صورته ولبس صورة سراقة، ولكن الله جعل إبليس في صورة سراقة علما للنبي صلى الله عليه وآله، وإنما فعل ذلك لأنه علم أنه لو لم يدع المشركين إنسان إلى قتال المسلمين فإنهم لا يخرجون من ديارهم حتى يقاتلوهم المسلمون. لخوفهم من بني كنانة، فصوره بصورة سراقة حتى تم المراد في إعزاز الدين، عن الجبائي وجماعة، وقيل: إن إبليس لم يتصور في صورة إنسان، وإنما قال ذلك لهم على وجه الوسوسة عن الحسن، والأول هو المشهور في التفاسير.

ورأيت في كلام الشيخ المفيد رضي الله عنه أنه يجوز أن يقدر الله تعالى الجن ومن جرى مجراهم على أن يتجمعوا ويعتمدوا ببعض جواهرهم على بعض حتى

يتمكن الناس من رؤيتهم ويتشبهوا بغيرهم من أنواع الحيوان، لان أجسامهم من الرقة على ما يمكن ذلك فيها، وقد وجدنا الانسان يجمع الهواء ويفرقه ويغير صور الأجسام الرخوة ضروبا من التغيير وأعيانها لم تزد ولم تنقص، وقد استفاض الخبر بأن إبليس تراءى لأهل دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد، وحضر يوم بدر في سورة سراقة، وإن جبرئيل عليه السلام ظهر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في صورة دحية الكلبي، قال: وغير محال أيضا أن يغير الله صورهم ويكشفها في بعض الأحوال فيراهم الناس لضرب من الامتحان.

" إذ يقول المنافقون " هذا يتعلق بما قبله، معناه وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم إذ يقول المنافقون وهم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الايمان " والذين في قلوبهم مرض " وهم الشاكون في الاسلام مع إظهارهم كلمة الايمان، وقيل: إنهم فئة من قريش أسلموا بمكة، واحتبسهم آباؤهم، فخرجوا مع قريش يوم بدر وهم قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن المنبه ابن الحجاج، والحارث بن زمعة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، لما رأوا قلة المسلمين قالوا: " غر هؤلاء دينهم " أي غر المسلمين دينهم حتى خرجوا مع قلتهم لأجل دينهم إلى قتال المشركين مع كثرتهم، ولم يحسنوا النظر لأنفسهم حتى اغتروا بقول رسولهم، فبين الله تعالى أنهم هم المغرورون بقوله: " ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم " أي ومن يسلم لأمر الله ويثق به ويرض بفعله وإن قل عددهم فإن الله تعالى ينصرهم على أعدائهم، وهو عزيز لا يغلب، فكذلك لا يغلب من يتوكل عليه، وهو حكيم يضع الأمور مواضعها على ما تقتضيه الحكمة " ولو ترى " يا محمد " إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة " أي يقبضون أرواحهم عند الموت " يضربون وجوههم وأدبارهم " يريد إستاههم، وقيل: وجوههم ما أقبل منهم وأدبارهم ما أدبر منهم، والمراد يضربون أجسادهم من قدامهم ومن خلفهم، والمراد

بهم قتلى بدر، عن ابن عباس وابن جبير وأكثر المفسرين، وقيل: معناه سيضربهم الملائكة عند الموت، وروى الحسن أن رجلا قال: يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك، فقال صلى الله عليه وآله: ذلك ضرب الملائكة، وروى مجاهد أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله: إني حملت على رجل من المشركين فذهبت لأضربه فندر رأسه، فقال: سبقك إليه الملائكة " وذوقوا عذاب الحريق " أي وتقول الملائكة للكفار استخفافا بهم: ذوقوا عذاب الحريق بعد هذا في الآخرة، وقيل: إنه كان مع الملائكة يوم بدر مقامع من جديد، كلما ضربوا المشركين بها التهب النار في جراحاتهم، فذلك قوله: " وذوقوا عذاب الحريق ".

" ذلك " أي ذلك العذاب " بما قدمت أيديكم " أي بما قدمتم وفعلتم " وأن الله ليس بظلام للعبيد " لا يظلم عباده في عقوبتهم من حيث إنه إنما عاقبهم بجناياتهم على قدر استحقاقهم.

" ما كان لنبي، أي ليس له ولا في عهد الله إليه " أن يكون له أسرى " من المشركين ليفديهم أو يمن عليهم " حتى يثخن في الأرض " أي حتى يبالغ في قتل المشركين وقهرهم ليرتدع بهم من وراءهم، وقال أبو مسلم: الاثخان: الغلبة على البلدان والتذليل لأهلها، يعني حتى يتمكن في الأرض " تريدون عرض الدنيا " هذا خطاب لمن دون النبي صلى الله عليه وآله من المؤمنين الذين رغبوا في أخذ الفداء من الاسرى ورغبوا في الحرب للغنيمة، قال الحسن وابن عباس: يريد يوم بدر، يقول: أخذتم الفداء من الاسرى في أول وقعة كانت لكم من قبل أن تثخنوا في الأرض، وعرض الدنيا:

مال الدنيا، لأنه بعرض الزوال " والله يريد الآخرة " أي يريد لكم ثواب الآخرة

" لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم " قيل في معناه أقوال:

أحدها لولا ما مضى من حكم الله أن لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون وأنه لم يبين لكم أن لا تأخذوا الفداء لعذبكم بأخذ الفداء، عن ابن جريح، وثانيها:

لولا أن الله حكم لكم بإباحة الغنائم والفداء في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ لمسكم فيما استحللتم قبل الإباحة عذاب عظيم، فإن الغنائم لم تحل لاحد قبلكم عن ابن عباس.

وثالثها: لولا كتاب من الله سبق وهو القرآن فآمنتم به واستوجبتم بالايمان به الغفران لمسكم العذاب.

ورابعها: أن الكتاب الذي سبق قوله: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ".

" فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " هذا إباحة منه سبحانه للمؤمنين أن يأكلوا مما غنموا من أموال المشركين.

القصة: كان القتلى من المشركين يوم بدر سبعين، قتل منهم علي بن أبي طالب سبعة وعشرين، وكان الاسرى أيضا سبعين، ولم يؤسر أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فجمعوا الأسارى وقرنوهم في الحبال وساقوهم على أقدامهم، وقتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله تسعة رجال، منهم: سعد بن خيثمة، وكان من النقباء من الأوس وعن محمد بن إسحاق: قال: استشهد من المسلمين يوم بدر أحد عشر رجلا: أربعة من قريش، وسبعة من الأنصار، وقيل: ثمانية، وقتل من المشركين بضعة وأربعون رجلا، وعن ابن عباس قال: لما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر والناس محبوسون بالوثاق بات ساهرا أول الليل، فقال له أصحابه: مالك لا تنام؟ فقال صلى الله عليه وآله: سمعت أنين عمي العباس في وثاقه، فأطلقوه فسكت فنام رسول الله صلى الله عليه وآله، وروى عبيدة السلماني عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لأصحابه يوم بدر في الأسارى: إن شئتم قتلتموهم، و إن شئتم فاديتموهم، واستشهد منكم بعدتهم، وكانت الأسارى سبعين، فقالوا: بل نأخذ الفداء فنستمتع به، ونتقوى به على عدونا، يستشهد منا بعدتهم، قال

عبيدة: طلبوا الخيرتين كلتيهما، فقتل منهم يوم أحد سبعون.

وفي كتاب علي بن إبراهيم: لما قتل رسول الله صلى الله عليه وآله النضر بن الحارث و عقبة بن أبي معيط خافت الأنصار أن يقتل الأسارى، قالوا: يا رسول الله قتلنا سبعين وهم قومك وأسرتك، أتجذ أصلهم، فخذ يا رسول الله صلى الله عليه وآله منهم الفداء، وقد كانوا أخذوا ما وجدوه من الغنائم في عسكر قريش، فلما طلبوا إليه وسألوه نزلت: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى " الآيات، فأطلق لهم ذلك، وكان أكثر الفداء أربعة آلاف درهم، وأقله ألف درهم، فبعثت قريش بالفداء أولا فأولا وبعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله من فدى زوجها أبي العاص بن الربيع، و بعثت قلائد لها كانت خديجة جهزتها بها، وكان أبو العاص ابن أخت خديجة، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله تلك القلائد قال: رحم الله خديجة، هذه قلائد هي جهزتها بها فأطلقه رسول الله صلى الله عليه وآله بشرط أن يبعث إليه زينب ولا يمنعها من اللحوق به فعاهده على ذلك ووفى له، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله كره أخذ الفداء حتى رأى سعد بن معاذ كراهية ذلك في وجهه، فقال: يا رسول الله هذا أول حرب لقينا فيه المشركين والاثخان في القتل أحب إلينا من استبقاء الرجال، وقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك، فقدمهم واضرب أعناقهم، ومكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، ومكني من فلان أضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وقال أبو بكر: أهلك وقومك استأن بهم واستبقهم وخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام: كان الفداء يوم بدر كل رجل من المشركين بأربعين أوقية، والأوقية أربعون مثقالا إلا العباس فإن فداءه كان مائة أوقية، وكان أخذ منه حين أسر عشرون أوقية ذهبا، فقال النبي: ذلك غنيمة، ففاد نفسك وابني أخيك نوفلا وعقيلا، فقال: ليس معي شئ فقال: أين الذهب الذي

سلمته إلى أم الفضل، وقلت: إن حدث بي حدث فهو لك وللفضل وعبد الله وقثم؟

فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: الله تعالى، فقال: أشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد إلا الله تعالى.

ثم خاطب الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله فقال: " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم " إنما ذكر الأيدي لان من كان في وثاقهم فهو بمنزلة من يكون في أيديهم لاستيلائهم عليه " من الاسرى " يعني اسراء بدر الذين أخذ منهم الفداء " إن يعلم الله في قلوبكم خيرا " أي إسلاما وإخلاصا أو رغبة في الايمان وصحة نية " يؤتكم " أي يعطكم " خيرا مما أخذ منكم " من الفداء إما في الدنيا والآخرة، وإما في الآخرة، روي عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: نزلت هذه الآية في وفي أصحابي، كان معي عشرون أوقية ذهبا، فأخذت مني فأعطاني الله مكانها عشرين عبدا كل منهم يضرب بمال كثير، وأدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي، قال قتادة: ذكر لنا أن البني صلى الله عليه وآله لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفا وقد توضأ لصلاة الظهر، فما صلى يومئذ حتى فرقه، وأمر العباس أن يأخذ منه و يحثي فأخذ، وكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا وأرجو المغفرة " وإن يريدوا " أي الذين أطلقتهم من الأسارى " خيانتك " بأن يعودوا حربا لك أو ينصروا عدوا عليك " فقد خانوا الله من قبل " بأن خرجوا إلى بدر وقاتلوا مع المشركين وقيل: بأن أشركوا بالله وأضافوا إليه ما لا يليق به " فأمكن منهم " أي فأمكنك منهم يوم بدر بأن غلبوا وأسروا، وسيمكنك منهم ثانيا إن خانوك " والله عليم " بما في نفوسكم " حكيم " فيما يفعله.

1 - تفسير علي بن إبراهيم: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة " قال أبو عبد الله عليه السلام: ما كانوا أذلة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنما نزل: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ضعفاء.

2 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " إحدى الطائفتين " قال: العير أو قريش.

قوله: " ذات الشوكة " قال: ذات الشوكة: الحرب، قال: تودون العير لا الحرب " ويريد الله أن يحق الحق بكلماته " قال: الكلمات الأئمة، قوله:

" شاقوا الله ورسوله " أي عادوا الله ورسوله. قوله: " زحفا " أي يدنو بعضكم من بعض " إلا متحرفا لقتال " يعني يرجع " أو متحيزا إلى فئة " يعني يرجع إلى صاحبه وهو الرسول والامام " فقد كفر وباء بغضب من الله " ثم قال: " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم " أي أنزل الملائكة حتى قتلوهم، ثم قال: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " يعني الحصا الذي حمله رسول الله صلى الله عليه وآله ورمى به في وجوه قريش وقال: " شاهت الوجوه " ثم قال: " ذلك وأن الله موهن كيد الكافرين " أي مضعف كيدهم وحيلتهم ومكرهم قوله: " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم " الآية قال: نزلت في قريش لما وافاهم ضمضم وأخبرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله في طلب العير فأخرجوا أموالهم وحملوا وأنفقوا وخرجوا إلى محاربة رسول الله صلى الله عليه وآله ببدر فقتلوا وصاروا إلى النار، وكان ما أنفقوا حسرة عليهم، قوله: " إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى " يعني قريشا حين نزلوا بالعدوة اليمانية ورسول الله صلى الله عليه وآله حيث نزل بالعدوة الشامية " والركب أسفل منكم " وهي العير التي أفلتت، ثم قال: " ولو تواعدتم " للحرب لما وفيتم " ولكن " الله جمعكم من غير

ميعاد كان بينكم " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة " قال: يعلم من بقي أن الله ينصره، قوله " إذ يريكهم الله في منامك قليلا " فالمخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله، والمعنى لأصحابه، أراهم الله قريشا في منامهم أنهم قليل، و ولو أراهم كثيرا لفزعوا.

3 - تفسير علي بن إبراهيم: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " وكان سبب ذلك أن عير القريش خرجت إلى الشام فيها خزائنهم، فأمر النبي صلى الله عليه وآله أصحابه بالخروج ليأخذوها، فأخبرهم أن الله تعالى قد وعده إحدى الطائفتين:

إما العير أو قريش إن أظفر بهم، فخرج في ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا، فلما قارب بدرا كان أبو سفيان في العير، فلما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد خرج يتعرض العير خاف خوفا شديدا، ومضى إلى الشام، فلما وافى النقرة اكترى ضمضم بن عمرو الخزاعي بعشرة دنانير، وأعطاه قلوصا، وقال له: امض إلى قريش وأخبرهم أن محمدا والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم فأدركوا العير، وأوصاه أن يخرم ناقته، ويقطع أذنها حتى يسيل الدم، ويشق ثوبه من قبل ودبر، فإذا دخل مكة ولى وجهه إلى ذنب البعير وصاح بأعلى صوته وقال: يا آل غالب يا آل غالب، اللطيمة اللطيمة، العير العير، أدركوا أدركوا وما أراكم تدركون، فإن محمدا والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم،

فخرج ضمضم يبادر إلى مكة، ورأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم في منامها بثلاثة أيام كأن راكبا قد دخل مكة ينادي: يا آل غدر يا آل غدر، اغدوا إلى مصارعكم صبح ثالثة، ثم وافى بجمله على أبي قبيس فأخذ حجرا فدهده من الجبل فما ترك دارا من دور قريش إلا أصابه منه فلذة، وكان وادي مكة قد سال من أسفله دما، فانتبهت ذعرة فأخبرت العباس بذلك، فأخبر العباس عتبة بن ربيعة، فقال: عتبة: هذه مصيبة تحدث في قريش، وفشت الرؤيا في قريش وبلغ ذلك أبا جهل فقال: ما رأت عاتكة هذه الرؤيا، وهذه نبية ثانية في بني عبد المطلب واللات والعزى لننتظرن ثلاثة أيام، فإن كان ما رأت حقا فهو كما رأت، وإن كان غير ذلك لنكتبن بيننا كتابا أنه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالا ولا نساء من بني هاشم، فلما مضى يوم قال أبو جهل: هذا يوم قد مضى، فلما كان اليوم الثاني قال أبو جهل: هذا يومان قد مضيا، فلما كان اليوم الثالث وافى ضمضم ينادي في الوادي: يا آل غالب، يا آل غالب، اللطيمة اللطيمة، العير العير، أدركوا وما أراكم تدركون، فإن محمدا والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم التي فيها خزائنكم، فتصايح الناس بمكة، وتهيأوا للخروج، وقام سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية، وأبو البختري بن هشام، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، ونوفل بن خويلد فقال: يا معشر قريش والله ما أصابكم مصيبة أعظم من هذه أن يطمع محمد والصباة من أهل يثرب أن يتعرضوا لعيركم التي فيها خزائنكم، فوالله ما قرشي ولا قرشية إلا و لها في هذا العير نش فصاعدا، وإنه لمن الذل والصغار أن يطمع محمد في أموالكم

ويفرق بينكم وبين متجركم، فاخرجوا، وأخرج صفوان بن أمية خمسمائة دينار وجهز بها، وأخرج سهيل بن عمرو، وما بقي أحد من عظماء قريش إلا أخرجوا مالا وحملوا وقووا، وخرجوا على الصعب والذلول لا يملكون أنفسهم كما قال الله تبارك وتعالى: " خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس " وخرج معهم العباس ابن عبد المطلب ونوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب، وأخرجوا معهم القيان يشربون الخمور ويضربون بالدفوف، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، فلما كان بقرب بدر على ليلة منها بعث بسيس بن أبي الزغبا وعدي ابن عمرو يتجسسان خبر العير، فأتيا ماء بدر وأناخا راحلتيهما واستعذبا من الماء وسمعا جاريتين قد تشبثت إحداهما بالأخرى يطالبها بدرهم كان لها عليها فقالت: عير قريش نزلت أمس في موضع كذا وكذا، وهي تنزل غدا ههنا، وأنا أعمل لهم وأقضيك، فرجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبراه بما سمعا، فأقبل أبو سفيان بالعير فلما شارف بدرا تقدم العير وأقبل وحده حتى انتهى إلى ماء بدر، وكان بها رجل من جهينة يقال له: كسب الجهني، فقال له: يا كسب هل لك علم بمحمد وأصحابه، قال: لا، قال: واللات والعزى لئن كتمتنا أمر محمد لا تزال قريش لك

معادية آخر الدهر، فإنه ليس أحد من قريش إلا وله شئ في هذا العير فلا تكتمني، فقال: والله ما لي علم بمحمد، وما بال محمد وأصحابه بالتجار إلا أني رأيت في هذا اليوم راكبين أقبلا فاستعذبا من الماء وأناخا راحلتيهما ورجعا، فلا أدري من هما، فجاء أبو سفيان إلى موضع مناخ إبلهما ففت أبعار الإبل بيده فوجد فيها النوى، فقال: هذه علائف يثرب، هؤلاء والله عيون محمد، فرجع مسرعا وأمر بالعير فأخذ بها نحو ساحل البحر وتركوا الطريق ومروا مسرعين، ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره أن العير قد أفلتت، وأن قريشا قد أقبلت لمنع عيرها وأمره بالقتال، ووعده النصر، وكان نازلا بالصفراء فأحب أن يبلوا الأنصار لأنهم إنما وعدوه أن ينصروه وكان في الدار، فأخبرهم أن العير قد جازت، وأن قريشا قد أقبلت لتمنع عيرها، وأن الله قد أمرني بمحاربتهم، فجزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك، وخافوا خوفا شديدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أشيروا علي فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنها قريش وخيلاؤها ما آمنت منذ كفرت ولا ذلت منذ عزت ولم نخرج على هيئة الحرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اجلس فجلس، فقال: أشيروا علي فقام عمر فقال مثل مقالة أبي بكر، فقال: اجلس، ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله إنها قريش وخيلاؤها، وقد آمنا بك وصدقناك، و شهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهراس لخضنا معك، ولا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: " اذهب أنت و

ربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " ولكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فجزاه النبي خيرا ثم جلس، ثم قال: أشيروا علي فقام سعد بن معاذ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله كأنك أردتنا؟ قال: نعم، قال: فلعلك خرجت على أمر قد أمرت بغيره؟ قال: نعم، قال: بأبي أنت و أمي يا رسول الله إنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، فمرنا بما شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، واترك منه ما شئت، والذي أخذت منه أحب إلي من الذي تركت، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضنا معك، فجزاه خيرا، ثم قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله ما خضت هذا الطريق قط ومالي به علم، وقد خلفنا بالمدينة قوما ليس نحن بأشد جهازا لك منهم، ولو علموا أنه الحرب لما تخلفوا، ولكن نعد لك الرواحل، ونلقى عدونا فإنا صبر عند اللقاء، أنجاد في الحرب، وإنا لنرجو أن يقر الله عينك بنا، فإن يك ما تحب فهو ذاك، وإن يك غير ذلك قعدت على رواحلك فلحقت بقومنا فقال رسول الله أو يحدث الله غير ذلك، كأني بمصرع فلان ههنا، وبمصرع فلان ههنا، وبمصرع أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومنبه ونبيه ابني الحجاج فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ولن يخلف الله الميعاد، فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الآية: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق " إلى قوله:

" ولو كره المجرمون " فأمر رسول الله بالرحيل حتى نزل عشاء على ماء بدر، و هي العدوة الشامية، وأقبلت قريش فنزلت بالعدوة اليمانية، وبعثت عبيدها

تستعذب من الماء فأخذوهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وحبسوهم، فقالوا لهم: من أنتم قالوا: نحن عبيد قريش، قالوا: فأين العير؟ قالوا: لا علم لنا بالعير، فأقبلوا يضربونهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي فانفتل من صلاته، فقال: إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبوكم تركتموهم، علي بهم، فأتوا بهم، فقال لهم: من أنتم؟

قالوا: يا محمد نحن عبيد قريش، قال: كم القوم؟ قالوا: لا علم لنا بعددهم، قال:

كم ينحرون في كل يوم جزورا؟ قالوا: تسعة إلى عشرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

تسعمائة إلى ألف، قال: فمن فيهم من بني هاشم؟ قال: العباس بن عبد المطلب، و نوفل بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بهم فحبسوا، و بلغ قريشا ذلك فخافوا خوفا شديدا، ولقي عتبة بن ربيعة أبا البختري بن هشام فقال له: أما ترى هذا البغي؟ والله ما أبصر موضع قدمي، خرجنا لنمنع عيرنا وقد أفلتت فجئنا بغيا وعدوانا، والله ما أفلح قوم قط بغوا، ولوددت أن ما في العير من أموال بني عبد مناف ذهب كله، ولم نسر هذا المسير، فقال له أبو البختري: إنك سيد من سادات قريش فتحمل العير التي أصابها محمد وأصحابه بنخلة ودم ابن الحضرمي فإنه حليفك، فقال عتبة: أنت علي بذلك، وما على أحد منا خلاف إلا ابن الحنظلية يعني أبا جهل، فصر إليه وأعلمه أني قد تحملت العير التي قد أصابها محمد دم ابن الحضرمي، فقال أبو البختري: فقصدت خباه وإذا هو قد أخرج درعا له، فقلت له: إن أبا الوليد بعثني إليك برسالة، فغضب ثم قال:

أما وجد عتبة رسولا غيرك؟ فقلت: أما والله لو غيره أرسلني ما جئت، ولكن أبا الوليد سيد العشيرة، فغضب غضبة أخرى، فقال: تقول سيد العشيرة؟ فقلت: أنا أقوله

وقريش كلها تقوله، إنه قد تحمل العير ودم ابن الحضرمي، فقال: إن عتبة أطول الناس لسانا، وأبلغه في الكلام، ويتعصب لمحمد فإنه من بني عبد مناف وابنه معه، ويريد أن يخدر الناس، لا واللات والعزى حتى نقحم عليهم بيثرب ونأخذهم أسارى، فندخلهم مكة، وتتسامع العرب بذلك، ولا يكون بيننا وبين متجرنا أحد نكرهه، وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كثرة قريش ففزعوا فزعا شديدا وشكوا وبكوا واستغاثوا، فأنزل الله على رسوله " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين * وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم " فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله و جنه الليل ألقى الله على أصحابه النعاس حتى ناموا، وأنزل الله تبارك وتعالى عليهم الماء وكان نزول رسول الله صلى الله عليه وآله في موضع لا يثبت فيه القدم، فأنزل الله عليهم السماء ولبد الأرض حتى ثبتت أقدامهم، وهو قول الله تبارك وتعالى: " إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان " وذلك أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله احتلم " وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام " وكان المطر على قريش مثل العزالي، وعلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله رذاذا بقدر ما لبد الأرض، وخافت قريش خوفا شديدا، فأقبلوا

يتحارسون يخافون البيات، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود فقال: ادخلا في القوم وائتونا بأخبارهم، فكانا يجولان بعسكرهم لا يرون إلا خائفا ذعرا، إذا صهل الفرس وثبت على جحفلته، فسمعوا منبه بن الحجاج يقول: لا يترك الجوع لنا مبيتا * لا بد أن نموت أو نميتا قال: قد والله كانوا شباعى، ولكنهم من الخوف قالوا: هذا، وألقى الله في قلوبهم الرعب كما قال الله تبارك وتعالى: " سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب " فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله عبأ أصحابه، وكان في عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله فرسين: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد، وكانت في عسكره سبعون جملا يتعاقبون عليها، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام ومرثد بن أبي مرثد الغنوي على جمل يتعاقبون عليه، والجمل لمرثد، وكان في عسكر قريش أربعمائة فرس فعبأ رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه بين يديه وقال: غضوا أبصاركم ولا تبدؤهم بالقتال ولا يتكلمن أحد، فلما نظرت قريش إلى قلة أصحاب رسول الله عليه السلام قال أبو جهل:

ما هم إلا اكلة رأس، لو بعثنا إليهم عبيدنا لاخذوهم أخذا باليد، فقال عتبة بن ربيعة: أترى لهم كمينا ومددا؟ فبعثوا عمرو بن وهب الجمحي وكان فارسا شجاعا فجال بفرسه حتى طاف بعسكر رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم صعد في الوادي و صوب، ثم رجع إلى قريش فقال: ما لهم كمين ولا مدد، ولكن نواضح يثرب قد حملت الموت الناقع، أما ترونهم خرس لا يتكلمون يتلمظون تلمظ الأفاعي، ما لهم

ملجأ إلا سيوفهم، وما أراهم يولون حتى يقتلوا، ولا يقتلون حتى يقتلوا بعددهم فارتأوا رأيكم، فقال أبو جهل: كذبت وجبنت وانتفخ سحرك حين نظرت إلى سيوف أهل يثرب، وفزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله حين نظروا إلى كثرة قريش وقوتهم فأنزل الله تعالى على رسوله: " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله " وقد علم الله أنهم لا يجنحون ولا يجيبون إلى السلم، وإنما أراد بذلك لتطيب قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى قريش فقال: يا معشر قريش ما أحد من العرب أبغض إلي من أن أبدأ بكم فخلوني والعرب، فإن أك صادقا فأنتم أعلى بي عينا، وإن أك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمري فارجعوا، فقال عتبة:

والله ما أفلح قوم قط ردوا هذا، ثم ركب جملا له أحمر فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله يجول في العسكر وينهى عن القتال، فقال: إن يكن عند أحد خير فعند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا، فأقبل عتبة يقول: يا معشر قريش اجتمعوا واسمعوا ثم خطبهم فقال: يمن مع رحب، فرحب مع يمن، يا معشر قريش أطيعوني اليوم، واعصوني الدهر، وارجعوا إلى مكة واشربوا الخمور، وعانقوا الحور، فإن محمدا له إل وذمة وهو ابن عمكم فارجعوا ولا تردوا رأيي، وإنما تطالبون محمدا بالعير التي أخذها محمد بنخلة ودم ابن الحضرمي وهو حليفي وعلي عقله، فلما سمع أبو جهل ذلك غاظه وقال: إن عتبة أطول الناس لسانا، وأبلغهم في الكلام، ولئن رجعت قريش بقوله ليكونن سيد قريش آخر الدهر، ثم قال:

يا عتبة نظرت إلى سيوف بني عبد المطلب وجبنت وانتفخ سحرك، وتأمر الناس بالرجوع، وكان على فرس فأخذ بشعره، فقال الناس: يقتله، فعرقب فرسه، فقال: أمثلي يجبن؟ وستعلم قريش اليوم أينا الألئم والأجبن، وأينا المفسد لقومه، لا يمشي

إلا أنا وأنت إلى الموت عيانا، ثم قال:

هذا جناي وخياره فيه * وكل جان يده إلى فيه ثم أخذ بشعره يجره فاجتمع إليه الناس فقالوا: يا أبا الوليد الله الله لا تفت في أعضاد الناس، تنهى عن شئ تكون أوله، فخلصوا أبا جهل من يده، فنظر عتبة إلى أخيه شيبة ونظر إلى ابنه الوليد فقال: قم يا بني، فقام ثم لبس درعه وطلبوا له بيضة تسع رأسه فلم يجدوها لعظم هامته، فاعتجر بعمامتين، ثم أخذ سيفه وتقدم هو وأخوه وابنه، ونادى: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش، فبرز إليه ثلاثة نفر من الأنصار: عود، ومعود، وعوف بني عفراء، فقال عتبة: من أنتم؟

انتسبوا لنعرفكم، فقالوا: نحن بنو عفراء أنصار الله وأنصار رسوله، فقالوا:

ارجعوا فإنا لسنا إياكم نريد، إنما نريد الأكفاء من قريش، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن ارجعوا، فرجعوا، وكره أن يكون أول الكرة بالأنصار فرجعوا ووقفوا مواقفهم، ثم نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وكان له سبعون سنة فقال له: قم يا عبيدة، فقام بين يديه بالسيف، ثم نظر إلى حمزة ابن عبد المطلب فقال له: قم يا عم، ثم نظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: قم يا علي، وكان أصغرهم سنا، فقاموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله بسيوفهم، فقال:

فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم، فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها، تريد أن تطفئ نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبيدة عليك بعتبة، وقال لحمزة: عليك بشيبة، وقال لعلي: عليك بالوليد بن عتبة، فمروا حتى انتهوا إلى القوم، فقال عتبة: من أنتم؟ انتسبوا نعرفكم، فقال عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فقال كفو كريم، فمن هذان؟ فقال: حمزة ابن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، فقال: كفوان كريمان، لعن الله من أوقفنا وإياكم بهذا الموقف، فقال شيبة لحمزة: من أنت؟ فقال: أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، فقال له شيبة: لقد لقيت أسد الحلفاء فانظر كيف تكون صولتك يا أسد الله، فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة فلق هامته، وضرب عتبة عبيدة على ساقه فقطعا وسقطا جميعا، وحمل حمزة على شيبة فتضاربا بالسيفين حتى انثلما، وكل واحد منهما يتقي بدرقته، وحمل أمير المؤمنين عليه السلام على الوليد بن عتبة فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه، فقال علي: فأخذ يمينه المقطوعة بيساره فضرب بها هامتي فظننت أن السماء وقعت على الأرض، ثم اعتنق حمزة وشيبة، فقال المسلمون: يا علي أما ترى الكلب قد نهز عمك، فحمل عليه علي، ثم قال: يا عم طأطئ رأسك، وكان حمزة أطول من شيبة، فأدخل حمزة رأسه في صدره فضربه أمير المؤمنين على رأسه فطير نصفه، ثم جاء إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه، وحمل عبيدة بين حمزة وعلي حتى أتيا به رسول الله فنظر إله رسول الله صلى الله عليه وآله واستعبر فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ألست شهيدا، فقال: بلى أنت أول شهيد من أهل بيتي، فقال: أما لو كان عمك حيا لعلم أني أولى بما قال منه، قال: وأي أعمامي تعني ؟ فقال: أبو طالب حيث يقول:

كذبتم وبيت الله يبزى محمد * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي الله ورسوله وابنه الآخر في جهاد الله بأرض الحبشة، فقال: يا رسول الله أسخطت علي في هذه الحالة؟ فقال: ما سخطت عليك، ولكن ذكرت عمي فانقبضت لذلك، وقال أبو جهل لقريش: لا تعجلوا ولا تبطروا كما عجل وبطرا بنا ربيعة، عليكم بأهل يثرب فاجزروهم جزرا، وعليكم بقريش فخذوهم أخذا حتى ندخلهم مكة، فنعرفهم ضلالتهم التي كانوا عليها، وكان فتية من قريش أسلموا بمكة فاحتبسهم آباؤهم فخرجوا مع قريش إلى بدر، وهم على الشك والارتياب والنفاق، منهم قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن الفاكهة، والحارث بن ربيعة،، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص ابن المنبه، فلما نظروا إلى قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا: مساكين هؤلاء غرهم دينهم فيقتلون الساعة، فأنزل الله تعالى على رسوله: " إذ يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم " وجاء إبليس عليه اللعنة إلى قريش في صورة سراقة بن مالك فقال لهم: أنا جاركم ادفعوا إلي رايتكم، فدفعوها إليه وجاء بشياطينه يهول بهم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ويخيل إليهم ويفزعهم، وأقبلت قريش يقدمها إبليس معه الراية فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: غضوا أبصاركم، وعضوا على النواجد ولا تسلوا

سيفا حتى آذن لكم، ثم رفع يده إلى السماء فقال: " يا رب إن تهلك هذه العصابة لا تعبد، وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد " ثم أصابه الغشي فسري عنه وهو يسلت العرق عن وجهه ويقول: هذا جبرئيل، قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين، قال:

فنظرنا فإذا بسحابة سوداء فيها برق لائح قد وقعت على عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله، و قال يقول: أقدم حيزوم، أقدم حيزوم، وسمعنا قعقعة السلاح من الجو، و نظر إبليس إلى جبرئيل عليه السلام فتراجع، ورمى باللواء فأخذ نبيه بن الحجاج بمجامع ثوبه، ثم قال: ويلك يا سراقة تفت في أعضاد الناس، فركله إبليس ركلة في صدره وقال: " إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله " وهو قول الله: " وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب " ثم قال عز وجل: " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق " وحمل جبرئيل على إبليس فطلبه حتى غاص في البحر، وقال: رب أنجز لي ما وعدتني من البقاء إلى يوم الدين وروي في خبر أن إبليس التفت إلى جبرئيل وهو في الهزيمة فقال: يا هذا أبدا لكم فيما أعطيتمونا؟ فقيل لأبي عبد الله عليه السلام: أترى كان يخاف أن يقتله، فقال: لا، ولكنه كان يصربه ضربة يشينه منها إلى يوم القيامة وأنزل الله على رسوله " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان " قال: أطراف الأصابع، فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفئ نور الله، ويأبى الله

إلا أن يتم نوره، وخرج أبو جهل من بين الصفين فقال: اللهم أقطعنا الرحم، وآتانا بما لا نعرفه فأحنه الغداة، فأنزل الله على رسوله: " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وإن الله مع المؤمنين " ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله كفا من حصى فرمى به في وجوه قريش وقال: " شاهت الوجوه " فبعث الله رياحا تضرب وجوه قريش فكانت الهزيمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اللهم لا يفلتن فرعون هذه الأمة أبو جهل بن هشام " فقتل منهم سبعون، وأسر منهم سبعون، والتقى عمرو بن الجموع مع أبي جهل فضرب عمرو أبا جهل على فخذه، وضرب أبو جهل عمروا على يده فأبانها من العضد فعلقت بجلده، فاتكا عمرو على يده برجله ثم رمى في السماء فانقطعت الجلدة ورمى بيده، وقال عبد الله بن مسعود: انتهيت إلى أبي جهل وهو يتشحط في دمه فقلت: الحمد لله الذي أخزاك، فرفع رأسه فقال:

إنما أخزى الله عبد ابن أم عبد، لمن الدين ويلك؟ قلت: لله ولرسوله وإني قاتلك، ووضعت رجلي على عنقه، فقال: لقد ارتقيت مرتقا صعبا

يا رويعي الغنم، أما إنه ليس شئ أشد من قتلك إياي في هذا اليوم، ألا تولى قتلي رجل من المطلبين، أو رجل من الاحلاف، فاقتلعت بيضة كانت على رأسه فقتلته وأخذت رأسه، وجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله البشرى هذا رأس أبي جهل بن هشام، فسجد لله شكرا، وأسر أبو بشر الأنصاري العباس ابن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب، وجاء بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له:

أعانك عليهما أحد؟ قال: نعم رجل عليه ثياب بيض، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

ذاك من الملائكة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله للعباس: افد نفسك وابن أخيك، فقال يا رسول الله قد كنت أسلمت، ولكن القوم استكرهوني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

الله أعلم بإسلامك، إن يكن ما تذكر حقا فإن الله يجزيك عليه، فأما ظاهر أمرك فقد كنت علينا، ثم قال: يا عباس إنكم خاصمتم الله فخصمكم، ثم قال:

افد نفسك وابن أخيك، وقد كان العباس أخذ معه أربعين أوقية من ذهب، فغنمها رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما قال رسول الله للعباس: افد نفسك، قال: يا رسول الله احسبها من فدائي، فقال رسول الله: لا، ذاك شئ أعطانا الله منك، فافد نفسك وابن أخيك فقال العباس: فليس لي مال غير الذي ذهب مني، قال: بلى المال الذي خلفته عند أم الفضل بمكة، فقلت لها: إن يحدث علي حدث فاقسموه بينكم، فقال له: أتتركني وأنا أسأل الناس بكفي؟ فأنزل الله على رسوله في ذلك: " يا أيها النبي قل لمن في أيدكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما

اخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم " قال: " وإن يريدوا خيانتك - في علي - فقد خانوا الله من قبل - فيك - فأمكن منهم والله عليم حكيم " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعقيل: قد قتل الله يا با يزيد أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة ومنبه ونبيه ابنا الحجاج ونوفل بن خويلد، وأسر سهيل بن عمرو والنضر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط وفلان وفلان، فقال عقيل: إذا لم تنازعوا في تهامة، فإن كنت قد أثخنت القوم وإلا فاركب أكتافهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله، وكان القتلى ببدر سبعين، والأسارى سبعين، قتل منهم أمير المؤمنين سبعة وعشرين، ولم يؤسر أحدا، فجمعوا الأسارى وقرنوهم في الحبال وساقوهم على أقدامهم، وجمعوا الغنائم، وقتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله تسعة رجال فهم سعد بن خيثمة، وكان من النقباء فرحل رسول الله صلى الله عليه وآله ونزل الأثيل عند غروب الشمس وهو من بدر على ستة أميال، فنظر رسول الله إلى عقبة بن أبي معيط وإلى نضر بن الحارث بن كلدة وهما في قران أحد، فقال النضر لعقبة:

يا عقبة أنا وأنت مقتولان، قال عقبة: من بين قريش؟ قال: نعم، لان محمدا نظر إلينا نظرة رأيت فيها القتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي علي بالنضر وعقبة، و

كان النضر رجلا جميلا عليه شعر، فجاء علي عليه السلام فأخذ بشعره فجره إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال النضر: يا محمد أسألك بالرحم بيني وبينك إلا أجريتني كرجل من قريش، إن قتلتهم قتلتني، وإن فاديتهم فاديتني، وإن أطلقتهم أطلقتني فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا رحم بيني وبينك، قطع الله الرحم بالاسلام، قدمه يا علي فاضرب عنقه، فقال عقبة: يا محمد ألم تقل: لا تصبر قريش - أي لا يقتلون صبرا - قال: وأنت من قريش؟ إنما أنت علج من أهل صفورية، لانت في الميلاد أكبر من أبيك الذي تدعى له ليس منها، قدمه يا علي فاضرب عنقه، فقدمه وضرب عنقه، فلما قتل رسول الله صلى الله عليه وآله النضر وعقبة خافت الأنصار أن يقتل الأسارى كلهم فقاموا إلى رسول الله فقالوا: يا رسول الله قد قتلنا سبعين، وأسرنا سبعين وهم قومك واساراك، هبهم لنا يا رسول الله، وخذ منهم الفداء وأطلقهم، فأنزل الله عليهم:

" ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم * فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " قلال: فأطلق لهم أن يأخذوا الفداء ويطلقوهم وشرط أنه يقتل منهم في عام قابل بعدد من يأخذوا منهم الفداء، فرضوا منه بذلك فلما كان يوم أحد قتل من أصحاب رسول الله عز وجل صلى الله عليه وآله سبعون رجلا، فقال

من بقي من أصحابه: يا رسول الله ما هذا الذي أصابنا وقد كنت تعدنا بالنصر؟ فأنزل الله عز وجل فيهم: " أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها " ببدر، قتلتم سبعين، و أسرتم سبعين " قلتم أني هذا قل هو من عند أنفسكم " بما اشترطتم. بيان: القلوص من الناقة هي الشابة، والصباة جمع الصابي، وأصله مهموز، و هو من خرج من دين إلى غيره، وكان الكفار يسمون النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه الصباة وقال الجزري: في حديث بدر: قال أبو جهل: اللطيمة اللطيمة، أي أدركوها، وهي منصوبة، واللطيمة: الجمال التي تحمل العطر والبز غير الميرة، قوله: يا آل غالب لعلهم قالوا ذلك تفألا، أو لأنهم من ولد لوي بن غالب، وقال في النهاية: قال عروة للمغيرة: يا غدر، غدر معدول عن غادر للمبالغة يقال للذكر : غدر، وللأنثى غدار، كقطام، وهما مختصان بالنداء في الغالب، ومنه حديث عاتكة: يا لغدر يا لفجر انتهى.

وفي بعض النسخ مكان يا آل غدر مكررا: يا آل عدي يا آل فهر، وهو أظهر والفلذة بالكسر: القطعة، قوله: نش فصاعدا، النش: عشرون درهما نصف أوقية وفي بعض النسخ " نشر " بالراء المهملة، وهو الرائحة الطيبة، ولعله هنا كناية عن قليل من الطيب.

وقال الجوهري: استعذب القوم ماءهم: إذا استقوه عذبا، ويستعذب لفلان من بئر كذا، أي يستقى له، وقال: فت الشئ: كسره.

والخيلاء بضم الخاء أو كسرها وفتح الياء: الكبر، والغضاة: شجرة معروفة نارها تبقى كثيرا، والجمع الغضا، والهراس كسحاب: شجر شائك ثمره كالنبق، و قال الجزري: رجل نجد ونجد أي شديد البأس، ومنه حديث علي: " أما بنو هاشم فأمجاد أنجاد " أي أشداء شجعان، قوله: أنت علي بذلك أي شاهد علي، أو ضامن علي بذلك، قوله: أن نخدر بين الناس أي نجلس في الخدور مع النساء، وفي بعض النسخ، أن يحذر الناس، و

في بعضها أن يخذل، أي يحمل الناس على الخذلان وترك الحرب وهو أصوب، و العزالى جمع الغزلاء وهو فم المزادة الأسفل، شبه أتساع المطر واندفاقه بالذي يخرج من فم المزادة، والرذاذ: المطر الضعيف، والجحفلة بمنزلة الشفة للخيل و البغال والحمير، والأكلة: المرة من الأكل، وبالضم: اللقمة والطعمة، والناقع:

القاتل، والبالغ، ونقع الموت: كثر، والسحر بالفتح والضم والتحريك: الرية قال الجزري: انتفخ سحرك أي ريتك، يقال ذلك للجبان.

قوله صلى الله عليه وآله: ما أحد من العرب، أي ليس الابتداء بقتال أحد من العرب أبغض إلي من الابتداء بقتالكم، وقال الجزري في حديث النجاشي: وكانوا بهم أعلى عينا، أي أبصر بهم وأعلم بحالهم، وقال: يقال لصعاليك العرب ولصوصها: ذوبان لأنهم كالذئاب والذوبان جمع ذئب، والأصل فيه الهمز، لكنه خفف فانقلبت واوا.

قوله: يمن مع رحب، أي ما أعظكم وأوصيكم به مشتمل على الميمنة والسعة ثم السعة والميمنة، والإل بالكسر: العهد، والحلف، والجار، والقرابة، وقال الجزري: في حديث علي عليه السلام :

هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه هذا مثل أول من قاله عمرو ابن أخت جذيمة الأبرش كان يجني الكمأة مع أصحاب له فكانوا إذا وجدوا خيار الكمأة أكلوها، وإذا وجدها عمرو جعلها في كمه حتى يأتي بها خاله، وقال: هذه الكلمة فصارت مثلا.

قوله: الله الله بكسرهما بحذف حرف القسم، أو بنصبهما بتقدير اذكر أو نحوه، يقال: فت عضدي وهد ركني، وفت في ساعده، أي أضعفه، والاعتجار لف العمامة دون التلحي، وقال الجزري: الاحلاف: ست قبائل: عبد الدر،

وجمح، ومخزوم، وعدي، وكعب، وسهم، سموا بذلك لأنهم لما رأت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية وأبت عبد الدار عقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا فأخرجت بنو عبد مناف جفنة مملوة طيبا فوضعتها لأحلافهم، وهم: أسد، وزهرة وتيم، في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها وتعاقدوا، وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤهم حلفا آخر مؤكدا فسموا الاحلاف لذلك انتهى. وانثلم السيف وتثلم: انكسر حرفه والدرقة محركة: الترس من جلد بلا خشب

ولا عقب قوله: قد نهز في بعض النسخ بالنون والزاء المعجمة، يقال: نهزه، أي ضربه ودفعه، والنهزة: الفرصة، وانتهزتها: اغتنمتها، وفي بعضها انهر بالراء المهملة إما من الهرير وهو نباح الكلب، أو من قولهم: أنهرت الدم أي أرسلته، وأنهرت الطعنة: وسعتها، وفي بعضها: بهر بالباء الموحدة والراء المهملة من قوله: بهره، أي غلبه، قوله: فاجزروهم، أي فاقتلوهم، كما يجزر الجزار الإبل.

وقال الجزري: النواجد من الأسنان: التي تبدوا عند الضحك، والأظهر الأشهر أنها أقصى الأسنان، وعض على ناجده: صبر وتصلب في الأمور.

ويقال: انسرى الهم عني وسري أي انكشف، وسلت الدم أي أماطه، وقال الفيروزآبادي: الحيزوم: فرس جبرئيل.

أقول: لعل القائل جبرئيل عليه السلام يخاطب فرسه ويحثه، قال في النهاية: في حديث بدر: أقدم حيزوم، هو أمر بالاقدام وهو التقدم في الحرب، والاقدام:

الشجاعة، وقد تكسر همزة أقدم ويكون أمرا بالتقديم لا غير ، والصحيح الفتح من أقدم، وحيزوم جاء في التفسير أنه اسم فرس جبرئيل، أراد أقدم يا حيزوم، فحذف حرف النداء، والياء فيه زائدة انتهى.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.