بحارالانوار · المجلد السادس
10. باب غزوة بدر الكبرى
ج ۱۹، ص ۲۰۱–۲۳۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۵
وقال سبحانه: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين.
النساء " 4 ": ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد
خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا * أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا. 77 - 78.
الأنفال " 8 ": ويسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول.
إلى قوله سبحانه:
كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم و يريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون * إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين * وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم * إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام * إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق فاضربوا منهم كل بنان * ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب * ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار * يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير * فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم و ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم * ذلك وأن الله موهن كيد الكافرين * إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن
الله مع المؤمنين. 1 - 19.
وقال سبحانه: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون 26.
إلى قوله تعالى: ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون * قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين 38.
وقال سبحانه: واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير * إذا أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا * ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم * إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أريكم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الامر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور * وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور * يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين * ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط * وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب * إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم * ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق * ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد 41 - 51.
وقال سبحانه: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون
عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم * فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم * يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم * وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم 67 - 71.
الحج " 22 ": هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار 19.
تفسير:
قوله تعالى: " قل للذين كفروا " قال الطبرسي رحمه الله: روى محمد بن إسحاق ابن يسار عن رجاله قال: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله قريشا ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق قينقاع فقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل الذي نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، وقد عرفتم أني نبي مرسل، و تجدون ذلك في كتابكم، فقالوا: يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنا والله لو قابلناك لعرفت أنا نحن الناس، فأنزل الله هذه الآية، وروي أيضا عن عكرمة وابن جبير عن ابن عباس، ورواه أصحابنا أيضا، وقيل: نزلت في مشركي مكة " ستغلبون " يوم بدر عن مقاتل، وقيل: نزلت في اليهود لما قتل الكفار ببدر وهزموا قالت اليهود: إنه النبي الأمي الذي بشرنا به موسى صلى الله عليه وآله ونجده في كتابنا بنعته وصفته، وإنه لا ترد له راية، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة أخرى، فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله شكوا وقالوا: لا والله ما هو هذا، فغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلى مدة، فنقضوا ذلك العهد
قبل أجله، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكة في ستين راكبا فوافقهم، و أجمعوا أمرهم على رسول الله صلى الله عليه وآله لتكونن كلمتنا واحدة، ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله فيهم هذه الآية، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " قد كان لكم آية ": نزلت الآية في قصة بدر وكانت المسلمون ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون رجلا من الأنصار، وكان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وآله والمهاجرين علي بن أبي طالب عليه السلام، و صاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكانت الإبل في جيش رسول الله صلى الله عليه وآله سبعين بعيرا، والخيل فرسين: فرس للمقداد بن الأسود، وفرس لمرثد بن أبي مرثد، و كان معهم من السلاح ستة أدرع، وثمانية سيوف، وجميع من استشهد يومئذ أربعة عشر: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار، واختلف في عدة المشركين فروي عن علي عليه السلام وابن مسعود أنهم كانوا ألفا، وعن قتادة وعروة بن الزبير والربيع كانوا بين تسعمائة إلى ألف، وكان خيلهم مائة فرس، ورئيسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان حرب بدر أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان سبب ذلك عير أبي سفيان، والخطاب في الآية لليهود الذين نقضوا العهد، أو للناس جميعا ممن حضر الوقعة، وقيل: للمشركين واليهود " آية " أي حجة وعلامة ومعجزة دالة على صدق محمد صلى الله عليه وآله " في فئتين التقتا " أي فرقتين اجتمعتا ببدر من المسلمين والكافرين " فئة تقاتل في سبيل الله " أي في دينه وطاعته وهم الرسول وأصحابه " وأخرى " أي وفرقة أخرى " كافرة " وهم مشركوا أهل مكة " يرونهم مثليهم رأي العين " أي في ظاهر العين، اختلف في معناه، فقيل: معناه يرى المسلمون المشركين مثلي عدد
أنفسهم قللهم الله في أعينهم حتى رأوهم ستمائة وستة وعشرين رجلا تقوية لقلوبهم وذلك أن المسلمين قد قيل لهم " فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين " فأراهم الله عددهم حسب ما حد لهم من العدد الذي يلزمهم أن يقدموا عليهم ولا يحجموا عنهم وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، ثم ظهر العدد القليل على العدد الكثير عن ابن مسعود و جماعة من العلماء، وقيل: الرؤية للمشركين، يعني يرى المشركون المسلمين ضعفي ما هم عليه، فإن الله تعالى قبل القتال قلل المسلمين في أعينهم ليجترؤوا عليهم و لا يتفرقوا، فلما أخذوا في القتال كثرهم في أعينهم ليجبنوا، وقلل المشركين في أعين المسلمين ليجترؤوا عليهم، وتصديق ذلك قوله تعالى: " وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم " الآية، وذلك أحسن أسباب النصر للمؤمنين، والخذلان للكفارين، وهذا قول السدي، وهذا القول إنما يتأتى على قراءة من قرأ بالياء، فأما قول من قرأ بالتاء فلا يحتمله إلا القول الأول على أن يكون الخطاب لليهود الذين لم يحضروا وهم المعنيون بقوله: " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون " وهم يهود بني قينقاع، فكأنه قال: ترون أيها اليهود المشركين مثلي المسلمين، مع أن الله أظفرهم عليهم فلا تغتروا بكثرتكم، واختار البلخي هذا الوجه، ويكون الخطاب للمسلمين الذين حضروا الوقعة، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي المسلمين، قال الفراء: يحتمل قوله: " يرونهم مثليهم " يعني ثلاثة أمثالهم، والمعنى ترونهم مثليهم مضافا إليهم، فذلك ثلاثة أمثالهم، قال:
والمعجز فيه إنما كان من جهة غلبة القليل الكثير.
فإن قيل: كيف يصح تقليل الاعداد مع حصول الرؤية وارتفاع الموانع؟
وهل هذا إلا قول من يجوز أن يكون عنده أجسام لا يدركها، أو يدرك بعضها دون بعض؟ قلنا: يحتمل التقليل في أعين المؤمنين بأن يظنوهم قليلي العدد، لا أنهم أدركوا بعضهم دون بعض، لان العلم بما يدركه الانسان جملة غير العلم بما يدركه مفصلا، ولأنا قد ندرك جمعا عظيما بأسرهم، ونشك في أعدادهم حتى يقع الخلاف في حرز عددهم. وقال رحمه الله في قوله تعالى: " ولقد نصركم الله ببدر " أي بتقوية قلوبكم، وبما أمدكم به من الملائكة، وبإلقاء الرعب في قلوب أعدائكم " وأنتم أذلة " أي ضعفاء عن المقاومة قليلو العدد والعدة، ويروى عن بعض الصادقين عليهم السلام أنه قرأ وأنتم ضعفاء وقال: لا يجوز وصفهم بأنهم أذلة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله " بثلاثة آلاف من الملائكة " هو إخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله قال لقومه ألن يكفيكم يوم بدر أن جعل ربكم ثلاثة آلاف من الملائكة مددا لكم، وقال ابن عباس وغيره: إن الامداد بالملائكة كان يوم بدر، وقال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر وكانوا في غيره من الأيام عدة ومددا، وقال الحسن: كان جميعهم خمسة آلاف، فمعناه يمددكم ربكم بتمام خمسة آلاف، وقال غيره: كانوا ثمانية آلاف، فمعناه بخمسة آلاف آخر، وقيل:
إن الوعد بالامداد بالملائكة كان يوم أحد، وعدهم الله المدد إن صبروا " منزلين " أنزلهم الله من السماء إلى الأرض لنصرتكم. أقول: سيأتي تتمة تلك الآيات في غزوة أحد.
وفي قوله: " مسومين " قال عروة: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق عليهم عمائم صفر، وقال علي عليه السلام وابن عباس: كانت عليهم عمائم بيض أرسلوا
أذنابها بين أكتافهم، وقيل: مسومين، أي مرسلين. وقال رحمه الله في قوله تعالى: " ألم تر إلى الذين قيل لهم " قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون الجمحي، وسعد بن أبي وقاص، وكانوا يلقون من المشركين أذى شديدا وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، فيشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء فإنهم قد آذونا، فلما أمروا بالقتال وبالمسير إلى بدر شق على بعضهم فنزلت الآية. " كفوا أيديكم " أي أمسكوا عن قتال الكفار فإني لم أؤمر بقتالهم " فلما كتب عليهم القتال " وهم بالمدينة " إذا فريق منهم " أي جماعة منهم " يخشون الناس كخشية الله " أي يخافون القتل من الناس كما يخافون الموت من الله وقيل: يخافون عقوبة الناس بالقتل كما يخافون عقوبة الله " أو أشد خشية " قيل: " أو " هنا بمعنى الواو، وقيل: لابهام الامر على المخاطب " وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال " قال الحسن: لم يقولوا ذلك كراهة لأمر الله تعالى، ولكن
لدخول الخوف عليهم بذلك على ما يكون من طبع البشر، ويحتمل أن يكون قالوا ذلك استفهاما لا إنكارا، وقيل: إنما قالوا ذلك لأنهم ركنوا إلى الدنيا، وآثروا نعيمها " لولا أخرتنا " أي هلا أخرتنا " إلى أجل قريب " وهو إلى أن نموت بآجالنا، والفتيل: ما تفتله بيدك من الوسخ ثم تلقيه عن ابن عباس، وقيل: ما في شق النواة، لأنه كالخيط المفتول، والبروج: القصور، وقيل: بروج السماء وقيل: البيوت التي فوق الحصون، وقيل: الحصون والقلاع، والمشيدة: المجصصة أو المزينة، وقيل: المطولة في ارتفاع " وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله " قيل: القائلون هم اليهود قالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل، فالمراد بالحسنة الخصب والمطر، وبالسيئة الجدب والقحط، و قيل: هم المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه الذين تخلفوا عن القتال يوم أحد قالوا للذين قتلوا في الجهاد: " لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا " فالمعنى إن يصبهم ظفر وغنيمة قالوا هذه من عند الله، وإن يصبهم مكروه وهزيمة قالوا: هذه من عندك، وبسوء تدبيرك، وقيل: هو عام في اليهود والمنافقين، وقيل: هو حكاية عمن سبق ذكرهم قبل الآية، وهم الذين يقولون: " ربنا لم كتبت علينا القتال ".
قوله تعالى: " يسألونك عن الأنفال " قال الطبرسي رحمه الله اختلف المفسرون في الأنفال ههنا فقيل: هي الغنائم التي غنمها النبي صلى الله عليه وآله يوم بدر عن ابن عباس وصحت الرواية عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: إن الأنفال كل ما اخذ من دار الحرب بغير قتال، وكل أرض انجلى أهلها عنها بغير قتال، وميراث من لا وارث له، وقطائع الملوك إذا كانت في أيديهم من غير غصب، والآجام وبطون الأودية، والأرضون الموات وغير ذلك مما هو مذكور في مواضعه، وقالا: هي لله
وللرسول وبعده لمن قام مقامه يصرفه حيث يشاء من مصالح نفسه ليس لأحد فيه شئ وقالا: إن غنائم بدر كانت للنبي صلى الله عليه وآله خاصة فسألوه أن يعطيهم وقد صح أن قراءة أهل البيت " يسألونك الأنفال " فقال سبحانه: " قل الأنفال لله والرسول " وكذلك ابن مسعود وغيره إنما قرؤوا كذلك على هذا التأويل، فعلى هذا فقد اختلفوا في كيفية سؤالهم النبي صلى الله عليه وآله، فقال هؤلاء: إن أصحابه سألوه أن يقسم غنيمة بدر بينهم، فأعلمه الله سبحانه أن ذلك لله ولرسوله دونهم، وليس لهم في ذلك شئ، وروي ذلك أيضا عن ابن عباس وغيره، وقالوا: إن " عن " صلة، ومعناه يسألونك الأنفال أن تعطيهم، ويؤيد هذا القول قوله: " فاتقوا الله " إلى آخر الآية، ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: هي منسوخة بآية الغنيمة، وقيل: ليست بمنسوخة وهو الصحيح وقال آخرون: إنهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله عن حكم الأنفال وعلمها أنها لمن هي وقال آخرون: إنهم سألوه عن الغنائم وقسمتها، وأنها حلال أم حرام كما كانت حراما على من قبلهم، فبين لهم أنها حلال، واختلفوا أيضا في سبب سؤالهم فقال ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم بدر: من جاء بكذا فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا، فتسارع الشبان وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما انقضى الحرب طلب الشبان ما كان قد نفلهم النبي صلى الله عليه وآله به، فقال الشيوخ: كنا ردأ لكم، ولو وقعت عليكم الهزيمة لرجعتم إلينا، وجرى بين أبي اليسر بن عمرو الأنصاري أخي بني سلمة وبين سعد بن معاذ كلام، فنزع الله تعالى الغنائم منهم، وجعلها لرسوله يفعل بها ما
يشاء، فقسمها بينهم بالسوية، وقال عبادة بن الصامت: اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقسمه بيننا على السواء وكان ذلك في تقوى الله وطاعته وصلاح ذات البين، وقال سعد بن أبي وقاص: قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت سعيد بن العاص بن أمية وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكتيفة، فجئت به إلى النبي صلى الله عليه وآله واستوهبته منه، فقال: ليس هذا لي ولا لك اذهب فاطرحه في القبض، فطرحت ورجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، وقلت: عسى أن يعطي هذا لمن لم يبل ببلائي، فما جاوزت إلا قليلا حتى جاءني الرسول وقد أنزل الله تعالى: " يسألونك " الآية، فخفت أن يكون قد نزل في شئ. فلما انتهيت إلى رسول الله قال: يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فاذهب وخذه فهو لك، وقال علي بن طلحة عن ابن عباس كانت الغنائم لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة ليس لأحد فيها شئ، وما أصاب سرايا المسلمين من شئ أتوه به، فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعطيهم منها، فنزلت الآية، وقال ابن جريح: اختلف من شهد بدرا من المهاجرين والأنصار في الغنيمة وكانوا ثلاثا فنزلت الآية، وملكها الله رسوله يقسمها كما أراه الله، وقال مجاهد: هي الخمس، وذلك أن المهاجرين قالوا: لم يرفع منا هذا الخمس؟ لم يخرج منا؟ فقال الله: " قل الأنفال لله والرسول " يقسمانها كما شاءا و ينفلان منها ما شاءا، ويرضخان منها ما شاءا " فاتقوا الله " باتباع ما يأمركم
الله ورسوله به واحذروا مخالفة أمرهما " وأصلحوا ذات بينكم " أي ما بينكم من الخصومة والمنازعة " وأطيعوا الله ورسوله " أي اقبلوا ما أمرتم به في الغنائم وغيرها " إن كنتم مؤمنين " مصدقين للرسول فيما يأتيكم به، وفي تفسير الكلبي: إن الخمس لم يكن مشروعا يومئذ، وإنما شرع يوم أحد، وفيه: إنه لما نزلت هذه الآية عرف المسلمون أنه لا حق لهم في الغنيمة، وأنها لرسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا:
يا رسول الله سمعا وطاعة فاصنع ما شئت، فنزل قوله: " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه " أي ما غنمتم بعد بدر، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قسم غنائم بدر على سواء ولم يخمس.
" كما أخرجك ربك من بيتك " الكاف في قوله: " كما أخرجك " يتعلق بما دل عليه قوله: " قل الأنفال لله والرسول " لان هذا في معنى نزعها من أيديهم بالحق، كما أخرجك ربك بالحق، فالمعنى قل الأنفال لله ينزعها عنكم مع كراهتكم ومشقة ذلك عليكم، لأنه أصلح لكم، كما أخرجك ربك من بيتك مع كراهة فريق من المؤمنين ذلك، لان الخروج كان أصلح لكم من كونكم في بيتكم، والمراد بالبيت هنا المدينة، يعني خروج النبي صلى الله عليه وآله منها إلى بدر، وقيل:
يتعلق بيجادلونك أي يجادلونك في الحق كارهين له كما جادلوك حين أخرجك ربك كارهين للخروج كراهية طباع، فقال بعضهم: كيف نخرج ونحن قليل والعدو كثير؟ وقال بعضهم: كيف نخرج على عمياء لا ندري إلى العير نخرج أم إلى القتال؟
فشبه جدالهم بخروجهم لان القوم جادلوه بعد خروجهم كما جادلوه عند الخروج، فقالوا: هلا أخبرتنا بالقتال فكنا نستعد لذلك، فهذا هو جدالهم، وقيل: يعمل فيه معنى الحق بتقدير، هذا الذكر الحق كما أخرجك ربك من بيتك بالحق
فمعناه أن هذا خير لكم كما أن إخراجك من بيتك على كراهية جماعة منكم خير لكم، وقريب منه ما جاء في حديث أبي حمزة الثمالي: فالله ناصرك كما أخرجك من بيتك وقوله: " بالحق " أي بالوحي، وذلك أن جبرئيل أتاه وأمره بالخروج، وقيل: معناه أخرجك ومعك الحق، وقيل: أخرجك بالحق الذي وجب عليك وهو الجهاد " وإن فريقا من المؤمنين " أي طائفة منهم " لكارهون " لذلك للمشقة التي لحقهم " يجادلونك في الحق بعد ما تبين " معناه يجادلونك فيما دعوتهم إليه بعد ما عرفوا صحته وصدقات بالمعجزات، ومجادلتهم: قولهم هلا أخبرتنا بذلك، وهم يعلمون أنك لا تأمرهم عن الله إلا بما هو حق وصواب، وكانوا يجادلون فيه لشدته عليهم، يطلبون بذلك رخصة لهم في التخلف عنه، أو في تأخير الخروج إلى وقت آخر، وقيل: معناه يجادلونك في القتال يوم بدر بعد ما تبين صوابه " كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " أي كان هؤلاء الذين يجادلونك في لقاء العدو لشدة القتال عليهم حيث لكم يكونوا مستعدين له، ولكراهتهم له من حيث الطبع كانوا بمنزلة من يساق إلى الموت وهم يرونه عيانا وينظرون إلى أسبابه " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم " يعني واذكروا واشكروا الله إذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم: إما العير، وإما النفير " وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم " أي تودون أن لكم العير وصاحبها أبو سفيان، لئلا تلحقكم مشقة دون النفير وهو الجيش من قريش، قال الحسن: كان المسلمون يريدون العير، ورسول الله صلى الله عليه وآله يريد ذات الشوكة، كنى بالشوكة عن الحرب لما في الحرب من الشدة، وقيل: الشوكة: السلاح " ويريد الله أن يحق الحق بكلماته " معناه والله أعلم بالمصالح منكم، فأراد أن يظهر الحق بلطفه، ويعز الاسلام ويظفركم على وجوه القريش، ويهلكهم على أيديكم بكلماته السابقة وعداته في قوله تعالى: " ولقد
سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون " وقوله: " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " وقيل: " بكلماته " أي بأمره لكم بالقتال " ويقطع دابر الكافرين " أي يستأصلهم فلا يبقي منهم أحدا يعني كفار العرب " ليحق الحق " أي ليظهر الاسلام " ويبطل الباطل " أي الكفر بإهلاك أهله " ولو كره المجرمون " أي الكافرون، وذكر البلخي عن الحسن أن قوله: " وإذ يعدكم الله " نزلت قبل قوله: " كما أخرجك ربك " وهي في القراءة بعدها.
القصة قال أصحاب السير وذكر أبو حمزة وعلي بن إبراهيم في تفسيرهما دخل حديث بعضهم في بعض: أقبل أبو سفيان بعير قريش من الشام وفيها أموالهم وهي اللطيمة فيها أربعون راكبا من قريش، فندب النبي صلى الله عليه وآله أصحابه للخروج إليها ليأخذوها وقال: لعل الله أن ينفلكموها، فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم ولم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله يلقى كيدا ولا حربا، فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيان والركب لا يرونها إلا غنيمة لهم، فلما سمع أبو سفيان بمسير النبي صلى الله عليه وآله استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم ويخبرهم
أن محمدا قد تعرض لعيرهم في أصحابه فخرج ضمضم سريعا إلى مكة، وكانت عاتكة بنت عبد المطلب رأت فيما يرى النائم قبل مقدم ضمضم بن عمرو بثلاث ليال أن رجلا أقبل على بعير له ينادي يا آل غالب اغدوا إلى مصارعكم، ثم وافى بجمله على أبي قبيس فأخذ حجرا فدهدهه من الجبل فما ترك دارا من دور قريش إلا أصابته منه فلذة، فانتبهت فزعة من ذلك فأخبرت العباس بذلك، فأخبر العباس عتبة ابن ربيعة، فقال عتبة: هذه مصيبة تحدث في قريش، وفشت الرؤيا فيهم، وبلغ ذلك أبا جهل، فقال: هذه نبيه ثانية في بني عبد المطلب، واللات والعزى لننظرن ثلاثة أيام، فإن كان ما رأت حقا وإلا لنكتبن كتابا بيننا أنه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالا ولا نساء من بني هاشم، فلما كان اليوم الثالث أتاهم ضمضم يناديهم بأعلى الصوت يا آل غالب يا آل غالب اللطيمة اللطيمة، العير العير، أدركوا وما أراكم تدركون، إن محمدا والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون
لعيركم، فتهيأوا للخروج، وما بقي أحد من عظماء قريش إلا أخرج مالا لتجهيز الجيش، وقالوا: من لم يخرج نهدم داره، وخرج معهم العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب، وأخرجوا معهم القيان يضربون الدفوف وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا، فلما كان بقرب بدر أخذ عينا للقوم فأخبره بهم.
وفي حديث أبي حمزة الثمالي بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عينا له على العير اسمه عدي فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره أين فارق العير نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بنفير المشركين من مكة، فاستشار أصحابه في طلب العير وحرب النفير، فقام أبو بكر فقال يا رسول الله: إنها قريش وخيلاؤها ما آمنت منذ كفرت، ولا ذلت منذ عزت، ولم نخرج على أهبة الحرب. وفي حديث أبي حمزة: قال أبو بكر: أنا عالم بهذا الطريق، فارق عدي العير بكذا وكذا، وساروا وسرنا فنحن والقوم على بدر يوم كذا وكذا كأنا فرسا رهان فقال صلى الله عليه وآله: اجلس فجلس، ثم قام عمر بن الخطاب فقال مثل ذلك، فقال: اجلس فجلس، ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله إنها قريش وخيلاؤها، وقد آمنا بك وصدقنا، وشهدنا أن ما جئت به حق، والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهراس لخضناه معك، والله لا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: " اذهب
أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " ولكنا نقول: امض لأمر ربك فإنا معك مقاتلون، فجزاه رسول الله صلى الله صلى عليه وآله خيرا على قوله ذلك، ثم قال: أشيروا علي أيها الناس، وإنما يريد الأنصار، لان أكثر الناس منهم، ولأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: إنا براء من ذمتك حتى تصل إلى دارنا، ثم أنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع آباءنا ونساءنا، فكان صلى الله عليه وآله يتخوف أن لا يكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا على من دهمه بالمدينة من عدو، وأن ليس عليهم أن ينصروه بخارج المدينة فقام سعد بن معاذ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله كأنك أردتنا؟ فقال: نعم فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنا قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، فمرنا بما شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، واترك منها ما شئت، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك، ولعل الله أن يريك ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، ففرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: سيروا على بركة الله، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، ولن يخلف الله وعده، والله لكأني أنظر إلى مصرع أبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وفلان و فلان، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالرحيل، وخرج إلى بدر وهو بئر.
وفي حديث أبي حمزة: وبدر رجل من جهينة والماء ماؤه وإنما سمي الماء باسمه.
وأقبلت قريش وبعثوا عبيدها ليستقوا من الماء فأخذهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.
وقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا نحن عبيد قريش، قالوا فأين العير؟ قالوا: لا علم
لنا بالعير، فأقبلوا يضربونهم وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي فانفتل من صلاته، وقال:
إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبوكم تركتموهم، فأتوه بهم فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: يا محمد نحن عبيد قريش، قال: كم القوم؟ قالوا: لا علم لنا بعددكم قال: كم ينحرون كل يوم من جزور؟ قالوا: تسعة إلى عشرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: القوم تسعمائة إلى ألف رجل، فأمر صلى الله عليه وآله بهم فحبسوا، و بلغ ذلك قريشا ففزعوا وندموا على مسيرهم، ولقي عتبة بن ربيعة أبا البختري بن هشام فقال: أما ترى هذا البغي والله ما أبصر موضع قدمي خرجنا لنمنع عيرنا وقد أفلتت فجئنا بغيا وعدوانا، والله ما أفلح قوم بغوا قط ولوددت ما في العير من أموال بني عبد مناف ذهبت ولم نسر هذا المسير، فقال له أبو البختري: إنك سيد من سادات قريش، فسر في الناس وتحمل العير التي أصابها محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه بنخلة ودم ابن الحضرمي فإنه حليفك، فقال له: علي ذلك وما على أحد من خلاف إلا ابن الحنظلة، يعني أبا جهل، فصر إليه وأعلمه أني حملت العير ودم ابن الحضرمي وهو حليفي وعلي عقله، قال: فقصدت خباه وأبلغته ذلك، فقال: إن عتبة يتعصب لمحمد، فإنه من بني عبد مناف وابنه معه ويريد أن يخذل بين الناس لا واللات والعزى حتى نقحم عليهم يثرب، أو نأخذهم أسارى فندخلهم مكة، و تتسامع العرب بذلك، وكان أبو حذيفة بن عتبة مع رسول الله صلى الله عليه وآله. وكان أبو سفيان
لما جاز بالعير بعث إلى قريش: قد نجى الله عيركم فارجعوا ودعوا محمدا والعرب، و ادفعوا بالراح ما اندفع، وإن لم ترجعوا فردوا القيان، فلحقهم الرسول في
الجحفة فأراد عتبة أن يرجع فأبى أبو جهل وبنو مخزوم وردوا القيان من الجحفة قال: وفزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه آله لما بلغهم كثرة قريش واستغاثوا وتضرعوا فأنزل الله سبحانه: " إذ تستغيثون ربكم ".
قال ابن عباس: لما كان يوم بدر واصطف القوم للقتال قال أبو جهل: اللهم أولانا بالنصر فانصره، واستغاث المسلمون، فنزلت الملائكة ونزل قوله: " إذ تستغيثون ربكم " إلى آخره، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله لما نظر إلى كثرة عدد المشركين وقلة عدد المسلمين استقبل القبلة وقال: " اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض " فما زال يهتف ربه مادا يديه حتى سقط رداؤه من منكبه، فأنزل الله تعالى " إذ تستغيثون ربكم " الآية، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ولما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله وجنه الليل ألقى الله عليه أصحابه النعاس، وكانوا قد نزلوا في موضع كثير الرمل لا تثبت فيه قدم، فأنزل الله عليهم المطر رذاذا حتى لبد الأرض وثبتت أقدامهم، وكان المطر على قريش مثل العزالي، وألقى الله في قلوبهم الرعب كما قال: " سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب " الآية.
قوله: " إذ تستغيثون ربكم " أي تستجيرون بربكم يوم بدر من أعدائكم و
تسألونه النصر عليهم لقلتكم وكثرتهم، فلم يكن لكم مفزع إلا التضرع إليه، و الدعاء له في كشف الضر عنكم " فاستجاب لكم أني ممد كم " أي مرسل إليكم مددا لكم " بألف من الملائكة مردفين " أي متعبين ألفا آخر من الملائكة، لان مع كل واحد منهم ردف له، وقيل: معناه مترادفين متتابعين، وكانوا ألفا بعضهم في أثر بعض، وقيل: بألف من الملائكة جاؤوا على آثار المسلمين " وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن به قلوبكم " أي ما جعل الامداد بالملائكة إلا بشرى لكم بالنصر، و لتسكن به قلوبكم، وتزول الوسوسة عنها، وإلا فملك واحد كاف للتدمير عليهم كما فعل جبرئيل بقوم لوط فأهلكهم بريشة واحدة، واختلف في أن الملائكة هل قاتلت يوم بدر أم لا؟ فقيل: ما قاتلت ولكن شجعت وكثرت سواد المسلمين و بشرت بالنصر، وقيل: إنها قاتلت، قال مجاهد: إنما أمدهم بألف مقاتل من الملائكة، فأما ما قاله في آل عمران بثلاثة آلاف وبخمسة آلاف فإنه للبشارة، و روي عن ابن مسعود أنه سأله أبو جهل من أين كان يأتينا الضرب، ولا نرى الشخص قال: من قبل الملائكة، فقال: هم غلبونا لا أنتم، وعن ابن عباس أن الملائكة قاتلت يوم بدر وقتلت " وما النصر إلا من عند الله " لا بالملائكة ولا بكثرة العدد " إن الله عزيز " لا يمنع عن مراده " حكيم " في أفعاله " إذ يغشيكم النعاس " هو أول النوم قبل أن يثقل " أمنة " أي أمانا " منه " أي من العدو، وقيل: من الله فإن الانسان لا يأخذه النوم في حال الخوف، فآمنهم الله تعالى بزوال الرعب عن قلوبهم، وأيضا فإنه قواهم بالاستراحة على القتال من الغد " وينزل عليكم من السماء ماء " أي مطرا " ليطهركم به " وذلك لان المسلمين قد سبقهم الكفار إلى الماء، فنزلوا على كثيب رمل، وأصبحوا محدثين مجنبين، وأصابهم الظمأ ووسوس
إليهم الشيطان. وقال: إن عدوكم قد سبقكم إلى الماء وأنتم تصلون مع الجنابة والحدث؟ وتسوخ أقدامكم في الرمل، فمطرهم الله حتى اغتسلوا به من الجنابة و تطهروا به من الحدث، وتلبدت به أرضهم، وأوحلت أرض عدوهم " ويذهب عنكم رجز الشيطان " أي وسوسته بما مضى ذكره، أو بالجنابة التي أصابتكم بالاحتلام " وليربط على قلوبكم " أي وليشد على قلوبكم أي يشجعها " ويثبت به الاقدام " بتلبيد الأرض، وقيل: بالبصر وقوة القلب " إذ يوحي ربك إلى الملائكة " يعني الملائكة الذين أمد بهم المسلمين " أني معكم " بالمعونة والنصرة " فثبتوا الذين آمنوا " أي بشروهم بالنصر، وكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل، ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم، وقيل: معناه قاتلوا معهم المشركين أو ثبتوهم بأشياء تلقونها في قلوبهم يقوون بها " سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب " أي الخوف من أوليائي " فاضربوا فوق الأعناق " يعني الرؤوس لأنها فوق الأعناق، قال عطا: يريد كل هامة وجمجمة، وجائز أن يكون هذا أمرا للمؤمنين، وأن يكون أمرا للملائكة وهو الظاهر، قال ابن الأنباري: إن الملائكة حين أمرت بالقتال لم تعلم أين تقصد بالضرب من الناس، فعلمهم الله تعالى " واضربوا منهم كل بنان " يعني الأطراف من اليدين والرجلين، وقيل: يعني أطراف الأصابع، اكتفى به عن جملة اليد والرجل " ذلك " العذاب والامر بضرب العناق والأطراف وتمكين المسلمين منهم " بأنهم شاقوا الله ورسوله " أي بسبب أنهم خالفوا الله ورسوله وحاربوهما " ومن يشاقق الله و رسوله فإن الله شديد العقاب " في الدنيا بالاهلاك، وفي الآخرة بالتخليد في النار " ذلكم " أي هذا الذي أعددت لكم من الأسر والقتل في الدنيا " فذوقوه " عاجلا " وإن للكافرين " آجلا " عذاب النار ".
تمام القصة: ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر عبأ أصحابه فكان في عسكره فرسان: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود، وكان في عسكره
سبعون جملا كانوا يتعاقبون عليها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يتعاقبون على جمل لمرثد بن أبي مرثد، وكان في عسكر قريش أربعمائة فرس، وقيل: مائتا فرس، فلما نظرت قريش إلى قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قال أبو جهل: ما هم إلا اكلة رأس، لو بعثنا إليهم عبيدنا لاخذوهم أخذا باليد، وقال عتبة بن ربيعة: أترى لهم كمينا أو مددا؟ فبعثوا عمر بن وهب الجمحي وكان فارسا شجاعا فجال بفرسه حتى طاف على عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم رجع فقال: ما لهم كمين ولا مدد، ولكن نواضح يثرب قد حملت الموت الناقع أما ترونهم خرسا لا يتكلمون يتلمظون تلمظ الأفاعي، ما لهم ملجأ إلا سيوفهم و ما أراهم يولون حتى يقتلوا، ولا يقتلون حتى يقتلوا بعددهم، فارتاؤا رأيكم، فقال له أبو جهل: كذبت وجبنت، فأنزل الله سبحانه " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها " فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " يا معاشر قريش إني أكره أن أبدأكم فخلوني والعرب وارجعوا " فقال عتبة: ما رد هذا قوم قط فأفلحوا، ثم ركب جملا له أحمر فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يجول بين العسكرين وينهى عن القتال، فقال صلى الله عليه وآله إن يك عند أحد خير فعند صاحب الجمل الأحمر، وإن يطيعوه يرشدوا، وخطب عتبة فقال في خطبته: يا معاشر قريش أطيعوني اليوم، واعصوني الدهر، إن محمدا له إل وذمة، وهو ابن عمكم فخلوه والعرب فإن يك صادقا فأنتم أعلى عينا به، وإن يك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره، فغاظ أبا جهل قوله وقال له: جبنت وانتفخ سحرك، فقال: يا مصفرا استه مثلي يجبن؟ ستعلم قريش أينا ألام و أجبن، وأينا المفسد لقومه، ولبس درعه وتقدم هو وأخوه شيبة وابنه الوليد، و
قال: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش، فبرز إليه ثلاثة نفر من الأنصار و انتسبوا لهم فقالوا: ارجعوا إنما نريد الأكفاء من قريش، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وكان له يومئذ سبعون سنة فقال: قم يا عبيدة ونظر إلى حمزة فقال: قم يا عم، ثم نظر إلى علي فقال: قم يا علي وكان أصغر القوم فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها، تريد أن تطفئ نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ثم قال: يا عبيدة عليك بعتبة بن ربيعة، وقال لحمزة: عليك بشيبة، وقال لعلي عليه السلام: عليك بالوليد، فمروا حتى انتهوا إلى القوم فقالوا: أكفاء كرام، فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته، وضرب عتبة عبيدة على ساقه فأطنها فسقطا جميعا، وحمل شيبة على حمزة فتضاربا بالسيفين حتى انثلما، وحمل أمير المؤمنين عليه السلام على الوليد فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه، قال علي عليه السلام: لقد أخذ الوليد يمينه بشماله فضرب بها هامتي فظننت أن السماء وقعت على الأرض، ثم اعتنق حمزة وشيبة فقال المسلمون: يا علي أما ترى الكلب نهز عمك (4)؟ فحمل عليه علي عليه السلام فقال: يا عم طأطئ رأسك، وكان حمزة أطول من شيبة، فأدخل حمزة رأسه في صدره فضربه علي فطرح نصفه، ثم جاء إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه.
وفي رواية أخرى أنه برز حمزة لعتبة، وبرز عبيدة لشيبة، وبرز علي للوليد فقتل حمزة عتبة، وقتل عبيدة شيبة، وقتل علي الوليد، وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها فاستنقذه حمزة وعلي، وحمل عبيدة حمزة وعلي حتى أتيا به رسول الله صلى الله عليه وآله فاستعبر، فقال: يا رسول الله ألست شهيدا؟ قال: بلى أنت أول شهيد من أهل
بيتي، وقال أبو جهل لقريش: لا تعجلوا ولا تبطروا كما بطرا بنا ربيعة، عليكم بأهل يثرب فاجزروهم جزرا، وعليكم بقريش فخذوهم أخذا حتى ندخلهم مكة فنعرفهم ضلالتهم التي هم عليها، وجاء إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فقال لهم: أنا جار لكم، ادفعوا إلي رايتكم، فدفعوا إليهم راية الميسرة وكانت الراية مع بني عبد الدار، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لأصحابه: " غضوا أبصاركم، وعضوا على النواجد " ورفع يده فقال: " يا رب إن تهلك هذه العصابة لا تعبد " ثم أصابه الغشي فسري عنه وهو يسلت العرق عن وجهه فقال: هذا جبرئيل قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين.
وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: لقد رأينا يوم بدر وإن أحدنا يشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه من جسده قبل أن يصل إليه السيف.
قال ابن عباس: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى صعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة، فبينا نحن هناك إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعنا قائلا يقول: أقدم حيزوم وقال: فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت.
وروى عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم بدر: هذا جبرئيل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب، أورده البخاري في الصحيح.
قال عكرمة: قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الاسلام قد دخلنا أهل البيت وأسلمت أم الفضل وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره أن يخالفهم وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكذلك صنعوا لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا، فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا، قال: وكنت: رجلا ضعيفا، وكنت أعمل القداح أنحتها في حجرة زمزم، فوالله، إني لجالس فيها أنحت القدح وعندي أم الفضل جالسة، و قد سرنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب الحجرة، وكان ظهره إلى ظهري، فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد قدم، فقال أبو لهب: هلم إلي يا بن أخي فعندك الخبر، فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا بن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شئ والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا و يأسرونا كيف شاؤوا، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق شيئا ولا يقوم لها شئ، قال أبو رافع: فرفعت طرف الحجرة بيدي ثم قلت: تلك الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة فثاورته فاحتملني وضرب بي الأرض، ثم برك علي يضربني وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته ضربة فلقت رأسه شجة منكرة، وقالت: تستضعفه إن غاب عنه سيده، فقام موليا ذليلا،
فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتله، ولقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثة ما يدفنانه حتى أنتن في بيته، وكانت قريش تتقي العدسة كما يتقي الناس الطاعون، حتى قال لهما رجل من قريش: ألا تستحيان أن أبا كما قد أنتن في بيته لا تغيبانه؟ فقالا: إنا نخشى هذه القرحة، قال: فانطلقا فأنا معكما فما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يمسونه، ثم احتملوه فدفنوه بأعلى مكة إلى جدار و قذفوا عليه الحجارة حتى واروه.
وروى مقسم، عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلا مجموعا، وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي اليسر: كيف أسرت العباس يا أبا اليسر؟
فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا، فقال: لقد أعانك عليه ملك كريم.
" يا أيها الذين آمنوا " قيل: خطاب لأهل بدر، وقيل: عام " إذا لقيتم الذين كفروا زحفا " أي متدانين لقتالكم " فلا تولوهم الادبار " أي فلا تنهزموا " ومن يولهم يومئذ دبره " أي من يجعل ظهره إليهم يوم القتال ووجهه إلى جهة الانهزام " إلا متحرفا لقتال " أي إلا تاركا موقفا إلى موقف آخر أصلح للقتال من الأول " أو متحيزا إلى فئة " أي منحازا منضما إلى جماعة من المسلمين يريدون العود إلى القتال ليستعين بهم " فقد باء بغضب من الله " أي احتمل غضب الله واستحقه، وقيل: رجع به، ثم نفى سبحانه أن يكون المسلمون قتلوا المشركين يوم بدر فقال: " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم " وإنما نفى الفعل عمن هو فعله على الحقيقة
ونسبه إلى نفسه وليس بفعل له، من حيث كانت أفعاله تعالى كالسبب لهذا الفعل، والمؤدي إليه من إقداره إياهم، ومعونته لهم، وتشجيع قلوبهم، وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم حتى قتلوا " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " ذكر جماعة من المفسرين كابن عباس وغيره أن جبرئيل قال للنبي صلى الله عليه وآله يوم بدر: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لما التقى الجمعان لعلي عليه السلام: أعطني قبضة من حصباء الوادي، فناوله كفا من حصا عليه تراب فرمى به في وجوه القوم و قال: " شاهت الوجوه " فلم يبق مشرك إلا دخل في عينه وفمه ومنخريه منها شئ، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت تلك الرمية سبب هزيمة القوم، و قال قتادة وأنس: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم، وحصاة بين أظهرهم، وقال:
" شاهت الوجوه " فانهزموا، فعلى هذا إنما أضاف الرمي إلى نفسه لأنه لا يقدر أحد غيره على مثله فإنه من عجائب المعجزات " وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا " أي ولينعم به عليهم نعمة حسنة، والضمير راجع إلى النصر، أو إليه تعالى " إن الله سميع " لدعائكم " عليم " بأفعالكم وضمائركم " ذلكم " موضعه رفع، والتقدير الامر ذلكم الانعام، أو ذلكم الذي ذكرت " وأن الله موهن كيد الكافرين " بإلقاء الرعب في قلوبهم وتفريق كلمتهم " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح " فيل: إنه خطاب للمشركين فإن أبا جهل قال يوم بدر حين التقى الفئتان: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فانصرنا عليه.
وفي حديث أبي حمزة قال أبو جهل: اللهم ربنا ديننا القديم، ودين محمد الحديث، فأي الدينين كان أحب إليك وأرضى عندك فانصر أهله اليوم.
فالمعنى إن تستنصروا لإحدى الفئتين فقد جاءكم النصر، أي نصر محمد وأصحابه،
وقيل : إنه خطاب للمؤمنين، أي إن تستنصروا على أعداءكم فقد جاءكم النصر بالنبي صلى الله عليه وآله " وإن تنتهوا " عن الكفر وقتال الرسول صلى الله عليه وآله " فهو خير لكم و إن تعودوا نعد " أي وإن تعودوا أيها المشركون إلى قتال المسلمين نعد بأن ننصرهم عليكم " ولن تغني عنكم فئتكم شيئا " أي ولن تدفع عنكم جماعتكم شيئا " وإن كثرت " الفئة " وإن الله مع المؤمنين " بالنصر والحفظ، " إن الذين كفروا " قيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش يقاتل بهم النبي صلى الله عليه وآله سوى من استحاشهم من العرب، وقيل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا: أبو جهل بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، ونبيه و منبه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، والنضر بن الحارث، وحكيم بن حزام، وأبي بن خلف، وزمعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نوفل، و
العباس بن عبد المطلب كلهم من قريش، وكان كل يوم يطعم واحد منهم عشر جزر، وكانت النوبة يوم الهزيمة للعباس، وقيل: لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة مشى صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل في رجال من قريش أصيب آباؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك العير تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثارا بمن أصيب منا، ففعلوا فأنزل الله فيهم هذه الآية " ينفقون أموالهم " في قتال الرسول والمؤمنين " ليصدوا عن سبيل الله " أي ليمنعوا بذلك الناس عن دين الله الذي أتى به محمد صلى الله عليه وآله " فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة " من حيث إنهم لا ينتفعون بذلك الانفاق لا في الدنيا ولا في الآخرة بل يكون وبالا عليهم " ثم يغلبون " في الحرب وفيه من الاعجاز ما لا يخفى " والذين كفروا إلى جهنم يحشرون " أي بعد تحسرهم في الدنيا ووقوع الظفر بهم " ليميز الله الخبيث من الطيب " أي نفقة الكافرين من نفقة المؤمنين " ويجعل الخبيث بعضه على بعض " أي نفقة المشركين بعضها على بعض
" فيركمه " أي فيجمعه " جميعا " في الآخرة " فيجعله في جهنم " فيعاقبهم بها، و قيل: معناه ليميز الكافر من المؤمن في الدنيا بالغلبة والنصر والأسماء الحسنة و الاحكام المخصوصة، وفي الآخرة بالثواب والجنة، وقيل: بأن يجعل الكافر في جهنم، والمؤمن في الجنة، فيجعل الكافرين في جهنم بعضهم على بعض يضيقها عليهم " أولئك هم الخاسرون " لأنهم قد اشتروا بالانفاق في المعصية عذاب الله.
قوله تعالى: " فقد مضت سنة الأولين " أي سنة الله في آبائكم، وعادته في نصر المؤمنين، وكبت أعداء الدين.
قوله تعالى: " وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " أي فأيقنوا أن الله ناصركم إذ كنتم قد شاهدتم من نصره ما قد شاهدتم، أو المعنى ويجوز أن يكون " آمنتم بالله " معناه اعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول يأمران فيه بما يريدان، إن كنتم آمنتم بالله فاقبلوا ما أمرتم به من الغنيمة واعملوا به " وما أنزلنا على عبدنا " أي وآمنتم بما أنزلنا على محمد من القرآن، وقيل: من النصر، وقيل: من الملائكة أي علمتم أن ظفركم على عدوكم كان بنا " يوم الفرقان " يعني يوم بدر، لان الله تعالى فرق فيه بين المسلمين والمشركين بإعزاز هؤلاء و قمع أولئك " يوم التقى الجمعان " جمع المسلمين وهم ثلاث مائة وبضعة عشر رجلا، وجمع الكافرين وهم بين تسعمائة إلى ألف من صناديد قريش ورؤسائهم فهزموهم وقتلوا منهم زيادة على السبعين، وأسروا منهم مثل ذلك، وكان يوم بدر يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان من سنة اثنتين من الهجرة على رأس
ثمانية عشر شهرا وقيل: كان التاسع عشر من شهر رمضان، وقد روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام.
" إذ أنتم بالعدوة الدنيا " العدوة: شفير الوادي، وللوادي عدوتان وهما جانباه والدنيا تأنيث الأدنى، قال ابن عباس: يريد: والله قدير على نصركم وأنتم أقلة أذلة إذ أنتم نزول بشفير الوادي الأقرب إلى المدينة " وهم " يعني المشركين أصحاب النفير " بالعدوة القصوى " أي نزول بالشفير الأقصى من المدينة " والركب " يعني أبا سفيان وأصحابه وهم العير " أسفل منكم " أي في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر، قال الكلبي: كانوا على شط البحر بثلاثة أميال، فذكر الله سبحانه مقاربة الفئتين من غير ميعاد، وما كان المسلمون فيه من قلة الماء والرمل الذي تسوخ فيه الأرجل مع قلة العدة والعدد، وما كان المشركون فيه من كثرة العدة والعدد و نزولهم على الماء والعير أسفل منهم وفيها أموالهم، ثم مع هذا كله نصر المسلمين عليهم ليعلم أن النصر من عنده تعالى " ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد " معناه لو تواعدتم أيها المسلمون الاجتماع في الموضع الذي اجتمعتم فيه ثم بلغكم كثرة عددهم مع قلة عددكم لتأخرتم فنقضتم المعياد، أو لأخلفتم بما يعرض من العوائق والقواطع، فذكر الميعاد لتأكيد أمره في الانفاق، ولولا لطف الله مع ذلك لوقع الاختلاف " ولكن " قدر الله التقاءكم وجمع بينكم وبينهم على غير ميعاد " ليقضي الله أمرا كان مفعولا " أي كائنا لا محالة، وهو إعزاز الدين وأهله، وإذلال الشرك و أهله " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة " أي فعل ذلك ليموت من مات منهم بعد قيام الحجة عليه بما رأى من المعجزات الباهرة للنبي صلى الله عليه وآله في حروبه وغيرها، ويعيش من عاش منهم بعد قيام الحجة، وقيل: إن البينة هي ما وعد الله من النصر للمؤمنين على الكافرين، صار ذلك حجة على الناس في صدق النبي صلى الله عليه وآله فيما أتاهم به من عند الله تعالى وقيل: معناه ليهلك من ضل بعد قيام الحجة عليه فيكون حياة الكافر وبقاؤه هلاكا له، ويحيى من اهتدى بعد قيام
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.