پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 2 جوامع معجزاته صلى الله

ج ۱۷، ص ۳۱۲–۳۴۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۴ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۷

وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: فتواطأت اليهود على قتله في طريقه على جبل حرا وهم سبعون، فعمدوا إلى سيوفهم فسموها، ثم قعدوا له ذات غلس في طريقه على جبل حرا، فلما صعده صعدوا إليه وسلوا سيوفهم وهم سبعون رجلا من أشد اليهود وأجلدهم وذوي النجدة منهم، فلما أهووا بها إليه ليضربوه بها التقى طرفا الجبل بينهم وبينه فانضما، وصار ذلك حائلا بينهم وبين محمد صلى الله عليه وآله، وانقطع طمعهم عن الوصول إليه بسيوفهم، فغمدوها، فانفرج الطرفان بعدما كانا انضما، فسلوا بعد سيوفهم وقصدوه، فلما هموا بإرسالها عليه انضم طرفا الجبل، وحيل بينهم وبينه، فيغمدونها ثم ينفرجان فيسلونها إلى أن بلغ ذروة الجبل، فكان ذلك سبعا وأربعين مرة، فصعدوا الجبل وداروا خلفه ليقصدوه بالقتل فطال عليهم الطريق، ومد الله عز وجل

الجبل فأبطأوا عنه حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من ذكره وثنائه على ربه واعتباره بعبره، ثم انحدر عن الجبل فانحدروا خلفه ولحقوه وسلوا سيوفهم عليه ليضربوه بها، فانضم طرفا الجبل، وحال بينهم وبينه ، فغمدوها ثم انفرج فسلوها، ثم انضم فغمدوها، وكان ذلك سبعا وأربعين مرة، كلما انفرج سلوها، فإذا انضم غمدوها، فلما كان في آخر مرة وقد قارب رسول الله صلى الله عليه وآله القرار سلوا سيوفهم عليه فانضم طرفا الجبل، وضغطهم الجبل ورضضهم، وما زال يضغطهم حتى ماتوا أجمعين، ثم نودي يا محمد: انظر خلفك إلى بغاتك السوء ماذا صنع بهم ربهم فنظر فإذا طرفا الجبل مما يليه منضمان: فلما نظر انفرج الطرفان وسقط أولئك القوم وسيوفهم بأيديهم، وقد هشمت وجوههم و ظهورهم وجنوبهم وأفخاذهم وسوقهم وأرجلهم، وخروا موتى تشخب أوداجهم دما، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك الموضع سالما مكفيا مصونا محفوظا، تناديه الجبال وما عليها من الأحجار: هنيئا لك يا محمد نصرة الله عز وجل لك على أعدائك بنا، وسينصرك إذا ظهر أمرك على جبابرة أمتك وعتاتهم بعلي بن أبي طالب ويشد يده لاظهار دينك وإعزازه وإكرام أوليائك، وقمح أعدائك، وسيجعله تاليك وثانيك ونفسك التي بين جنبيك، وسمعك الذي به تسمع، وبصرك الذي به تبصر، ويدك التي بها تبطش، ورجلك التي عليها تعتمد، وسيقضي عنك ديونك، ويفي عنك بعداتك، وسيكون جمال أمتك، وزين أهل ملتك، وسيسعد ربك عز وجل به محبيه، ويهلك به شانئيه.

قال علي بن محمد عليه السلام: وأما الشجرتان اللتان تلاصقتا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله

كان ذات يوم في طريق له بين مكة والمدينة، وفي عسكره منافقون من المدينة، وكافرون من مكة ومنافقون لها، وكانوا يتحدثون فيما بينهم بمحمد صلى الله عليه وآله الطيبين وأصحابه الخيرين، فقال بعضهم لبعض: يأكل كما نأكل، وينفض كرشه من الغائط والبول كما ننفض، ويدعي أنه رسول الله، فقال بعض مردة المنافقين: هذه صحراء ملساء لأتعمدن النظر إلى استه إذا قعد لحاجته حتى أنظر هل الذي يخرج منه كما يخرج منا أم لا، فقال آخر لكنك أن ذهبت تنظر معه منعه من أن يقعد، لأنه أشد حياء من الجارية العذراء المحرمة، قال: فعرف الله عز وجل ذلك نبيه صلى الله عليه وآله فقال لزيد بن ثابت: اذهب إلى تينك الشجرتين المتباعدتين - يومئ إلى شجرتين بعيدتين قد أو غلتا في المفازة، وبعدتا عن الطريق قدر ميل - فقف بينهما وناد أن رسول الله صلى الله عليه وآله يأمركما أن تلتصقا وتنضما، ليقضي رسول الله صلى الله عليه وآله خلفكما حاجته، ففعل ذلك زيد وقاله فوالذي بعث محمدا بالحق نبيا إن الشجرتين انقلعتا بأصولهما من مواضعهما، وسعت كل واحدة منهما إلى الأخرى: سعي المتحابين، كل واحد منهما إلى الآخر: التقيا بعد طول غيبة، وشدة اشتياق، ثم تلاصقتا وانضمتا: انضمام متحابين في فراش في صميم الشتاء، وقعد رسول الله صلى الله عليه وآله خلفهما، فقال أولئك المنافقون: قد استتر عنا، فقال بعضهم لبعض: فدوروا خلفه لتنظروا إليه. فذهبوا يدورون خلفه، فدارت الشجرتان كلما داروا، ومنعتاهم من النظر إلى عورته، فقالوا: تعالوا نتحلق حوله لتراه طائفة منا، فلما ذهبوا

يتحلقون تحلقت الشجرتان فأحاطتا به كالأنبوبة حتى فرغ وتوضأ، وخرج من هناك وعاد إلى العسكر، وقال لزيد بن ثابت: عد إلى الشجرتين وقل لهما: إن رسول الله صلى الله عليه وآله يأمركما أن تعودا إلى أماكنكما، فقال لهما وسعت كل واحدة منهما إلى موضعهما - والذي بعثه بالحق نبيا - سعي الهارب الناجي بنفسه من راكض شاهر سيفه خلفه، حتى عادت كل شجرة إلى موضعها، فقال المنافقون: قد امتنع محمد من أن يبدي لنا عورته، وأن ننظر إلى استه، فتعالوا ننظر إلى ما خرج منه لنعلم أنه ونحن سيان، فجاءوا إلى الموضع فلم يروا شيئا البتة، لا عينا ولا أثرا، قال: وعجب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك، فنودوا من السماء أوعجبتم لسعي الشجرتين إحداهما إلى الأخرى، إن سعي الملائكة بكرامات الله عز وجل إلى محبي محمد ومحبي علي أشد من سعي هاتين الشجرتين إحداهما إلى الأخرى، وإن تنكب نفحات النار يوم القيامة عن محبي علي والمتبرئين من أعدائه أشد من تنكب هاتين الشجرتين إحداهما عن الأخرى.

قال علي بن محمد صلوات الله عليهما. وأما دعاؤه صلى الله عليه وآله الشجرة فإن رجلا من ثقيف كان أطب الناس يقال له: الحارث بن كلدة الثقفي، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:

يا محمد جئت أداويك من جنونك، فقد داويت مجانين كثيرة فشفوا على يدي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت تفعل أفعال المجانين، وتنسبني إلى الجنون؟ قال الحارث: وماذا فعلته من أفعال المجانين؟ قال: نسبتك إياي إلى الجنون من غير محنة منك ولا تجربة ولا نظر في صدقي أو كذبي، فقال الحارث: أوليس قد عرفت كذبك وجنوبك بدعواك النبوة التي لا تقدر لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وقولك لا تقدر لها فعل المجانين، لأنك لم

تقل: لم قلت كذا؟ ولا طالبتني بحجة فعجزت عنها، فقال الحارث: صدقت أنا أمتحن أمرك.

بآية أطالبك بها، إن كنت نبيا فادع تلك الشجرة - يشير بشجرة عظيمة بعيد عمقها - فإن أتتك علمت أنك رسول الله صلى الله عليه وآله، وشهدت لك بذلك، وإلا فأنت ذلك المجنون الذي قيل لي، فرفع رسول الله يده إلى تلك الشجرة، وأشار إليها أن تعالى فانقلعت تلك الشجرة بأصولها وعروقها، وجعلت تخد في الأرض أخدودا عظيما كالنهر حتى دنت من رسول الله صلى الله عليه وآله فوقفت بين يديه، ونادت بصوت فصيح: ها أنا ذا يا رسول الله ما تأمرني؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: دعوتك لتشهد لي بالنبوة بعد شهادتك لله بالتوحيد، ثم تشهدي بعد شهادتك لي لعلي هذا بالإمامة، وأنه سندي وظهري وعضدي وفخري وعزي، ولولاه ما خلق الله عز وجل شيئا مما خلق، فنادت أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أنك يا محمد عبده ورسوله، أرسلك بالحق بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا، وأشهد أن عليا ابن عمك هو أخوك في دينك، أوفر خلق الله من الدين حظا، وأجز لهم من الاسلام نصيبا، وأنه سندك وظهرك، قامع أعدائك، ناصر أوليائك باب علومك في أمتك، وأشهد أن أولياءك الذين يوالونه ويعادون أعداءه حشو الجنة وأن أعداءه الذين يوالون أعداءه ويعادون أولياءه حشو النار، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الحارث بن كلدة فقال: يا حارث أو مجنونا يعد من هذه آياته؟ فقال الحارث بن كلدة لا والله يا رسول الله، ولكني أشهد أنك رسول رب العالمين، وسيد الخلق أجمعين، وحسن إسلامه.

وأما كلام الذراع المسمومة فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما رجع من خيبر إلى المدينة

وقد فتح الله له جاءته امرأة من اليهود قد أظهرت الايمان، ومعها ذراع مسمومة مشوية وضعتها بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما هذه؟ قالت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله همني أمرك في خروجك إلى خيبر، فإني علمتهم رجالا جلدا، وهذا حمل كان لي ربيبة أعده كالولد لي، وعلمت أن أحب الطعام إليك الشواء، وأحب الشواء إليك الذراع، ونذرت لله لئن سلمك الله منهم لأذبحنه ولأطعمنك من شوائة ذراعيه، والآن فقد سلمك الله منهم وأظفرك عليهم، وقد جئتك بنذري، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وآله البراء بن معرور وعلي بن أبي طالب عليه السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ايتوني بالخبز، فاتي به فمد البراء بن المعرور يده وأخذ منه لقمة فوضعها في فيه، فقال علي بن أبي طالب عليه السلام:

يا براء لا تتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال البراء وكان أعرابيا: يا علي كأنك تبخل رسول الله صلى الله عليه وآله؟! فقال علي عليه السلام: ما أبخل رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكني أبجله وأوقره ليس لي ولا لك ولا لاحد من خلق الله أن يتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله بقول ولا فعل ولا أكل ولا شرب، فقال البراء: ما أبخل رسول الله صلى الله عليه وآله، قال علي عليه السلام ما لذلك قلت، ولكن هذا جاءت به هذه وكانت يهودية، ولسنا نعرف حالها ، فإذا أكلته بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله فهو الضامن لسلامتك منه، وإذا أكلته بغير إذنه وكلت إلى نفسك يقول علي هذا والبراء يلوك اللقمة، إذ أنطق الله الذراع فقالت: يا رسول الله

لا تأكلني فإني مسمومة، وسقط البراء في سكرات الموت ولم يرفع إلا ميتا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ايتوني بالمرأة فاتي بها، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقالت: وترتني وترا عظيما، قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي وابني، ففعلت هذا وقلت: إن كان ملكا فسأنتقم منه، وإن كان نبيا كما يقول وقد وعد فتح مكة والنصر والظفر فيمنعه الله منه ويحفظه ولن يضره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيتها المرأة لقد صدقت، ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يغرك موت البراء فإنما امتحنه الله لتقدمه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ولو كان بأمر رسول الله أكل منه لكفي شره وسمه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ادع لي فلانا وفلانا، وذكر قوما من خيار أصحابه فيهم سلمان والمقداد وأبو ذر وعمار وصهيب وبلال وقوم من سائر الصحابة تمام عشرة وعلي عليه السلام حاضر معهم، فقال: اقعدوا وتحلقوا عليه، ووضع رسول الله صلى الله عليه وآله يده على الذراع المسمومة ونفث عليه، وقال: " بسم الله الشافي، بسم الله الكافي، بسم الله المعافي، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئ ولا داء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم " ثم قال: كلوا على اسم الله، فأكل رسول الله صلى الله عليه وآله وأكلوا حتى شبعوا، ثم شربوا عليه الماء، ثم أمر بها فحبست، فلما كان اليوم الثاني جاء بها فقال: أليس هؤلاء أكلوا ذلك السم بحضرتك؟ فكيف رأيت دفع الله عن نبيه وصحابته؟ فقالت: يا رسول الله كنت إلى الآن في نبوتك شاكة، والآن قد أيقنت أنك رسول الله حقا، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله وحسن إسلامها.

فقال علي بن الحسين عليه السلام: ولقد حدثني أبي، عن جدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله

لما حملت إليه جنازة البراء بن معرور ليصلي عليه قال: أين علي بن أبي طالب؟ قالوا: يا رسول الله إنه ذهب في حاجة رجل من المسلمين إلى قبا، فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يصل عليه، قالوا: يا رسول الله مالك لا تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عز وجل أمرني أن أؤخر الصلاة عليه إلى أن يحضره علي فيجعله في حل مما كلمه به بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله، ليجعل الله موته بهذا السم كفارة له، فقال بعض من حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وشاهد الكلام الذي تكلم به البراء: يا رسول الله إنما كان مزحا مازح به عليا لم يكن منه جدا فيؤاخذه الله عز وجل بذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو كان ذلك منه جدا لأحبط الله تعالى أعماله كلها، ولو كان تصدق بمثل ما بين الثرى إلى العرش ذهبا وفضة، ولكنه كان مزحا وهو في حل من ذلك إلا إن رسول الله صلى الله عليه وآله يريد أن لا يعتقد أحد منكم أن عليا عليه السلام واجد عليه فيجدد بحضرتكم إحلالا، ويستغفر له ليزيده الله عز وجل بذلك قربة ورفعة في جنانه، فلم يلبث أن حضر علي بن أبي طالب عليه السلام، فوقف قبالة الجنازة، وقال، رحمك الله يا براء، فلقد كنت صواما قواما، ولقد مت في سبيل الله وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ولو كان أحد من الموتى يستغني عن صلاة رسول الله لاستغنى صاحبكم هذا بدعاء علي عليه السلام له، ثم قام فصلى عليه ودفن فلما انصرف وقعد في العزاء قال: أنتم يا أولياء البراء بالتهنية أولى منكم بالتعزية، لان صاحبكم عقد له في الحجب قباب من السماء الدنيا إلى السماء السابعة: وبالحجب كلها إلى الكرسي إلى ساق العرش

لروحه التي عرج بها فيها، ثم ذهب بها إلى ربض الجنان وتلقاها كل من كان فيها من خزانها، واطلع إليه كل من كان فيها من حور حسانها فقالوا بأجمعهم له:

طوباك طوباك يا روح البراء، انتظر عليك رسول الله عليا صلوات الله وسلامه عليهما وآلهما الكرام حتى ترحم عليك علي واستغفر لك، أما إن حملة عرش ربنا حدثونا عن ربنا أنه قال: يا عبدي الميت في سبيلي، لو كان عليك من الذنوب بعدد الحصى والثرى و قطر المطر وورق الشجر وعدد شعور الحيوانات ولحظاتهم وأنفاسهم وحركاتهم وسكناتهم لكانت مغفورة بدعاء علي عليه السلام لك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فتعرضوا عباد الله لدعاء علي لكم، ولا تتعرضوا لدعاء علي عليكم، فإن من دعا عليه أهلكه الله، ولو كانت حسناته عدد ما خلق الله، كما أن من دعا له أسعده الله، ولو كانت سيئاته بعدد ما خلق الله.

وأما كلام الذئب له: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان جالسا ذات يوم إذ جاءه راع ترتعد فرائصه قد استفزعه العجب، فلما رآه من بعيد قال لأصحابه: إن لصاحبكم هذا شأنا عجيبا، فلما وقف قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: حدثنا بما أزعجك، قال الراعي: يا رسول الله أمر عجيب، كنت في غنمي إذ جاء ذئب، فحمل حملا فرميته بمقلاعتي فانتزعته منه، ثم جاء إلى الجانب الأيمن فتناول حملا فرميته بمقلاعتي فانتزعته

منه، ثم جاء إلى الجانب الأيسر فتناول حملا فرميته بمقلاعتي فانتزعته، ثم جاء إلى الجانب الآخر فتناول حملا فرميته بمقلاعتي فانتزعته منه، ثم جاء الخامسة هو وانثاه يريد أن يتناول حملا فأردت أن أرميه فأقعى على ذنبه وقال: أما تستحيي تحول بيني وبين رزق قد قسمه الله لي، أفما أحتاج أنا إلى غداء أتغدى به؟ فقلت: ما أعجب هذا ذئب أعجم يكلمني كلام الآدميين، فقال لي الذئب: ألا أنبئك بما هو أعجب من كلامي لك؟ محمد رسول رب العالمين بين الحرتين، يحدث الناس بأنباء ما قد سبق من الأولين وما لم يأت من الآخرين، ثم اليهود مع علمهم بصدقه ووجودهم له في كتب رب العالمين بأنه أصدق الصادقين وأفضل الفاضلين يكذبونه ويجحدونه وهو بين الحرتين، و هو الشفاء النافع، ويحك يا راعي آمن به تأمن من عذاب الله، وأسلم له تسلم من سوء العذاب الأليم، فقلت له: والله لقد عجبت من كلامك، واستحييت من منعي لك ما تعاطيت أكله فدونك غنمي، فكل منها ما شئت لا أدافعك ولا أمانعك، فقال لي الذئب: يا عبد الله احمد الله إذ كنت ممن يعتبر بآيات الله، وينقاد لامره، لكن الشقي كل الشقي من يشاهد آيات محمد في أخيه علي بن أبي طالب عليه السلام، وما يؤديه عن الله عز وجل من فضائله وما يراه من وفور حظه من العلم الذي لا نظير له فيه، والزهد الذي لا يحاذيه أحد فيه، والشجاعة التي لا عدل له فيها، ونصرته للاسلام التي لاحظ لاحد فيها مثل حظه، ثم يرى مع ذلك كله رسول الله يأمر بموالاته وموالات أوليائه والتبري من أعدائه ويخبر أن الله تعالى لا يقبل من أحد عملا وإن جل وعظم ممن يخالفه، ثم هو مع

ذلك يخالفه، ويدفعه عن حقه ويظلمه، ويوالي أعداء، ويعادي أولياءه إن هذا لأعجب من منعك إياي.

قال الراعي: فقلت: أيها الذئب أو كائن هذا؟ قال: بلى وما هو أعظم منه، سوف يقتلونه باطلا، ويقتلون ولده، ويسبون حريمهم، وهم مع ذلك يزعمون أنهم مسلمون فدعواهم أنهم على دين الاسلام مع صنيعهم هذا بسادة أهل الاسلام أعجب من منعك لي لا جرم أن الله قد جعلنا معاشر الذئاب أنا ونظرائي من المؤمنين نمزقهم في النيران يوم فصل القضاء، وجعل في تعذيبهم شهواتنا، وفي شدائد آلامهم لذاتنا، قال الراعي: فقلت:

والله لولا هذه الغنم بعضها لي وبعضها أمانة في رقبتي لقصدت محمدا حتى أراه، فقال لي الذئب: يا عبد الله فامض إلى محمد، واترك علي غنمك لأرعاها لك، فقلت: كيف أثق بأمانتك؟

فقال لي : يا عبد الله إن الذي أنطقني بما سمعت هو الذي يجعلني قويا أمينا عليها، أو لست مؤمنا بمحمد، مسلما له ما أخبر به عن الله تعالى في أخيه علي عليه السلام؟ فامض لشأنك فإني راعيك، والله عز وجل ثم ملائكته المقربون رعاة لي، إذ كنت خادما لولي علي، فتركت غنمي على الذئب والذئبة وجئتك يا رسول الله، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله، في وجوه القوم، وفيها ما يتهلل سرورا به وتصديقا، وفيها من يعبس شكا فيه وتكذيبا ويسر منافقون إلى أمثالهم: هذا قد واطأه محمد على هذا الحديث ليختدع به الضعفاء الجهال، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: لئن شككتم أنتم فيه فقد تيقنته أنا وصاحبي الكائن معي في أشرف المحال من عرش الملك الجبار، والمطوف به معي في أنهار الحيوان من دار القرار، والذي هو تلوي في قيادة الأخيار، والمتردد معي في الأصلاب الزاكيات المتقلب معي في الأرحام الطاهرات، الراكض معي في مسالك الفضل، والذي كسي ما كسيته من العلم والحلم والعقل، وشقيقي الذي انفصل مني عند الخروج إلى صلب عبد الله

وصلب أبي طالب، وعديلي في اقتناء المحامد والمناقب علي بن أبي طالب، آمنت به أنا و الصديق الأكبر، وساقي أوليائي من نهر الكوثر، آمنت به أنا والفاروق الأعظم، و ناصر أوليائي السيد الأكرم، آمنت به أنا ومن جعله الله محنة لأولاد الغي والرشدة، وجعله للموالين له أفضل العدة، آمنت به أنا ومن جعله الله لديني قواما، ولعلومي علاما، وفي الحروب مقداما، وعلى أعدائي ضرغاما، أسدا قمقاما، آمنت به أنا ومن سبق الناس إلى الايمان فتقدمهم إلى رضا الرحمن، وتفرد دونهم بقمع أهل الطغيان، وقطع بحججه وواضح بيانه معاذير أهل البهتان، آمنت به أنا وعلي بن أبي طالب الذي جعله الله لي سمعا وبصرا، ويدا ومؤيدا، وسندا وعضدا، لا أبالي من خالفني إذا وافقني، ولا أحفل بمن خذلني إذا وازرني، ولا أكترث بمن أزور عني إذا ساعدني، آمنت به أنا ومن زين الله به الجنان وبمحبيه، وملا طبقات النيران بشانئيه، ولم يجعل أحدا من أمتي يكافيه ولا يدانيه، لم يضرني عبوس المعبس منكم إذا تهلل وجهه، ولا إعراض المعرض منكم إذا خلص لي وده، ذاك علي بن أبي طالب، الذي لو كفر الخلق كلهم من أهل السماوات والأرضين لنصر الله عز وجل به وحده هذا الدين، والذي لو عاداه الخلق كلهم لبرز إليهم أجمعين، باذلا روحه في نصرة كلمة الله رب العالمين، وتسفيل كلمات إبليس اللعين.

قال صلى الله عليه وآله: هذا الراعي لم يبعد شاهده فهلموا بنا إلى قطيعه ننظر إلى الذئبين

فإن كلمانا ووجدناهما يرعيان غنمه، وإلا كنا على رأس أمرنا، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله و معه جماعة كثيرة من المهاجرين والأنصار، فلما رأوا القطيع من بعيد قال الراعي: ذاك قطيعي، فقال المنافقون: فأين الذئبان؟ فلما قربوا رأوا الذئبين يطوفان حول الغنم يردان عنها كل شئ يفسدها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: أتحبون أن تعلموا أن الذئب ماعنى غيري بكلامه؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أحيطوا بي حتى لا يراني الذئبان، فأحاطوا به، فقال للراعي: يا راعي قل للذئب: من محمد الذي ذكرته من بين هؤلاء؟

قال: فجاء الذئب إلى واحد منهم وتنحى عنه، ثم جاء إلى آخر وتنحى عنه، فما زال حتى دخل وسطهم فوصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله هو وانثاه، وقالا: السلام عليك يا رسول الله رب العالمين، وسيد الخلق أجمعين، ووضعا خدودهما على التراب ومرغاها بين يديه، وقالا: نحن كنا دعاة إليك بعثنا إليك هذا الراعي وأخبرناه بخبرك، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المنافقين معه فقال: ما للكافرين عن هذا محيص، ولا للمنافقين عن هذا موئل ولا معدل.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذه واحدة، قد علمتم صدق الراعي فيها، أفتحبون أن تعلموا صدقه في الثانية قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أحيطوا بعلي بن أبي طالب، ففعلوا ثم نادى رسول الله أيها الذئبان إن هذا محمد، قد أشرتما للقوم إليه وعينتما عليه، فأشيرا وعينا علي بن أبي طالب الذي ذكرتماه بما ذكرتماه، قال فجاء الذئبان وتخللا القوم وجعلا يتأملان الوجوه والاقدام، وكل من تأملاه أعرضا عنه حتى بلغا عليا، فلما تأملاه مرغا في

التراب أبدانهما، ووضعا على الأرض بين يديه خدودهما، وقالا: السلام عليك يا حليف الندى،، ومعدن النهى، ومحل الحجى، وعالما بما في الصحف الأولى، ووصي المصطفى، السلام عليك يامن أسعد الله به محبيه، وأشقى بعداوته شانئيه، وجعله سيد آل محمد وذويه، السلام عليك يامن لو أحبه أهل الأرض كما يحبه أهل السماء، لصاروا خيار الأصفياء، ويا من لو أحس بأقل قليل من بغضه من أنفق في سبيل الله ما بين العرش إلى الثرى، لانقلب بأعظم الخزي والمقت من العلي الاعلى، قال: فعجب أصحاب رسول الله الذين كانوا معه، قالوا يا رسول الله ما ظننا أن لعلي هذا المحل من السباع مع محله منك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فكيف لو رأيتم محله من سائر الحيوانات المبثوثات في البر والبحر وفي السماوات والأرض، والحجب والعرش والكرسي، والله لقد رأيت من تواضع أملاك سدرة المنتهى لمثال علي المنصوب بحضرتهم ليشبعوا بالنظر إليه بدلا من النظر إلى علي كلما اشتاقوا إليه ما يصغر في جنبه تواضع هذين الذئبين، وكيف لا يتواضع الاملاك و غيرهم من العقلاء لعلي وهذا رب العزة قد آلى على نفسه قسما لا يتواضع أحد لعلي قيس شعرة إلا رفعه الله في علو الجنان مسيرة مأة ألف سنة، وإن التواضع الذي تشاهدونه يسير قليل في جنب هذه الجلالة والرفعة اللتين عنهما تخبرون.

وأما حنين العود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يخطب بالمدينة إلى جذع نخلة في صحن مسجدها، فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله إن الناس قد كثروا، وإنهم يحبون النظر إليك إذا خطبت، فلو أذنت أن نعمل لك منبرا له مراقي ترقاها فيراك الناس إذا خطبت ، فأذن في ذلك، فلما كان يوم الجمعة مر بالجذع فتجاوزه إلى المنبر فصعده، فلما استوى عليه حن ذلك الجذع حنين الثكلى، وأن أنين الحبلى،

فارتفع بكاء الناس وحنينهم وأنينهم، وارتفع حنين الجذع وأنينه في حنين الناس وأنينهم ارتفاعا بينا، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك نزل عن المنبر وأتى الجذع فاحتضنه ومسح عليه يده، وقال: أسكن فما تجاوزك رسول الله تهاونا بك، ولا استخفافا بحرمتك، ولكن ليتم لعباد الله مصلحتهم، ولك جلالك وفضلك إذ كنت مستند محمد رسول الله، فهدأ حنينه وأنينه، وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى منبره، ثم قال: معاشر المسلمين هذا الجذع يحن إلى رسول رب العالمين، ويحزن لبعده عنه، ففي عباد الله الظالمين أنفسهم من لا يبالي:

قرب من رسول الله أم بعد، ولولا أني احتضنت هذا الجذع، ومسحت يدي عليه ما هدأ حنينه إلى يوم القيامة، وإن من عباد الله وإمائه لمن يحن إلى محمد رسول الله وإلى علي ولي الله كحنين هذا الجذع، وحسب المؤمن أن يكون قلبه على موالاة محمد و علي وآلهما الطيبين منطويا، أرأيتم شدة حنين هذا الجذع إلى محمد رسول الله؟

وكيف هدأ لما احتضنه محمد رسول الله ومسح يده عليه؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله والذي بعثني بالحق نبيا، إن حنين خزان الجنان وحور عينها وسائر قصورها ومنازلها إلى من يوالي محمدا وعليا و آلهما الطيبين ويبرأ من أعدائهما لأشد من حنين هذا الجذع الذي رأيتموه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن الذي يسكن حنينهم وأنينهم ما يرد عليهم من صلاة أحدكم معاشر شيعتنا على محمد وآله الطيبين، أو صلاة نافلة، أو صوم أو صدقة، وإن من عظيم ما يسكن حنينهم إلى شيعة محمد وعلي ما يتصل بهم من إحسانهم إلى إخوانهم المؤمنين، ومعونتهم لهم على دهرهم، يقول أهل الجنان بعضهم لبعض: لا تستعجلوا

صاحبكم، فما يبطئ عنكم إلا للزيادة في الدرجات العاليات في هذه الجنان بإسداء المعروف إلى إخوانه المؤمنين، وأعظم من ذلك مما يسكن حنين سكان الجنان وحورها إلى شيعتنا ما يعرفهم الله من صبر شيعتنا على التقية واستعمالهم التورية ليسلموا من كفرة عباد الله وفسقتهم، فحينئذ تقول خزان الجنان وحورها: لنصبرن على شوقنا إليهم كما يصبرون على سماع المكروه في ساداتهم وأئمتهم، وكما يتجرعون الغيظ، ويسكتون عن إظهار الحق لما يشاهدون من ظلم من لا يقدرون على دفع مضرته، فعند ذلك يناديهم ربنا عز وجل: يا سكان جناتي ويا خزان رحمتي ما لبخل أخرت عنكم أزواجكم وساداتكم، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي بمواساتهم إخوانهم المؤمنين والاخذ بأيدي الملهوفين، والتنفيس عن المكروبين، وبالصبر على التقية من الفاسقين الكافرين، حتى إذا استكملوا أجزل كراماتي نقلتهم إليكم على أسر الأحوال وأغبطها فأبشروا، فعند ذلك يسكن حنينهم وأنينهم.

وأما قلب الله السم على اليهود الذين قصدوه به، وأهلكهم به فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما ظهر بالمدينة اشتد حسد ابن أبي له، فدبر عليه أن يحفر له حفيرة في مجلس من مجالس داره، ويبسط فوقها بساطا، وينصب في أسفل الحفيرة أسنة رماح، ونصب سكاكين مسمومة، وشد أحد جوانب البساط والفراش إلى الحائط، ليدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وخواصه مع علي عليه السلام، فإذا وضع رسول الله صلى الله عليه وآله رجله على البساط وقع في الحفيرة، وكان قد نصب في داره، وخبأ رجالا بسيوف مشهورة يخرجون على علي عليه السلام ومن معه عند وقوع محمد في الحفيرة فيقتلونهم بها، ودبر أنه إن لم ينشط للقعود على ذلك

البساط أن يطعموه من طعامهم المسموم ليموت هو وأصحابه معه جميعا، فجاءه جبرئيل عليه السلام وأخبره بذلك، وقال له: إن الله يأمرك أن تقعد حيث يقعدك، وتأكل مما يطعمك، فإنه مظهر عليك آياته، ومهلك أكثر من تواطأ على ذلك فيك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وقعد على البساط، وقعدوا عن يمينه وشماله وحواليه، ولم يقع في الحفيرة، فتعجب ابن أبي ونظر وإذا قد صار ما تحت البساط أرضا ملتئمة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وعليا عليه السلام وصحبهما بالطعام المسموم، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وضع يده في الطعام قال: يا علي ارق هذا الطعام بالرقية النافعة، فقال علي عليه السلام: بسم الله الشافي، بسم الله الكافي، بسم الله المعافي، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئ في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم " ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام، ومن معهما حتى شبعوا، ثم جاء أصحاب عبد الله ابن أبي وخواصه فأكلوا فضلات رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه ظنوا أنه قد غلط ولم يجعل فيه سموما لما رأوا محمدا وصحبه لم يصبهم مكروه، وجاءت بنت عبد الله بن أبي إلى ذلك المجلس المحفور تحته المنصوب فيه ما نصب، وهي كانت دبرت ذلك ونظرت فإذا ما تحت البساط أرض ملتئمة، فجلست على البساط واثقة فأعاد الله الحفيرة بما فيها فسقطت فيها وهلكت، فوقعت الصيحة، فقال عبد الله ابن أبي: إياكم وأن تقولوا: إنها سقطت في الحفيرة، فيعلم محمد ما كنا قد دبرنا عليه، فبكوا وقالوا: ماتت العروس - وبعلة عرسها كانوا دعوا رسول الله صلى الله عليه وآله - ومات القوم الذين أكلوا فضلة رسول الله صلى الله عليه وآله، فسأل رسول الله عن سبب موت الابنة والقوم، فقال ابن أبي: سقطت من السطح، ولحق القوم

تخمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الله أعلم بماذا ماتوا، وتغافل عنهم وأما تكثير الله القليل من الطعام لمحمد صلى الله عليه وآله فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان ذات يوم جالسا هو وأصحابه بحضرة جمع من خيار المهاجرين والأنصار إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن شدقي يتحلب، وأجدني أشتهي حريرة مدوسة ملبقة بسمن وعسل، فقال علي عليه السلام: وأنا أشتهي ما يشتهيه رسول الله صلى الله عليه وآله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي الفصيل : ما تشتهي أنت؟

فقال: خاصرة حمل مشوي، وقال لأبي الشرور وأبي الدواهي: ما تشتهيان أنتما؟ قالا:

صدر حمل مشوي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أي عبد مؤمن يضيف اليوم رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه ويطعمهم شهواتهم؟ فقال عبد الله بن أبي: هذا والله اليوم الذي نكيد فيه محمدا وصحبه ونقتله، ونخلص العباد والبلاد منه، وقال: يا رسول الله أنا أضيفكم، عندي شئ من بر وسمن وعسل، وعندي حمل أشويه لكم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فافعل، فذهب عبد الله بن أبي وأكثر السم في ذلك البر الملبق بالسمن والعسل، وفي ذلك الحمل المشوي، ثم عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: هلموا إلى ما اشتهيتم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مع هؤلاء؟ قال ابن أبي: أنت وعلي وسلمان والمقداد وأبو ذر وعمار، فأشار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي الشرور وأبي الدواهي وأبي الملاهي وأبي النكث وقال: يا ابن أبي دون هؤلاء؟ فقال ابن أبي: نعم دون هؤلاء، وكره أن يكونوا معه لأنهم كانوا مواطئين لابن أبي على النفاق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا حاجة لي في شئ أستبد به دون هؤلاء المهاجرين والأنصار الحاضرين لي، فقال عبد الله: يا رسول الله إن الشئ قليل

لا يشبع أكثر من عشرة إلى خمسة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله، إن الله أنزل مائدة على عيسى عليه السلام وبارك له في أرغفة وسميكات حتى أكل وشبع منها أربعة آلاف وسبعمأة، فقال: شأنك، ثم نادى رسول الله صلى الله عليه وآله يا معاشر المهاجرين والأنصار هلموا إلى مائدة عبد الله بن أبي، فجاءوا مع رسول الله وهم سبعة آلاف وثمانمأة، فقال عبد الله لأصحاب له: كيف نصنع؟ هذا محمد وصحبه، وإنما نريد أن نقتل محمدا ونفرا من أصحابه، ولكن إذا مات محمد وقع بأس هؤلاء بينهم، فلا يلتقي اثنان منهم في طريق وبعث ابن أبي إلى أصحابه والمتعصين له ليتسلحوا ويتجمعوا، قال: وما هو إلا أن يموت محمد حتى يلقانا أصحابه ويتهالكوا، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله داره أومأ عبد الله إلى بيت له صغير، فقال: يا رسول الله أنت وهؤلاء الأربعة يعني عليا وسلمان والمقداد وعمارا في هذا البيت، والباقون في الدار والحجرة والبستان، ويقف منهم قوم على الباب حتى يفرغ أقوام ويخرجون، ثم يدخل بعدهم أقوام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الذي يبارك في هذا الطعام القليل ليبارك في هذا البيت الصغير الضيق، ادخل يا علي ويا سلمان ويا مقداد ويا عمار، ادخلوا معاشر المهاجرين والأنصار، فدخلوا أجمعين وقعدوا حلقة واحدة كما يستديرون حول ترابيع الكعبة، وإذا البيت قد وسعهم أجمعين، حتى أن بين كل رجلين منهم موضع رجل، فدخل عبد الله بن أبي فرأى عجبا عجيبا

من سعة البيت الذي كان ضيقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ايتنا بما عملته، فجاءه بالحريرة الملبقة بالسمن والعسل، وبالحمل المشوي، فقال ابن أبي: يا رسول الله صلى الله عليه وآله كل أنت أولا قبلهم، ثم ليأكل صحبك هؤلاء: علي ومن معه، ثم يطعم هؤلاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله. كذلك أفعل، فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله يده على الطعام، ووضع علي عليه السلام يده معه، فقال ابن أبي: ألم يكن الامر على أن يأكل علي مع أصحابك (1)؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبد الله إن عليا أعلم بالله وبرسوله منك إن الله ما فرق فيما مضى بين محمد وبين علي، ولا يفرق فيما يأتي أيضا بينهما، إن عليا كان وأنا معه نورا واحدا، عرضنا الله عز وجل على أهل سماواته وأرضيه وسائر حجبه وجنانه وهوائه، وأخذ لنا عليهم العهود والمواثيق ليكونن لنا ولأوليائنا موالين، ولأعدائنا معاندين، ولمن نحبه محبين، ولمن نبغضه مبغضين، ما زالت إرادتنا واحدة، ولا تزال لا أريد إلا ما يريد، ولا يريد إلا ما أريد، يسرني ما يسره، ويؤلمني ما يؤلمه، فدع يا ابن أبي عليا فإنه أعلم بنفسه وبي منك، قال ابن أبي: نعم يا رسول الله، وأفضى إلى جد ومعتب، فقال: أردنا واحدا فصارا اثنين الآن يموتان جميعا ونكفاهما جميعا، وهذا لحينهما وسعادتنا، فلو بقي علي بعده لعله كان يجالد أصحابنا هؤلاء، وعبد الله بن أبي قد جمع جميع أصحابه ومتعصبيه حول داره ليضعوا السيف على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إذا مات بالسم، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام يدهما في الحريرة الملبقة بالسمن والعسل فأكلا حتى شبعا، ثم وضع من اشتهى خاصرة الحمل ومن اشتهى صدره منهم فأكلا حتى شبعا، وعبد الله ينظر ويظن أن لا يلبثهم السم فإذا هم لا

يزدادون إلا نشاطا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هات الحمل، فلما أتى به قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا الحسن ضع الحمل في وسط البيت، فوضعه، فقال عبد الله: يا رسول الله كيف تناله أيديهم؟ فقال رسول الله: إن الذي وسع هذا البيت وعظمه حتى وسع جماعتهم وفضل عنهم هم الذي يطيل أيديهم حتى تنال هذا الحمل، قال: فأطال الله تعالى أيديهم حتى نالت ذلك، فتناولوا منه وبارك في ذلك الحمل حتى وسعهم وأشبعهم وكفاهم، فإذا هو بعد أكلهم لم يبق منه إلا عظامه، فلما فرغوا منه طرح عليه رسول الله صلى الله عليه وآله منديلا له ثم قال: يا علي اطرح عليه الحريرة الملبقة بالسمن والعسل، ففعل، فأكلوا منه حتى شبعوا كلهم وأنفدوه، ثم قالوا: يا رسول الله نحتاج إلى لبن أو شراب نشربه عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن صاحبكم أكرم على الله من عيسى عليه السلام، أحيى الله تعالى له الموتى، وسيفعل ذلك لمحمد، ثم بسط منديله ومسح يده عليه وقال: (اللهم كما باركت فيها فأطعمتنا من لحمها فبارك فيها وأسقنا من لبنها) قال: فتحركت وبركت وقامت وامتلأ ضرعها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ايتوني بأزقاق وظروف وأوعية ومزادات، فجاءوا بها فملأها فسقاهم حتى شربوا ورووا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لولا أني أخاف أن يفتتن بها أمتي كما افتتن بنو إسرائيل بالعجل فاتخذوه ربا من دون الله لتركتها تسعى في أرض الله، وتأكل من حشائشها، ولكن اللهم أعدها عظاما كما أنشأتها فعادت عظاما مأكولا ما عليها من اللحم شئ، وهم ينظرون، قال:

فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يتذاكرون بعد ذلك توسعة الله البيت، وتكثيره الطعام، ودفعه غائلة السم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني إذا تذكرت ذلك البيت كيف وسعه الله بعد ضيقه، وفي تكثير ذلك الطعام بعد قلته، وفي ذلك السم كيف أزال الله تعالى غائلته عن

محمد وعن ذويه وكيف وسعه وكثره؟ أذكر ما يزيده الله تعالى في منازل شيعتنا وخيراتهم في جنات عدن وفي الفردوس، إن في شيعتنا لمن يهب الله تعالى له في الجنان من الدرجات والمنازل والخيرات ما لا يكون الدنيا وخيراتها في جنبها إلا كالرملة في البادية الفضفاضة، فما هو إلا أن يرى أخا له مؤمنا فقيرا فيتواضع له ويكرمه ويعينه ويمونه ويصونه عن بذل وجهه له، حتى يرى الملائكة الموكلين بتلك المنازل والقصور وقد تضاعفت حتى صارت في الزيادة كما كان هذا الزائد في هذا البيت الصغير الذي رأيتموه فيما صار إليه من كبره وعظمه وسعته، فيقول الملائكة: يا ربنا لا طاقة لنا بالخدمة في هذه المنازل فأمددنا بملائكة يعاونوننا، فيقول الله: ما كنت لأحملكم ما لا تطيقون، فكم تريدون مددا؟ فيقولون: ألف ضعفنا، وفيهم من المؤمنين من يقول الملائكة نستزيد مددا ألف ألف ضعفنا وأكثر من ذلك على قدر قوة إيمان صاحبهم: وزيادة إحسانه إلى أخيه المؤمن، فيمدهم الله تعالى بتلك الاملاك، وكلما لقي هذا المؤمن أخا فبره زاد الله في ممالكه وفي خدمه في الجنة كذلك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وإذا تفكرت في الطعام المسموم الذي صبرنا عليه كيف أزال الله عنا غائلته وكثره ووسعه ذكرت صبر شيعتنا على التقية، وعند ذلك يؤديهم الله بذلك الصبر إلى أشرف العاقبة، وأكمل السعادة طال ما يغتبطون في تلك الجنان بتلك الطيبات، فيقال لهم: كلوا هنيئا بتقيتكم لأعدائكم وصبركم على أذاهم.

توضيح: قال الجوهري: حمارة القيظ بتشديد الراء: شدة حره، وقال: الضبع:

العضد.

قوله: ونصلت أي خرجت.

قوله: أي شئ يرد عليكم، على بناء المجهول، أي لا يرد عليكم شيئا ذهب عنكم أو على بناء المعلوم، أي لا ينفعكم، يقال: هذا أرد، أي أنفع، ولا رادة فيه، أي لا فائدة فيه. والكرش للحيوان بمنزلة المعدة للانسان، ونفضه كناية عن استخراج ما فيه من البول والغائط، والايغال: الامعان في السير، وربض الدار بالتحريك: ما حولها، والقمقام:

السيد، ويقال: لا يحفل بكذا بالكسر، أي لا يبالي، والازورار: العدول والانحراف.

قوله صلى الله عليه وآله: وإلا كنا على رأس أمرنا، أي إن لم نشاهد ذلك لا يبطل أمرنا، بل نكون على ما كنا عليه من الدلائل والمعجزات، والموئل: الملجأ. قوله: حليف الندى، أي ملازم الجود لا يفارقه كما لا يفارق الحليف صاحبه، وقيس كذا بالكسر: قدره.

قال الفيروزآبادي: تحلب عينه وفوه: سالا. قوله: مدوسة: الدوس: الوطئ بالرجل، وإخراج الحب من السنبل، ولعل المراد هنا المبالغة في التقية أو الدق أو الخلط، ويقال لبقها أي خلطها خلطا شديدا ذكره الجزري.

وقال الجوهري: الثريد الملبق الشديد التثريد الملين بالدسم.

وأبو الفصيل أبو بكر، وكان يكنى به لموافقة البكر والفصيل في المعنى، وأبو الشرور عمر، وأبو الدواهي عثمان، وفي الأخير يحتمل أن يكون المراد بأبي الشرور أبا بكر على الترتيب إلى معاوية، أو عمر على الترتيب إلى معاوية، ثم على هذا أبو النكث إما أبو بكر أو طلحة بترك ذكر أبي بكر، والحين بالفتح: الهلاك.

16 - تفسير الإمام العسكري: لما نزلت هذه الآية: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) في حق اليهود والنواصب قالوا له: يا محمد زعمت أنه ما في قلوبنا شئ من مواساة الفقراء ، ومعاونة الضعفاء والنفقة في إبطال الباطل، وإحقاق الحق، وأن الأحجار ألين من قلوبنا، وأطوع لله منا، وهذه الجبال بحضرتنا فهلم بنا إلى بعضها فاستشهده على

تصديقك وتكذيبنا، فإن نطق بتصديقك فأنت المحق، يلزمنا اتباعك، وإن نطق بتكذيبك أو صمت فلم يرد جوابك فاعلم أنك المبطل في دعواك، المعاند لهواك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله نعم هلموا بنا إلى أيها شئتم فأستشهده ليشهد لي عليكم، فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه، فقالوا، يا محمد هذا الجبل فاستشهده، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للجبل: إني أسألك بجاه محمد وآله الطيبين، الذين بذكر أسمائهم خفف الله العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على تحريكه وهم خلق كثير لا يعرف عددهم إلا الله عز وجل، وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم تاب الله على آدم عليه السلام وغفر خطيئته وأعاده إلى مرتبته، وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم وسؤال الله بهم رفع إدريس عليه السلام في الجنة مكانا عليا، لما شهدت لمحمد بما أودعك الله بتصديقه على هؤلاء اليهود في ذكر قساوة قلوبهم، وتكذيبهم في جحدهم لقول محمد رسول الله، فتحرك الجبل وتزلزل وفاض عنه الماء ونادى: يا محمد أشهد أنك رسول رب العالمين، وسيد الخلائق أجمعين، وأشهد أن قلوب هؤلاء اليهود كما وصفت أقسى من الحجارة، لا يخرج منها خير، كما قد يخرج من الحجارة الماء سيلا أو تفجرا، وأشهد أن هؤلاء كاذبون عليك فيما به يقذفونك من الفرية على رب العالمين.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأسألك أيها الجبل، أأمرك الله تعالى بطاعتي فيما ألتمسه منك بجاه محمد وآله الطيبين الذين بهم نجى الله تعالى نوحا عليه السلام من الكرب العظيم، وبرد الله النار على إبراهيم عليه السلام وجعلها عليه سلاما، ومكنه في جوف النار على سرير وفراش وثير، لم ير ذلك الطاغية مثله لاحد من ملوك الأرض أجمعين، فأنبتت حواليه من

الأشجار الخضرة النضرة النزهة، وغمر ما حوله من أنواع النور بما لا يوجد إلا في فصول أربعة من السنة، قال الجبل: بلى، أشهد لك يا محمد بذلك، وأشهد أنك لو اقترحت على ربك أن يجعل رجال الدنيا قردا وخنازير لفعل، أو يجعلهم ملائكة لفعل، وأن يقلب النيران جليدا والجليد نيرانا لفعل: أو يهبط السماء إلى الأرض أو يرفع الأرض إلى السماء لفعل، أو يصير أطراف المشارق والمغارب والوهاد كلها صرة كصرة الكيس لفعل، وأنه قد جعل الأرض والسماء طوعك، والجبال والبحار تنصرف بأمرك وسائر ما خلق الله من الرياح والصواعق وجوارح الانسان وأعضاء الحيوان لك مطيعة، و ما أمرتها به من شئ ائتمرت.

فقالت اليهود: يا محمد أعلينا تشبه وتلبس؟ قد أجلست مردة من أصحابك خلف صخور هذا الجبل، فهم ينطقون بهذا الكلام، ونحن لا ندري أنسمع من الرجال أم من الجبال، لا يغتر بمثل هذا إلا ضعفاؤك الذين تبحبح في عقولهم، فإن كنت صادقا فتنح من موضعك هذا إلى ذلك القرار، وأمر هذا الجبل أن ينقلع من أصله فيسير إليك إلى هناك، فإذا حضرك ونحن نشاهده فأمره أن ينقطع نصفين من ارتفاع سمكه، ثم ترتفع السفلى من قطعته فوق العليا، وتنخفض العليا تحت السفلى، فإذا أصل الجبل قلته وقلته أصله لنعلم أنه من الله، لا يتفق بمواطأة ولا بمعاونة مموهين متمردين.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله - وأشار إلى حجر فيه قدر خمسة أرطال - يا أيها الحجر تدحرج فتدحرج، فقال لمخاطبة: خذه وقربه من اذنك فسيعيد عليك ما سمعت، فإن هذا جزء من ذلك الجبل، فأخذه الرجل فأدناه إلى أذنه فنطق الحجر بمثل ما نطق به الجبل أولا من تصديق رسول الله صلى الله عليه وآله وفيما ذكره عن قلوب اليهود، فيما أخبر به من أن نفقاتهم في دفع أمر محمد باطل ووبال عليهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله أسمعت هذا؟ أخلف هذا الحجر أحد يكلمك يوهمك أنه الحجر يكلمك؟ قال: لا، فأتني بما اقترحت في الجبل، فتباعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى فضاء واسع، ثم نادى الجبل: يا أيها الجبل بحق محمد وآله الطيبين الذين بجاههم ومسألة عباد الله بهم أرسل الله على قوم عاد ريحا صرصرا عاتية، تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل خاوية، وأمر جبرئيل أن يصيح صيحة في قوم صالح عليه السلام حتى صاروا كهشيم المحتظر، لما انقلعت من مكانك بإذن الله، وجئت إلى حضرتي هذه - ووضع يده على الأرض بين يديه - فتزلزل الجبل وسار كالقارح الهملاج حتى دنا من أصبعه أصله فلزق بها، ووقف ونادى: ها أنا ذا سامع لك مطيع يا رسول رب العالمين، وإن رغمت أنوف هؤلاء المعاندين فأمرني أأتمر بأمرك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن هؤلاء افترحوا على أن آمرك أن تنقلع من أصلك فتصير نصفين، ثم ينحط أعلاك، ويرتفع أسفلك فتصير ذروتك أصلك وأصلك ذروتك، فقال الجبل:

أفتأمرني بذلك يا رسول رب العالمين؟ قال: بلى، فانقطع نصفين وانحط أعلاه إلى الأرض وارتفع أسفله فوق أعلاه، فصار فرعه أصله، وأصله فرعه، ثم نادى الجبل: معاشر اليهود

هذا الذي ترون دون معجزات موسى الذي تزعمون أنكم به تؤمنون؟ فنظر اليهود بعضهم إلى بعض فقال بعض: ما عن هذا محيص، وقال آخرون منهم: هذا رجل مبخوت مؤتى له والمبخوت تؤتى له العجائب ولا يغرنكم ما تشاهدون، فناداهم الجبل: يا أعداء الله قد أبطلتم بما تقولون نبوة موسى عليه السلام: هلا قلتم لموسى: إن قلب العصا ثعبانا، وانفلاق البحر طرقا، ووقوف الجبل كالظلمة فوقكم إنما تأتي لك لأنك مؤاتى لك، يأتيك جدك بالعجائب، فلا يغرنا ما نشاهده، فألقمتهم الجبال بمقالتها الصخور، ولزمتهم حجة رب العالمين.

قوله عز وجل: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ".

قال الإمام عليه السلام: فلما بهر رسول الله صلى الله عليه وآله هؤلاء اليهود بمعجزته، وقطع معاذيرهم بواضح دلالته، لم يمكنهم مراجعتهم في حجته، ولا إدخال التلبيس عليه من معجزته قالوا: يا محمد قد آمنا بأنك الرسول الهادي المهدي، وأن عليا أخوك هو الولي والوصي وكانوا إذا خلوا باليهود الآخرين يقولون لهم: إن إظهارنا له الايمان به أمكن لنا من مكروهه، وأعون لنا على اصطلامه واصطلام أصحابه، لأنهم عند اعتقادهم أننا منهم يقفوننا على أسرارهم، ولا يكتموننا شيئا فنطلع عليهم أعداءهم فيقصدون أذاهم بمعاونتنا ومظاهرتنا في أوقات اشتغالهم واضطرابهم، وفي أحوال تعذر المدافعة والامتناع من الأعداء

عليهم، وكانوا مع ذلك ينكرون على سائر اليهود الاخبار للناس عما كانوا يشاهدونه من آياته، ويعاينونه من معجزاته، فأظهر الله تعالى محمدا رسوله على سوء اعتقاداتهم، وقبح دخيلاتهم، وعلى إنكارهم على من اعترف بما شاهده من آيات محمد وواضحات بيناته وباهرات معجزاته فقال: يا محمد " أفتطمعون " أنت وأصحابك من علي وآله الطيبين " أن يؤمنوا لكم " هؤلاء اليهود الذين هم بحجج الله قد بهرتموهم، وبآيات الله ودلائله الواضحة قد قهرتموهم، أن يؤمنوا لكم: يصدقوكم بقلوبهم ويبدوا في الخلوات لشياطينهم شرايف أحوالكم، " وقد كان فريق منهم " يعني من هؤلاء اليهود من بني إسرائيل " يسمعون كلام الله " في أصل جبل طور سيناء، وأوامره ونواهيه " ثم يحرفونه " عما سمعوه إذا أدوه إلى من ورائهم من سائر بني إسرائيل " من بعد ما عقلوه " وعلموا أنهم فيما يقولونه كاذبون، " وهم يعلمون " أنهم في قلبهم كاذبون، وذلك أنهم لما ساروا مع موسى عليه السلام إلى الجبل فسمعوا كلام الله، ووقفوا على أوامره ونواهيه، رجعوا فأدوه إلى من بعدهم فشق عليهم، فأما المؤمنون منهم فثبتوا على إيمانهم، وصدقوا في نياتهم، وأما أسلاف هؤلاء اليهود الذين نافقوا رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه القصة فإنهم قالوا لبني إسرائيل: إن الله تعالى قال لنا هذا، وأمرنا بما ذكرناه لكم ونهانا، وأتبع ذلك بأنكم إن صعب عليكم ما أمرتكم به فلا عليكم أن لا تفعلوه، وإن صعب ما عنه نهيتكم فلا عليكم أن ترتكبوه وتواقعوه، هذا وهم يعلمون أنهم بقولهم هذا كاذبون

ثم أظهر الله نفاقهم على الآخرين مع جهلهم فقال عز وجل: " وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا " كانوا إذا لقوا سلمان والمقداد وأبا ذر وعمارا قالوا آمنا كإيمانكم إيمانا بنبوة محمد، مقرونا بالايمان بإمامة أخيه علي بن أبي طالب، وبأنه أخوه الهادي، ووزيره الموافي، وخليفته على أمته، ومنجز عدته، والوافي بذمته، والناهض بأعباء سياسته وقيم الخلق الذائد لهم عن سخط الرحمن، الموجب لهم إن أطاعوه رضى الرحمن، وأن خلفاءه من بعده هم النجوم الزاهرة، والأقمار المنيرة، والشموس المضيئة الباهرة، و أن أوليائهم أولياء الله، وأن أعدائهم أعداء الله، ويقول بعضهم: نشهد أن محمدا صاحب المعجزات، ومقيم الدلالات الواضحات، هو الذي لما تواطأت قريش على قتله وطلبوه فقدا لروحه أيبس الله أيديهم فلم تعمل، وأرجلهم فلم تنهض، حتى رجعوا عنه خائبين مغلوبين، لو شاء محمد وحده قتلهم أجمعين، وهو الذي لما جاءته قريش وأشخصته إلى هبل ليحكم عليه بصدقهم وكذبه، خر هبل لوجهه، وشهد له بنبوته، ولعلي أخيه بإمامته ولأوليائه من بعده بوراثته، والقيام بسياسته وإمامته، وهو الذي لما ألجأته قريش إلى الشعب ووكلوا ببابه من يمنع من إيصال قوت، ومن خروج أحد عنه، خوفا أن يطلب لهم قوتا غذى هناك كافرهم ومؤمنهم أفضل من المن والسلوى، كلما اشتهى كل واحد منهم من أنواع الأطعمة الطيبات ومن أصناف الحلاوات، وكساهم أحسن الكسوات، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله بين أظهرهم إذا رآهم وقد ضاق لضيق فجهم صدورهم قال بيده هكذا بينماه إلى الجبال وهكذا بيسراه إلى الجبال، وقال لها: اندفعي فتندفع وتتأخر حتى يصيروا بذلك

في صحراء لا يرى طرفاها، ثم يقول بيده هكذا، ويقول: أطلعي يا أيتها المودعات لمحمد وأنصاره ما أودعكها الله من الأشجار والأثمار وأنواع الزهر والنبات، فتطلع من الأشجار الباسقة والرياحين المونقة والخضرات النزهة ما يتمتع به القلوب والابصار، و يتجلى به الهموم والأفكار، ويعلمون أنه ليس لأحد من ملوك الأرض مثل صحرائهم على ما تشتمل عليه من عجائب أشجارها، وتهدل أثمارها، واطراد أنهارها، وغضارة رياحينها، وحسن نباتها، ومحمد هو الذي لما جاءه رسول أبي جهل يتهدده ويقول: يا محمد إن الخيوط التي في رأسك هي التي ضيقت عليك مكة، ورمت بك إلى يثرب. وإنها لا تزال بك حتى تنفرك وتحثك على ما يفسدك ويتلفك إلى أن تفسدها على أهلها، و تصليهم حر نار تعديك طورك، وما أرى ذلك إلا وسيؤول إلى أن تثور عليك قريش ثورة رجل واحد لقصد آثارك، ودفع ضررك وبلائك، فتلقاهم بسفهائك المغترين بك، و يساعد على ذلك من هو كافر بك مبغض لك، فيلجئه إلى مساعدتك ومظاهرتك خوفه لان يهلك بهلاكك، ويعطب عياله بعطبك، يفتقر هو ومن يليه بفقرك، وبفقر متبعيك إذ يعتقدون أن أعدائك إذا قهروك ودخلوا ديارهم عنوة لم يفرقوا بين من والاك وعاداك، و اصطلموهم باصطلامهم لك وأتوا على عيالهم وأموالهم بالسبي والنهب، كما يأتون على عيالك وأموالك، وقد أعذر من أنذر وبالغ من أوضح، أديت هذه الرسالة إلى محمد وهو بظاهر

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.