پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 2 جوامع معجزاته صلى الله

ج ۱۷، ص ۲۵۳–۲۸۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۷

فقد غاب مهدي آل محمد، وسيظهر أمره كما ظهر أمره، وأكثر ما ذكرناه يجري مجرى المعجزات، وفيها ما هو معجزة وإن قلب الله لموسى عليه السلام العصا حية فمحمد صلى الله عليه وآله دفع إلى عكاشة بن محصن يوم بدر لما انقطع سيفه قطعة حطب فتحول سيفا في يده، ودعا الشجرة فأقبلت نحوه تخد الأرض، وإن كان موسى عليه السلام ضرب الأرض بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا فمحمد صلى الله عليه وآله كان ينفجر الماء من بين أصابعه، وانفجار الماء من اللحم والدم أعجب من خروجه من الحجر، لان ذلك معتاد، وقد أخرج أوصياؤه من الجب الذي لا ماء فيه الماء إلى رأسه حتى شرب الناس منه، وقال: إن المهدي من ولده يفعل مثل ذلك عند خروجه من مكة إلى الكوفة، وإن ضرب موسى بعصاه البحر فانفلق فكان آية محمد صلى الله عليه وآله لما خرج إلى خيبر إذا هو بواد يشخب فقدروه أربع عشر قامة والعدو من ورائهم، قال الناس: إنا لمدركون، قال: كلا، فدعا فعبرت الإبل والخيل على الماء لا تندى حوافرها وأخفافها، ولما عبر عمرو بن معدي كرب بعسكر الاسلام في البحر بالمدائن كان كذلك، وإن موسى عليه السلام قد أتى فرعون بألوان العذاب من الجراد والقمل والضفادع والدم فرسولنا قد أتى بالدخان على المشركين، وهو ما ذكره الله في قوله: " يوم تأتي السماء بدخان مبين " وما أنزل الله على الفراعنة يوم بدر، وما أنزل الله على المستهزئين بعقوبات تستأصل في يوم أحد.

فأما تكليم الله لموسى عليه السلام فإنه كان على الطور، ورسولنا دنا فتدلى فكان قاب

قوسين أو أدنى، وقد كلمه الله هناك، وأما المن والسلوى والغمام واستضاءة الناس بنور سطع من يده فقد أوتي رسولنا ما هو أفضل منه، أحلت له الغنائم ولم تحل لاحد قبله، وأصاب أصحابه مجاعة في سرية بناحية البحر فقذف البحر لهم حوتا فأكلوا منه نصف شهر، وقدموا بودكه، وكان الجيش خلقا كثير ا، وكان يطعم الأنفس الكثيرة من طعام قليل، ويسقي الجماعة الجمة من شربة من لبن حتى يرتووا، وروى حمزة بن عمر الأسلمي قال: نفرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في ليلة ظلماء فأضاءت أصابعه لنا فانكشفت الظلمة وهذا أعجب مما كان لموسى عليه السلام وأما اليد البيضاء لموسى عليه السلام فقد أعطى محمدا أفضل من ذلك، وهو أن نورا كان يضئ له أبدا عن يمينه وعن يساره حيثما جلس وقام، يراه الناس، وقد بقي ذلك النور إلى قيام الساعة يسطع من قبره، وكذا كان مع وصيه وأولاده المعصومين في حياتهم، والآن يكون يسطع من قبورهم، وفي كل بقعة مر بها المهدي يرى نور ساطع، وإن موسى عليه السلام ارسل إلى فرعون فأراه الآية الكبرى ونبينا ارسل إلى فراعنة شتى، كأبي لهب، وأبي جهل، وشيبة، وعتبة ابني أبي ربيعة، وأبي ابن خلف، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، والنضر بن الحارث وغيرهم، فأراهم الآيات في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ولم يؤمنوا، وإن كان الله انتقم لموسى عليه السلام من فرعون فقد انتقم لمحمد صلى الله عليه وآله يوم بدر فقتلوا بأجمعهم والقوا في القليب، وانتقم له من المستهزئين فأخذهم بأنواع البلاء، وإن كان موسى عليه السلام صار عصاه ثعبانا فاستغاث فرعون منه رهبة فقد أعطى محمدا مثله لما جاء إلى أبي جهل شفيعا لصاحب الدين، فخاف أبو جهل وقضى دين الغريب، ثم إنه عتب عليه فقال: رأيت عن يمين محمد

ويساره ثعبانين تصطك أسنانهما، وتلمع النيران من أبصارهما، لو امتنعت لم آمن أن يبتلعني الثعبان، وقال تعالى لموسى عليه السلام، " وألقيت عليك محبة مني " وقال في وصيه وأولاده: " سيجعل لهم الرحمن ودا ".

وإن كان داود عليه السلام سخر له الجبال والطير يسبحن له وسارت بأمره، فالجبل نطق لمحمد صلى الله عليه وآله إذ جاد له اليهود، وشهد له بالنبوة، ثم سألوه أن يسير الجبل فدعا فسار الجبل إلى فضاء كما تقدم، وسبح الحصى في يد رسول الله صلى الله عليه وآله، وسخرت له الحيوانات كما ذكرنا، وإن لان الحديد لداود عليه السلام فقد لين لرسولنا الحجارة التي لا تلين بالنار، والحديد تلين بالنار، وقد لين الله العمود الذي جعله وصيه علي بن أبي طالب عليه السلام في عنق خالد بن وليد، فلما استشفع إليه أخذه من عنقه، وإن محمدا لما استتر من المشركين يوم أحد مال برأسه نحو الجبل حتى خرقه بمقدار رأسه، وهو موضع معروف مقصود في شعب، وأثر ساعدا محمد صلى الله عليه وآله في جبل أصم من جبال مكة لما استروح في صلاته، فلان له الحجر حتى ظهر أثر ذراعيه فيه، كما أثر قدما إبراهيم عليه السلام في المقام، ولانت الصخرة تحت يد محمد صلى الله عليه وآله ببيت المقدس حتى صار كالعجين، ورئي ذلك من مقام دابته والناس يلمسونه بأيديهم إلى يومنا هذا، وإن الرضا عليه السلام من ولده دعا في خراسان فلين الله له جبلا يؤخذ منه القدور وغيرها، واحتاج الرضا عليه السلام هناك إلى الطهور فمس بيده الأرض فنبع له عين، وكلاهما معروف، وآثار وصي محمد صلى الله عليه وآله في الأرض أكثر من أن تحصى، منها بئر عبادان، فإن

المخالف والمؤالف يروي أن من قال عندها: بحق علي يفور الماء من قعرها إلى رأسها، ولا يفور بذكر غيره وبحق غيره، وإن سور حلب من أصلب الحجارة فضربه علي بن أبي طالب بسيفه فأثره من فوقه إلى الأرض ظاهر، وإنه صلى الله عليه وآله لما خرج إلى صفين فكان بينه وبين دمشق مأة فرسخ وأكثر وقد نزل ببرية فكان يصلي فيها، فلما فرغ ورفع رأسه من سجدة الشكر قال: أسمع صوت بوق التبريز لمعاوية من دمشق، فكتبوا التاريخ، فكان كما قال، وقد بني هناك مشهد يقال له: مشهد البوق، وبكى داود عليه السلام على خطيئته حتى سارت الجبال معه، ومحمد صلى الله عليه وآله قام إلى الصلاة فسمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل على الأثافي من شدة البكاء، وقد آمنه الله من عقابه فأراد أن يتخشع، وقام على أطراف أصابع رجليه عشر سنين حتى تورمت قدماه، واصفر وجهه من قيام الليل، فأنزل الله " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " وكان يبكي حتى يغشى عليه، فقيل له:

أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ وكذلك كانت غشيات علي بن أبي طالب وصية في مقاماته.

وإن سليمان عليه السلام سأل الله فاعطي ملكا لا ينبغي لاحد من بعده، ومحمد صلى الله عليه وآله عرضت عليه مفاتيح خزائن كنوز الأرض فأبى استحقارا لها، فاختار التقلل والقربى، فآتاه الله الشفاعة والكوثر وهي أعظم من ملك الدنيا من أولها إلى آخرها سبعين مرة، فوعد الله له المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وسار في ليلة إلى بيت المقدس ومنه إلى سدرة المنتهى، وسخر له الريح حتى حملت بساطه بأصحابه إلى غار أصحاب الهكف، وإن كان لسليمان عليه السلام غدوها شهر ورواحها شهر فكذلك كانت لأوصياء محمد، وسخرت له الجن، وآمنت به منقادة طائعة في قوله: " وإذ صرفنا إليك نفرا من

الجن " وقبض صلى الله عليه وآله على حلق جني فخنقه، ومحاربة وصيه من الجن وقتله إياهم معروفة، وكذلك إتيانهم إلى أولاده المعصومين عليهم السلام لاخذ العلم منهم مشهور وإن سليمان عليه السلام سخرهم للأبنية والصنائع واستنباط القنى ما عجز عنه جميع الناس ومحمد لم يحتج إلى هذه الأشياء، فلو أراد منهم ذلك لفعلوا، على أن مؤمني الجن يخدمون الأئمة عليهم السلام وأنهم عليهم السلام كانوا يبعثونهم في أمر يريدونه على العجلة، وأن الله سخر الملائكة المقربين لمحمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته وذريته الطاهرين عليهم السلام فقد كانوا ينصرون محمدا، ويقاتلون بين يديه كفاحا، ويمنعون منه ويدفعون، وكذلك كانوا مع علي بن أبي طالب، ويكونون مع بقية آل محمد عليهم السلام على ما روي.

وإن سليمان عليه السلام كان يفهم كلام الطير ومنطقها، فكذلك نبينا كان يفهم منطق الطير، فقد كان في برية ورأي طيرا أعمى على شجرة، فقال للناس: إنه قال: يا ربي إنني جائع، لا يمكنني أن أطلب الرزق، فوقع جرادة على منقاره فأكلها، وكذا فهم منطقها أهل بيته، وإن عيسى عليه السلام مر بكربلا فرأى ظباء فدعاها فقال: ههنا لا ماء ولا مرعى، فلم مقامكن فيها؟ قالت: يا روح الله إن الله ألهمنا أن هذه البقعة حرم الحسين عليه السلام فآوينا إليها، فدعا الله عيسى عليه السلام أن يبقى أثر يعلم به آل محمد أن عيسى كان مساعدا لهم في مصيبتهم، فلما مر علي بن أبي طالب عليه السلام بها جعل يقول: ههنا مناخ ركابهم، وههنا مهراق دمائهم، فسأله ابن عباس عنه فأخبره بقتل الحسين عليه السلام فيها. وأن عيسى عليه السلام كان ههنا ودعا، ومن قصته كيت وكيت، فاطلب بعرات تلك الظباء فإنها باقية، فوجدوا كثيرا من البعر قد صار مثل الزعفران، وإن الظباء نطقت مع محمد صلى الله عليه وآله وعترته في مواضع شتى.

وإن يحيى بن زكريا أوتي الحكم صبيا، وكان يبكي من غير ذنب، ويواصل الصوم، ولم يتزوج، وإنما اختار نبينا التزوج، لأنه كان قدوة في فعله وقوله، والنكاح مما أمر الله به آدم عليه السلام لتناسل، وكان لسليمان عليه السلام من النساء والجواري ما لا يحصى، وقال النبي صلى الله عليه وآله: تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم، وقال:

مباضعتك أهلك صدقة، فقيل: يا رسول الله نأتي شهوتنا ونفرح أفنوجر؟ فقال: أرأيت لو جعلتها في باطل أفكنت تأثم؟ قال: نعم، قال: أفتحاسبون بالشر، ولا تحاسبون بالخير؟

وقد علم الله أن يكون له ذرية طيبة باقية إلى يوم القيامة.

وقد وصف الله عيسى عليه السلام بما لم يصف به أحدا من أنبيائه، فقال: " وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين * ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين " ورسولنا وأهل بيته وعترته وسيلة آدم عليه السلام، ودعوة إبراهيم عليه السلام، وبشرى عيسى عليه السلام، وإن قدر عيسى عليه السلام من الطين كهيئة الطير فيجعلها الله طيرا فإن الله أحيى الموتى لمحمد صلى الله عليه وآله وعترته عليهم السلام وإن كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله فكذا كان منهم عليهم السلام والآن ربما يدخل العميان ومن به برص مشاهدهم فيهب الله لهم نور أعينهم، ويذهب البرص عنهم ببركة تربتهم، وهذا معروف ما بين خراسان إلى بغداد إلى الكوفة إلى الحجاز.

ايضاح: الشخب: السيلان، والودك بالتحريك : دسم اللحم، وبوق التبريز، أي البوق الذي ينفخ فيه لخروج العسكر إلى الغزو، والأزيز: صوت غليان القدر، والمرجل بالكسر: القدر من النحاس، ويقال: كافحوهم: إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس ولا غيره، ويقال: فلان يكافح الأمور: إذا باشرها بنفسه.

5 - تفسير الإمام العسكري: قال الإمام عليه السلام ما أظهر الله عز وجل لنبي تقدم آية إلا وقد جعل

لمحمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام مثلها وأعظم منها، قيل: يا بن رسول الله فأي شئ جعل لمحمد وعلي ما يعدل آيات عيسى: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والانباء بما يأكلون وما يدخرون، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يمشي بمكة، وأخوه علي عليه السلام يمشي معه، وعمه أبو لهب خلفه يرمي عقبه بالأحجار وقد أدماه، ينادي معاشر قريش: هذا ساحر كذاب فاقذفوه واهجروه واجتنبوه، وحرش عليه أوباش قريش فتبعوهما يرمونهما بالأحجار، فما منها حجر أصابه إلا أصاب عليا عليه السلام فقال بعضهم: يا علي ألست المتعصب لمحمد، والمقاتل عنه، والشجاع لا نظير لك مع حداثة سنك وأنك لم تشاهد الحروب، ما بالك لا تنصر محمدا ولا تدفع عنه؟ فناداهم علي عليه السلام: معاشر أوباش قريش لا أطيع محمدا بمعصيتي له، لو أمرني لرأيتم العجب، وما زالوا يتبعونه حتى خرج من مكة، فأقبلت الأحجار على حالها تتدحرج، فقالوا: الآن تشدخ هذه الأحجار محمدا وعليا ونتخلص منهما، وتنحت قريش عنه خوفا على أنفسهم من تلك الأحجار، فرأوا تلك الأحجار قد أقبلت على محمد وعلي كل حجر منها ينادي: السلام عليك يا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، السلام عليك يا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف، السلام عليك يا رسول رب العالمين، وخير الخلق أجمعين، السلام عليك يا سيد الوصيين، ويا خليفة رسول رب العالمين، وسمعها جماعات قريش فوجموا فقال عشرة من مردتهم وعتاتهم: ما هذه الأحجار تكلمهما، ولكنهم رجال في حفرة بحضرة الأحجار قد خبأهم محمد تحت الأرض، فهي تكلمهما لتغرنا وتخدعنا، فأقبلت عند ذلك أحجار عشرة من تلك الصخور وتحلقت وارتفعت فوق العشرة المتكلمين بهذا الكلام، فما زالت تقع بهاماتهم وترتفع وترضضها حتى ما بقي من العشرة أحد إلا سال دماغه ودماؤه

من منخريه، وقد تخلخل رأسه وهامته ويافوخه، فجاء أهلوهم وعشائرهم يبكون ويضجون يقولون: أشد من مصابنا بهؤلاء تبجح محمد وتبذخه بأنهم قتلوا بهذه الأحجار آية له ودلالة ومعجزة، فأنطق الله عز وجل جنائزهم: صدق محمد وما كذب، وكذبتم وما صدقتم واضطربت الجنائز ورمت من عليها وسقطوا على الأرض، ونادت ما كنا لننقاد ليحمل علينا أعداء الله إلى عذاب الله، فقال أبو جهل لعنه الله: إنما سحر محمد هذه الجنائز كما سحر تلك الأحجار والجلاميد والصخور، حتى وجد منها من النطق ما وجد، فإن كانت قتل هذه الأحجار هؤلاء لمحمد آية له وتصديقا لقوله، وتبيينا لامره فقولوا له:

يسأل من خلقهم أن يحييهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا أبا الحسن قد سمعت اقتراح الجاهلين وهؤلاء عشرة قتلى، كم جرحت بهذه الأحجار التي رمانا بها القوم يا علي؟ قال علي عليه السلام جرحت أربع جراحات، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: جرحت أنا ست جراحات، فليسأل كل واحد منا ربه أن يحيي من العشرة بقدر جراحاته، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله لستة منهم فنشروا، ودعا علي عليه السلام لأربعة منهم فنشروا، ثم نادى المحيون: معاشر المسلمين إن لمحمد وعلي شأنا عظيما في الممالك التي كنا فيها، لقد رأينا لمحمد صلى الله عليه وآله مثالا على سرير عند البيت المعمور وعند العرش، ولعلي عليه السلام مثالا عند البيت المعمور وعند الكرسي وأملاك السماوات والحجب وأملاك العرش يحفون بهما ويعظمونهما ويصلون عليهما، ويصدرون عن أوامرهما، ويقسمون على الله عز وجل لحوائجهم إذا سألوه بهما، فآمن منهم سبعة نفر، وغلب الشقاء على الآخرين، وأما تأييد الله عز وجل لعيسى عليه السلام بروح القدس فإن جبرئيل هو الذي لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وهو قد اشتمل بعباءته القطوانية على نفسه وعلى علي وفاطمة

والحسن والحسين عليهم السلام وقال: اللهم هؤلاء، أهلي، أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم محب لمن أحبهم، ومبغض لمن أبغضهم، فكن لمن حاربهم حربا، ولمن سالمهم سلما، ولمن أحبهم محبا، ولمن أبغضهم مبغضا، فقال الله عز وجل: لقد أجبتك إلى ذلك يا محمد، فرفعت أم سلمة جانب العباء لتدخل، فجذبه رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: لست هناك وإن كنت في خير وإلى خير، وجاء جبرئيل عليه السلام مدثرا وقال: يا رسول الله اجعلني منكم قال: أنت منا، قال: فأرفع العباء وأدخل معكم؟ قال: بلى، فدخل في العباء، ثم خرج وصعد إلى السماء إلى الملكوت الاعلى وقد تضاعف حسنه وبهاؤه، وقالت الملائكة: قد رجعت بجمال خلاف ما ذهبت به من عندنا، قال: فكيف لا أكون كذلك وقد شرفت بأن جعلت من آل محمد وأهل بيته، قالت الاملاك في ملكوت السماوات والحجب والكرسي والعرش، حق لك هذا الشرف أن تكون كما قلت، وكان علي عليه السلام معه جبرئيل عن يمينه في الحروب، وميكائيل عن يساره، وإسرافيل خلفه، وملك الموت أمامه.

وأما إبراء الأكمه والأبرص والانباء بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان بمكة قالوا: يا محمد ربنا هبل، الذي يشفي مرضانا، وينقذ هلكانا، ويعالج جرحانا، قال صلى الله عليه وآله: كذبتم، ما يفعل هبل من ذلك شيئا، بل الله تعالى يفعل بكم ما يشاء من ذلك، قال عليه السلام: فكبر هذا على مردتهم فقالوا له: يا محمد ما أخوفنا عليك من هبل أن يضربك باللقوة والفالج والجذام والعمى وضروب العاهات لدعائك إلى خلافه، قال صلى الله عليه وآله: لا يقدر على شئ مما ذكرتموه إلا الله عز وجل، قالوا: يا محمد فإن كان لك رب تعبده ولا رب سواه فاسأله أن يضربنا بهذه الآفات التي ذكرناها لك،

حتى نسأل نحن هبل أن يبرئنا منها، لتعلم أن هبل هو شريك ربك الذي إليه تؤمي وتشير، فجاء جبرئيل عليه السلام فقال: ادع أنت على بعضهم، وليدع علي على بعض، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله على عشرين منهم ودعا علي على عشرة، فلم يريموا مواضعهم حتى برصوا وجذموا وفلجوا ولقوا وعموا وانفصلت عنهم الأيدي والأرجل، ولم يبق في شئ من أبدانهم عضو صحيح إلا ألسنتهم وآذانهم، فلما أصابهم ذلك صير بهم إلى هبل ودعوه ليشفيهم، وقالوا: دعا على هؤلاء محمد وعلي ففعل بهم ما ترى فاشفهم، فناداهم هبل:

يا أعداء الله وأي قدرة لي على شئ من الأشياء؟ والذي بعثه إلى الخلق أجمعين وجعله أفضل النبيين والمرسلين لو دعا علي لتهافتت أعضائي، وتفاصلت أجزائي، واحتملتني الرياح تذروني حتى لا يرى لشئ مني عين ولا أثر، يفعل الله ذلك بي حتى يكون أكبر جزء مني دون عشر عشير خردلة، فلما سمعوا ذلك من هبل ضجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: انقطع الرجاء عمن سواك فأغثنا وادع الله لأصحابنا فإنهم لا يعودون إلى أذاك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: شفاؤهم يأتيهم من حيث أتاهم داؤهم، عشرون علي وعشرة على علي، فجاءوا بعشرين أقاموهم بين يديه، وبعشرة أقاموهم بين يدي علي عليه السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للعشرين غضوا أعينكم، وقولوا: اللهم بجاه من بجاهه ابتليتنا فعافنا بمحمد وعلي والطيبين من آلهما، وكذلك قال علي عليه السلام للعشرة الذين بين يديه، فقالوها فقاموا كأنما نشطوا من عقال، ما بأحد منهم نكبة

وهو أصح مما كان قبل أن أصيب بما أصيب، فآمن الثلاثون وبعض أهليهم، وغلب الشقاء على أكثر الباقين وأما الانباء بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله - لما برؤوا - قال لهم: آمنوا، فقالوا: آمنا، فقال: ألا أزيدكم بصيرة؟ قالوا: بلى، قال:

أخبركم بما تغدى به هؤلاء وتداووا؟ تغدى فلان بكذا، وتداوى فلان بكذا، وبقي عنده كذا، حتى ذكرهم أجمعين، ثم قال: يا ملائكة ربي احضروني بقايا غدائهم ودوائهم على أطباقهم وسفرهم، فأحضرت الملائكة ذلك، وأنزلت من السماء بقايا طعام أولئك ودوائهم، فقالوا: هذه البقايا من المأكول كذا، والمداوي به كذا، ثم قال: يا أيها الطعام أخبرنا، كم أكل منك؟ فقال الطعام: أكل مني كذا، وترك مني كذا، وهو ما ترون، وقال بعض ذلك الطعام: أكل صاحبي هذا مني كذا " وبقي مني كذا، وجاء به الخادم فأكل مني كذا، وأنا الباقي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فمن أنا؟ قال الطعام و الدواء: أنت رسول الله، فقال: فمن هذا؟ - يشير إلى علي عليه السلام - فقال الطعام والدواء:

هذا أخوك سيد الأولين والآخرين، ووزيرك أفضل الوزراء، وخليفتك سيد الخلفاء.

بيان: التحريش: الاغراء بين القوم، والأوباش من الناس: الاخلاط، ووجم أي أمسك وسكت، واليافوخ، ملتقى عظم مقدم الرأس ومؤخره، والتبجح بتقديم الجيم على الحاء: إظهار الفرح، والتبذخ: التكبر والعلو، والجلاميد جمع الجلمود بالضم وهو الصخر، ويقال: فلج على بناء المجهول، أي أصابه الفالج، فهو مفلوج، وكذا لقي على المجهول أصابه اللقوة.

6 - تفسير الإمام العسكري: قال: أبو يعقوب: قلت: للإمام عليه السلام هل كان لرسول الله صلى الله عليه وآله ولأمير المؤمنين عليه السلام آيات تضاهي آيات موسى عليه السلام؟ فقال عليه السلام: علي نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وآيات رسول الله آيات علي عليه السلام، وآيات علي آيات رسول الله صلى الله عليه وآله، وما آية أعطاها الله موسى عليه السلام ولا غيره من الأنبياء إلا وقد أعطى الله محمدا مثلها أو أعظم منها، أما العصا التي كانت لموسى عليه السلام فانقلبت ثعبانا فتلقفت ما ألقته السحرة من عصيهم وحبالهم فلقد كان لمحمد صلى الله عليه وآله أفضل منها، وهو أن قوما من اليهود أتوا محمدا صلى الله عليه وآله فسألوه وجادلوه فما أتوه بشئ إلا أتاهم في جوابه بما بهرهم، فقالوا له: يا محمد إن كنت نبيا فأتنا بمثل عصا موسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الذي أتيتكم به أفضل من عصا موسى عليه السلام، لأنه باق بعدي إلى يوم القيامة متعرض لجميع الأعداء المخالفين، لا يقدر أحد على معارضة سورة منه، وإن عصا موسى زالت ولم تبق بعده فتمتحن، كما يبقى القرآن فيمتحن، ثم إني سأتيكم بما هو أعظم من عصا موسى وأعجب، فقالوا: فأتنا، فقال: إن موسى عليه السلام كانت عصاه بيده يلقيها وكانت القبط يقول كافرهم: هذا يحتال في العصا بحيلة، وإن الله سوف يقلب خشبا لمحمد ثعابين بحيث لا يمسها يد محمد ولا يحضرها، إذا رجعتم إلى بيوتكم واجتمعتم الليلة في مجمعكم في ذلك البيت قلب الله جذوع سقوفكم كلها أفاعي، وهي أكثر من مأة جذع، فتتصدع مرارات أربعة منكم فيموتون، ويغشى على الباقين منكم إلى غداة غد، فيأتيكم يهود فتخبرونهم بما رأيتم فلا يصدقونكم فتعود بين أيديهم ويملا أعينهم ثعابين كما كانت في بارحتكم، فيموت منهم جماعة، وتخبل جماعة و

يغشى على أكثرهم، قال: فوالذي بعثه بالحق نبيا لقد ضحك القوم كلهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله لا يحتشمونه ولا يهابونه، ويقول بعضهم لبعض: انظروا ما ادعى؟

وكيف عدا طوره (1)؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن كنتم الآن تضحكون فسوف تبكون وتتحيرون إذا شاهدتم ما عنه تخبرون، ألا فمن هاله ذلك منكم وخشي على نفسه أن يموت أو يخبل فليقل: اللهم بجاه محمد الذي اصطفيته، وعلي الذي ارتضيته، وأوليائهما الذين من سلم لهم أمرهم اجتبيته، لما قويتني على ما أرى، وإن كان من يموت هناك ممن يحبه ويريد حياته فليدع له بهذا الدعاء ينشره الله تعالى ويقويه، قال عليه السلام: فانصرفوا واجتمعوا في ذلك الموضع، وجعلوا يهزؤون بمحمد صلى الله عليه وآله وقوله: إن تلك الجذوع تنقلب أفاعي، فسمعوا حركة من السقف فإذا بتلك الجذوع انقلبت أفاعي وقد لوت رؤوسها عن الحائط وقصدت نحوهم تلتقمهم، فلما وصلت إليهم كفت عنهم وعدلت إلى ما في الدار من حباب وجرار وكيزان وصلايات وكراسي وخشب وسلاليم وأبواب فالتقمتها وأكلتها، فأصابهم ما قال رسول الله عليه السلام: إنه يصيبهم، فمات منهم أربعة، وخبل جماعة، وجماعة خافوا على أنفسهم فدعوا بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله فقويت قلوبهم، وكانت الأربعة أتى بعضهم فدعا لهم بهذا الدعاء فنشروا، فلما رأوا ذلك قالوا: إن هذا الدعاء مجاب به، وإن محمدا صادق، وإن كان يثقل علينا تصديقه أفلا ندعو به لتلين للايمان به والتصديق له والطاعة لأوامره وزواجره قلوبنا، فدعوا بذلك الدعاء فحبب الله

تعالى إليهم الايمان وطيبه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر، فآمنوا بالله ورسوله، فلما أصبحوا من غد جاءت اليهود وقد عادت الجذوع ثعابين كما كانت، فشاهدوها وتحيروا ومات منهم جماعة، وغلب الشقاء على الآخرين وقال: وأما اليد فلقد كان لمحمد صلى الله عليه وآله مثلها وأفضل منها وأكثر منها ألف مرة كان صلى الله عليه وآله يحب أن يأتيه الحسن والحسين عليهما السلام، وكانا يكونان عند أهلهما أو مواليهما أو دايتهما، وكان يكون في ظلمة الليل فيناديهما رسول الله صلى الله عليه وآله: يا با محمد، يا أبا عبد الله هلما إلى، فيقبلان نحوه من ذلك العبد قد بلغهما صوته، فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله بسبابته هكذا يخرجها من الباب فتضئ لهما أحسن من ضوء القمر والشمس، فيأتيان فتعود الإصبع كما كانت، فإذا قضى وطره من لقائهما وحديثهما قال: ارجعا إلى موضعكما فقال بعد بسبابته هكذا، فأضاءت أحسن من ضياء القمر والشمس، قد أحاط بهما إلى أن يرجعا إلى موضعهما، ثم تعود أصبعه صلى الله عليه وآله كما كانت من لونها في سائر الأوقات، وأما الطوفان الذي أرسله الله تعالى على القبط فقد أرسل الله مثله على قوم مشركين آية لمحمد صلى الله عليه وآله، فقال: إن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقال له: ثابت بن الأفلح قتل رجلا من المشركين في بعض المغازي، فنذرت امرأة ذلك المشرك المقتول لتشربن في قحف رأس ذلك القاتل الخمر، فلما وقع بالمسلمين يوم أحد ما وقع، قتل ثابت هذا على ربوة من الأرض فانصرف المشركون واشتغل رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه

بدفن أصحابه، فجاءت المرأة إلى أبي سفيان تسأله أن يبعث رجلا مع عبد لها إلى مكان ذلك المقتول ليجتز رأسه فيؤتى به لتفي بنذرها فتشرب في قحفه خمرا، وقد كانت البشارة أتتها بقتله، أتاها بها عبد لها فأعتقته وأعطته جارية لها، ثم سألت أبا سفيان فبعث إلى ذلك المقتول مأتين من أصحاب الجلد في جوف الليل ليجتزوا رأسه فيأتوها به، فذهبوا فجاءت ريح فد حرجت الرجل إلى حدور فتبعوه ليقطعوا رأسه فجاء من المطر وابل عظيم فغرق المأتين، ولم يوقف لذلك المقتول ولا لواحد من المأتين على عين ولا أثر، ومنع الله الكافرة مما أرادت، فهذا أعظم من الطوفان آية له صلى الله عليه وآله.

وأما الجراد المرسل على بني إسرائيل فقد فعل الله أعظم وأعجب منه بأعداء محمد صلى الله عليه وآله، فإنه أرسل عليهم جرادا أكلهم، ولم يأكل جراد موسى عليه السلام رجال القبط، ولكنه أكل زروعهم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في بعض أسفاره إلى الشام، وقد تبعه مأتان من يهودها في خروجه عنها وإقباله نحو مكة، يريدون قتله، مخافة أن يزيل الله دولة اليهود على يده، فراموا قتله، وكان في القافلة فلم يجسروا عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد حاجة أبعد واستتر بأشجار تكنفه، أو برية بعيدة، فخرج ذات يوم لحاجته فأبعد وتبعوه وأحاطوا به وسلوا سيوفهم عليه، فأثار الله جل وعلا من تحت رجل محمد من ذلك الرمل جرادا فاحتوشتهم وجعلت تأكلهم، فاشتغلوا بأنفسهم عنه، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من حاجته وهم يأكلهم الجراد ورجع إلى أهل القافلة فقالوا له: ما بال الجماعة خرجوا خلفك لم يرجع منهم أحد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: جاءوا يقتلونني فسلط الله عليهم الجراد، فجاءوا ونظروا إليهم فبعضهم قد مات، وبعضهم قد كاد يموت، والجراد يأكلهم، فما زالوا ينظرون إليهم حتى أتى الجراد على أعيانهم فلم تبق منهم شيئا.

وأما القمل فأظهر الله قدرته على أعداء محمد صلى الله عليه وآله بالقمل، وقصة ذلك أن رسول الله

صلى الله عليه وآله لما ظهر بالمدينة أمره، وعلا بها شأنه حدث يوما أصحابه عن امتحان الله عز وجل للأنبياء، وعن صبرهم على الأذى في طاعة الله. فقال في حديثه: إن بين الركن والمقام قبور سبعين نبيا ما ماتوا إلا بضر الجوع والقمل، فسمع بذلك بعض المنافقين من اليهود وبعض مردة قريش فتؤامروا بينهم ليلحقن محمدا بهم فيقتلوه بسبوفهم حتى لا يكذب، فتؤامروا بينهم وهم مأتان على الإحاطة به يوما يجدونه من المدينة خارجا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله يوما خاليا فتبعه القوم، ونظر أحدهم إلى ثياب نفسه وفيها قمل، ثم جعل بدنه وظهره يحكه من القمل فأنف من أصحابه، واستحيا فانسل عنهم، وأبصر آخر ذلك من نفسه وفيها قمل مثل ذلك فانسل، فما زال كذلك حتى وجد ذلك كل واحد من نفسه فرجعوا، ثم زاد ذلك عليهم حتى استولى عليهم القمل، وانطبقت حلوقهم، فلم يدخل فيها طعام ولا شراب فماتوا كلهم في شهرين منهم من مات في خمسة أيام، ومنهم من مات في عشرة أيام وأقل وأكثر، فلم يزد على شهرين حتى ماتوا بأجمعهم بذلك القمل والجوع والعطش، فهذا القمل الذي أرسله الله تعالى على أعداء محمد صلى الله عليه وآله آية له.

وأما الضفادع فقد أرسل الله مثلها على أعداء محمد صلى الله عليه وآله حين قصدوا قتله فأهلكهم بالجرذ وذلك أن مأتين بعضهم كفار العرب، وبعضهم يهود، وبعضهم أخلاط من الناس اجتمعوا بمكة في أيام الموسم وهموا فيما بينهم لنقتلن محمدا، فخرجوا نحو المدينة، فبلغوا بعض تلك المنازل، وإذا هناك ماء في بركة أطيب من مائهم الذي كان معهم فصبوا ما

كان معهم منه، وملأوا رواياهم ومزاودهم من ذلك الماء وارتحلوا فبلغوا أرضا ذات جرذ كثير فحطوا رواحلهم عندها فسلطت على مزاودهم ورواياهم وسطائحهم الجرذ و خرقتها ونقبتها، وسال مياهها في تلك الحرة فلم يشعروا إلا وقد عطشوا ولا ماء معهم فرجعوا القهقرى إلى تلك البركة التي كانوا تزودوا منها تلك المياه، وإذا الجرذ قد سبقهم إليها فنقبت أفواهها، وسألت في الحرة مياهها، فوقفوا آيسين من الماء و تماوتوا، ولم يفلت منهم أحد إلا واحد، كان لا يزال يكتب على لسانه محمدا، وعلى بطنه محمدا ويقول: يا رب محمد وآل محمد قد تبت من أذى محمد ففرج عني بجاه محمد وآل محمد فسلم، و كف عنه العطش، فوردت عليه قافلة فسقوه وحملوه وأمتعة القوم وجمالهم، وكانت أصبر على العطش من رجالها، فآمن برسول الله صلى الله عليه وآله، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله تلك الجمال و الأموال له.

قال: وأما الدم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله احتجم مرة فدفع الدم الخارج منه إلى أبي سعيد الخدري وقال له: غيبه، فذهب فشربه، فقال له صلى الله عليه وآله: ما صنعت به؟ قال: شربته يا رسول الله قال: أو لم أقل لك غيبه، فقال: غيبته في وعاء حريز، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إياك وأن تعود لمثل هذا، ثم اعلم أن الله قد حرم على النار لحمك ودمك لما اختلط بدمي ولحمي فجعل أربعون من المنافقين يهزؤون برسول الله صلى الله عليه وآله ويقولون: زعم أنه قد أعتق

الخدري من النار لاختلاط دمه بدمه، وما هو إلا كذاب مفتر! وأما نحن فنستقذر دمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما إن الله يعذبهم بالدم ويميتهم به، وإن كان لم يمت القبط، فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى لحقهم الرعاف الدائم، وسيلان الدماء من أضراسهم، فكان طعامهم وشرابهم يختلط بالدم فيأكلونه فبقوا كذلك أربعين صباحا معذبين ثم هلكوا.

وأما السنين ونقص من الثمرات فإن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا على مضر فقال: " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " فابتلاهم الله بالقحط والجوع، فكان الطعام يجلب إليهم من كل ناحية، فإذا اشتروه وقبضوه لم يصلوا به إلى بيوتهم حتى يسوس وينتن ويفسد فتذهب أموالهم، ولا يحصل لهم في الطعام نفع حتى أضربهم الازم والجوع الشديد العظيم، حتى أكلوا الكلاب الميتة، وأحرقوا عظام الموتى فأكلوها وحتى نبشوا عن قبور الموتى فأكلوهم، وحتى ربما أكلت المرأة طفلها، إلى أن مشى جماعة من رؤساء قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا محمد هبك عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان والبهائم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنتم بهذا معاقبون، وأطفالكم و حيواناتكم بهذا غير معاقبة، بل هي معوضة لجميع المنافع حيث يشاء ربنا في الدنيا والآخرة، فسوف يعوضها الله تعالى عما أصابها ثم عفا عن مضر وقال: " اللهم افرج عنهم " فعاد إليهم الخصب والدعة والرفاهية، فذلك قوله عز وجل فيهم يعدد عليهم نعمه:

" فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ".

قال الامام عليه السلام: وأما الطمس لأموال قوم فرعون فقد كان مثله آية لمحمد صلى الله عليه وآله

وعلي عليه السلام، وذلك أن شيخا كبيرا جاء بابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، والشيخ يبكي ويقول:

يا رسول الله ابني هذا غذوته صغيرا، ومنته طفلا عزيزا، وأعنته بما لي كثيرا حتى اشتد أزره، وقوي ظهره، وكثر ماله، وفنيت قوتي، وذهب مالي عليه، وصرت من الضعف إلى ما ترى فلا يواسيني بالقوت الممسك لرمقي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للشاب:

ماذا تقول؟ قال: يا رسول الله لا فضل معي عن قوتي وقوت عيالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للوالد: ما تقول؟ فقال: يا رسول الله إن له أنابير حنطة وشعير وتمر وزبيب، وبدر الدراهم والدنانير وهو غني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للابن: ما تقول، قال الابن: يا رسول الله مالي شئ مما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اتق الله يا فتى، وأحسن إلى والدك المحسن إليك يحسن الله إليك، قال: لا شئ لي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فنحن نعطيه عنك في هذا الشهر، فأعطه أنت فيما بعده، وقال لأسامة: أعط الشيخ مأة درهم نفقة لشهره لنفسه وعياله، ففعل، فلما كان رأس الشهر جاء الشيخ والغلام وقال الغلام: لا شئ لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله، لك مال كثير، ولكنك اليوم تمسي وأنت فقير وقير، أفقر من أبيك هذا لا شئ لك، فانصرف الشاب فإذا جيران أنابيره قد اجتمعوا عليه يقولون: حول هذه الأنابير عنا، فجاء إلى أنابيره وإذا الحنطة والشعير والتمر والزبيب قد نتن جميعه، وفسد وهلك، وأخذوه بتحويل ذلك عن جوارهم، فاكترى اجراء بأموال كثيرة فحولوه وأخرجوه بعيدا عن المدينة، ثم ذهب يخرج إليهم الكرى من أكياسه التي فيها دراهمه ودنانيره فإذا هي قد طمست ومسخت حجارة، وأخذه الحمالون بالأجرة فباع ما كان له من كسوة وفرش و

دار وأعطاهم في الكراء، وخرج من ذلك كله صفرا، ثم بقي فقيرا وقيرا لا يهتدي إلى قوت يومه فسقم لذلك جسده وضني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أيها العاقون للآباء والأمهات اعتبروا واعلموا أنه كما طمس في الدنيا على أمواله فكذلك جعل بدل ما كان أعد له في الجنة من الدرجات معدا له في النار من الدركات ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله ذم اليهود بعبادة العجل من دون الله بعد رؤيتهم لتلك الآيات فإياكم وأن تضاهوهم في ذلك، قالوا:

وكيف نضاهيهم يا رسول الله؟ قال: بأن تطيعوا مخلوقا في معصية الله، وتتوكلوا عليه من دون الله تكونوا قد ضاهيتموهم.

توضيح: خبل كفرح: جن، ولوى برأسه: أمال، والصلاية: مدق الطيب، و القحف بالكسر: العظم فوق الدماغ، والجلد بالتحريك: القوة والشدة، واحتوش القوم الصيد: أنفره بعضهم على بعض، وعلى فلان: جعلوه وسطهم، والسطيحة: المزادة.

قوله عليه السلام: يسوس؟ أي يقع فيه السوس، وهو دود يقع في الطعام، وقال الجوهري، الأزمة: الشدة والقحط، يقال: أصابتهم سنة أزمتهم أزما، أي استأصلتهم، وأزم علينا الدهر يأزم أزما، أي اشتد وقل خيره ، وقال: مانه يمونه مونا: احتمل مونته وقام بكفايته، وقال: فقير وقير: اتباع له، ويقال: معناه أنه قد أوقره الدين، أي أثقله وضني بالكسر: مرض، وفي النهاية: المضاهات: المشابهة وقد تهمز وقرئ بهما.

7 - الإحتجاج: روي عن موسى بن جعفر عليه السلام، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام أن يهوديا من يهود الشام وأحبارهم كان قد قرأ التوراة والإنجيل و الزبور وصحف الأنبياء عليهم السلام وعرف دلائلهم جاء إلى مجلس فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وفيهم علي بن أبي طالب عليه السلام وابن عباس وأبو معبد الجهني، فقال: يا أمة

محمد ما تركتم لنبي درجة ولا لمرسل فضيلة إلا نحلتموها نبيكم فهل تجيبوني عما أسألكم عنه، فكاع القوم عنه.

فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: نعم، ما أعطى الله عز وجل نبيا درجة ولا مرسلا فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد صلى الله عليه وآله وزاد محمدا صلى الله عليه وآله على الأنبياء أضعافا مضاعفة.

فقال له اليهودي فهل أنت مجيبي؟ قال له: نعم، سأذكر لك اليوم من فضائل رسول الله صلى الله عليه وآله ما يقر الله به أعين المؤمنين، ويكون فيه إزالة لشك الشاكين في فضائله، إنه صلى الله عليه وآله كان إذا ذكر لنفسه فضيلة قال: " ولا فخر " وأنا أذكر لك فضائله غير مزر بالأنبياء ولا متنقص لهم، ولكن شكرا لله عز وجل على ما أعطى محمدا صلى الله عليه وآله مثل ما أعطاهم، وما زاده الله وما فضله عليهم.

قال له اليهودي: إني أسألك فأعد له جوابا، قال له علي عليه السلام: هات، قال له اليهودي: هذا آدم عليه السلام أسجد الله له ملائكته، فهل فعل بمحمد شيئا من هذا؟ فقال له علي عليه السلام: لقد كان ذلك، ولئن أسجد الله لآدم ملائكته فإن سجودهم لم يكن سجود طاعة، إنهم عبدوا آدم من دون الله عز وجل ولكن اعترافا لآدم بالفضيلة، ورحمة من الله له، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي أفضل من هذا، إن الله عز وجل صلى عليه في جبروته، والملائكة بأجمعها، وتعبد المؤمنين بالصلاة عليه، فهذه زيادة له يا يهودي.

قال له اليهودي: فإن آدم عليه السلام تاب الله عليه من بعد خطيئته.

قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله نزل فيه ما هو أكبر من هذا من غير ذنب أتى، قال الله عز وجل: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " إن محمدا غير

مواف القيامة بوزر ولا مطلوب فيها بذنب.

قال له اليهودي: فإن هذا إدريس عليه السلام رفعه الله عز وجل مكانا عليا، وأطعمه من تحف الجنة بعد وفاته.

قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من هذا، إن الله جل ثناؤه قال فيه: " ورفعنا لك ذكرك " فكفى بهذا من الله رفعة، ولئن أطعم إدريس من تحف الجنة بعد وفاته فإن محمدا صلى الله عليه وآله أطعم في الدنيا في حياته بينما يتضور جوعا فأتاه جبرئيل عليه السلام بجام من الجنة فيه تحفة، فهلل الجام، وهللت التحفة في يده وسبحا وكبرا وحمدا، فناولها أهل بيته ففعل الجام مثل ذلك، فهم أن يناولها بعض أصحابه فتناولها جبرئيل عليه السلام، فقال له: كلها فإنها تحفة من الجنة أتحفك الله بها، وإنها لا تصلح إلا لنبي أو وصي نبي، فأكل صلى الله عليه وآله وأكلنا معه، وإني لأجد حلاوتها ساعتي هذه.

قال له اليهودي: فهذا نوح عليه السلام صبر في ذات الله عز وجل، وأعذر قومه إذ كذب.

قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله صبر في ذات الله وأعذر قومه إذ كذب وشرد وحصب بالحصى، وعلاه أبو لهب بسلا شاة، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جابيل ملك الجبال أن شق الجبال، وانته إلى أمر محمد صلى الله عليه وآله، فأتاه فقال له: إني قد أمرت لك بالطاعة فإن أمرت أطبقت عليهم الجبال فأهلكتهم بها، قال صلى الله عليه وآله:

إنما بعثت رحمة رب اهد أمتي فإنهم لا يعلمون، ويحك يا يهودي إن نوحا لما شاهد غرق قومه رق عليهم رقة القرابة، وأظهر عليهم شفقة فقال: " رب إن ابني من أهلي " فقال الله تبارك اسمه: " إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح " أراد جل ذكره أن يسليه بذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله لما علنت من قومه المعاندة شهر عليهم سيف النقمة، ولم تدركه فيهم رقة القرابة، ولم ينظر إليهم بعين مقة.

قال له اليهودي: فإن نوحا دعا ربه فهطلت له السماء بماء منهمر.

قال له عليه السلام: لقد كان كذلك، وكانت دعوته دعوة غضب، ومحمد صلى الله عليه وآله هطلت له السماء بماء منهمر رحمة إنه صلى الله عليه وآله لما هاجر إلى المدينة أتاه أهلها في يوم جمعة فقالوا له: يا رسول الله احتبس القطر، واصفر العود، وتهافت الورق، فرفع يده المباركة حتى رئي بياض إبطيه، وما ترى في السماء سحابة فما برح حتى سقاهم الله، حتى أن الشاب المعجب بشبابه لتهمه نفسه في الرجوع إلى منزله، فما يقدر من شدة السيل، فدام أسبوعا فأتوه في الجمعة الثانية فقالوا: يا رسول الله لقد تهدمت الجدر، واحتبس الركب والسفر فضحك صلى الله عليه وآله وقال: " هذه سرعة ملالة ابن آدم " ثم قال: " اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم في أصول الشيح، ومراتع البقع " فرئي حوالي المدينة المطر يقطر قطرا، وما يقع في المدينة قطرة لكرامته على الله عز وجل.

قال له اليهودي: فإن هذا هود قد انتصر الله له من أعدائه بالريح، فهل فعل بمحمد صلى الله عليه وآله شيئا من هذا؟ قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي

ما هو أفضل من هذا إن الله عز وجل ذكره انتصر له من أعدائه بالريح يوم الخندق إذ أرسل عليهم ريحا تذرو الحصى، وجنودا لم يروها فزاد الله تبارك وتعالى محمدا صلى الله عليه وآله على هود بثمانية آلاف ملك، وفضله على هود بأن ريح عاد ريح سخط، وريح محمد صلى الله عليه وآله ريح رحمة قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ".

قال له اليهودي: فإن هذا صالحا أخرج الله له ناقة جعلها لقومه عبرة.

قال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من ذلك، إن ناقة صالح لم تكلم صالحا، ولم تناطقه، ولم تشهد له بالنبوة، ومحمد صلى الله عليه وآله بينما نحن معه في بعض غزواته إذا هو ببعير قددنا ثم رغا فأنطقه الله عز وجل فقال: يا رسول الله إن فلانا استعملني حتى كبرت ويريد نحري، فأنا أستعيذ بك منه، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صاحبه فاستوهبه منه فوهبه له وخلاه، ولقد كنا معه فإذا نحن بأعرابي معه ناقة له يسوقها، وقد استسلم للقطع لما زور عليه من الشهود فنطقت له الناقة فقالت: يا رسول الله إن فلانا مني برئ، وإن الشهود يشهدون عليه بالزور، وإن سارقي فلان اليهودي.

قال له اليهودي: فإن هذا إبراهيم قد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله تعالى، وأحاطت دلالته بعلم الايمان به.

قال له عليه السلام: لقد كان كذلك، وأعطي محمد صلى الله عليه وآله أفضل من ذلك، قد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله تعالى، وأحاطت دلالته بعلم الايمان به، وتيقظ إبراهيم عليه السلام وهو ابن خمس عشرة سنة، ومحمد صلى الله عليه وآله كان ابن سبع سنين، قدم تجار من النصارى فنزلوا

بتجارتهم بين الصفا والمروة، فنظر إليه بعضهم فعرفه بصفته ونعته وخبر مبعثه وآياته صلى الله عليه وآله، فقالوا له: يا غلام ما اسمك؟ قال: محمد، قالوا: ما اسم أبيك؟ قال:

عبد الله، قالوا: ما اسم هذه؟ وأشاروا بأيديهم إلى الأرض قال: الأرض قالوا: فما اسم هذه؟

وأشاروا بأيديهم إلى السماء، قال: السماء، قالوا: فمن ربهما؟ قال: الله، ثم انتهرهم وقال :

أتشككونني في الله عز وجل، ويحك يا يهودي لقد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله عز وجل مع كفر قومه، إذ هو بينهم يستقسمون بالأزلام،، ويعبدون الأوثان، وهو يقول:

لا إله إلا الله قال اليهودي: فإن إبراهيم عليه السلام حجب عن نمرود بحجب ثلاثة.

فقال علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله حجب عمن أراد قتله بحجب خمسة فثلاثة بثلاثة، واثنان فضل، قال الله عز وجل وهو يصف أمر محمد صلى الله عليه وآله فقال: " وجعلنا من بين أيديهم سدا " فهذا الحجاب الأول " ومن خلفهم سدا " فهذا الحجاب الثاني " فأغشيناهم فهم لا يبصرون " فهذا الحجاب الثالث، ثم قال: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا " فهذا الحجاب الرابع، ثم قال: " فهي إلى الأذقان فهم مقمحون " فهذه حجب خمسة.

قال اليهودي: فإن إبراهيم عليه السلام قد بهت الذي كفر ببرهان نبوته.

قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أتاه مكذب بالبعث بعد الموت وهو أبي بن خلف الجمحي معه عظم نخر ففركه، ثم قال: يا محمد " من يحيي العظام و هي رميم " فأنطق الله محمدا بمحكم آياته، وبهته ببرهان نبوته فقال: " يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم " فانصرف مبهوتا.

قال له اليهودي فإن هذا إبراهيم جذ أصنام قومه غضبا لله عز وجل قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك ومحمد صلى الله عليه وآله قد نكس عن الكعبة ثلاثمأة وستين صنما، ونفاها من جزيرة العرب، وأذل من عبدها بالسيف.

قال له اليهودي: فإن هذا إبراهيم قد أضجع ولده وتله للجبين.

فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد أعطي إبراهيم بعد الاضجاع الفداء، ومحمد صلى الله عليه وآله أصيب بأفجع منه فجيعة، إنه وقف صلى الله عليه وآله على عمه حمزة أسد الله وأسد رسوله و ناصر دينه، وقد فرق بين روحه وجسده فلم يبين عليه حرقة، ولم يفض عليه عبرة، ولم ينظر إلى موضعه من قلبه وقلوب أهل بيته ليرضي الله عز وجل بصبره، ويستسلم لامره في جميع الفعال، وقال صلى الله عليه وآله: " لولا أن تحزن صفية لتركته حتى يحشر من بطون السباع وحواصل الطير، ولولا أن يكون سنة بعدي لفعلت ذلك ".

قال له اليهودي: فإن إبراهيم عليه السلام قد أسلمه قومه إلى الحريق فصبر، فجعل الله عز وجل النار عليه بردا وسلاما، فهل فعل بمحمد شيئا من ذلك.

قال له عليه السلام: لقد كان كذلك ومحمد صلى الله عليه وآله لما نزل بخيبر سمته الخيبرية فصير الله السم في جوفه بردا وسلاما إلى منتهى أجله، فالسم يحرق إذا استقر في الجوف، كما أن النار تحرق، فهذا من قدرته لا تنكره.

قال له اليهودي: فإن هذا يعقوب عليه السلام أعظم في الخبر نصيبه، إذ جعل الأسباط من سلالة صلبه، ومريم ابنة عمران من بناته.

قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك ومحمد صلى الله عليه وآله أعظم في الخير نصيبا منه، إذ جعل فاطمة سيدة نساء العالمين من بناته، والحسن والحسين من حفدته.

قال له اليهودي: فإن يعقوب قد صبر على فراق ولده حتى كاد يحرض من الحزن.

قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، وكان حزن يعقوب عليه السلام حزنا بعده تلاق، ومحمد صلى الله عليه وآله قبض ولده إبراهيم قرة عينه في حياة منه، وخصه بالاختبار ليعظم له الادخار فقال صلى الله عليه وآله: " تحزن النفس ويجزع القلب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول ما يسخط الرب " في كل ذلك يؤثر الرضا عن الله عز ذكره، والاستسلام له في جميع الفعال.

فقال له اليهودي: فإن هذا يوسف قاسى مرارة الفرقة، وحبس في السجن توقيا للمعصية، فالقي في الجب وحيدا.

قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قاسى مرارة الغربة، وفارق الأهل والأولاد والمال مهاجرا من حرم الله تعالى وأمنه، فلما رأى الله عز وجل كأبته و استشعاره الحزن أراه تبارك وتعالى اسمه رؤيا توازي رؤيا يوسف عليه السلام في تأويلها، و أبان للعالمين صدق تحقيقها، فقال: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون " ولئن كان يوسف عليه السلام حبس في السجن فلقد حبس رسول الله صلى الله عليه وآله نفسه في الشعب ثلاث سنين، وقطع منه أقاربه وذووا الرحم، وألجأوه إلى أضيق المضيق، فلقد كادهم الله عز ذكره له كيدا مستبينا إذ بعث أضعف خلقه فأكل عهدهم الذي كتبوه بينهم في قطيعة رحمه، ولئن كان يوسف عليه السلام القي في الجب فلقد حبس محمد صلى الله عليه وآله نفسه مخافة عدوه في الغار حتى قال لصاحبه: " ولا تحزن إن الله معنا " ومدحه الله بذلك في كتابه.

فقال له اليهودي: فهذا موسى بن عمران عليه السلام آتاه الله التوراة التي فيها حكمه.

قال له عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل منه، أعطي محمد

صلى الله عليه وآله سورة البقرة والمائدة بالإنجيل، وطواسين وطه ونصف المفصل والحواميم بالتوراة، وأعطي نصف المفصل والتسابيح بالزبور، وأعطي سورة بني إسرائيل وبراءة بصحف إبراهيم عليه السلام وصحف موسى عليه السلام وزاد الله عز ذكره محمدا صلى الله عليه وآله السبع الطوال، وفاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وأعطي الكتاب والحكمة.

قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام ناجاه الله عز وجل على طور سيناء.

قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك. ولقد أوحى الله عز وجل إلى محمد صلى الله عليه وآله عند سدرة المنتهى، فمقامه في السماء محمود، وعند منتهى العرش مذكور.

قال له اليهودي: فلقد ألقى الله على موسى عليه السلام محبة منه.

قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد أعطى الله محمدا صلى الله عليه وآله ما هو أفضل منه، لقد ألقى الله عز وجل عليه محبة منه، فمن هذا الذي يشركه في هذا الاسم إذ تم من الله عز وجل به الشهادة، فلا تتم الشهادة إلا أن يقال: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ينادى به على المناير، فلا يرفع صوت بذكر الله عز وجل إلا رفع بذكر محمد صلى الله عليه وآله معه.

قال له اليهودي: فلقد أوحى الله إلى أم موسى لفضل منزلة موسى عليه السلام عند الله عز وجل.

قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد لطف الله جل ثناؤه لام محمد صلى الله عليه وآله بأن أوصل إليها اسمه حتى قالت:

أشهد والعالمون أن محمدا رسول الله منتظر

وشهد الملائكة على الأنبياء أنهم أثبتوه في الاسفار، وبلطف من الله عزو جل ساقه إليها، ووصل إليها اسمه لفضل منزلته عنده حتى رأت في المنام أنه قيل لها: إن ما في بطنك سيد، فإذا ولدته فسميه محمدا، فاشتق الله له اسما من أسمائه، فالله محمود، وهذا محمد.

قال له اليهودي: فإن هذا موسى بن عمران عليه السلام قد أرسله الله إلى فرعون و أراه الآية الكبرى.

قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد أرسله إلى فراعنة شتى، مثل أبي جهل ابن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة، وأبي البختري، والنضر بن الحارث، وأبي بن خلف، ومنبه ونبيه ابني الحجاج، وإلى الخمسة المستهزئين: الوليد بن المغيرة المخزومي، و العاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب، والحارث ابن الطلاطلة، فأراهم الآيات في الآفاق وفي أنفسهم حتى تبين لهم أنه الحق.

قال له اليهودي: لقد انتقم الله لموسى عليه السلام من فرعون.

قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد انتقم الله جل اسمه لمحمد صلى الله عليه وآله من الفراعنة، فأما المستهزؤون فقد قال الله عز وجل: " إنا كفيناك المستهزئين " فقتل الله خمستهم، كل واحد منهم بغير قتلة صاحبه في يوم واحد، فأما الوليد بن المغيرة فمر بنبل لرجل من خزاعة قد راشه ووضعه في الطريق فأصابه شظية منه فانقطع أكحله حتى أدماه فمات وهو يقول: قتلني رب محمد.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.