بحارالانوار · المجلد السادس
باب 2 جوامع معجزاته صلى الله
ج ۱۷، ص ۲۸۱–۳۱۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۵
وأما العاص بن وائل فإنه خرج في حاجة له إلى موضع فتدهده تحته حجر فسقط فتقطع قطعة قطعة فمات، وهو يقول: قتلني رب محمد
وأما الأسود بن عبد يغوث فإنه خرج يستقبل ابنه زمعة فاستظل بشجرة فأتاه جبرئيل عليه السلام فأخذ رأسه فنطح به الشجرة، فقال لغلامه: امنع عني هذا، فقال: ما أرى أحدا يصنع بك شيئا إلا نفسك فقتله وهو يقول: قتلني رب محمد.
وأما الأسود بن المطلب فإن النبي صلى الله عليه وآله دعا عليه أن يعمي الله بصره، وأن يثكله ولده، فلما كان في ذلك اليوم خرج حتى صار إلى موضع فأتاه جبرئيل عليه السلام بورقة خضراء فضرب بها وجهه فعمى وبقي حتى أثكله الله ولده.
وأما الحارث بن الطلاطلة فإنه خرج من بيته في السموم فتحول حبشيا فرجع إلى أهله فقال: أنا الحارث، فغضبوا عليه فقتلوه، وهو يقول: قتلني رب محمد.
وروي أن الأسود بن الحارث أكل حوتا مالحا فأصابه العطش، فلم يزل يشرب الماء حتى انشق بطنه فمات، وهو يقول: قتلني رب محمد، كل ذلك في ساعة واحدة، وذلك أنهم كانوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا له: يا محمد ننتظر بك إلى الظهر، فإن رجعت عن قولك وإلا قتلناك، فدخل النبي صلى الله عليه وآله منزله فأغلق عليه بابه مغتما لقولهم، فأتاه جبرئيل عليه عن الله ساعته فقال له: يا محمد السلام يقرأ عليك السلام، وهو يقول: " اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين يعني أظهر أمرك لأهل مكة، وادعهم إلى الايمان.
قال: يا جبرئيل كيف أصنع بالمستهزئين وما أوعدوني؟ قال له: " إنا كفيناك المستهزئين ".
قال: يا جبرئيل كانوا الساعة بين يدي، قال: قد كفيتهم، فأظهر أمره عند ذلك، و أما بقيتهم من الفراعنة فقتلوا يوم بدر بالسيف، وهزم الله الجمع وولوا الدبر
قال له اليهودي: فإن هذا موسى بن عمران عليه السلام قد أعطي العصا، فكانت تتحول ثعبانا.
قال له عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من هذا إن رجلا كان يطالب أبا جهل بن هشام بدين ثمن جزور قد اشتراه، فاشتغل عنه وجلس يشرب، فطلبه الرجل فلم يقدر عليه، فقال له بعض المستهزئين: من تطلب؟ قال: عمرو بن هشام - يعني أبا جهل - لي عليه دين، قال: فأدلك على من يستخرج الحقوق؟ قال: نعم، فدله على النبي صلى الله عليه وآله، وكان أبو جهل يقول: ليت لمحمد إلي حاجة فأسخر به وأرده، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وآله فقال له: يا محمد بلغني أن بينك وبين عمرو بن هشام حسن، وأنا أستشفع بك إليه، فقام معه رسول الله صلى الله عليه وآله فأتى بابه فقال له: قم يا أبا جهل فأد إلى الرجل حقه، وإنما كناه أبا جهل ذلك اليوم، فقام مسرعا حتى أدى إليه حقه، فلما رجع إلى مجلسه قال له بعض أصحابه: فعلت ذلك فرقا من محمد، قال: ويحكم أعذروني، إنه لما أقبل رأيت عن يمينه رجالا بأيديهم حراب تتلألأ، وعن يساره ثعبانان تصطك أسنانهما، وتلمع النيران من أبصارهما، لو امتنعت لم آمن أن يبعجوا بالحراب بطني، ويقضمني الثعبانان، هذا أكبر مما أعطي موسى عليه السلام، ثعبان بثعبان موسى عليه السلام، وزاد الله محمدا صلى الله عليه وآله ثعبانا وثمانية أملاك معهم الحراب، ولقد كان النبي صلى الله عليه وآله يؤذي قريشا بالدعاء، فقام يوما فسفه أحلامهم، وعاب دينهم و، شتم أصنامهم، وضلل آباءهم، فاغتموا من ذلك غما شديدا، فقال أبو جهل: والله للموت خير لنا من الحياة، فليس فيكم معاشر قريش أحد يقتل محمدا صلى الله عليه وآله فيقتل به؟ فقالوا له:
لا، قال: فأنا أقتله، فإن شاءت بنو عبد المطلب قتلوني به، وإلا تركوني، قالوا: إنك
إن فعلت ذلك اصطنعت إلى أهل الوادي معروفا لا تزال تذكر به، قال: إنه كثير السجود حول الكعبة، فإذا جاء وسجد أخذت حجرا فشدخته به، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فطاف بالبيت أسبوعا ثم صلى وأطال السجود، فأخذ أبو جهل حجرا فأتاه من قبل رأسه، فلما أن قرب منه أقبل فحل من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله فاغرا فاه نحوه، فلما أن رآه أبو جهل فزع منه. وارتعدت يده، وطرح الحجر فشدخ رجله، فرجع مدمى متغير اللون يفيض عرقا، فقال له أصحابه: ما رأينا كاليوم، قال: ويحكم أعذروني، فإنه أقبل من عنده فحل فاغرا فاه فكاد يبلعني، فرميت بالحجر فشدخت رجلي.
قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد أعطى اليد البيضاء، فهل فعل بمحمد شئ من هذا؟.
قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من هذا، إن نورا كان يضئ عن يمينه حيثما جلس، وعن يساره أينما جلس، وكان يراه الناس كلهم.
قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد ضرب له في البحر طريق، فهل فعل بمحمد شئ من هذا؟.
فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من هذا، خرجنا معه إلى حنين فإذا نحن بواد يشخب فقدرناه فإذا هو أربع عشرة قامة، فقالوا:
يا رسول الله العدو من ورائنا، والوادي أمامنا، كما قال أصحاب موسى: إنا لمدكون، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: " اللهم إنك جعلت لكل مرسل دلالة، فأرني قدرتك " و ركب صلوات الله عليه وآله فعبرت الخيل لا تندى حوافرها، والإبل لا تندى أخفافها
فرجعنا فكان فتحنا.
قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد أعطي الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا.
قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله لما نزل الحديبية وحاصره أهل مكة قد أعطي أفضل من ذلك، وذلك أن أصحابه شكوا إليه الظماء وأصابهم ذلك حتى التقت خواصر الخيل، فذكروا له ذلك، فدعا بركوة يمانية، ثم نصب يده المباركة فيها فتفجرت من بين أصابعه عيون الماء، فصدرنا وصدرت الخيل رواء وملأنا كل مزادة وسقاء ولقد كنا معه بالحديبية وإذا ثم قليب جافة، فأخرج صلى الله عليه وآله سهما من كنانته فناوله البراء بن عازب فقال له: اذهب بهذا السهم إلى تلك القليب الجافة فاغرسه فيها، ففعل ذلك فتفجرت منه اثنتا عشرة عينا من تحت السهم، ولقد كان يوم الميضأة عبرة وعلامة للمنكرين لنبوته، كحجر موسى عليه السلام حيث دعا بالميضأة فنصب يده فيها، ففاضت بالماء وارتفع حتى توضأ منه ثمانية آلاف رجل؟ وشربوا حاجتهم، و سقوا دوابهم؟ وحملوا ما أرادوا.
قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد أعطي المن والسلوى، فهل فعل بمحمد نظير هذا؟.
قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من هذا، إن الله عز وجل أحل له الغنائم ولامته، ولم تحل لاحد قبله، فهذا أفضل من المن و السلوى، ثم زاده أن جعل النية له ولامته عملا صالحا، ولم يجعل لاحد من الأمم
ذلك قبله، فإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشر.
قال له اليهودي: فإن موسى عليه السلام قد ظلل عليه الغمام.
قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، وقد فعل ذلك لموسى عليه السلام في التيه، وأعطي محمد صلى الله عليه وآله أفضل من هذا، إن الغمامة كانت تظلله من يوم ولد إلى يوم قبض في حضره و أسفاره، فهذا أفضل مما أعطي موسى عليه السلام.
قال له اليهودي: فهذا داود عليه السلام قد ألان الله عز وجل له الحديد، فعمل منه الدروع.
قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد أعطي ما هو أفضل منه، إنه لين الله عز وجل له الصم الصخور الصلاب، وجعلها غارا، ولقد غارت الصخرة تحت يده ببيت المقدس لينة حتى صارت كهيئة العجين، قد رأينا ذلك والتمسناه تحت رايته.
قال له اليهودي: فإن هذا داود عليه السلام بكى على خطيئته حتى سارت الجبال معه لخوفه.
قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد أعطي ما هو أفضل من هذا، إنه كان إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره وجوفه أزيز كأزيز المرجل على الأثافي من شدة البكاء، وقد آمنه الله عز وجل من عقابه، فأراد أن يتخشع لربه ببكائه، ويكون إماما لمن اقتدى به، ولقد قام صلى الله عليه وآله عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه، واصفر وجهه، يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك فقال الله عز وجل: " طه * ما أنزلنا عليك القرآن * لتشقى " بل لتسعد به، ولقد كان يبكي حتى يغشى عليه، فقيل له: يا رسول الله أليس الله عز وجل قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: بلى، أفلا أكون عبدا شكورا، ولئن سارت الجبال وسبحت معه لقد عمل محمد صلى الله عليه وآله ما هو أفضل من هذا، إذ كنا معه على جبل
حراء إذ تحرك الجبل فقال له: قر فليس عليك إلا نبي وصديق شهيد، فقر الجبل مجيبا لامره، ومنتهيا إلى طاعته، ولقد مررنا معه بجبل وإذا الدموع تخرج من بعضه، فقال له: ما يبكيك يا جبل؟ فقال: يا رسول الله كان المسيح مر بي وهو يخوف الناس بنار وقودها الناس والحجارة، فأنا أخاف أن أكون من تلك الحجارة، قال له: لا تخف، تلك حجارة الكبريت، فقر الجبل وسكن وهدأ وأجاب لقوله.
قال له اليهودي: فإن هذا سليمان عليه السلام أعطي ملكا لا ينبغي لاحد من بعده.
فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من هذا، إنه هبط إليه ملك لم يهبط إلى الأرض قبله وهو ميكائيل.
فقال له: يا محمد عش ملكا منعما، وهذه مفاتيح خزائن الأرض معك، وتسير معك جبالها ذهبا وفضة، لا ينقص لك فيما ادخر لك في الآخرة شئ، فأومأ إلى جبرئيل عليه السلام - وكان خليله من الملائكة - فأشار إليه: إن تواضع، فقال: بل أعيش نبيا عبدا، آكل يوما، ولا آكل يومين، وألحق بإخواني من الأنبياء من قبلي، فزاده الله تعالى الكوثر، وأعطاه الشفاعة، وذلك أعظم من ملك الدنيا من أولها إلى آخرها سبعين مرة، ووعده المقام المحمود، فإذا كان يوم القيامة أقعده الله تعالى على العرش، فهذا أفضل مما أعطي سليمان بن داود عليه السلام.
قال له اليهودي: فإن هذا سليمان عليه السلام قد سخرت له الرياح فسارت به في بلاده، غدوها شهر ورواحها شهر.
فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من هذا، إنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت
السماوات مسيرة خمسين ألف عام في أقل من ثلث ليلة حتى انتهى إلى ساق العرش، فدنا بالعلم فتدلى، فدلي له من الجنة رفرف أخضر، وغشى النور بصره، فرأى عظمة ربه عز وجل بفؤاده، ولم يرها بعينه، فكان قاب قوسين بينها وبينه أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، فكان فيما أوحى إليه الآية التي في سورة البقرة قوله: " لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شئ قدير " وكانت الآية قد عرضت على الأنبياء من لدن آدم عليه السلام إلى أن بعث الله تبارك اسمه محمدا، وعرضت على الأمم فأبوا أن يقبلوها من ثقلها، وقبلها رسول الله صلى الله عليه وآله وعرضها على أمته فقبلوها، فلما رأى الله تبارك وتعالى منهم القبول علم أنهم لا يطيقونها، فلما أن صار إلى ساق العرش كرر عليه الكلام ليفهمه، فقال:
" آمن الرسول بما انزل إليه من ربه " فأجاب صلى الله عليه وآله مجيبا عنه وعن أمته فقال:
" والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله " فقال جل ذكره: لهم الجنة، والمغفرة علي إن فعلوا ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أما إذ فعلت بنا ذلك ف " غفرانك ربنا وإليك المصير " يعني المرجع في الآخرة، قال: فأجابه الله جل ثناؤه: وقد فعلت ذلك بك وبأمتك، ثم قال عز وجل: أما إذ قبلت الآية بتشديدها وعظم ما فيها وقد عرضتها على الأمم فأبوا أن يقبلوها وقبلتها أمتك فحق علي أن أرفعها عن أمتك فقال: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت " من خير " وعليها ما اكتسبت " من شر، فقال النبي صلى الله عليه وآله، لما سمع ذلك: أما إذ فعلت ذلك بي وبأمتي فزدني، قال: سل قال: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " قال الله عز وجل:
لست أؤاخذ أمتك بالنسيان والخطأ لكرامتك علي، وكانت الأمم السالفة إذا نسوا ما ذكروا به فتحت عليهم أبواب العذاب، وقد رفعت ذلك عن أمتك، وكانت الأمم السالفة إذا أخطأوا اخذوا بالخطأ وعوقبوا عليه، وقد رفعت ذلك عن أمتك لكرامتك علي
فقال النبي صلى الله عليه وآله: اللهم إذ أعطيتني ذلك فزدني، فقال الله تعالى له: سل، قال:
" ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا " يعني بالإصر الشدائد التي كانت على من كان قبلنا، فأجابه الله إلى ذلك، فقال تبارك اسمه: قد رفعت عن أمتك الآصار التي كانت على الأمم السالفة، كنت لا أقبل صلاتهم إلا في بقاع من الأرض معلومة اخترتها لهم وإن بعدت، وقد جعلت الأرض كلها لامتك مسجدا وطهورا، فهذه من الآصار التي كانت على الأمم قبلك فرفعتها عن أمتك، وكانت الأمم السالفة إذا أصابهم أذى من نجاسة قرضوها من أجسادهم، وقد جعلت الماء لامتك طهورا، فهذه من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك، وكانت الأمم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى بيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه أرسلت عليه نارا فأكلته، فرجع مسرورا، ومن لم أقبل ذلك منه رجع مثبورا، وقد جعلت قربان أمتك في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبلت ذلك منه أضعفت ذلك له أضعافا مضاعفة، ومن لم أقبل ذلك منه رفعت عنه عقوبات الدنيا، وقد رفعت ذلك عن أمتك وهي من الآصار التي كانت على من كان قبلك، وكانت الأمم السالفة صلواتها مفروضة عليها في ظلم الليل وأنصاف النهار، وهي من الشدائد التي كانت عليهم، فرفعتها عن أمتك، وفرضت عليهم صلاتهم في أطراف الليل والنهار، في أوقات نشاطهم، و كانت الأمم السالفة قد فرضت عليهم خمسين صلاة في خمسين وقتا، وهي من الآصار التي كانت عليهم، فرفعتها عن أمتك، وجعلتها خمسا في خمسة أوقات، وهي إحدى وخمسون ركعة، وجعلت لهم أجر خمسين صلاة، وكانت الأمم السالفة حسنتهم بحسنة، وسيئتهم بسيئة، وهي من الآصار التي كانت عليهم، فرفعتها عن أمتك، وجعلت الحسنة بعشرة والسيئة بواحدة، وكانت الأمم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة ثم لم يعملها لم تكتب له، وإن عملها كتبت له حسنة، وإن أمتك إذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له عشرا، وهي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك، وكانت
الأمم السالفة إذا هم أحدهم بسيئة ثم لم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيئة، وإن أمتك إذا هم أحدهم بسيئة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، وهذه من الآصار التي كانت عليهم، فرفعت ذلك عن أمتك، وكانت الأمم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، وجعلت توبتهم من الذنوب أن حرمت عليهم بعد التوبة أحب الطعام إليهم وقد رفعت ذلك عن أمتك، وجعلت ذنوبهم فيما بيني وبينهم، وجعلت عليهم ستورا كثيفة، و قبلت توبتهم بلا عقوبة، ولا أعاقبهم بأن أحرم عليهم أحب الطعام إليهم، وكانت الأمم السالفة يتوب أحدهم من الذنب الواحد مأة سنة أو ثمانين سنة أو خمسين سنة ثم لا أقبل توبته دون أن أعاقبه في الدنيا بعقوبة، وهي من الآصار التي كانت عليهم، فرفعتها عن أمتك وإن الرجل من أمتك ليذنب عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو أربعين سنة أو مأة سنة ثم يتوب ويندم طرفة عين فأغفر له ذلك كله.
فقال النبي صلى الله عليه وآله: اللهم إذ أعطيتني ذلك كله فزدني، قال: سل، قال: " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " قال تبارك اسمه: قد فعلت ذلك بأمتك، وقد رفعت عنهم عظم بلايا الأمم، وذلك حكمي في جميع الأمم أن لا أكلف خلقا فوق طاقتهم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا " قال الله عز وجل: قد فعلت ذلك بتائبي أمتك، ثم قال صلى الله عليه وآله: " فانصرنا على القوم الكافرين " قال الله عز اسمه: إن أمتك في الأرض كالشامة البيضاء في الثور الأسود، هم القادرون، وهم القاهرون، يستخدمون ولا يستخدمون لكرامتك علي، وحق علي أن اظهر دينك على الأديان حتى لا يبقى في شرق الأرض وغربها دين إلا دينك، أو يؤدون إلى أهل دينك الجزية.
قال له اليهودي: فإن هذا سليمان عليه السلام سخرت له الشياطين، يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل.
قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ولقد أعطي محمد صلى الله عليه وآله أفضل من هذا، إن الشياطين سخرت لسليمان عليه السلام وهي مقيمة على كفرها، وقد سخرت لنبوة محمد صلى الله عليه وآله الشياطين بالايمان، فأقبل إليه الجن التسعة من أشرافهم من جن نصيبين واليمن من بني عمرو بن عامر من الا حجة، منهم شضاه، ومضاه، والهملكان، والمرزبان، و المازمان، ونضاه، وهاصب، وهاضب، وعمرو، وهم الذين يقول الله تبارك اسمه فيهم: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن " وهم التسعة " يستمعون القرآن " فأقبل إليه الجن والنبي صلى الله عليه وآله ببطن النخل، فاعتذروا بأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا، ولقد أقبل إليه أحد وسبعون ألفا منهم فبايعوه على الصوم والصلاة والزكاة والحج والجهاد ونصح المسلمين فاعتذروا بأنهم قالوا على الله شططا، وهذا أفضل مما أعطي سليمان عليه السلام، سبحان من سخرها لنبوة محمد صلى الله عليه وآله بعد أن كانت تتمرد وتزعم أن لله ولدا، فلقد شمل مبعثه من الجن والإنس ما لا يحصى.
قال له اليهودي: فهذا يحيى بن زكريا عليه السلام يقال: إنه أوتي الحكم صبيا، و الحلم والفهم، وإنه كان يبكي من غير ذنب، وكان يواصل الصوم .
قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من هذا، إن يحيى بن زكريا، كان في عصر لا أوثان فيه ولا جاهلية، ومحمد صلى الله عليه وآله أوتي الحكم والفهم صبيا بين عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، ولم يرغب لهم في صنم قط، ولم ينشط لأعيادهم ولم ير منه كذب قط صلى الله عليه وآله
وكان أمينا صدوقا حليما، وكان يواصل صوم الأسبوع والأقل والأكثر، فيقال له في ذلك فيقول: " إني لست كأحدكم إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني " وكان يبكي صلى الله عليه وآله حتى يبتل مصلاه، خشية من الله عز وجل من غير جرم.
قال له اليهودي: فإن هذا عيسى بن مريم عليه السلام يزعمون أنه تكلم في المهد صبيا.
قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله سقط من بطن أمه واضعا يده اليسرى على الأرض، ورافعا يده اليمنى إلى السماء، يحرك شفتيه بالتوحيد، وبدا من فيه نور رأى أهل مكة منه قصور بصرى من الشام وما يليها، والقصور الحمر من أرض اليمن وما يليها، والقصور البيض من إصطخر وما يليها، ولقد أضاءت الدنيا ليلة ولد النبي صلى الله عليه وآله حتى فزعت الجن والإنس والشياطين، وقالوا: حدث في الأرض حدث، ولقد رئيت الملائكة ليلة ولد تصعد وتنزل وتسبح وتقدس، وتضطرب النجوم وتتساقط، علامة لميلاده، ولقد هم إبليس بالظعن في السماء لما رأى من الأعاجيب في تلك الليلة، وكان له مقعد في السماء الثالثة، والشياطين يسترقون السمع، فلما رأوا الأعاجيب أرادوا أن يسترقوا السمع فإذا هم قد حجبوا من السماوات كلها، ورموا بالشهب دلالة لنبوته صلى الله عليه وآله.
قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه قد أبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله عز وجل.
فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أبرأ ذا العاهة من عاهته، فبينما هو جالس صلى الله عليه وآله إذ سأل عن رجل من أصحابه، فقالوا: يا رسول الله أنه قد صار من البلاء كهيئة الفرخ لا ريش عليه، فأتاه صلى الله عليه وآله فإذا هو كهيئة الفرخ من شدة البلاء، فقال:
قد كنت تدعو في صحتك دعاء؟ قال: نعم، كنت، أقول: يا رب أيما عقوبة أنت معاقبي
بها في الآخرة فعجلها لي في الدنيا.
فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ألا قلت: " اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " فقالها فكأنما نشط من عقال، وقام صحيحا وخرج معنا، ولقد أتاه رجل من جهينة أجذم يتقطع من الجذام، فشكا إليه صلى الله عليه وآله فأخذ قدحا من ماء فتفل فيه، ثم قال: امسح به جسدك، ففعل فبرئ حتى لم يوجد فيه شئ، ولقد أتى العربي أبرص فتفل من فيه عليه فما قام من عنده إلا صحيحا، ولئن زعمت أن عيسى عليه السلام أبرأ ذوي العاهات من عاهاتهم فإن محمدا صلى الله عليه وآله بينما هو في بعض أصحابه إذا هو بامرأة فقالت: يا رسول الله إن ابني قد أشرف على حياض الموت، كلما أتيته بطعام وقع عليه التثاؤب، فقام النبي صلى الله عليه وآله وقمنا معه، فلما أتيناه قال له: جانب يا عدو الله ولي الله فأنا رسول الله، فجانبه الشيطان فقام صحيحا وهو معنا في عسكرنا، ولئن زعمت أن عيسى عليه السلام أبرأ العميان فإن محمدا صلى الله عليه وآله قد فعل ما هو أكثر من ذلك، إن قتادة بن ربعي كان رجلا صبيحا، فلما أن كان يوم أحد أصابته طعنة في عينه، فبدرت حدقته فأخذها بيده، ثم أتى بها النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن امرأتي الآن تبغضني، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله من يده، ثم وضعها مكانها، فلم تكن تعرف إلا بفضل حسنها، وفضل ضوئها على العين الأخرى.
ولقد جرح عبد الله ابن عتيك وبانت يده يوم ابن أبي الحقيق، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله ليلا، فمسح عليه يده، فلم تكن تعرف من اليد الأخرى.
ولقد أصاب محمد بن مسلمة يوم كعب بن الأشرف مثل ذلك في عينه ويده، فمسحه رسول الله صلى الله عليه وآله فلم نستبينا.
ولقد أصاب عبد الله بن أنيس مثل ذلك في عينه فمسحها فما عرفت من الأخرى، فهذه كلها دلالة لنبوته صلى الله عليه وآله.
قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه قد أحيى الموتى بإذن الله.
قال له علي عليه السلام: لقد كان ذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله سبحت في يده تسع حصيات، تسمع نغماتها في جمودها ولا روح فيها، لتمام حجة نبوته، ولقد كلمته الموتى من بعد موتهم، واستغاثوه مما خافوا من تبعته، ولقد صلى بأصحابه ذات يوم فقال: ما ههنا من بني النجار أحد وصاحبهم محتبس على باب الجنة بثلاثة دراهم لفلان اليهودي، وكان شهيدا.
ولئن زعمت أن عيسى عليه السلام كلم الموتى فلقد كان لمحمد صلى الله عليه وآله ما هو أعجب من هذا، إن النبي صلى الله عليه وآله لما نزل بالطائف وحاصر أهلها بعثوا إليه بشاة مسلوخة مطلية بسم، فنطق الذراع منها، فقالت: يا رسول الله لا تأكلني فإني مسمومة، فلو كلمته البهيمة وهي حية لكانت من أعظم حجج الله عز ذكره على المنكرين لنبوته، فكيف وقد كلمته من بعد ذبح وسلخ وشي ولقد كان صلى الله عليه وآله يدعو بالشجرة فتجيبه، وتكلمه البهيمة وتكلمه السباع، وتشهد له بالنبوة، وتحذرهم عصيانه، فهذا أكثر مما أعطي عيسى عليه السلام.
قال له اليهودي: إن عيسى يزعمون أنه أنبأ قومه بما يأكلون، وما يدخرون في بيوتهم.
قال له علي عليه السلام لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله فعل ما هو أكثر من هذا، إن
عيسى عليه السلام أنبأ قومه بما كان من وراء حائط، ومحمد أنبأ عن مؤتة وهو عنها غائب ووصف حربهم ومن استشهد منهم، وبينه وبينهم مسيرة شهر.
وكان يأتيه الرجل يريد أن يسأله عن شئ فيقول صلى الله عليه وآله: تقول أو أقول ؟ فيقول: بل قل يا رسول الله، فيقول: جئتني في كذا وكذا حتى يفرغ من حاجته.
ولقد كان صلى الله عليه وآله يخبر أهل مكة بأسرارهم بمكة حتى لا يترك من أسرارهم شيئا منها ما كان بين صفوان بن أمية وبين عمير بن وهب، إذ أتاه عمير فقال: جئت في فكاك ابني، فقال له: كذبت، بل قلت لصفوان وقد اجتمعتم في الحطيم، وذكرتم قتلى بدر: والله للموت خير لنا من البقاء مع ما صنع محمد بنا، وهل حياة بعد أهل القليب؟ فقلت أنت لولا عيالي ودين علي لأرحتك من محمد، فقال صفوان: علي أن أقضي دينك، وأن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما يصيبهن من خير أو شر، فقلت أنت: فاكتمها علي، وجهزني حتى أذهب فأقتله، فجئت لتقتلني، فقال: صدقت يا رسول الله، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأشباه هذا مما لا يحصى.
قال له اليهودي: فإن عيسى يزعمون أنه خلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله عز وجل.
فقال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله قد فعل ما هو شبيه بهذا إذ أخذ يوم حنين حجرا فسمعنا للحجر تسبيحا وتقديسا، ثم قال للحجر: انفلق فانفلق ثلاث فلق، نسمع لكل فلقة منها تسبيحا لا يسمع للأخرى.
ولقد بعث إلى شجرة يوم البطحاء فأجابته، ولكل غصن منها تسبيح وتهليل وتقديس
ثم قال لها: انشقي فانشقت نصفين، ثم قال لها: التزقي، فالتزقت، ثم قال لها:
اشهدي لي بالنبوة، فشهدت، ثم قال لها: ارجعي إلى مكانك بالتسبيح والتهليل والتقديس ففعلت، وكان موضعها بجنب الجزارين بمكة.
قال له اليهودي: فإن عيسى عليه السلام يزعمون أنه كان سياحا.
قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله، كانت سياحته في الجهاد، واستنفر في عشر سنين ما لا يحصى من حاضر وباد، وأفنى فئاما من العرب من منعوت بالسيف، لا يداري بالكلام، ولا ينام إلا عن دم، ولا يسافر إلا وهو متجهز لقتال عدوه.
وقال له اليهودي: فإن عيسى عليه السلام: يزعمون أنه كان زاهدا.
قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه وآله أزهد الأنبياء عليهم السلام كان له ثلاث عشرة زوجة سوى من يطيف به من الإماء، ما رفعت له مائدة قط وعليها طعام، وما أكل خبز بر قط، ولا شبع من خبز شعير ثلاث ليال متواليات قط، توفي صلى الله عليه وآله ودرعه مرهونة عند يهودي بأربعة دراهم، ما ترك صفراء ولا بيضاء، مع ما وطئ له من البلاد *، ومكن له من غنائم العباد، ولقد كان يقسم في اليوم الواحد ثلاث مأة ألف، وأربعمأة ألف ويأتيه السائل بالعشي فيقول: والذي بعث محمدا بالحق ما أمسى في آل محمد صاع من شعير ولا صاع من بر، ولا درهم ولا دينار.
وقال له اليهودي: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وأشهد أنه ما أعطى الله نبيا درجة ولا مرسلا فضيلة إلا وقد جمعها لمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله وزاد محمدا صلى الله عليه وآله على الأنبياء صلوات الله عليهم أضعاف درجات.
فقال ابن عباس لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أشهد يا أبا الحسن أنك من الراسخين في العلم، فقال: ويحك ومالي لا أقول ما قلت في نفس من استعظمه الله عز وجل في عظمته جلت فقال: " وإنك لعلى خلق عظيم ".
بيان: أقول: قد مضى الخبر بشرحه في المجلد الرابع، وإنما أعدناه لكونه أنسب بهذا المجلد، والله المؤيد، 8 - الخرائج: روي أن جارية يقال لها: زائدة كانت تأتي رسول الله صلى الله عليه وآله كثيرا، فأتته ليلة وقالت: عجنت عجينا لأهلي، فخرجت أحتطب فرأيت فارسا لم أر أحسن منه، فقال لي: كيف محمد؟ قلت: بخير، ينذر الناس بأيام الله، فقال: إذا أتيت محمدا فاقرئيه السلام وقولي له: رضوان خازن الجنة يقول: إن الله قسم الجنة لامتك أثلاثا فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث تشفع لهم فتشفع فيهم، قالت: فمضى، فأخذت الحطب أحمله فثقل علي فالتفت ونظر إلي وقال: ثقل عليك حطبك؟ فقلت: نعم، فأخذ قضيبا أحمر كان في يده فغمز الحطب ثم نظر فإذا هو بصخرة ثابتة فقال: أيتها الصخرة احمل الحطب معها، فقالت: يا رسول الله خف عني وقري فإني رأيتها تذكرك حتى رجعت، فألقت الحطب وانصرفت.
9 - الخرائج: روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله انتهى إلى رجل قد فوق سهما ليرمي بعض المشركين فوضع صلى الله عليه وآله يده فوق السهم وقال: ارمه، فرمى ذلك المشرك به، فهرب المشرك من السهم وجعل يروغ من السهم يمنة ويسرة، والسهم يتبعه حيثما راغ حتى
سقط السهم في رأسه، فسقط المشرك ميتا، فأنزل الله: " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ".
بيان: يروغ، أي يميل ويحيد.
10 - الخرائج: كان لكل عضو من أعضاء النبي صلى الله عليه وآله معجزة، فمعجزة رأسه أن الغمامة ظلت على رأسه، ومعجزة عينيه أنه كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه، ومعجزة أذنيه هي أنه كان يسمع الأصوات في النوم كما يسمع في اليقظة، ومعجزة لسانه أنه قال للظبي: من أنا؟ قال: أنت رسول الله، ومعجزة يده أنه أخرج من بين أصابعه الماء، ومعجزة رجليه أنه كان لجابر بئر ماؤها زعاق، فشكا إلى النبي صلى الله عليه وآله فغسل رجليه في طشت وأمر بإهراق ذلك الماء فيها، فصار ماؤها عذبا، ومعجزة عورته أنه ولد مختونا، ومعجزة بدنه أنه لم يقع ظله على الأرض، لأنه كان نورا، ولا يكون من النور الظل كالسراج، ومعجزة ظهره ختم النبوة، كان على كتفه مكتوبا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
11 - مناقب ابن شهرآشوب: من أوضح الدلالات على نبوته صلى الله عليه وآله استيقان كافتهم بحدوده، وتمكن موجباتها في غوامض صدورهم، حتى أنهم يشتمون بالفسوق من خرج عن حد من حدوده وبالجهل من لم يعرفه، وبالكفر من أعرض عنه، ويقيمون الحدود، ويحكمون بالقتل والضرب والأسر لمن خرج عن شريعته، ويتبرء الأقارب بعضهم من بعض في محبته، وإنه صلى الله عليه وآله بقي في نبوته نيفا وعشرين سنة بين ظهراني قوم ما يملك من الأرض إلا جزيرة العرب فاتسقت دعوته برا وبحرا منذ خمسمأة وسبعين سنة، مقرونا باسم
ربه، ينادى بأقصى الصين والهند والترك والخزر والصقالبة والشرق والغرب والجنوب والشمال في كل يوم خمس مرات بالشهادتين بأعلى صوت بلا اجرة، وخضعت الجبابرة لها، ولا تبقى لملك نوبته بعد موته، وعلى ذلك فسر الحسن ومجاهد قوله تعالى: " ورفعنا لك ذكرك ": ما يقول المؤذنون على المنائر، والخطباء على المنابر.
قال الشاعر:
وضم الاله اسم النبي إلى اسمه * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد ومن تمام قوته أنها تجذب العالم من أدنى الأرض وأقصى أطرافها في كل عام إلى الحج، حتى تخرج العذراء من خدرها، والعجوز في ضعفها، ومن حضرته وفاته يوصي بأدائها، وقد نرى الصائم في شهر رمضان يتلهب عطشا حتى يخوض الماء إلى حلقه، ولا يستطيع أن يجرع منه جرعة، وكل يوم خمس مرات يسجدون خوفا وتضرعا وكذلك أكثر الشرائع، وقد تحزب الناس في محبته حتى يقول كل واحد: أنا على الحق، وأنت لست على دينه.
12 - مناقب ابن شهرآشوب: صيد سمكة فوجد على إحدى اذنيها لا إله إلا الله، وعلى الأخرى محمد رسول الله كتاب شرف المصطفى إنه اتي بسخلة منقشة، فنظرت إلى بياض شحمة اذنيها فإذا في إحداهما لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
وقال أعرابي للنبي صلى الله عليه وآله: يا محمد إنني كنت وأخ لي خلف هذا الجبل نحتطب حطبا، فرأينا الجموع قد زحف بعضها إلى بعض، فقلت لأخي: اقعد حتى ننظر لمن تكون الغلبة، وعلى من تدور الدائرة، فإذا قد كشف الله عن أبصارنا فرأينا خيولا قد نزلت من السماء إلى الأرض، أرجلها في الأرض، وأعناقها في السماء، وعليها قوم
جبارون، ومعهم ألوية قد سدت ما بين الخافقين، فأما أخي فإنه انشقت مرارته فمات من وقته وساعته، وأما أنا فقد جئتك، ثم أسلم.
ومثل الملائكة: الذين ظهروا على الخيل البلق بالثياب البيض يوم بدر تقدمهم جبرئيل على فرس يقال لها: حيزوم.
أنس: إن النبي صلى الله عليه وآله سمع صوتا من قلة جبل: " اللهم اجعلني من الأمة المرحومة المغفورة " فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا بشيخ أشيب، قامته ثلاثمأة ذراع، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله عانقه ثم قال: إنني آكل في كل سنة مرة واحدة، وهذا أوانه فإذا هو بمائدة انزل من السماء فأكلا، وكان الياس عليه السلام.
بيان: الأشيب: المبيض الرأس.
13 - مناقب ابن شهرآشوب: كان للنبي صلى الله عليه وآله من المعجزات ما لم يكن لغيره من الأنبياء، وذكر أن له أربعة آلاف وأربعمأة وأربعون معجزة، ذكرت منها ثلاثة آلاف، تتنوع أربعة أنواع: ما كان قبله، وبعد ميلاده، وبعد بعثه، وبعد وفاته، وأقواها وأبقاها القرآن لوجوه:
أحدها: أن معجزة كل رسول موافق للأغلب من أحوال عصره، كما بعث الله موسى عليه السلام: في عصر السحرة بالعصا، فإذا هي تلقف، وفلق البحر يبسا، وقلب العصا حية فأبهر كل ساحر، وأذل كل كافر، وقوم عيسى عليه السلام أطباء، فبعثه الله بإبراء الزمني، وإحياء الموتى بما دهش كل طبيب، وأذهل كل لبيب، وقوم محمد صلى الله عليه وآله فصحاء فبعثه الله بالقرآن في إيجازه وإعجازه بما عجز عنه الفصحاء، وأذعن له البلغاء، وتبلد فيه الشعراء ليكون العجز عنه أقهر، والتقصير فيه أظهر.
والثاني: أن المعجز في كل قوم بحسب أفهامهم، على قدر عقولهم وأذهانهم، وكان في بني إسرائيل من قوم موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام بلادة وغباوة، لأنه لم ينقل عنهم من
كلام جزل أو معنى بكر، وقالوا لنبيهم حين مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم:
اجعل لنا إلبا، والعرب أصح الناس أفهاما، وأحدهم أذهانا، فخصوا بالقرآن بما يدركونه بالفطنة دون البديهة لتخص كل أمة بما يشاكل طبعها.
والثالث: أن معجز القرآن أبقى على الاعصار، وأنشر في الأقطار، وما دام إعجازه فهو أحج، وبالاختصاص أحق، فانتشر ذلك بعده في أقطار العالم شرقا وغربا، قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر، وقد انقرض القوم وهذه سنة سبعين وخمسمأة من مبعثه، فلم يقدر أحد على معارضته.
14 - تفسير الإمام العسكري: قال محمد بن علي الباقر عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة وظهرت آثار صدقه وآيات حقه وبينات نبوته كادته اليهود أشد كيد، وقصدوه أقبح قصد، يقصدون أنواره ليطمسوها، وحججه ليبطلوها، وكان ممن قصده للرد عليه وتكذيبه مالك ابن الصيف، وكعب بن الأشرف، وحي بن أخطب، وجدي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب، وأبو لبابة بن عبد المنذر وشعبة، فقال مالك لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا محمد تزعم أنك رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كذلك قال الله خالق الخلق أجمعين، قال: يا محمد لن نؤمن أنك رسول الله حتى يؤمن لك هذا البساط الذي تحتنا، ولن نشهد أنك عن الله جئتنا حتى يشهد لك هذا البساط، وقال أبو لبابة بن عبد المنذر: لن نؤمن لك يا محمد أنك رسوله، ولا نشهد لك به حتى يؤمن ويشهد لك هذا السوط الذي في يدي، وقال كعب بن الأشرف. لن نؤمن لك أنك رسول الله، ولن نصدقك حتى يؤمن لك هذا الحمار، وأشار لحماره الذي كان راكبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه ليس للعباد
الاقتراح على الله، بل عليهم التسليم لله، والانقياد لامره، والاكتفاء بما جعله كافيا، أما كفاكم أن أنطق التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم بنبوتي ودل على صدقي، وتبين لكم فيها ذكر أخي ووصيي، وخليفتي في أمتي، وخير من أتركه على الخلائق بعدي: علي بن أبي طالب، فأنزل علي هذا القرآن الباهر للخلق أجمعين، المعجز لهم عن أن يأتوا بمثله، وأن يتكلفوا شبهه، فأما هذا الذي اقترحتموه فلست أقترحه على ربي عز وجل، بل أقول: إن ما أعطانيه ربي من دلالة هو حسبي وحسبكم، فإن فعل عز وجل ما اقترحتموه فذاك زائد في تطوله علينا وعليكم، وإن منعنا ذلك فلعلمه بأن الذي فعله كاف فيما أراده منا.
فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من كلامه هذا أنطق الله البساط فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا صمدا قيوما أبدا لم يتخذ صاحبه ولا ولدا، ولم يشرك في حكمه أحدا، وأشهد أنك يا محمد عبده ورسوله، أرسلك بالهدى ودين الحق ليظهرك على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف أخوك ووصيك وخليفتك في أمتك، وخير من تتركه على الخلائق بعدك، وأن من والاه فقد والاك، ومن عاداه فقد عاداك، ومن أطاعه فقد أطاعك، ومن عصاه فقد عصاك، وأن من أطاعك فقد أطاع الله، واستحق السعادة برضوانه، وأن من عصاك فقد عصى الله، واستحق أليم العذاب بنيرانه.
قال: فعجب القوم فقال بعضهم لبعض: ما هذا إلا سحر مبين، فاضطرب البساط وارتفع، ونكس مالك بن الصيف وأصحابه حتى وقعوا على رؤوسهم ووجوههم، ثم أنطق الله تعالى
البساط ثانيا فقال: أنا بساط أنطقني الله، وأكرمني بالنطق بتوحيده وتمجيده، والشهادة لمحمد نبيه، وأنه سيد الأنبياء، ورسوله إلى خلقه والقائم بين عباد الله بحقه، وإمامة أخيه ووصيه ووزيره وشقيقه وخليله وقاضي ديونه، ومنجز عداته، وناصر أوليائه، وقامع أعدائه، والانقياد لمن نصبه إماما ووليا، والبراءة ممن اتخذه منابذا وعدوا، فما ينبغي لكافر أن يطأني، ولا يجلس علي، إنما يجلس علي المؤمنون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار، قوموا فاجلسوا عليه، فإنكم بجميع ما شهد به هذا البساط لمؤمنون فجلسوا.
ثم أنطق الله سوط أبي لبابة بن عبد المنذر فقال: أشهد أن لا إله إلا الله خالق الخلق، وباسط الرزق، ومدبر الأمور، والقادر على كل شئ، وأشهد أنك يا محمد عبده ورسوله وصفيه وخليله، وحبيبه ووليه ونجيه، جعلك السفير بينه وبين عباده، لينجي بك السعداء ويهلك بك الأشقياء، وأشهد أن علي بن أبي طالب المذكور في الملا الاعلى بأنه سيد الخلق بعدك، وأنه المقاتل على تنزيل كتابك ليسوق مخالفيه إلى قبوله طائعين وكارهين، ثم المقاتل بعده على تأويله المنحرفين الذين غلبت أهواؤهم عقولهم فحرفوا تأويل كتاب الله وغيروه، والسابق إلى رضوان الله أولياء الله بفضل عطيته، والقاذف في نيران الله أعداء الله بسيف نقمته والمؤثرين لمعصيته ومخالفته، قال: ثم انجذب السوط من يد أبي لبابة، وجذب أبا لبابة فخر لوجهه، ثم قام بعد فجذبه السوط فخر لوجهه
ثم لم يزل كذلك مرارا حتى قال أبو لبابة: ويلي مالي؟ فأنطق الله عز وجل السوط فقال: يا بالبابة إني سوط قد أنطقني الله بتوحيده، وأكرمني بتحميده، وشرفني بتصديق نبوة محمد سيد عبيده، وجعلني ممن يوالي خير خلق الله بعده، وأفضل أولياء الله من الخلق حاشاه، والمخصوص بابنته سيدة النسوان، المشرف بيتوتته على فراشه أفضل الجهاد، والمذل لأعدائه بسيف الانتقام، والباين في أمته بعلوم الحلال والحرام والشرائع والأحكام ، لا ينبغي لكافر مجاهر بالخلاف على محمد أن يبتذلني ويستعملني، لا أزال أجذبك حتى أثخنك، ثم أقتلك وأزول عن يدك، أو تظهر الايمان بمحمد صلى الله عليه وآله، فقال أبو لبابة: فأشهد بجميع ما شهدت به أيها السوط وأعتقده، وأؤمن به، فنطق السوط: ها، لذا قد تقررت في يدك، لاظهارك الايمان، والله أعلم بسريرتك، وهو الحاكم لك أو عليك في يوم الوقت المعلوم.
قال عليه السلام: ولم بحسن إسلامه، وكانت منه هنات وهنات، فقام القوم من عند رسول الله صلى الله عليه وآله فجعلت اليهود يسر بعضها إلى بعض بأن محمدا لمؤتى له ومبخوت في أمره، وليس بنبي صادق، وجاء كعب بن الأشرف يركب حماره فشب به
الحمار وصرعه على رأسه فأوجعه، ثم عاد ليركبه فعاد إليه الحمار بمثل صنيعه، ثم عاد ليركبه فعاد عليه الحمار بمثل صنيعه، فلما كان في السابعة أو الثامنة أنطق الله تعالى الحمار فقال: يا عبد الله بئس العبد أنت، شاهدت آيات الله وكفرت بها، أنا حمار قد أكرمني الله بتوحيده، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالق الأنام ذو الجلال والاكرام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سيد أهل دار السلام، مبعوث لاسعاد من سبق علم الله له بالسعادة، وإشقاء من سبق الكتاب عليه بالشقاوة، وأشهد أن بعلي ابن أبي طالب وليه ووصي رسوله، يسعد الله من يسعد إذا وفقه لقبول موعظته، والتأدب بأدبه، والايتمار بأوامره، والانزجار بزواجره، وأن الله تعالى بسيوف سطوته وصولات نقمته يكبت ويخزي أعداء محمد حتى يسوقهم بسيفه الباتر، ودليله الواضح الباهر إلى الايمان به، أو يقذفه في الهاوية إذا أبى إلا تماديا في غيه، وامتدادا في طغيانه وعمهه، ما ينبغي لكافر أن يركبني، بل لا يركبني إلا مؤمن بالله، مصدق بمحمد رسول الله في أقواله، متصوب له في جميع أفعاله، وفي فعل أشرف الطاعات في نصبه أخاه عليا وصيا ووليا، ولعلمه وارثا، وبدينه قيما، وعلى أمته مهيمنا، ولديونه قاضيا، ولعداته منجزا، ولأوليائه مواليا، ولأعدائه معاديا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا
كعب بن أشرف حمارك أعقل منك، قد أبى أن تركبه، فلن تركبه أبدا، فبعه من بعض إخواننا المؤمنين، فقال كعب: فلا حاجة لي فيه بعد أن ضرب بسحرك، فناداه حماره:
يا عدو الله كف عن تجهم محمد رسول الله، والله لولا كراهية مخالفته لقتلتك، ووطيتك بحوافري، ولقطعت رأسك بأسناني، فخزي وسكت، واشتد جزعه مما سمع من الحمار، ومع ذلك غلب عليه الشقاء واشترى الحمار منه ثابت بن قيس بمأة درهم، وكان يركبه ويجئ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو تحته هين لين ذليل كريم، يقيه المتالف، ويرفق به في المسالك، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له: يا ثابت هذا لك وأنت مؤمن مرتفق بمرتفقين فلما انصرف القوم من عند رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يؤمنوا أنزل الله يا محمد:
" إن الذين كفروا سواء عليهم " في العظة " أأنذرتهم " فوعظتهم وخوفتهم " أم لم تنذرهم لا يؤمنون " لا يصدقون بنبوتك، وهم قد شاهدوا هذه الآيات وكفروا، فكيف يؤمنون بك عند قولك ودعائك.
بيان: يقال: أثخنته الجراحة، أي أوهنته، قاله الجوهري، وقال: في فلان هنات أي خصال شر، وقال: الشباب: نشاط الفرس ورفع يديه جميعا، تقول: شب الفرس يشب ويشب شبابا وشبيبا: إذا قمص ولعب. انتهى. وتجهمه: استقبله بوجه كريه.
14 - تفسير الإمام العسكري: قال الإمام الحسن عليه السلام: قلت لأبي علي بن محمد عليه السلام: كيف كانت
الاخبار في هذه الآيات التي ظهرت على رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة والمدينة؟ فقال: يا بني استأنف لها النهار، فلما كان من غد قال: يا بني أما الغمامة فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسافر إلى الشام مضاربا لخديجة بنت خويلد، وكان من مكة إلى بيت المقدس مسيرة شهر، فكانوا في حمارة القيظ يصيبهم حر تلك البوادي، وربما عصفت عليهم فيها الرياح، وسفت عليهم الرمال والتراب، وكان الله تعالى في تلك الأحوال يبعث لرسول الله صلى الله عليه وآله غمامة تظله فوق رأسه، تقف بوقوفه، وتزول بزواله، إن تقدم تقدمت، وإن تأخر تأخرت، وإن تيامن تيامنت، وإن تياسر تياسرت، فكانت تكف عنه حر الشمس من فوقه وكانت تلك الرياح المثيرة لتلك الرمال والتراب تسفيها في وجوه قريش ورواحلها، حتى إذا دنت من محمد صلى الله عليه وآله هدأت وسكنت، ولم تحمل شيئا من رمل ولا تراب، وهبت عليه ريح باردة لينة، حتى كانت قوافل قريش يقول قائلها: جوار محمد أفضل من خيمة، فكانوا يلوذون به، ويتقربون إليه، فكان الروح يصيبهم بقربه، وإن كانت الغمامة مقصورة عليه وكان إذا اختلط بتلك القوافل غرباء فإذا الغمامة تسير بعيدا منهم قالوا: إلى من قرنت هذه الغمامة فقد شرف وكرم، فتخاطبهم أهل القافلة: انظروا إلى الغمامة تجدوا عليها اسم صاحبها، واسم صاحبه وصفيه وشقيقه، فينظرون فيجدون مكتوبا عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي سيد الوصيين، وشرفته بآله الموالين له ولعلي وأوليائهما والمعادين لأعدائهما، فيقرأ ذلك ويفهمه من يحسن أن يكتب، ويقرء من لا يحسن ذلك.
قال علي بن محمد عليه السلام: وأما تسليم الجبال والصخور والأحجار عليه فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لما ترك التجارة إلى الشام، وتصدق بكل ما رزقه الله تعالى من تلك التجارات كان يغدو كل يوم إلى حرا يصعده وينظر من قلله إلى آثار رحمة الله، وأنواع عجائب رحمته، وبدائع حكمته، وينظر إلى أكناف السماء وأقطار الأرض والبحار والمفاوز والفيافي، فيعتبر بتلك الآثار، ويتذكر بتلك الآيات، ويعبد الله حق عبادته، فلما استكمل أربعين سنة ونظر الله عز وجل إلى قلبه فوجده أفضل القلوب وأجلها وأطوعها وأخشعها وأخضعها أذن لأبواب السماء ففتحت، ومحمد ينظر إليها، وأذن للملائكة فنزلوا ومحمد ينظر إليهم، وأمر بالرحمة فأنزلت عليه من لدن ساق العرش إلى رأس محمد وغمرته، ونظر إلى جبرئيل، الروح الأمين، المطوق بالنور، طاووس الملائكة هبط إليه، وأخذ بضبعه وهزه وقال يا محمد: اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: يا محمد " اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم " ثم أوحى إليه ما أوحى إليه ربه عز وجل، ثم صعد إلى علو، ونزل محمد صلى الله عليه وآله من الجبل وقد غشيه من تعظيم جلال الله، وورد عليه من كبير شأنه ما ركبه الحمى والنافض، وقد اشتد عليه ما يخافه من تكذيب قريش في خبره، ونسبهم إياه إلى الجنون، وأنه يعتريه شياطين، وكان من أول أمره أعقل خلق الله، وأكرم براياه وأبغض الأشياء إليه الشيطان وأفعال المجانين وأقوالهم، فأراد الله عز وجل، أن يشرح
صدره، ويشجع قلبه فأنطق، الجبال والصخور والمدر، وكلما وصل إلى شئ منها ناداه:
السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا ولي الله، السلام عليك يا رسول الله، أبشر فإن الله عز وجل قد فضلك وجملك وزينك وأكرمك فوق الخلائق أجمعين من الأولين والآخرين، لا يحزنك أن تقول قريش: إنك مجنون، وعن الدين مفتون، فإن الفاضل من فضله رب العالمين، والكريم من كرمه خالق الخلق أجمعين، فلا يضيقن صدرك من تكذيب قريش وعتاة العرب لك، فسوف يبلغك ربك أقصى منتهى الكرامات، ويرفعك إلى أرفع الدرجات وسوف ينعم ويفرح أولياءك بوصيك علي بن أبي طالب، وسوف يبث علومك في العباد والبلاد، بمفتاحك وباب مدينة حكمتك علي بن أبي طالب، وسوف يقر عينك ببنتك فاطمة، وسوف يخرج منها ومن علي الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وسوف ينشر في البلاد دينك، وسوف يعظم أجود المحبين لك ولأخيك، وسوف يضع في يدك لواء الحمد، فتضعه في يد أخيك علي، فيكون تحته كل نبي وصديق وشهيد، يكون قائدهم أجمعين إلى جنات النعيم، فقلت في سري: يا رب من علي بن أبي طالب الذي وعدتني به؟ - وذلك بعد ما ولد على وهو طفل - أو هو ولد عمى؟ وقال بعد ذلك لما تحرك على قليلا وهو معه: أهو هذا؟ ففي كل مرة من ذلك انزل عليه ميزان الجلال، فجعل محمد في كفة منه ومثل له علي عليه السلام وسائر الخلق من أمته إلى يوم القيامة في كفة فوزن بهم فرجح، ثم اخرج محمد من الكفة وترك علي في كفة محمد التي كان فيها، فوزن بسائر أمته فرجح بهم، فعرفه رسول الله بعينه وصفته ونودي في سره: يا محمد هذا علي
ابن أبي طالب صفيي الذي أؤيد به هذا الدين * يرجح على جميع أمتك بعدك.
فذلك حين شرح الله صدري بأداء الرسالة، وخفف عني مكافحة الأمة، وسهل علي مبارزة العتاة والجبابرة من قريش.
قال علي بن محمد عليه السلام: وأما دفاع الله القاصدين لمحمد صلى الله عليه وآله إلى قتله، وإهلاكه إياهم كرامة لنبيه، وتصديقه إياه فيه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان وهو ابن سبع سنين بمكة، قد نشأ في الخير نشوا لا نظير له في سائر صبيان قريش، حتى ورد مكة قوم من يهود الشام فنظروا إلى محمد صلى الله عليه وآله وشاهدوا نعته وصفته، فأسر بعضهم إلى بعض: هذا والله محمد الخارج في آخر الزمان، المدال على اليهود وسائر أهل الأديان، يزيل الله تعالى به دولة اليهود، ويذلهم ويقمعهم، وقد كانوا وجدوه في كتبهم النبي الأمي الفاضل الصادق، فحملهم الحسد على أن كتموا ذلك، وتفاوضوا في أنه ملك يزال، ثم قال بعضهم لبعض: تعالوا نحتال عليه فنقتله، فإن الله يمحو ما يشاء ويثبت، لعلنا نصادفه ممن يمحو، فهموا بذلك، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى نمتحنه ونجربه بأفعاله، فإن الحلية قد توافق الحلية، والصورة قد تشاكل الصورة، إن ما وجدناه في كتبنا أن محمدا يجنبه ربه من الحرام والشبهات، فصادفوه وألقوه وادعوه إلى دعوة، وقدموا إليه الحرام والشبهة، فإن انبسط فيهما أو في أحدهما فأكله فاعلموا أنه غير من تظنون، و إنما الحلية وافقت الحلية، والصورة ساوت الصورة، وإن لم يكن الامر كذلك ولم يأكل منهما فاعلموا أنه هو، فاحتالوا له في تطهير الأرض منه لتسلم لليهود دولتهم.
قال، فجاؤوا إلى أبي طالب فصادفوه ودعوه إلى دعوة لهم، فلما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله قدموا إليه وإلى أبي طالب والملا من قريش دجاجة مسمنة كانوا قد وقذوها وشووها فجعل أبو طالب وسائر قريش يأكلون منها، ورسول الله صلى الله عليه وآله يمد يده نحوها فيعدل بها يمنة، ثم يسرة، ثم أماما، ثم خلفا، ثم فوقا، ثم تحتا لا تصيبها يده فقالوا: مالك يا محمد لا تأكل منها؟ فقال: يا معشر اليهود قد جهدت أن أتناول منها، وهذه يدي يعدل بها عنها، وما أراها إلا حراما يصونني ربي عز وجل عنها فقالوا: ما هي إلا حلال فدعنا نلقمك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فافعلوا إن قدرتم، فذهبوا ليأخذوا منها ويطعموه فكانت أيديهم يعدل بها إلى الجهات كما كانت يد رسول الله صلى الله عليه وآله تعدل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله. فهذه قد منعت منها، فأتوني بغيرها إن كانت لكم، فجاؤوه بدجاجة أخرى مسمنة مشوية قد أخذوها لجار لهم غائب، لم يكونوا اشتروها، وعملوها على أن يردوا عليه ثمنها إذا حضر، فتناول رسول الله صلى الله عليه وآله لقمة فلما ذهب يرفعها ثقلت عليه، ونصلت حتى سقطت من يده، وكلما ذهب يرفع ما قد تناوله بعدها ثقلت وسقطت فقالوا: يا محمد فما بال هذه لا تأكل منها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وهذه أيضا قد منعت منها، وما أراها إلا من شبهة يصونني ربي عز وجل عنها، قالوا: ما هي شبهة، فدعنا نلقمك منها فقال افعلوا إن قدرتم عليه، فكلما تناولوا لقمة ليلقموه ثقلت كذلك في أيديهم ثم
سقطت، ولم يقدروا أن يلقموها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هو ما قلت لكم: شبهة يصونني ربي عز وجل عنها، فتعجبت قريش من ذلك، وكان ذلك مما يقيمهم على اعتقاد عداوته إلى أن أظهروها لما أن أظهره الله عز وجل بالنبوة، وأغرتهم اليهود أيضا، فقالت لهم اليهود: أي شئ يرد عليكم من هذا الطفل؟ ما نراه إلا يسالبكم نعمكم وأرواحكم، سوف يكون لهذا شأن عظيم.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.