بحارالانوار · المجلد السادس
باب 1 اعجاز أم المعجزات: القران الكريم، وفيه بيان حقيقة الاعجاز وبعض النوادر
ج ۱۷، ص ۱۵۸–۱۸۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۳
الآيات: البقرة " 2 " إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون 6.
وقال تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا 23 و 24.
وقال سبحانه: وضربت عليهم الذلة والمسكنة 61.
وقال تعالى: وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم 76.
وقال تعالى: قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين 94 و 95.
وقال تعالى: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم.
آل عمران " 3 " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد 12.
وقال تعالى: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء الآية 26.
وقال تعالى: وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون 72.
وقال تعالى، قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين 93.
وقال سبحانه: لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ينصرون * ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤا بغضب من الله و ضربت عليهم المسكنة 111 و 112.
وقال تعالى، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ 119 - إلى قوله تعالى -:
لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط 120.
وقال تعالى: ولقد صدقكم الله وعده 152.
النساء 4: ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون 81.
وقال تعالى: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا 82.
وقال سبحانه: ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها 91.
وقال عز وجل: يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهم معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا 108.
المائدة " 5 " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير 15.
وقال تعالى: فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين 52.
وقال سبحانه: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه. الآية 54.
وقال تعالى: وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون 61.
وقال تعالى: وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله 64.
وقال عز وجل: والله يعصمك من الناس 67.
الانعام " 6 " وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون 37.
وقال تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه 92.
وقال سبحانه: ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله 93.
وقال سبحانه: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله 111.
وقال تعالى: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق 114.
الأعراف " 7 ": سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها 146.
وقال تعالى: وإن تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب 167.
الأنفال " 8 ": وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم 7.
وقال تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين 31.
وقال سبحانه: فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون 36.
براءة " 9 ": يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون 32 و 33.
وقال تعالى: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا 74.
وقال سبحانه: قل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا 83 - إلى قوله: - قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم 94.
وقال سبحانه: وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون 107.
وقال تعالى: وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا 127.
يونس " 10 ": وإذا تتلا عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقران غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون 15 و 16.
وقال تعالى: وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين 37 و 38.
هود " 11 ": أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما انزل بعلم الله وان لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون 13 و 14.
وقال تعالى: تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين 49.
الرعد " 13 ": ويقول الذين كفروا لولا انزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد 7.
الحجر " 15 ": ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين 24.
النحل " 16 ": وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين 24.
وقال تعالى: وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون * قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا و هدى وبشرى للمسلمين * ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين 101 - 103.
اسرى " 17 ": وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون 59.
وقال سبحانه: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا
يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا 88.
الكهف " 18 ": ولم يجعل له عوجا * قيما 1 و 2.
الأنبياء " 21 ": وأسروا النجوى الذي ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون * قل ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم * بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما ارسل الأولون * ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون 2 - 6.
الفرقان " 25 ": وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤوا ظلما وزورا * وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا * قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما 4 - 6.
وقال تعالى: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا 32.
الشعراء " 26 ": وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين * وإنه لفي زبر الأولين * أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل * ولو نزلناه على بعض الأعجمين * فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين * كذلك سلكناه في قلوب المجرمين * لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم 192 - 201.
النمل " 27 ": قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون 72.
وقال تعالى: إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون 76.
القصص " 28 ": إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد 85.
العنكبوت " 29 ": وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون 48:
الروم " 30 ": ألم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من
يشاء وهو العزيز الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون 1 - 5.
سبأ " 34 ": ويرى الذين أوتوا العلم الذي انزل إليك من ربك هو الحق 6.
الزمر " 39 ": الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم 23.
وقال تعالى: قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون 28.
السجدة " 41 ": وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه 41 و 42 - إلى قوله تعالى: - ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي 44.
الدخان " 44 ": فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم * ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون * أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين * ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون * إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون * يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون 10 - 12.
الفتح " 48 ": سيقول لك المخلفون من الاعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم - إلى قوله تعالى: - سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا 15.
وقال تعالى: وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا 21.
وقال تعالى: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون 27.
الطور " 52 " أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون * فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين 33 و 34.
وقال تعالى: وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون 47.
القمر " 54 ": سيهزم الجمع ويولون الدبر 45.
الصف " 61 ": يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون 8 و 9 الجمعة " 62 ": ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين 7.
الحاقة " 69 " إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون 40 - 42.
المرسلات " 77 ": فبأي حديث بعده يؤمنون 50.
الكوثر " 108 ": إنا أعطيناك الكوثر - إلى قوله: - إن شانئك هو الأبتر 1 - 3 تبت " 111 ": سيصلى نارا ذات لهب 3.
تفسير: قوله تعالى: " سواء عليهم " أقول: " الظاهر أن المراد به جماعة بأعيانهم، فيكون إخبارا بما سيقع، وقد وقع، وإلا لأنكر عليه معاندوه صلى الله عليه وآله.
قوله تعالى: " فأتوا بسورة من مثله " قال النيسابوري في تفسيره: قد ذكر في كون القرآن معجزا طريقان:
الأول: إما أن يكون مساويا لكلام سائر الفصحاء أو زائدا عليه بما لا ينقض العادة، أو بما ينقضها، والأولان باطلان، لأنهم مع كونهم أئمة الفصاحة تحدوا بسورة منه مجتمعين أو منفردين ثم لم يأتوا بها، مع أنهم كانوا متهالكين في إبطال أمره، حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المخاوف والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة إلى حد لا يقبلون الحق، كيف الباطل فتعين القسم الثالث.
الطريق الثاني، أن يقال: إن بلغت السورة المتحدي بها في الفصاحة إلى حد الاعجاز فقد حصل المقصود، وإلا فامتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجز، فعلى التقديرين يحصل الاعجاز.
فإن قيل: وما يدريك أنه لن يعارض في مستقبل الزمان، وإن لم يعارض إلى الآن؟
قلت: لأنه لا يحتاج إلى المعارضة أشد مما وقت التحدي وإلا لزم تقرير المشبه للحق، وحيث لم تقع المعارضة وقتئذ علم أن لا معارضة، وإلى هذا أشار سبحانه: بقوله: " ولن تفعلوا " واعلم أن شأن الاعجاز لا يدرك ولا يمكن وصفه، ومن فسر الاعجاز بأنه صرف
الله تعالى البشر عن معارضته، أو بأنه هو كون أسلوبه مخالفا لأساليب الكلام، أو بأنه هو كونه مبرءا عن التناقض، أو بكونه مشتملا على الاخبار بالغيوب وبما ينخرط في سلك هذا الآراء فقد كذب ابن أخت خالته، فإنا نقطع أن الاستغراب من سماع القرآن، إنما هو من أسلوبه ونظمه المؤثر في القلوب تأثيرا لا يمكن إنكاره لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ثم إنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان الفصاحة، ومع ذلك فإنه قد بلغ في الفصاحة النهاية، فدل ذلك على كونه معجزا.
منها: أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات كبعير أو فرس أو جارية، أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب، وليس في القرآن من هذه الأشياء مقدار كثير.
ومنها: أنه تعالى راعى طريق الصدق، وتبرأ عن الكذب، وقد قيل: إن أحسن الشعر أكذبه، ولهذا فإن لبيد بن ربيعة وحسان ابن ثابت لما أسلما وتركا سلوك سبيل الكذب والتخييل رك شعرهما.
ومنها: أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في بيت أو بيتين من قصيدة، والقرآن كله فصيح بكل جزء منه.
ومنها: أن الشاعر الفصيح إذا كرر كلامه لم يكن الثاني في الفصاحة بمنزلة الأول وكل مكرر في القرآن فهو في نهاية الفصاحة، وغاية الملاحة.
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره * هو المسك ما كررته يتضوع.
ومنها: أنه اقتصر على إيجاب العبادات، وتحريم المنكرات، والحث على مكارم الأخلاق ، والزهد في الدنيا، والاقبال على الآخرة، ولا يخفى ضيق عطن البلاغة في هذه المواد.
ومنها: أنهم قالوا: إن شعر امرئ القيس يحسن في وصف النساء وصفة الخيل، وشعر النابغة عند الحرب، وشعر الأعشى عند الطرب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء، والقرآن جاء فصيحا في كل فن من فنون الكلام.
ومنها: أن القرآن أصل العلوم كلها، كعلم الكلام، وعلم الأصول، وعلم الفقه
واللغة والصرف والنحو والمعاني والبيان، وعلم الأحوال، وعلم الأخلاق، وما شئت وأما قوله: " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا " فإنه يدل على إعجاز القرآن وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله من وجوه:، أحدها: أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا يعادونه أشد المعاداة، ويتهالكون في إبطال أمره، وفراق الأوطان والعشيرة، وبذل النفوس والمهج منهم، من أقوى ما يدل على ذلك، فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله: " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا " فلو أمكنهم الاتيان بمثله لاتوا به، وحيث لم يأتوا به ظهر كونه معجزا.
وثانيها: أنه صلى الله عليه وآله إن كان متهما عندهم فيما يتعلق بالنبوة فقد كان معلوم الحال في وفور العقل، فلو خاف عاقبة أمره لتهمة فيه حاشاه عن ذلك لم يبالغ في التحدي إلى هذه الغاية.
وثالثها: أنه لو لم يكن قاطعا بنبوته لكان يجوز خلافه، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزور لا يقطع في الكلام قطعا، وحيث جزم دل على صدقه.
ورابعها: أن قوله: " ولن تفعلوا " وفي (لن) تأكيد بليغ في نفي المستقبل إلى يوم الدين إخبار بالغيب، وقد وقع كما قال، لان أحدا لو عارضه لامتنع أن لا يتواصفه الناس ويتناقلوه عادة، لا سيما والطاعنون فيه أكثف عددا من الذابين عنه، وإذا لم تقع المعارضة إلى الآن حصل الجزم بأنها لا تقع أبدا، لاستقرار الاسلام، وقلة شوكة الطاعنين انتهى.
وقال البيضاوي: " من مثله " صفة سورة، أي بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزلنا و (من) للتبعيض أو للتبيين، وزائدة عند الأخفش، أي بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة و حسن النظم، أو لعبدنا و (من) للابتداء، أي بسورة كائنة ممن هو على حاله صلى الله عليه وآله من كونه بشرا أميا لم يقرأ الكتب، ولم يتعلم العلوم، أو صلة فأتوا والضمير للعبد، و الرد إلى المنزل أوجه " وادعوا شهداءكم من دون الله " أمر بأن يستعينوا بكل من ينصرهم ويعينهم، والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر، أو الامام، و (من) متعلقة ب (ادعوا)، والمعنى وادعوا لمعارضته من حضركم أو رجوتم معونته
من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله، فإنه لا يقدر أن يأتي بمثله إلا الله، أو ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما آتيتم به مثله، ولا تستشهدوا بالله فإنه من ديدن المبهوت العاجز عن إقامة الحجة، أو شهدائكم الذين اتخذتموهم من دون الله أولياء أو آلهة وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة، أو الذين يشهدون لكم بين يدي الله على زعمكم ليعينوكم، وقيل: من دون الله أي من دون أولياء الله، يعني فصحاء العرب ووجوه الشاهد ليشهدوا لكم أن ما آتيتم به مثله " إن كنتم صادقين " أنه من كلام البشر.
وقال النيشابوري في قوله تعالى: " وضربت عليهم الذلة والمسكنة " أي أحيطت بهم كالقبة المضروبة على الشخص، أو ألصقت بهم كما يضرب الطين على الحائط، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة، إما على الحقيقة، وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية، وهذا من جملة الاخبار بالغيب الدال على كون القرآن وحيا نازلا من السماء.
أقول: وكذا قوله: " وإذا خلا بعضهم إلى بعض " ظاهر أن هذه الأخبار كان على وجه الاعجاز، إذ المنافقون كانوا يبذلون جهدهم في إخفاء أسرارهم، وإبداء إيمانهم، وعدم اطلاع المسلمين على بواطنهم، ولو كان هذا الخبر مخالفا للواقع لأنكروا أشد الانكار، وبينوا كذبه ، وظهر على سائر الخلق بتفحص أحوالهم برأتهم من ذلك، ولأنكر معاندوه صلى الله عليه وآله ذلك عليه، وهذا بين من أحوال من يدعي أمرا لا يستأهل له، ويخبر بأمور لا حقيقة لها.
وقال البيضاوي: في قوله تعالى: " قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة " خاصة بكم كما قلتم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا " من دون الناس " أي سائرهم أو المسلمين " فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " لان من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها كما قال علي عليه السلام " لا أبالي سقطت على الموت أو سقط الموت علي " ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم " من موجبات النار، وهذه الجملة إخبار بالغيب، وكان كما أخبر لأنهم
لو تمنوا لنقل واشتهر فإن التمني ليس من عمل القلب ليخفى، بل هو أن يقول: ليت كذا، وإن كان بالقلب لقالوا: تمنينا، وعن النبي صلى الله عليه وآله: لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه، وما بقي على وجه الأرض يهودي.
وقال الطبرسي رحمه الله: هذه القصة شبيه بقصة المباهلة، وإن النبي صلى الله عليه وآله لما دعا النصارى إلى المباهلة امتنعوا لقلة ثقتهم بما هم عليه، وخوفهم من صدق النبي صلى الله عليه وآله لو باهلوني لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا، فلما لم يتمن اليهود الموت افتضحوا، كما أن النصارى لما أحجموا عن المباهلة افتضحوا، وظهر الحق انتهى:
قوله تعالى: " علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم " أقول: ظاهره أنهم كانوا يسرون خيانتهم ويخفونها فأبداها الله تعالى إذ نسبة الله تعالى هذا العلم إلى نفسه يدل على خفائها كما لا يخفى، فهذا أيضا من الاخبار بالغيب.
وقال البيضاوي في قوله تعالى: " قل للذين كفروا ستغلبون " أي قل لمشركي مكة ستغلبون يعني يوم بدر، وقيل لليهود فإنه صلى الله عليه وآله جمعهم بعد بدر في سوق بني قينقاع فحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش، فقالوا: لا يغرنك أنك أصبت أغمارا لا علم لهم بالحرب، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت، وقد صدق الله وعده بقتل قريظة و إجلاء بني النظير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم، وهو من دلائل النبوة.
قوله تعالى: " قل اللهم مالك الملك " قال الطبرسي رحمه الله قيل: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة ووعد أمته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود هيهات من أين لمحمد
ملك فارس والروم، ألم تكفه المدينة ومكة حتى طمع في الروم وفارس؟ فنزلت هذه الآية عن ابن عباس وأنس، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله خط الخندق عام الأحزاب، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا، فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون سلمان منا، وقالت الأنصار: سلمان منا، فقال النبي صلى الله عليه وآله:
سلمان منا أهل البيت، فقال عمرو بن عوف كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان ابن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعا فحفرنا حتى إذا كنا بجب ذي باب أخرج الله من باطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيه بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، قال: فرقى سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله خرجت علينا صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحتك منها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نتجاوز خطك، قال: فهبط رسول الله صلى الله عليه وآله مع سلمان الخندق، والتسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله المعول من يد سلمان فضربها به ضربة صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكان مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح، وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وآله ثانية فبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح، وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وآله ثالثة فكسرها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت
مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله تكبيرة فتح، وكبر المسلمون، وأخذ بيد سلمان فرقا فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت منك شيئا ما رأيته منك قط، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى القوم وقال: رأيتم ما يقول سلمان؟ فقالوا: نعم، فقال: ضربت ضربتي الأول فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منه قصور الحيرة ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منه قصور الحمر من أرض الروم فكأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق لي ما رأيتم أضاءت لي منه قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرئيل أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا، فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر، فقال المنافقون:
ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل، ويعلمكم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق، ولا تستطيعون أن تبرزوا فنزل القرآن إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا " وأنزل الله تعالى في هذه القصة: " قل اللهم مالك الملك " الآية رواه الثعلبي بإسناده عن عمرو بن عوف.
وقال في قوله تعالى: " وقالت طائفة من أهل الكتاب " قال الحسن والسدي:
تواطأ أحد عشر رجلا من أحبار يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض:
ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا به آخر النهار، وقولوا إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك، وظهر لنا كذبه وبطلان دينه،
فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم، وقالوا: إنهم من أهل الكتاب وهم أعلم به منا فيرجعون عن دينه إلى دينكم، وقال مجاهد والمقاتل والكلبي: كان هذا في شأن القبلة لما حولت إلى الكعبة وصلوا شق ذلك على اليهود فقال كعب بن الأشرف لأصحابه:
آمنوا بما انزل على محمد من أمر الكعبة، وصلوا إليها وجه النهار، وارجعوا إلى قبلتكم آخره لعلهم يشكون، ثم قال: وفي هذه الآيات معجزة باهرة لنبينا صلى الله عليه وآله إذ فيها إخبار عن سرائر القوم التي لا يعلمها إلا علام الغيوب قوله تعالى: " قل فأتوا بالتوراة " قال الطبرسي رحمه الله: أنكر اليهود تحليل النبي صلى الله عليه وآله لحوم الإبل، فقال صلى الله عليه وآله: كل ذلك كان حلالا لإبراهيم عليه السلام، فقالت اليهود: كل شئ نحرمه فإنه كان محرما على نوح وإبراهيم، وهلم جرا حتى انتهى إلينا، فنزلت الآية عن الكلبي وأبي روق، فقال تعالى: " كل الطعام كان حلا لنبي إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة " معناه أن كل الطعام كان حلالا لبني إسرائيل قبل أن تنزل التوراة على موسى عليه السلام، فإنها تضمنت تحريم ما كان حلالا لبني إسرائيل، واختلفوا فيما حرم عليهم وحالها بعد نزول التوراة، فقيل: إنه حرم عليهم ما كان يحرمونه قبل نزولها اقتداء بيعقوب عليه السلام عن السدي، و قيل: لم يحرمه الله تعالى عليهم في التوراة وإنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم وكفرهم وقيل: لم يكن شئ من ذلك حراما عليهم في التوراة وإنما هو شئ حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم، وأضافوا تحريمه إلى الله فكذبهم الله تعالى وقال: " قل فأتوا بالتوراة فاتلوها " حتى يتبين أنه كما قلت لا كما قلتم " إن كنتم صادقين " في دعواكم فاحتج عليهم بالتوراة، وأمرهم بالاتيان بها وبأن يقرؤوا ما فيها، فإنه كان في التوراة أنها كانت حلالا للأنبياء، وإنما حرمها إسرائيل على نفسه، فلم يجسروا على إتيان التوراة
لعلمهم بصدق النبي صلى الله عليه وآله وكذبهم، وكان ذلك دليلا ظاهرا على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وآله إذ علم بأن في التوراة ما يدل على كذبهم من غير أن يعلم التوراة وقراءتها قوله تعالى: " لن يضروكم إلا أذى " قال الطبرسي رحمه الله قال مقاتل: إن رؤوس اليهود مثل كعب بن الأشرف وأبي رافع وأبي ناشر وكنانة وابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، فأنبوهم على إسلامهم، فنزلت: " لن يضروكم إلا أذى " وعد الله المؤمنين أنهم منصورون، وأن أهل الكتاب لا يقدرون عليهم ولا تنالهم من جهتهم مضرة إلا أذى من جهة القول، وهو كذبهم على الله، وتحريفهم كتاب الله، وقيل: هو ما كانوا يسمعون المؤمنين من الكلام المؤذي " وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار " منهزمين " ثم لا ينصرون " أي لا يعانون لكفرهم، وفي هذه الآية دلالة على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وآله لوقوع مخبره على وفق خبره، لان يهود المدينة من بني قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين لم يثبتوا لهم قط وانهزموا ولم ينالوا من المسلمين إلا بالسب والطعن " أينما ثقفوا " أي وجدوا " إلا بحبل من الله " أي بعهد من الله " وحبل من الناس " وعهد من الناس على وجه الذمة وغيرها من وجوه الأمان.
قوله تعالى: " عضوا عليكم الأنامل " أي أطراف الأصابع " من الغيظ " أي من الغضب والحنق لما يرون من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، ونصرة الله إياهم.
أقول: وفي هذا أيضا إخبار ببواطن أمورهم، وبما كانوا يخفونه عن المسلمين، على سبيل الاعجاز، وكذا قوله: " لا يضركم كيدهم شيئا " إخبار بما سيكون، وقد كان، و كذا قوله: " لقد صدقكم الله وعده " فإنه تعالى قد أخبر بالوعد، وإنه قد وقع، ولو لم يكن لأنكر عليه المعاندون، ولو أنكروا عليه لنقل، وسيأتي تفسيره، وكذا قوله " بيت طائفة منهم " إخبار بسرائر أمورهم.
قوله تعالى: " لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " قال الرازي: ذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه:
الأول: قال أبو بكر الأصم: معناه أن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد ، والله تعالى كان يطلع الرسول على تلك الأحوال حالا فحالا، ويخبره عنها على سبيل التفصيل، وما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق، فقيل لهم: إن ذلك لو لم يكن بإخبار الله تعالى لما اطرد الصدق فيه، ولظهر في قول محمد أنواع الاختلاف والتفاوت، فلما لم يظهر ذلك علمنا أن ذلك بإعلام الله تعالى.
والثاني: وهو الذي ذهب إليه أكثر المتكلمين أن المراد منه أن القرآن كتاب كبير، وهو مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم، فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة، لان الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك، ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا أنه ليس من عند غير الله.
الثالث: ما ذكره أبو مسلم الاصفهاني وهو أن المراد منه الاختلاف في رتبة الفصاحة حتى لا يكون في جملته ما يعد في الكلام الركيك، بل بقيت الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد، ومن المعلوم أن الانسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة فإذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكثيرة فلابد وأن يظهر التفاوت في كلامه، بحيث يكون بعضه قويا متينا، وبعضه سخيفا نازلا، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه المعجز من عند الله تعالى انتهى.
وأقول: قوله تعالى: " ستجدون آخرين " إخبار بما سيكون، والكلام فيه كالكلام
فيما مر، وسيأتي تفسيره، وكذا قوله تعالى: " يستخفون من الناس " وما قبله وما بعده يدل على أن الله تعالى أخبر بما كانوا به مستخفين، وأظهر ما كانوا له مسرين. وسيأتي قصته.
قوله: " يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب " قال الرازي: قال ابن عباس: أخفوا صفة محمد صلى الله عليه وآله، وأخفوا الرجم، ثم إن الرسول صلى الله عليه وآله بين ذلك لهم، وهذا معجز، لأنه صلى الله عليه وآله لم يقرأ كتابا، ولم يتعلم علما من أحد، فلما أخبرهم بأسرار ما في كتابهم كان ذلك إخبارا عن الغيب، فيكون معجزا قوله: " ويعفوا عن كثير " أي لا يظهر كثيرا مما تكتمونه أنتم، لأنه لا حاجة إلى إظهاره في الدين قوله تعالى: " فعسى الله أن يأتي بالفتح " قال الطبرسي يعني فتح مكة، وقيل:
فتح بلاد المشركين " أو أمر من عنده " فيه إعزاز المسلمين، وإذلال المشركين، وقيل: هو إظهار نفاق المنافقين، وقيل: هو القتل وسبي الذراري لبني قريظة، والاجلاء لبني النظير ".
أقول: " وهذا أيضا إخبار بما لم يقع وقد وقع، وعسى من الله موجبة قوله تعالى: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " هذا أيضا إخبار بما لم يكن فكان، وسيأتي الأخبار المستفيضة في كتاب أحوال أمير المؤمنين عليه السلام أنها نزلت فيه عليه السلام حيث قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.
وقوله: " وقد دخلوا بالكفر " إخبار عن أسرار المنافقين، وكذا قوله تعالى: " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء " أي بين اليهود والنصارى، أو بين فرق اليهود وفرق النصارى.
" كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله " قال الطبرسي رحمه الله: أي لحرب محمد صلى الله عليه وآله وفي هذا معجزة ودلالة، لان الله أخبر فوافق خبره المخبر، فقد كانت اليهود أشد أهل
الحجاز بأسا، وأمنعهم دارا، حتى أن قريشا تعتضد بهم، والأوس والخزرج تستبق إلى محالفتهم وتتكثر بنصرتهم، فأباد الله خضراءهم، واستأصل شأفتهم، واجتث أصلهم فأجلى النبي صلى الله عليه وآله بني النضير وبني قينقاع، وقتل بني قريظة، وشرد أهل خيبر، وغلب على فدك، ودان أهل وادي القرى، فمحا الله سبحانه آثارهم صاغرين، وقال قتادة: معناه أن الله سبحانه أذلهم ذلا لا يعزون بعده أبدا.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " والله يعصمك من الناس ": في هذه الآية دلالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله وصحة نبوته من وجهين:
أحدهما: أنه وقع مخبره على ما أخبر به.
والثاني: أنه لا يقدم على الاخبار به إلا وهو يأمن أن يكون مخبره على ما أخبر به، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله لما نزلت هذه الآية قال لحراس من أصحابه كانوا يحرسونه، منهم سعد وحذيفة: الحقوا بملاحقكم، فإن الله سبحانه عصمني من الناس.
قوله تعالى: " وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه " قال الرازي: هذا من شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وآله، قالوا: لو كان رسولا من عند الله فهلا انزل عليه آية قاهرة و معجزة باهرة، ويروى أن بعض الملحدة طعن فقال: لو كان محمد قد أتى بآية ومعجزة لما صح أن يقول أولئك الكفار: " لولا انزل عليه آية ".
والجواب عنه: أن القرآن معجزة قاهرة بدليل أنه صلى الله عليه وآله تحداهم به فعجزوا عن معارضته، وذلك يدل على كونه معجزا، بقي أن يقال: فإذا كان الامر كذلك فكيف قالوا: " لولا انزل عليه آية من ربه؟ فنقول: الجواب عنه من وجوه:
الأول: لعل القوم طعنوا في كون القرآن معجزا على سبيل اللجاج والعناد، و
قالوا: إنه من جنس الكتب، والكتاب لا يكون من جنس المعجزات، فلأجل هذه الشبهة طلبوا المعجزة.
الثاني: أنهم طلبوا معجزات من جنس معجزات سائر الأنبياء، مثل فلق البحر، وإظلال الجبل.
الثالث: أنهم طلبوا مزيد الآيات والمعجزات على سبيل التعنت، واللجاج، مثل إنزال الملائكة، وإسقاط السماء كسفا، وسائر ما حكاه عن الكافرين، فيحتمل أن يكون المراد ما حكاه الله عن بعضهم في قوله: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " ثم إنه تعالى أجاب عن سؤالهم بقوله:
" قل إن الله قادر على أن ينزل آية " يعني أنه تعالى قادر على إيجاد ما طلبتموه " ولكن أكثرهم لا يعلمون " واختلفوا في تفسيره على وجوه:
فالأول أن يكون المراد أنه تعالى لما أنزل آية باهرة ومعجزة قاهرة وهي القرآن كان طلب الزيادة جاريا مجرى التحكم والتعنت الباطل، والله سبحانه له الحكم والامر فإن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، لان فاعليته لا يكون إلا بحسب محض المشية على قول أهل السنة، أو على وفق المصلحة على مذهب المعتزلة، وعلى التقديرين فإنها لا تكون على وفق اقتراحات الناس، فإن شاء أجابهم، وإن شاء لم يجبهم.
الثاني: لما ظهرت المعجزة القاهرة والدلالة الكافية لم يبق لهم عذر ولا علة، فعند ذلك لو أجابهم في ذلك الاقتراح فلعلهم يقترحون اقتراحا ثانيا وثالثا ورابعا، وهكذا إلى ما لا غاية له، وذلك يقضي إلى أنه لا يستقر الدليل، ولا تتم الحجة، فوجب في أول الأمر سد هذا الباب، والاكتفاء بما سبق من المعجزة الباهرة.
الثالث: أنه تعالى لو أعطاهم ما طلبوه فلو لم يؤمنوا عند ظهورها لاستحقوا عذاب الاستيصال فاقتضت رحمة الله صونهم عن هذا البلاء، وإن كانوا لا يعلمون كيفية هذه الرحمة، ولذا قال: " ولكن أكثرهم لا يعلمون ".
الرابع: أنه تعالى علم منهم أنهم إنما يطلبون هذه المعجزات لا لطلب الفائدة
بل للعناد والتعصب، وعلم أنه لو أعطاهم مطلوبهم فهم لا يؤمنون ولا يفترون، فلهذا السبب ما أعطاهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنه لا فائدة في ذلك، فالمراد من قوله: " ولكن أكثرهم لا يعلمون " هو أن القوم لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل التعنت و التعصب ما أعطاهم، ولو كانوا عالمين لطلبوا ذلك على سبيل طلب الفائدة، فكان الله يعطيهم ذلك على أكمل الوجوه. انتهى كلامه.
أقول: يمكن أن يقال في المقام الأول: إن ما ذكروه من إنزال الآية كالصريح في أنهم طلبوا أمرا بينا يرون نزوله من السماء، كنزول الملائكة عيانا، أو نزول الكتاب كذلك، أو نزول كسف من السماء، وهذا لا ينافي وقوع سائر المعجزات من الاخبار بالمغيبان، وإحياء الأموات، وشق القمر، وغير ذلك، وورود الانزال في سائر الآيات في إنزال القرآن والاحكام وغيرها مجازا لا يوجب صرف تلك الآية أيضا عن الحقيقة مع عدم الداعي إليه، بل وجود القرينة على المعنى الحقيقي، قوله تعالى: " مصدق الذي بين يديه " لكونه مطابقا لها في الأصول، ولشهادته بحقيقتها، ولورودها بالصفة التي نطقت بها الكتب المتقدمة.
قوله تعالى: " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " قال الطبرسي رحمه الله قال الزجاج: هذا جواب لقولهم: " لو نشاء لقلنا مثل هذا " فادعوا ثم لم يفعلوا، وبذلوا النفوس والأموال، واستعملوا سائر الحيل في إطفاء نور الله، وأبى الله إلا أن يتم نوره، وقيل: المراد به عبد الله بن سعد بن أبي سرح أملى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم: " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " إلى قوله: " ثم أنشأناه خلقا آخر " فجرى على لسان ابن أبي سرح " فتبارك الله أحسن الخالقين " فأملاه عليه وقال: هكذا انزل، فارتد عدو الله، وقال: إن كان محمد صادقا فلقد أوحي إلي كما أوحي إليه، ولئن كان كاذبا فلقد
قلت كما قال، وارتد عن الاسلام، وهدر رسول الله صلى الله عليه وآله دمه، فلما كان يوم الفتح جاء به عثمان وقد أخذ بيده ورسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد، فقال: يا رسول الله اعف عنه، فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم أعاد فسكت ثم أعاد فقال: هو لك، فلما مر قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: ألم أقل: من رآه فليقتله؟ فقال عباد بن بشر: كانت عيني إليك يا رسول الله أن تشير إلي فأقتله، فقال صلى الله عليه وآله: الأنبياء لا يقتلون بالإشارة انتهي.
وفي قوله تعالى: " ما كانوا ليؤمنوا " إخبار عن عدم إيمان جماعة ولم يؤمنوا.
قوله: " إلا أن يشاء الله " قال الطبرسي: أي أن يجبرهم على الايمان وهو المروي عن أهل البيت عليهم السلام.
قوله تعالى: " سأصرف عن آياتي " إذا كان المراد سأصرف عن إبطال آياتي والمنع من تبليغها هؤلاء المتكبرين بالاهلاك، أو المنع من غير إهلاك، فلا يقدرون على القدح فيها، ويكون المراد بها المكذبين من هذه الأمة لا أمة موسى عليه السلام كما ذكره جماعة من المفسرين، ففيها إخبار بما لم يكن، وكذا قوله: " لا يؤمنون بها " وفي الآية وجوه أخر تركنا إيرادها لعدم احتياجنا هنا إليها.
قوله: " وإذ تأذن ربك قال الرازي: بمعنى آذن أي أعلم، واللام في قوله:
" ليبعثن " جواب القسم، لان قوله: " وإذ تأذن " جار مجرى القسم، وهذه الآية نزلت في اليهود على أنه لا دولة ولا عز لهم، وأن الذل يلزمهم، والصغار لا يفارقهم، ولما أخبر الله تعالى في زمان محمد صلى الله عليه وآله عن هذه الواقعة ثم شاهدنا بأن الامر كذلك كان هذا إخبارا صدقا عن المغيب فكان معجزا انتهى.
وقوله تعالى: " وإذ يعدكم الله " يدل على أنه صلى الله عليه وآله وعدهم من قبل الله تعالى بما قد وقع، وسيأتي شرحه.
قوله تعالى: " قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا " قال البيضاوي: هو قول نضر ابن الحارث، وإسناده إلى الجمع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فإنه كان قاضيهم، وقيل: هو قول الذين ائتمروا في أمره صلى الله عليه وآله، وهذا غاية مكابرتهم، وفرط عنادهم، إذ لو استطاعوا من ذلك فما منعهم أن يشاؤوا وقد تحداهم وقرعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف فلم يعارضوا سواه، مع أنفتهم، وفرط استنكافهم أن يغلبوا خصوصا في باب البيان " إن هذا إلا أساطير الأولين " ما سطره الأولون من القصص.
قوله تعالى: " فسينفقونها " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: نزلت في أبي سفيان من حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش يقاتل بهم النبي صلى الله عليه وآله سوى من استجاشهم من العرب وقيل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وقيل: لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة مشى صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل في رجال من قريش أصيب آباؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا وتركم، وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه لعلنا أن ندرك منه ثارا بمن أصيب منا، ففعلوا فأنزل الله فيهم هذه الآية، رواه محمد بن إسحاق عن رجاله.
ثم قال: وفي هذا دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله لأنه أخبر بالشئ قبل كونه فوجد على ما أخبر به.
قوله تعالى: " يريدون أن يطفؤوا نور الله " قال الرازي: المقصود منه بيان نوع ثالث من الافعال القبيحة الصادرة عن رؤساء اليهود والنصارى، وهو سعيهم في إبطال أمر محمد صلى الله عليه وآله ، وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة شرعه، وقوة دينه، والمراد من النور الدلائل الدالة على صحة نبوته صلى الله عليه وآله وهي أمور كثيرة:
أحدها المعجزات القاهرة التي ظهرت على يده، فإن المعجز إما أن يكون دليلا على الصدق أو لا يكون، فعلى الأول فحيث ظهر المعجز لابد من حصول الصدق، وإن لم يدل على الصدق قدح ذلك في نبوة موسى وعيسى عليهما السلام.
وثانيها: القرآن العظيم الذي ظهر على لسان محمد صلى الله عليه وآله، مع أنه من أول عمره إلى آخره ما تعلم وما استفاد وما نظر في كتاب، وذلك من أعظم المعجزات.
وثالثها: أن حاصل شريعته تعظيم الله والثناء عليه، والانقياد لطاعته، وصرف النفس عن حب الدنيا، والترغيب في سعادات الآخرة، والعقل يدل على أنه لا طريق إلى الله إلا من هذا الوجه ورابعها: أن شرعه كان خاليا عن جميع العيوب، فليس فيه إثبات ما لا يليق بالله، وليس فيه دعوة إلى غير الله، وقد ملك البلاد العظيمة، وما غير طريقته في استحقار الدنيا وعدم الالتفات إليها، ولو كان مقصوده طلب الدنيا لما بقي الامر كذلك، فهذه الأحوال دلائل نيرة، وبراهين باهرة على صحة قوله، وإنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة وأنواع كفرهم ومكرهم أرادوا إبطال هذه الدلائل، فكان هذا جاريا مجرى من يريد إبطال نور الشمس بأن ينفخ فيها، ثم إنه تعالى وعد محمدا صلى الله عليه وآله مزيد النصرة، وإعلاء الدرجة، فقال: " ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون " وقال في قوله تعالى: " هو الذي أرسل رسوله " اعلم أن كمال حال الأنبياء لا يحصل إلا بأمور.
أولها: كثرة الدلائل والمعجزات، وهو المراد من قوله: " أرسل رسوله بالهدى " وثانيها: كون دينه مشتملا على أمور يظهر لكل أحد كونها موصوفة بالصواب والصلاح، ومطابقة الحكمة وموافقة المنفعة في الدنيا والآخرة، وهو المراد من قوله:
" ودين الحق ".
وثالثها: صيرورة دينه مستعليا على سائر الأديان، غالبا لأضداده، قاهرا لمنكريه، وهو المراد من قوله: " ليظهره على الدين ".
فإن قيل : ظاهر قوله: " ليظهره على الدين كله " يقتضي كونه غالبا لجميع الأديان وليس الامر كذلك، فإن الاسلام لم يصر غالبا لسائر الأديان في أرض الهند والروم والصين وسائر أراضي الكفرة.
فالجواب عنه من وجوه:
الأول: أنه لا دين لخلاف الاسلام، إلا وقد قهرهم المسلمون، وظهروا عليهم في بعض المواضع وإن لم يكن ذلك في جميع مواضعهم، فقهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب، وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها إلى ناحية الروم، وغلبوا المجوس على ملكهم، وغلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند، وكذلك سائر الأديان، فثبت أن الذي أخبر الله عنه في هذه الآية قد وقع وحصل، فكان ذلك إخبارا عن الغيب فكان معجزا الثاني: أنه روي عن أبي هريرة أنه قال: هذا وعد من الله بأنه تعالى يجعل الاسلام غالبا على جميع الأديان، وتمام هذا إنما يحصل عند خروج عيسى عليه السلام.
وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي، لا يبقى أحد إلا دخل في الاسلام أو أدى الخراج.
الثالث: أن المراد ليظهر الاسلام على الدين كله في جزيرة العرب، وقد حصل ذلك، فإنه تعالى ما أبقى فيها أحدا من الكفار.
الرابع: أن المراد الغلبة بالحجة والبيان.
قوله تعالى: " يحلفون بالله ما قالوا " قال الطبرسي رحمه الله: اختلف فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان جالسا في ظل حجرته فقال: إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعين شيطان، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا، فأنزل الله هذه الآية، عن ابن عباس، وقيل: خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى تبوك، فكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه، وطعنوا في الدين، فنقل ذلك حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لهم: ما هذا الذي بلغني عنكم؟ فحلفوا بالله ما قالوا شيئا من ذلك، عن الضحاك، وقيل نزلت في الجلاس بن سويد ابن الصامت، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله خطب ذات يوم بتبوك وذكر المنافقين فسماهم رجسا وعابهم، فقال الجلاس: والله لئن كان محمد صادقا فيما يقول فنحن شر من الحمير، فسمعه عامر بن قيس فقال: أجل والله إن محمدا صادق وأنتم شر من الحمير، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس، فقال الجلاس:
كذب يا رسول الله، فأمرهما رسول الله أن يحلفا عند المنبر، فقام الجلاس عند المنبر فحلف بالله ما قاله، ثم قام عامر فحلف بالله لقد قاله، ثم قال: اللهم أنزل على نبيك الصادق منا الصدوق، فقال رسول الله والمؤمنون: آمين، فنزل جبرئيل عليه السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ " فإن يتوبوا يك خيرا لهم " فقام الجلاس فقال: يا رسول الله اسمع الله قد عرض علي التوبة، صدق عامر بن قيس فيما قال لك، لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب
إليه، فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك منه، عن الكلبي ومحمد بن إسحاق ومجاهد، وقيل:
نزلت في عبد الله بن أبي سلول حين قال: " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " عن قتادة، وقيل: نزلت في أهل العقبة في أنهم ائتمروا في أن يغتالوا رسول الله صلى الله عليه وآله في عقبة، مرجعهم من تبوك، وأرادوا أن يقطعوا أنساع راحلته ثم ينخسوا فأطلعه تعالى على ذلك، وكان من جملة معجزاته، لأنه لا يمكن معرفة ذلك إلا بوحي من الله، فسار رسول الله صلى الله عليه وآله في العقبة وحده وعمار وحذيفة معه، أحدهما يقود ناقته، والآخر يسوقها، وأمر الناس كلهم بسلوك بطن الوادي، وكان الذين هموا بقتله اثنى عشر رجلا، أو خمسة عشر رجلا على الخلاف فيه، عرفهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وسماهم بأسمائهم واحدا واحدا، عن الزجاج والواقدي والكلبي، وقال الباقر عليه السلام: كانت ثمانية منهم من قريش، وأربعة من العرب انتهى.
وأما قوله: " لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا " فيحتمل الدعاء عليهم والاخبار عن امتداد شقاوتهم، والأخير أظهر، فيكون من باب المعجزات، وكذا قوله:
" لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم " إخبار بسرائرهم، وكذا قوله: " والله يشهد إنهم لكاذبون " وكذا قوله: " نظر بعضهم إلى بعض " فإنها كلها إخبار عما كانوا يسرون من المسلمين.
قوله: " ائت بقرآن غير هذا أو بدله " قال الرازي في الفرق بينهما: إن المراد بالأول الاتيان بكتاب آخر لا على ترتيب هذا القرآن ولا على نظمه، وبالثاني تغيير هذا القرآن، كأن يضع مكان ذم بعض الأشياء مدحها، ومكان آية رحمة آية عذاب، أو المراد بالأول الاتيان بغيره، مع كون هذا الكتاب باقيا بحاله، وبالثاني أن يغير هذا الكتاب، ثم إن سؤالهم إما أن يكون على سبيل السخرية والاستهزاء، أو كان عرضهم التماس
كتاب لا يشتمل على سب آلهتهم والطعن في طرائقهم، فأمر بأن يجيبهم بأن هذا التبديل غير جائز مني " إن أتبع إلا ما يوحى إلي " وإنما لم يتعرض للاتيان بقرآن غير هذا لأنه لما بين أنه لا يجوز له أن يبدله من تلقاء نفسه لأنه وارد من الله تعالى، ولا يقدر على مثله كما لا يقدر سائر العرب على مثله، وكان ذلك متقررا في نفوسهم بسبب ما تقدم من تحديه لهم بمثل هذا القرآن فقد دلهم بذلك على أنه لا يتمكن من قرآن غير هذا، ثم لما كان هذا الالتماس لأجل أنهم اتهموه بأنه هو الذي يأتي بهذا الكتاب من عند نفسه على سبيل الاختلاق، فلهذا احتج عليهم بأن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله من أول عمره إلى ذلك الوقت، وكانوا عالمين بأحواله، وأنه ما طالع كتابا، ولا تلمذ لأستاذ، ولا تعلم من أحد، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأصول، ودقائق علم الاحكام، ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص الأولين، وعجز عن معارضته العلماء، والفصحاء، والبلغاء فكل من له عقل سليم فإنه يعرف أن مثل هذا لا يحصل إلا بالوحي والالهام من الله، فقوله: " لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به " حكم منه صلى الله عليه وآله بان هذا القرآن وحي من عند الله، وقوله: " فقد لبثت فيكم عمرا من قبله " إشارة إلى الدليل الذي قررناه، قوله: " ولا أدراكم به " أي ولا أعلمكم به، وقال في قوله تعالى: " وما كان هذا القرآن أن يفترى ": حاصله أن هذا القرآن لا يقدر عليه أحد إلا الله عز وجل، ثم إنه احتج على هذه الدعوى بأمور:
الأول: " قوله " ولكن تصديق الذي بين يديه " وتقريره من وجوه:
الأول: أنه صلى الله عليه وآله كان رجلا أميا ما سافر إلى بلدة لأجل التعلم، وما كانت مكة بلدة العلماء، وما كان فيها شئ من كتب العلم، ثم إنه صلى الله عليه وآله أتى بهذا القرآن، وكان مشتملا على أقاصيص، والقوم كانوا في غاية العداوة له، فلو لم تكن هذه الأقاصيص موافقة لما في التوراة والإنجيل لقدحوا فيه، ولبالغوا في الطعن فيه، فلما لم يفعلوا علمنا
أنها مطابقة لما في التوراة والإنجيل، مع أنه ما طالعها ولا تلمذ لاحد فيها، فليس إلا بوحي منه تعالى.
والثاني: أن كتب الله المنزلة دلت على مقدم محمد صلى الله عليه وآله، وإذا كان الامر كذلك كان مجيئه صلى الله عليه وآله تصديقا لما في تلك الكتب.
الثالث: أنه أخبر في القرآن عن الغيوب الكثيرة في المستقبل، فوقعت مطابقة لذلك الخبر، كقوله تعالى: " ألم غلبت الروم " وكقوله تعالى: لقد صدق الله رسوله الرؤيا " وكقوله: " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض " وذلك يدل على أن الاخبار عن هذه الغيوب إنما حصلت بالوحي من الله تعالى بين يديه.
والنوع الثاني من الدلائل قوله تعالى: " وتفصيل كل شئ " وتحقيقه أن العلوم إما أن تكون دينية أولا، ولا شك أن الأول أرفع حالا وأعظم شأنا من الثاني، وأما الدينية فإما أن تكون علم العقائد والأديان، وإما أن تكون علم الاعمال، فالأول هو معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأما معرفة الله فهي عبارة عن معرفة ذاته، وصفة جلاله، وصفة إكرامه، ومعرفة أفعاله، ومعرفة أحكامه، ومعرفة أسمائه، والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل وتفاريعها وتفاصيلها على وجه لا يساويه شئ من الكتب، بل لا يقرب منه شئ من المصنفات، وأما علم الاعمال فهو إما علم التكاليف المتعلقة بالظواهر وهو الفقه، ومعلوم أن جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم عن القرآن، وإما علم بصفة الباطن ورياضة القلوب، وقد حصل في القرآن من مباحث هذا العلم ما لا يكاد يوجد في غيره، فثبت أن القرآن مشتمل على تفاصيل جميع العلوم الشريفة عقليها ونقليها اشتمالا يمتنع حصوله في سائر الكتب، فكان ذلك معجزا.
وأما قوله: " لا ريب فيه من رب العالمين " فتقريره أن الكتاب الطويل المشتمل
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.