بحارالانوار · المجلد السادس
باب 1 اعجاز أم المعجزات: القران الكريم، وفيه بيان حقيقة الاعجاز وبعض النوادر
ج ۱۷، ص ۱۸۶–۲۱۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
على هذه العلوم الكثيرة لابد وأن يشتمل على نوع من أنواع التناقض، وحيث خلا عنه علمنا أنه من عند الله، ثم بعد إيراد هذه الدلائل أعاد الكلام مرة أخرى بلفظ الاستفهام على سبيل الانكار فقال: " أم يقولون افتراه " ثم ذكر حجة أخرى على إبطال هذا القول فقال: " قل فأتوا بسورة مثله ".
فإن قيل: لم قال في سورة البقرة: " من مثله " وهنا بسورة مثله.
قلنا: إن محمدا صلى الله عليه وآله كان رجلا أميا لم يتلمذ لاحد، ولم يطالع كتابا فقيل في سورة البقرة: " فأتوا بسورة من مثله " أي فليأت إنسان يساوي محمدا صلى الله عليه وآله في عدم التلمذ وعدم مطالعة الكتب بسورة تساوي هذه السورة، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز، فهذا لا يدل على أن السورة في نفسها معجزة، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد صلى الله عليه وآله معجز، ثم إنه تعالى بين في هذه السورة أن تلك السورة في نفسها معجز، فإن الخلق إن تلمذوا وتعلموا وطالعوا وتفكروا فإنه لا يمكنهم الاتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور، فلا جرم قال تعالى في هذه الآية: " فأتوا بسورة مثله ".
فإن قيل: قوله: " بسورة مثله " هل يتناول جميع السور الصغار والكبار، أو يخص بالسور الكبار؟
قلنا: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فالمراد مثل هذه السورة، لأنها أقرب ما يمكن أن يشار إليه.
واعلم أنه قد ظهر بما قررنا أن مراتب تحدي رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرآن ستة:
فأولها: أنه تحداهم بكل القرآن، كما قال: " قل لئن اجتمعت " الآية وثانيها: أنه تحداهم بعشر سور.
وثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة.
ورابعها: أنه تحداهم بحديث مثله.
وخامسها: أن في تلك المراتب الأربعة كان يطلب أن يأتي بالمعارضة رجل يساوى رسول الله صلى الله عليه وآله في عدم التلمذ والتعلم، ثم في سورة يونس طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان سواه، تعلم العلوم أو لم يتعلمها.
وسادسها: أن في المراتب المتقدمة تحدى كل واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة تحدى جميعهم، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الاتيان بهذه المعارضة، كما قال:
" وادعوا من استطعتم من دون الله ".
وقال في قوله: " تلك من أنباء الغيب ": أي من الاخبار التي كانت غائبة عن الخلق ما كنت تعرف هذه القصة أنت ولا قومك.
فإن قيل: أليس كان قصة نوح مشهورة عند أهل العالم؟
قلنا: بحسب الاجمال كانت مشهورة، وأما التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة.
وقال في قوله: " لولا انزل عليه آية من ربه ": اعلم أن من الناس من زعم أنه لم يظهر معجز في صدق محمد صلى الله عليه وآله سوى القرآن لدلالة هذا الكلام عليه، والجواب عنه من وجهين:
الأول: لعل المراد منه طلب معجزات سوى التي شاهدوها منه صلى الله عليه وآله، كحنين الجزع، ونبوع الماء من بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وطلبوا منه معجزات غيرها، مثل فلق البحر، وقلب العصا ثعبانا.
والثاني: أنه لعل الكفار ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات.
وقال في قوله تعالى: " ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين " بعد أن ذكر وجوها:
الرابع: قال ابن عباس: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وآله، فكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها إذا ركعوا، ويجافون أيديهم لينظروا من تحت آباطهم، فأنزل الله هذه الآية.
انتهى.
أقول: فعلى هذا فيه إخبار بأسرار القوم قوله تعالى: " وإذا بدلنا آية مكان آية " المراد به النسخ " والله أعلم بما ينزل " اعتراض دخل في الكلام، والمعنى الله أعلم بما ينزل من الناسخ والمنسوخ، والتغليظ و التخفيف في مصالح العباد، وهذا توبيخ للكفار على قولهم: " إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون " أي حقيقة القرآن وفائدة النسخ.
" قل نزله روح القدس " قال في الكشاف: أي جبرئيل، أضيف إلى القدس وهو الطهر، والمراد الروح المقدس " ليثبت الذين آمنوا " أي ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه: هو الحق من ربنا، حكم لهم بثبات القدم في الدين.
قوله: " إنما يعلمه بشر " قال الرازي: اختلف في هذا البشر، قيل: هو عبد لبني عامر بن لؤي يقال له: يعيش، وكان يقرأ الكتب، وقيل: عداس غلام عتبة بن ربيعة، و قيل: عبد بني الحضرمي صاحب كتب وكان اسمه خيرا، وكانت قريش تقول: عبد
الحضرمي يعلم خديجة، وتعلم خديجة محمدا صلى الله عليه وآله، وقيل: كان بمكة نصراني أعجمي اللسان اسمه بلعام، ويقال: ابن ميسرة، يتكلم بالرومية، وقيل: سلمان الفارسي.
قوله تعالى: لسان الذي يلحدون إليه " أي يميلون القول إليه " أعجمي " قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م وضع في كلام العرب للابهام والاخفاء وضد البيان، وعجم الزبيب يسمى لاختفائه، والعجماء: البهيمة، لأنها لا توضح ما في نفسها، ثم إن العرب تسمى كل من لا يعرف لغة ولا يتكلم بلسانهم أعجمي، قال الفراء وأحمد بن يحيى: الأعجم: الذي في لسانه عجمة وإن كان من العرب، ألا ترى أنهم قالوا: زياد الأعجم، لأنه كانت في لسانه عجمة، مع أنه كان عربيا.
وأما تقرير الجواب فاعلم أنه إنما يظهر إذا قلنا: إن القرآن إنما كان معجزا لما فيه من الفصاحة العائدة إلى اللفظ، وكأنه قيل: هب إنه يتعلم المعاني من ذلك الأعجمي إلا أن القرآن إنما كان معجزا لما في ألفاظه من الفصاحة، فبتقدير أن يكونوا صادقين في أن محمدا صلى الله عليه وآله يتعلم تلك المعاني من ذلك الرجل إلا أن ذلك لا يقدح في المقصود لان القرآن إنما كان معجزا لفصاحته اللفظية.
قوله: " وما منعنا أن نرسل بالآيات " قال الرازي فيه وجوه:
الأول: أن المعنى أنه لو أظهر تلك المعجزات ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم فحينئذ يصيرون مستحقين لعذاب الاستيصال، وهو على هذه الأمة غير جائز، لان الله تعالى علم منهم من سيؤمن أو يؤمن أولادهم، فلذا ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم، وما أظهر تلك المعجزات، روى ابن عباس أن أهل مكة سألوا الرسول أن يجعل الصفا ذهبا، وأن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب الرسول ذلك من الله تعالى فقال الله تعالى: إن شئت فعلت ذلك لكن لو أنهم كفروا أهلكتهم، فقال الرسول: لا أريد ذلك.
الثاني: أن المراد لا نظهر هذه المعجزات، لان آباءكم الذين رأوها لم يؤمنوا بها وأنتم مقلدون لهم، فأنتم لو رأيتموها لم تؤمنوا بها أيضا.
الثالث: أن الأولين شاهدوا هذه المعجزات وكذبوها، فعلم الله منكم أيضا أنكم لو شاهدتموها لكذبتم بها، فكان إظهارها عبثا، والعبث لا يفعله الحكيم.
قوله: " لئن اجتمعت الإنس والجن " قال الرازي: فإن قيل: هب إنه ظهر عجز الانسان عن معارضته، فكيف عرفتم عجز الجن؟ وأيضا فلم لا يجوز أن يقال: إن هذا القرآن نظم الجن ألقوه على محمد صلى الله عليه وآله.
أجاب العلماء عن الأول بأن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزا.
وعن الثاني أن ذلك لو وقع لوجب في حكمة الله أن يظهر ذلك التلبيس، وحيث لم يظهر ذلك دل على عدمه.
قوله تعالى: " ولم يجعل له عوجا " قال الرازي: إنا قد ذكرنا أن الشئ يجب أن يكون كاملا في ذاته، ثم يكون مكملا لغيره، فقوله: " ولم يجعل له عوجا " إشارة إلى كونه كاملا في ذاته، وقوله: " قيما " إلى كونه مكملا لغيره، لان القيم عبارة عن القائم بمصالح الغير.
وفي نفي العوج وجوه:
أحدها: نفي التناقض عن آياته.
وثانيها: أن كل ما ذكره الله فيه من التوحيد والنبوة والاحكام والتكاليف فهو حق وصدق، ولا خلل في شئ منها البتة.
وثالثها: أن الانسان كأنه خرج من عالم الغيب متوجها إلى عالم الآخرة، وإلى حضرة جلال الله، وهذه الدنيا كأنها رباط بني على حد عالم القيامة، حتى
أن المسافر إذا نزل فيه اشتغل بالمهمات التي تجب رعايتها في هذا السفر، ثم يرتحل منه متوجها إلى عالم الآخرة، فكل ما دعاه من الدنيا إلى عالم الآخرة، ومن الجسمانيات إلى الروحانيات ومن الخلق إلى الحق فهو السير المستقيم، وكل ما دعاه من عالم الآخرة إلى الدنيا فهو السير المعوج، والقرآن مملو من الدعوة من الخلق إلى الحق، ومن الدنيا إلى الآخرة، ومن اللذات الشهوانية الجسدانية إلى الاستنارة بالأنوار الصمدية، فثبت أنه مبرأ من العوج والانحراف والباطل.
قوله تعالى: " وأسروا النجوى " قال البيضاوي: أي بالغوا في إخفائها " هل هذا إلا بشر مثلكم " كأنهم استدلوا بكونه بشرا على كذبه في ادعاء الرسالة لادعائهم أن الرسول لا يكون إلا ملكا، واستلزموا منه أن ما جاء به من الخوارق كالقرآن سحر " بل قالوا أضغاث أحلام " إضراب لهم عن قولهم: هو سحر إلى أنه تخاليط الأحلام، ثم إلى أنه كلام افتراه، ثم إلى أنه قول شاعر، والظاهر أن (بل) الأولى لتمام حكاية والابتداء بأخرى، أو للاضراب عن تحاورهم في شأن الرسول، وما ظهر عليه من الآيات إلى تقاولهم في أمر القرآن، والثانية والثالثة لاضرابهم عن كونه أباطيل خيلت إليه و خلطت عليه، إلى كونه مفتريات اختلقها من تلقاء نفسه، ثم إلى أنه كلام شعري يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها، ويرغبه فيها، ويجوز أن يكون الكل من الله تعالى تنزيلا لأقوالهم في درج الفساد، لان كونه شعرا أبعد من كونه مفترى، لأنه مشحون بالحقائق والحكم، وليس فيه ما يناسب قول الشعراء، وهو من كونه أحلاما، لأنه مشتمل على مغيبات كثيرة طابقت الواقع، والمفترى لا يكون كذلك، بخلاف الأحلام، و لأنهم جربوا رسول الله صلى الله عليه وآله نيفا وأربعين سنة ما سمعوا منه كذبا قط، وهو من كونه سحرا، لأنه مجانسه من حيث أنهما من الخوارق " فليأتنا بآية كما ارسل الأولون "
أي كما ارسل به الأولون، مثل اليد البيضاء، والعصا، وإبراء الأكمه، وإحياء الموتى " ما آمنت قبلهم من قرية " أي من أهل قرية " أهلكناها " باقتراح الآيات لما جاءتهم " أفهم يؤمنون " لو جئتهم بها وهم أطغى منهم، وفيه دليل على أن عدم الاتيان بالمقترح للابقاء عليهم، إذ لو أتى به لم يؤمنوا واستوجبوا عذاب الاستيصال كمن قبلهم.
قوله: " إن هذا إلا إفك افتراه " قال الرازي: قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، وهو الذي قال هذا القول: " وأعانه عليه قوم آخرون " يعني عامرا مولى حويطب بن عبد العزى، ويسارا غلام عامر بن الحضرمي، وجبيرا مولى عامر، هؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب، وكانوا يقرؤون التوراة ويحدثون أحاديث منها، فلما أسلموا وكان النبي صلى الله عليه وآله يتعهدهم فلأجل ذلك قال النضر ما قال، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: " فقد جاؤوا ظلما وزورا " وإنما كفى هذا القدر جوابا لأنه قد علم كل عاقل أنه صلى الله عليه وآله تحداهم بالقرآن، وهو النهاية في الفصاحة، وقد بلغوا في الخوض على إبطال أمره كل غاية حتى أحوجهم ذلك إلى ما وصفوه به في هذه الآية، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا، ولكان ذلك أقرب إلى أن يبلغوا مرادهم مما أوردوه في هذه الآيات وغيرها، ولو استعان صلى الله عليه وآله بغيره في ذلك لأمكنهم أيضا أن يستعينوا بغيرهم، لأنه صلى الله عليه وآله كأولئك في معرفة اللغة، والمكنة في العبارة، فلما لم يبلغوا ذلك والحالة هذه علم أن القرآن قد بلغ الغاية في الفصاحة، وانتهى إلى حد الاعجاز، ولما تقدمت هذه الدلالة مرات وكرات في القرآن وظهر بسببها سقوط هذا السؤال ظهر أن إعادة هذا السؤال بعد تقدم تلك الدلالة الواضحة لا يكون إلا التمادي في الجهل والعناد، فلذلك اكتفى الله في الجواب بقوله: " فقد جاؤوا ظلما وزورا ".
والشبهة الثانية لهم: قوله تعالى: " وقالوا أساطير الأولين " ما سطره المتقدمون، كأحاديث رستم وإسفنديار، " اكتتبها " انتسخها محمد صلى الله عليه وآله من أهل الكتاب، يعنى عامرا وبشارا وجبيرا، ومعنى اكتتب هنا أمر أن يكتب له، كما يقال: احتجم وافتصد:
إذا أمر بذلك " فهي تملى عليه " أي يلقى عليه كتابه ليتحفظها " بكرة وأصيلا " قال الضحاك: ما يملى عليه بكرة وأصيلا يقرؤه عليكم، وقال الحسن: هو قوله تعالى جوابا عن قولهم كأنه قال: إن هذه الآيات تملى عليه بالوحي حالا بعد حال، فكيف ينسب إلى أنه أساطير الأولين؟ وجمهور المفسرين على أنه من كلام القوم، فأجاب تعالى بقوله: " قل أنزله الذي يعلم السر " الآية، وتقريره ما قدمنا أنه صلى الله عليه وآله تحداهم و ظهر عجزهم، فلو كان استعان بغيره لكان عليهم أن يستعينوا بأحد، فلما عجزوا ثبت أنه وحي الله تعالى وكلامه، فلهذا قال: " قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض " وذلك لان القادر على تركيب ألفاظ القرآن لابد وأن يكون عالما بكل المعلومات ظاهرها وخفيها " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " ولاشتماله على الاحكام التي هي مقتضية لمصالح العباد ونظام العالم، وذلك لا يكون إلا من العالم بكل المعلومات، ولاشتماله على أنواع العلوم، وذلك لا يأتي إلا من العالم بكل المعلومات، إلى غير ذلك
مما مر من وجوه الاعجاز في القرآن.
قوله: " لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة " قال الرازي: هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وآله، فإن أهل مكة قالوا: تزعم أنك رسول من عند الله، أفلا تأتينا بالقرآن جملة كما انزل التوراة جملة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود؟ وأجاب الله عنه بقوله: " كذلك لنثبت به فؤادك.
بيانه من وجوه:
أحدها: أنه صلى الله عليه وآله لم يكن من أهل القراءة والكتابة، فلو نزل عليه جملة واحدة كان لا يضبط، ولجاز عليه الخطأ والغلط.
وثانيها: أن من كان الكتاب عنده فربما اعتمد على الكتاب، وتساهل في الحفظ، فالله تعالى ما أعطاه الكتاب دفعة، بل كان ينزل عليه وظيفة ليكون حفظه له أكمل، فيكون أبعد عن المساهلة وقلة التحصيل.
وثالثها: أنه تعالى لو انزل الكتاب جملة لنزلت الشرائع بأسرها دفعة واحدة على الخلق، فكان يثقل عليهم ذلك لا جرم نزلت التكاليف قليلا قليلا، فكان تحملها أسهل.
ورابعها: أنه إذا شاهد جبرئيل حالا بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته، فكان أقوى على الصبر على عوارض النبوة، وعلى احتمال أذية قومه وعلى الجهاد.
وخامسها: أنه لما شرط الاعجاز فيه مع كونه منجما ثبت كونه معجزا، فإنه لو كان ذلك مقدورا للبشر لوجب أن يأتوا بمثله منجما مفرقا.
وسادسها: كان القرآن ينزل بحسب أسؤلتهم والوقائع الواقعة لهم، وكانوا يزدادون بصيرة، لان بسبب ذلك كان ينضم مع الفصاحة الاخبار عن الغيوب.
وسابعها: أن القرآن لما نزل منجما مفرقا وهو صلى الله عليه وآله كان يتحداهم من أول الأمر وكان يتحداهم بكل واحد من نجوم القرآن، فلما عجزوا عنه فعن معارضة الكل
أولى، فبهذا الطريق ثبت في فؤاده أن القوم عاجزون عن المعارضة لا محالة وثامنها: أن السفارة بين الله وبين أنبيائه وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم، فيحتمل أن يقال: إنه تعالى لو أنزل القرآن على محمد دفعة واحدة لبطل المنصب على جبرئيل عليه السلام، فلما أنزله مفرقا منجما بقي ذلك المنصب العالي عليه.
والترتيل في الكلام أن يأتي بعضه على أثر بعض على توءدة ومهل.
قوله تعالى: " على قلبك " أي فهمك إياه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، و الباء في قوله: " بلسان " إما أن يتعلق بالمنذرين، فالمعنى فتكون من الذين، أنذروا بهذا اللسان، وإما أن يتعلق بنزل، فالمعنى أنزله باللسان العربي لتنذر به، لأنه لو أنزله باللسان الأعجمي لقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه؟
وأما قوله : " وإنه لفي زبر الأولين " فيحتمل هذه الأخبار خاصة، أو صفة القرآن أو صفة محمد صلى الله عليه وآله، أو المراد وجوه التخويف " أو لم يكن لهم آية " حجة ثانية على نبوته صلى الله عليه وآله؟ وتقريره أن جماعة من علماء بني إسرائيل أسلموا ونصوا على مواضع في التوراة والإنجيل ذكر فيها الرسول صلى الله عليه وآله بنعته وصفته، وقد كان مشركو قريش يذهبون إلى اليهود ويتعرفون منهم هذا الخبر، وهذا يدل دلالة ظاهرة على نبوته صلى الله عليه وآله.
أقول: قوله تعالى: " لا يؤمنون به " إخبار بعدم إيمان هؤلاء المكذبين المعاندين، و كذا قوله تعالى: " عسى أن يكون ردف لكم " أي تبعكم ولحقكم، إخبار بما وقع عليهم قريبا في غزوة بدر، وقد مر أن عسى من الله تعالى موحبة.
قوله تعالى: " أكثر الذي هم فيه يختلفون " قال البيضاوي: كالتشبيه والتنزيه و أحوال الجنة والنار وعزير والمسيح.
قوله تعالى: " لرادك إلى معاد " قال الرازي: قيل: المراد به مكة، وارتداده إليها يوم الفتح، وتنكيره لتعظيمه، لأنه لكان له فيه شأن عظيم من استيلائه عليها، و
قهره لأهلها، وإظهار عز الاسلام، وإذلال حزب الكفر، والسورة مكية: فكأن الله تعالى وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها أنه يهاجر منها ويعيده إليها، وقال مقاتل:
إنه صلى الله عليه وآله خرج من الغار، وسار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما رجع إلى الطريق و نزل بالجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة اشتاق إليها، وذكر مولده و مولد أبيه، فنزل جبرئيل وقال: تشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال صلى الله عليه وآله: نعم، فقال جبرئيل عليه السلام: إن الله يقول: " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " يعني مكة ظاهرا عليهم، وهذا مما يدل على نبوته، لأنه أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر.
قوله تعالى: " لارتاب المبطلون " قال الرازي: فيه معنى لطيف، وهو أن النبي صلى الله عليه وآله إذا كان قارئا كاتبا ما كان يوجب كون الكلام كلامه، فإن جميع كتبة الأرض وقرائها لا يقدرون عليه، لكن على ذلك التقدير يكون للمبطل وجه ارتياب، و على ما هو عليه لا وجه لارتيابه فهو أدخل في البطلان.
قوله تعالى: " غلبت الروم " قال الطبرسي رحمه الله: قال المفسرون: غلبت فارس الروم وظهروا عليهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وفرح بذلك كفار قريش من حيث إن أهل فارس لم يكونوا أهل كتاب: وساء ذلك المسلمين، وكان بيت المقدس لأهل الروم كالكعبة للمسلمين، فدفعهم فارس عنه.
وقوله: " في أدنى الأرض " أي أدنى الأرض من أرض العرب، وقيل: في أدنى الأرض من أرض الشام إلى أرض فارس، يريد الجزيرة، وهي أقرب أرض الروم إلى فارس، و قيل: يريد أزرعات وكسكر " وهم " يعني الروم " من بعد غلبهم " أي غلبة فارس
إياهم " سيغلبون " فارس " في بضع سنين " وهذه من الآيات الدالة على أن القرآن من عند الله عز وجل، لان فيه إنباء ما سيكون، ولا يعلم ذلك إلا الله عز وجل " لله الامر من قبل ومن بعد " أي من قبل أن غلبت الروم ومن بعد ما غلبت، فإن شاء جعل الغلبة لاحد الفريقين على الآخر، وإن شاء جعل الغلبة للفريق الآخر عليهم، وإن شاء أهلكهما جميعا " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله " أي ويوم يغلب الروم فارسا يفرح المؤمنون بدفع الروم فارسا عن بيت المقدس، لا بغلبة الروم على بيت المقدس، فإنهم كفار، ويفرحون أيضا لوجه آخر، وهو اغتمام المشركين بذلك، ولتصديق خبر الله وخبر رسوله، ولأنه مقدمة لنصرهم على المشركين " ينصر من يشاء " من عباده " وهو العزيز " في الانتقام من أعدائه " الرحيم " بمن أناب إليه من خلقه " وعد الله " أي وعد الله ذلك " لا يخلف الله وعده " بظهور الروم على فارس " ولكن أكثر الناس " يعني كفار مكة " لا يعلمون " صحة ما أخبرنا به لجهلهم بالله.
القصة: عن الزهري قال: كان المشركون يجادلون المسلمين وهم بمكة يقولون:
إن أهل الروم أهل كتاب وقد غلبهم الفرس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذي انزل على نبيكم فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم، فأنزل الله تعالى: " ألم غلبت الروم " إلى قوله: " في بضع سنين " قال: فأخبرني عبيد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا بكر ناحب بعض المشركين قبل أن يحرم القمار، على شئ إن لم يغلب فارس في سبع سنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لم فعلت؟ فكل ما دون العشرة بضع، فكان ظهور فارس على الروم في تسع سنين، ثم أظهر الله الروم على فارس زمن الحديبية، ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب، وروى أبو عبد الله الحافظ بالاسناد عن ابن عباس في قوله: " ألم غلبت الروم " قال: قد مضى، كان ذلك في أهل فارس والروم، وكانت فارس قد غلبت عليهم، ثم غلبت الروم بعد ذلك، ولقي نبي الله مشركي العرب، والتقت الروم وفارس فنصر الله النبي صلى الله عليه وآله ومن معه من المسلمين على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على مشركي العجم، ففرح المؤمنون بنصر الله إياهم، ونصر أهل الكتاب على العجم، قال عطية
وسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك فقال: التقينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومشركو العرب، والتقت الروم وفارس، فنصرنا الله على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على المجوس، ففرحنا بنصر الله إيانا على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على المجوس، فذلك قوله: " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله " وقال سفيان الثوري: سمعت أنهم ظهروا يوم بدر، وقال مقاتل: لما كان يوم بدر غلب المسلمون كفار مكة، وأخبر الله رسوله أن الروم غلبت فارسا، ففرح المؤمنون بذلك، وروي أنهم استردوا بيت المقدس: وأن ملك الروم مشى إليه شكرا، بسطت له الرياحين فمشى عليها، وقال الشعبي: لم تمض تلك المدة التي عقدها أبو بكر مع أبي بن خلف حتى غلب الروم فارسا وربطوا خيولهم بالمدائن:
وبنوا الرومية، فأخذ أبو بكر الخطر من ورثته، وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فتصدق به، وروي أن أبا بكر لما أراد الهجرة تعلق به أبي وأخذ ابنه عبد الله بن أبي بكر كفيلا فلما أراد أن يخرج أبي إلى حرب أحد تعلق به عبد الله بن أبي بكر وأخذ منه ابنه كفيلا وجرح أبي في أحد وعاد إلى مكة ومات من تلك الجراحة، جرحه رسول الله صلى الله عليه وآله وجاءت الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لفارس نطحة أو نطحتان، ثم لا فارس بعدها أبدا، والروم ذات القرون، كلما ذهب قرن خلف قرن هبهب إلى آخر الأبد انتهى.
قوله تعالى: " ويرى الذين أوتوا العلم " أي أهل الكتابين، أو مطلق أهل العلم.
قوله تعالى: " الله نزل أحسن الحديث " قال الطبرسي رحمه الله: هو أحسن الحديث لفرط فصاحته، ولاعجازه، ولاشتماله على جميع ما يحتاج إليه المكلف من التنبيه على أدلة التوحيد والعدل، وبيان أحكام الشرع وغير ذلك من المواعظ وقصص الأنبياء و الترغيب والترهيب " كتابا متشابها " يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، ليس فيه
اختلاف ولا تناقض، أو يشبه كتب الله المتقدمة، وإن كان أعم وأجمع وأنفع، وقيل: متشابها في حسن النظم، وجزالة اللفظ، وجودة المعاني " مثاني " سمي بذلك لأنه تثنى فيه القصص والاخبار والاحكام والمواعظ بتصريفها في ضروب البيان، ويثنى أيضا في التلاوة فلا يمل لحسن مسموعه " تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم " أي يأخذهم قشعريرة خوفا مما في القرآن من الوعيد " ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " إذا سمعوا ما فيه من الوعد بالثواب والرحمة.
قوله تعالى: " وإنه لكتاب عزيز " قال البيضاوي: أي كثير النفع، عديم النظير، أو منيع لا يتأتي إبطاله وتحريفه " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات، أو مما فيه من الأخبار الماضية والأمور الآتية " ولو جعلناه قرآنا أعجميا " جواب لقولهم: هلا نزل القرآن بلغة العجم؟ " لقالوا لولا فصلت آياته " بينت بلسان نفقهه " أأعجمي وعربي " أكلام أعجمي ومخاطب عربي؟ إنكار مقرر للتحضيض.
قوله تعالى: " فارتقب " أي فانتظر لهم " يوم تأتي السماء بدخان مبين " أكثر المفسرين على أنه إخبار بقحط ومجاعة أصابتهم بسوء أعمالهم، فالمراد يوم شدة ومجاعة، فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من ضعف بصره، أو لان الهواء يظلم عام القحط لقلة الأمطار وكثرة الغبار، أو لان العرب تسمي الشر الغالب دخانا، وقد قحطوا حتى أكلوا جيف الكلاب وعظامها، وقيل: إشارة إلى ظهور الدخان المعدود من أشراط الساعة كما مر في كتاب المعاد " يغشى الناس " أي يحيط بهم. وقوله: " هذا عذاب أليم " إلى قوله: " مؤمنون " مقدر بقول وقع حالا وإنا مؤمنون وعد بالايمان إن كشف العذاب عنهم " أنى لهم الذكرى " من أين لهم؟ وكيف يتذكرون لهذه الحال؟ " وقد جاءهم رسول مبين " يبين لهم ما هو أعظم منها في إيجاب الادكار من الآيات والمعجزات ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون " قال بعضهم: يعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف، وقال
آخرون: إنه مجنون " إنا كاشفوا العذاب " بدعاء النبي صلى الله عليه وآله فإنه دعا فرفع القحط " قليلا " كشفا قليلا، أو زمانا قليلا، وهو ما بقي من أعمارهم " إنكم عائدون " إلى الكفر غب الكشف " يوم نبطش البطشة الكبرى " يوم القيامة، أو يوم بدر، ظرف لفعل دل عليه " إنا منتقمون " وقال الطبرسي رحمه الله: إن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا على قومه لما كذبوه، فقال: " اللهم سني كسني يوسف " فأجدبت الأرض فأصابت قريشا المجاعة، وكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان، وأكلوا الميتة والعظام، ثم جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وقالوا: يا محمد جئت تأمرنا بصلة الرحم وقومك قد هلكوا، فسأل الله تعالى لهم بالخصب والسعة فكشف عنهم، ثم عادوا إلى الكفر، عن ابن مسعود والضحاك انتهى.
قوله تعالى: " سيقول لك المخلفون " أقول: هذا إخبار بما سيقع وقد وقع.
وقوله: " يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم " إخبار بما في ضميرهم، وكذا قوله:
" سيقول لك المخلفون " إخبار بما وقع بعد الاخبار من غزوة خيبر، وقولهم ذلك، كما سيأتي شرحه في غزوة الحديبية وغزوة خيبر.
وكذا قوله تعالى: " ستدعون إلى قوم اولي بأس شديد ":
قال الطبرسي رحمه الله: هم هوازن وحنين، وقيل : هم هوازن وثقيف، وقيل: هم بنو حنيفة مع مسيلمة، وقيل: هم أهل فارس، وقيل: هم الروم، وقيل: هم أهل صفين أصحاب معاوية، والصحيح أن المراد بالداعي في قوله: " ستدعون " هو النبي صلى الله عليه وآله، لأنه قد دعاهم بعد ذلك إلى غزوات كثيرة، وقتال أقوام ذوي نجدة وشدة، مثل أهل خيبر، وحنين والطائف ومؤتة، وإلى تبوك وغيرها، فلا معنى لحمل ذلك على بعد وفاته.
وقال في قوله تعالى: " وأخرى لم تقدروا عليها " معناه ووعدكم الله مغانم أخرى
لم تقدروا عليها بعد، أو قرية أخرى لم تقدروا عليها قد أعدها الله لكم، وهي مكة، و قيل: هي ما فتح الله على المسلمين بعد ذلك إلى اليوم، وقيل: المراد فارس والروم، قالوا:
إن النبي صلى الله عليه وآله بشرهم كنوز كسرى وقيصر، وما كانت العرب تقدر على قتال فارس و الروم وفتح مدائنها، بل كانوا خولا لهم حتى قدروا عليها بالاسلام " قد أحاط الله بها " أي قدر الله عليها وأحاط بها علما انتهى.
أقول: وكذا قوله تعالى: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق " إخبار بالعيب كما سيأتي تفسيره.
قوله تعالى: " أم يقولون تقوله " قال البيضاوي: أي اختلفه من تلقاء نفسه " بل لا يؤمنون " فيرمون بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم " فليأتوا بحديث مثله " مثل القران " إن كانوا صادقين " في زعمهم، إذ فيهم كثير ممن عدوا فصحاء، فهو رد للأقوال المذكورة بالتحدي انتهى.
قوله تعالى: " عذابا دون ذلك " أقول: على قول من قال: إن المراد به القتل يوم بدر أو القحط سبع سنين فهو أيضا إخبار بالغيب، وقد وقع، وكذا قوله تعالى، " سيهزم الجمع ويولون الدبر " إشارة إلى غزوة بدر، وهو من المعجزات، وكذا قوله: " والله متم نوره " وقوله: " ليظهره على الدين كله " وقد مر بيانه، وكذا قوله: " ولا يتمنونه أبدا " كما مر.
قال البيضاوي: " وما هو بقول شاعر: كما تزعمون تارة " قليلا ما تؤمنون " تصدقون لما ظهر لكم صدقه تصديقا قليلا لفرط عنادكم " ولا بقول كاهن " كما تزعمون أخرى " قليلا ما تذكرون " تذكرون تذكرا قليلا، فلذلك يلتبس الامر عليكم، و ذكر الايمان مع نفي الشاعرية، والتذكر مع الكاهنية، لأن عدم مشابهة القرآن للشعر أمر بين لا ينكرها إلا معاند، بخلاف مباينته للكهانة فإنها تتوقف على تذكر أحوال
الرسول صلى الله عليه وآله، ومعاني القرآن المنافية لطريقة الكهنة ومعاني أقوالهم " فبأي حديث بعده " أي بعد القرآن " يؤمنون " إذا لم يؤمنوا به وهو معجز في ذاته، مشتمل على الحجج الواضحة والمعاني الشريفة.
قوله تعالى: " إنا أعطيناك الكوثر " أقول: هو فوعل صيغة مبالغة في الكثرة، والمراد به الكثرة في العلوم والمعارف والفضائل، والأخلاق الكريمة والآداب الحسنة، و الذرية الطيبة، والأوصياء والعلماء والاتباع والأمة، والدرجات الأخروية، والشفاعة، ولا يخفى وقوع ما يتعلق بالدنيا منها فهو من المعجزات.
وأما قوله: " إن شانئك هو الأبتر " فروي أنها نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج من المسجد فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا، وأناس من صناديد قريش جلوس في المسجد، فلما دخل العاص قالوا: من الذي كنت تحدث معه؟
قال: ذاك الأبتر، وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله بن رسول الله صلى الله عليه وآله وهو من خديجة، وكانوا يسمون من ليس له ابن أبتر، فسمته قريش عند موت ابنه أبتر وصنبورا، كذا روي عن ابن عباس، ففيه أيضا إعجاز بين، وكذا سورة تبت بتمامها تدل على عدم إيمان أبي لهب وزوجته، وقد ظهر صدقه فهو أيضا من المعجزات.
1 - تفسير علي بن إبراهيم: " وإن كنتم في ريب " أي في شك " وادعوا شهدائكم " يعني الذين عبدوهم وأطاعوهم من دون الله.
2 - تفسير علي بن إبراهيم: " قل للذين كفروا ستغلبون " فإنها نزلت بعد بدر، لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من بدر أتى بني قينقاع وهم بناديهم، وكان بها سوق يسمى سوق النبط فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا معشر اليهود قد علمتم ما نزل بقريش وهم أكثر عددا وسلاحا وكراعا منكم، فادخلوا في الاسلام، فقالوا: يا محمد إنك تحسب حربنا مثل حرب
قومك، والله لو قد لقيتنا للقيت رجالا، فنزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد " قل للذين كفروا " الآية.
3 - تفسير علي بن إبراهيم: " ستجدون آخرين " الآية نزلت في عيينة ابن حصن الفزاري، أجدبت بلادهم فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ووادعه على أن يقيم ببطن نخل ولا يتعرض له، وكان منافقا ملعونا وهو الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله الأحمق المطاع في قومه.
4 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " يبين لكم كثيرا " الآية، قال: يبين النبي صلى الله عليه وآله ما أخفيتموه مما في التوراة من أخباره، ويدع كثيرا لا يبينه.
5 - تفسير علي بن إبراهيم: " وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه " أي هلا أنزل " ولكن أكثرهم لا يعلمون " قال: لا يعلمون أن الآية إذا جاءت ولم يؤمنوا بها يهلكوا، وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " إن الله قادر على أن ينزل آية " وسيريك في آخر الزمان آيات منها: دابة الأرض، والدجال، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام، وطلوع الشمس من مغربها.
6 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " مصدق الذي بين يديه " يعني التوراة والإنجيل و الزبور.
قوله: " وليقولوا درست " قال: كانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وآله: إن الذي تخبرنا به من الاخبار تتعلمه من علماء اليهود وتدرسه.
قوله: " قبلا " أي عيانا.
قوله تعالى: " سأصرف عن آياتي " يعني أصرف القرآن عن الذين يتكبرون في الأرض بغير حق.
قوله: " من يسومهم سوء العذاب " قال: نزلت في اليهود لا تكون لهم دولة أبدا.
قوله: " إحدى الطائفتين " قال: العير أو قريش.
قوله: " فسينفقونها " قال: نزلت في قريش لما وافاهم ضمضم، وأخبرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله في طلب العير، فأخرجوا أموالهم وحملوا وأنفقوا وخرجوا إلى محاربة رسول الله صلى الله عليه وآله ببدر فقتلوا وصاروا إلى النار، وكان ما أنفقوا حسرة عليهم.
قوله: " يحلفون بالله ما قالوا " قال: نزلت في الذين تحالفوا في الكعبة أن لا يردوا هذا الامر في بني هاشم فهي كلمة الكفر، ثم قعدوا لرسول الله صلى الله عليه وآله في العقبة وهموا بقتله، وهو قوله: " وهموا بما لم ينالوا ".
قوله: " نظر بعضهم إلى بعض " يعني المنافقين " ثم انصرفوا " أي تفرقوا " " صرف الله قلوبهم " عن الحق إلى الباطل باختيارهم الباطل على الحق، قوله: " بقرآن غير هذا " فإن قريشا قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله " ائتنا بقرآن غير هدا " فإن هذا شئ تعلمته من اليهود والنصارى " فقد لبثت فيكم عمرا من قبله " أي قد لبثت فيكم أربعين سنة قبل أن أوحي إلي لم آتكم بشئ منه حتى أوحي إلي.
7 - تفسير علي بن إبراهيم: " وإذا بدلنا آية مكان آية " قال: كان إذا نسخت اية قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله أنت مفتر، فرد الله عليهم فقال: " قل " لهم يا محمد " نزله روح القدس من ربك بالحق "
يعني جبرئيل عليه السلام، وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " روح القدس " قال: الروح هو جبرئيل عليه السلام، والقدس: الطاهر " ليثبت الذين آمنوا " هم آل محمد، قوله: " لسان الذي يلحدون إليه أعجمي " هو لسان أبي فهيكة مولى ابن الحضرمي، كان أعجمي اللسان، وكان قد اتبع نبي الله وآمن به، وكان من أهل الكتاب، فقالت قريش: والله يعلم محمدا علمه بلسانه، يقول الله: " وهذا لسان عربي مبين ".
8 - تفسير علي بن إبراهيم: " ولم يجعل له عوجا قيما " قال: هذا مقدم ومؤخر، لان معناه الذي انزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا، فقد قدم حرفا على حرف.
9 - تفسير علي بن إبراهيم: " ولو نزلناه على بعض الأعجمين " قال الصادق عليه السلام: لو نزل القرآن على العجم ما آمنت به العرب، وقد نزول على العرب فآمنت به العجم.
10 - تفسير علي بن إبراهيم: " قال علي بن إبراهيم في قوله: " وما كنت تتلو من قبله من كتاب " هو معطوف على قوله في سورة الفرقان: " فهي تملى عليه بكرة وأصيلا " فرد الله عليهم فقال: كيف يدعون أن الذي تقرأه أو تخبر به تكتبه عن غيرك وأنت ما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون، أي شكوا.
11 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله: " ألم غلبت الروم في أدنى الأرض " قال: يا أبا عبيدة إن لهذا تأويلا لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم من الأئمة عليهم السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما
هاجر إلى المدينة وقد ظهر الاسلام كتب إلى ملك الروم كتابا، وبعث إليه رسولا يدعوه إلى الاسلام، وكتب إلى ملك فارس، كتابا وبعث إليه رسولا يدعوه إلى الاسلام، فأما، ملك الروم فإنه عظم كتاب رسول الله، وأكرم رسوله، وأما ملك فارس فإنه مزق كتابه، واستخف برسول الله صلى الله عليه وآله، وكان ملك فارس يومئذ يقاتل ملك الروم، وكان المسلمون يهوون أن يغلب ملك الروم ملك فارس، وكانوا لناحية ملك الروم أرجى منهم لملك فارس، فلما غلب ملك فارس ملك الروم كبا لذلك المسلمون واغتموا، فأنزل الله: " ألم غلبت الروم في أدنى الأرض " يعني غلبتها فارس في أدنى الأرض وهي الشامات وما حولها، ثم قال: وفارس من بعد غلبهم الروم سيغلبون في بضع سنين، قوله: " لله الامر من قبل " أن يأمر " ومن بعد " أن يقضي بما يشاء.
قوله: " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء " قلت: أليس الله يقول:
" في بضع سنين " وقد مضى للمسلمين سنون كثيرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وفي إمارة أبي بكر، وإنما غلبت المؤمنون فارس في إمارة عمر؟ قال: ألم أقل لك: إن لهذا تأويلا وتفسيرا؟
والقرآن يا با عبيدة ناسخ ومنسوخ، أما تسمع قوله: " لله الامر من قبل ومن بعد " يعني إليه المشية في القول أن يؤخر ما قدم ويقدم ما أخر إلى يوم يحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين، وذلك قوله: " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء ".
الكافي: محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد، والعدة عن سهل جميعا عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة إلى قوله: وهي الشامات وما حولها، يعني وفارس " من بعد غلبهم، الروم " سيغلبون " يعني يغلبهم المسلمون " في بضع سنين لله الامر من قبل
ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء " عز وجل، فلما غزا المسلمون فارس وافتتحوها فرح المسلمون بنصر الله عز وجل قال: قلت: أليس الله عز وجل يقول " في بضع سنين " وقد مضى للمؤمنين سنون كثيرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وفي إمارة أبي بكر وإنما غلب المؤمنون فارس في إمارة عمر؟ فقال: ألم أقل لكم: إن لهذا تأويلا وتفسيرا، والقرآن يا با عبيدة ناسخ ومنسوخ، أما تسمع لقول الله عز وجل: " لله الامر من قبل و من بعد " يعني إليه المشية في القول أن يؤخر ما قدم ويقدم ما أخر في القول إلى يوم يحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين، فذلك قوله عز وجل: " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله " أي يوم يحتم القضاء بالنصر.
بيان: قال الفيروزآبادي: الكبوة: العثرة، والوقفة منك لرجل عند الشئ تكرهه " وقال البيضاوي: وقرئ " غلبت " بالفتح و " سيغلبون " بالضم، ومعناه أن الروم غلبوا على ريف الشام، والمسلمون سيغلبونهم، وفي السنة التاسعة من نزوله غزاهم المسلمون وفتحوا بعض بلادهم وعلى هذا يكون إضافة الغلب إلى الفاعل انتهى.
قوله عليه السلام: يعني غلبتها فارس، أقول: يحتمل وجهين:
الأول: أن يكون إضافة غلبتها في كلامه عليه السلام إضافة إلى المفعول، يعني مغلوبية الروم من فارس، أو يقرأ على صيغة الماضي المعلوم فيكون في قراءتهم عليهم السلام غلبت وسيغلبون " كلاهما على المجهول، فيكون مركبا من القراءتين، ولم ينقل عن أحد، ولكنه ليس بمستبعد ومثله كثير.
الثاني: أن يكون إضافة غلبتها إلى الفاعل، ويكون قراءتهم عليهم السلام موافقة لما نقلنا عن البيضاوي، فيكون إشارة إلى ثلاث وقائع: غلبة الروم على فارس في قوله:
" غلبت الروم " وغلبة فارس على الروم في قوله: " وهم من بعد غلبهم " فضمير " هم " راجع إلى فارس، لظهوره بقرينة المقام، وكذا ضمير " غلبهم " والإضافة في غلبهم إضافة إلى الفاعل،
وإلى غلبة المسلمين على فارس بقوله: " سيغلبون " على المجهول.
قوله: أليس الله عز وجل يقول: " في بضع سنين " أقول: لما كان البضع بكسر الباء في اللغة إنما يطلق على ما بين الثلاث إلى التسع وكان تمام الغلبة على فارس في السابع عشر، أو آخر السادس عشر من الهجرة، فعلى المشهور بين المفسرين من نزول الآية في مكة قبل الهجرة لابد من أن يكون بين نزول الآية وبين الفتح ست عشرة سنة، وعلى ما هو الظاهر من الخبر من كون نزول الآية بعد مراسلة قيصر وكسرى و كانت على الأشهر في السنة السادسة فيزيد على البضع أيضا بقليل اعترض السائل بذلك، فأجاب عليه السلام بأن الآية مشعرة باحتمال وقوع البداء في المدة حيث قال: " لله الامر من قبل ومن بعد " أي لله أن يقدم الامر قبل البضع، ويؤخره بعده كما هو الظاهر من تفسيره عليه السلام.
12 - تفسير علي بن إبراهيم: " لا يأتيه الباطل من بين يديه " قال: لا يأتيه الباطل من قبل التوراة ولا من قبل الإنجيل والزبور، وأما من خلفه لا يأتيه من بعده كتاب يبطله، قوله:
" أأعجمي وعربي " قال: لو كان هذا لقرآن أعجميا لقالوا: كيف نتعلمه ولساننا عربي وأتيتنا بقرآن أعجمي؟ فأحب أن ينزل بلسانهم، وفيه قال الله عز وجل: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه.
13 - تفسير علي بن إبراهيم: قال قريش: قد اجتمعنا لننتصر ونقتلك يا محمد، فأنزل الله: " أم يقولون " يا محمد " نحن جميع منتصر * سيهزم الجمع ويولون الدبر " يعني يوم بدر حين هزموا وأسروا وقتلوا. 14 - تفسير علي بن إبراهيم: " إنا أعطيناك الكوثر * قال: الكوثر نهر في الجنة، أعطى الله محمدا عوضا من ابنه إبراهيم، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على عمرو بن العاص، والحكم
ابن أبي العاص فقال عمرو: يا با الأبتر، وكان الرجل في الجاهلية إذا لم يكن له ولد يسمى أبتر ، ثم قال عمرو: إني لاشنؤ محمدا، أي أبغضه، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله " إن شانئك " أي مبغضك عمرو بن العاص " هو الأبتر " يعني لا دين له ولا نسب.
15 - الكافي: الحسين بن محمد، عن أحمد بن محمد السياري، عن أبي يعقوب البغدادي قال: قال ابن السكيت لأبي الحسن عليه السلام: لماذا بعث الله موسى بن عمران عليه السلام بالعصا، ويده البيضاء، وآلة السحر؟ وبعث عيسى عليه السلام بآلة الطب؟ وبعث محمدا صلى الله عليه وآله على جميع الأنبياء بالكلام والخطب؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: إن الله لما بعث موسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله، وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم، وإن الله بعث عيسى عليه السلام في وقت قد ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله، وبما أحيا لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله وأثبت به الحجة عليهم، وإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام - وأظنه قال: الشعر - فآتاهم من عند الله من مواعظه وأحكامه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم، فقال ابن السكيت: تالله ما رأيت مثلك قط.
بيان: قوله: وآلة السحر، أي ما يشبهه، أو يبطله، والأول أظهر بقرينة الثاني.
16 - عيون أخبار الرضا (ع): البيهقي، عن الصولي، عن محمد بن موسى الرازي، عن أبيه قال:
ذكر الرضا عليه السلام يوما القرآن فعظم الحجة فيه والآية المعجزة في نظمه، فقال:
هو حبل الله المتين، وعروته الوثقى، وطريقته المثلى، المؤدي إلى الجنة، والمنجي من
النار، لا يخلق من الأزمنة، ولا يغث على الألسنة، لأنه لم يجعل لزمان دون زمان بل جعل دليل البرهان، وحجة على كل إنسان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
بيان: قال الجوهري: غث اللحم يغث ويغث: إذا كان مهزولا ، وكذلك غث حديث القوم وأغث أي ردؤ وفسد، وفلان لا يغث عليه شئ، أي لا يقول في شئ إنه ردئ فيتركه انتهى.
أقول: في هذا الحديث إشارة إلى وجه آخر من إعجاز القرآن، وهو عدم تكرره بتكرر القراءة والاستماع، بل كلما أكثر الانسان من تلاوته يصير أشوق إليه، ولا يوجد هذا في كلام غيره.
17 - إعلام الورى: كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يكف عن عيب آلهة المشركين، ويقرأ عليهم القرآن فيقولون: هذا شعر محمد، ويقول بعضهم: بل هو كهانة، ويقول بعضهم: بل هو خطب، وكان الوليد بن المغيرة شيخا كبيرا، وكان من حكام العرب يتحاكمون إليه في الأمور وينشدونه الاشعار فما اختاره من الشعر كان مختارا، وكان له بنون لا برحون من مكة، وكان له عبيد عشرة عند كل عبد ألف دينار يتجر بها، وملك القنطار في ذلك الزمان، والقنطار: جلد ثور مملو ذهبا، وكان من المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله، وكان عم أبي جهل بن هشام، فقال له: يا با عبد شمس ما هذا الذي يقول محمد أسحر أم كهانة أم خطب؟ فقال: دعوني أسمع كلامه، فدنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وهو جالس في الحجر فقال:
يا محمد أنشدني من شعرك، قال: ما هو بشعر، ولكنه كلام الله الذي به بعث أنبيائه و رسله، فقال: أتل علي منه، فقرأ عليه رسول الله:
" بسم الله الرحمن الرحيم " فلما سمع الرحمن استهزأ فقال: تدعو إلى رجل باليمامة يسمى الرحمن، قال: لا، ولكني أدعو إلى الله وهو الرحمن الرحيم، ثم افتتح سورة حم السجدة، فلما بلغ إلى قوله:: " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد و
ثمود وسمعه اقشعر جلده، وقامت كل شعرة في رأسه ولحيته، ثم قام و مضى إلى بيته ولم يرجع إلى قريش، فقالت قريش: يا با الحكم صبا أبو عبد شمس إلى دين محمد، أما تراه لم يرجع إلينا وقد قبل قوله ومضى إلى منزله، فاغتمت قريش من ذلك غما شديدا، وغدا عليه أبو جهل فقال: يا عم نكست برؤوسنا وفضحتنا، قال: وما ذاك يا ابن أخ؟ قال: صبوت إلى دين محمد، قال: ما صبوت وإني على دين قومي وآبائي ولكني سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود، قال أبو جهل:، أشعر هو؟ قال: ما هو بشعر، قال: فخطب هي؟ قال: لا، إن الخطب كلام متصل، وهذا كلام منثور، ولا يشبه بعضه بعضا، له طلاوة، قال: فكهانة، هي؟ قال: لا قال: فما هو؟ قال: دعني أفكر فيه، فلما كان من الغد قالوا: يا أبا عبد شمس ما تقول؟ قال: قولوا هو سحر، فإنه آخذ بقلوب الناس، فأنزل الله تعالى فيه " ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا " إلى قوله: " عليها تسعة عشر ".
وفي حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة قال: جاء الوليد بن المغيرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: اقرأ علي فقرأ عليه: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فقال: أعد، فأعاد، فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمعذق وما يقول هذا بشر.
بيان: صبأ فلان: إذا خرج من دين إلى دين غيره، وقد يترك الهمز، والطلاوة بالكسر والفتح: الرونق والحسن، وأعذق الشجر، أي صارت لها عذوق وشعب، أو أزهر.
18 - عيون أخبار الرضا (ع): البيهقي، عن الصولي، عن أبي ذكوان، عن إبراهيم بن العباس، عن الرضا، عن أبيه عليهما السلام إن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلا غضاضة (1)؟ فقال: لان الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة.
19 - الخرائج: روي أن ابن أبي العوجاء وثلاثة نفر من الدهرية اتفقوا على أن يعارض كل واحد منهم ربع القرآن، وكانوا بمكة عاهدوا على أن يجيئوا بمعارضته في العام القابل، فلما حال الحول واجتمعوا في مقام إبراهيم أيضا، قال أحدهم: إني لما رأيت قوله:
" وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء كففت عن المعارضة، وقال الآخر وكذا أنا لما وجدت قوله: " فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا " آيست من المعارضة، وكانوا يسرون بذلك إذ مر عليهم الصادق عليه السلام فالتفت إليهم وقرأ عليهم: " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله " فبهتوا.
20 - تفسير الإمام العسكري: " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا " إلى قوله تعالى: " أعدت للكافرين ".
قال العالم موسى بن جعفر عليه السلام فلما ضرب الله الأمثال للكافرين المجاهرين الدافعين لنبوة محمد صلى الله عليه وآله، والناصبين المنافقين لرسول الله، الدافعين ما قاله محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أخيه علي عليه السلام، والدافعين أن يكون ما قاله عن الله عز وجل وهي آيات محمد ومعجزاته مضافة إلى آياته التي بينها لعلي عليه السلام بمكة والمدينة، ولم يزدادوا إلا عتوا وطغيانا، قال الله تعالى لمردة أهل مكة وعتاة أهل المدينة " إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا " حتى تجحدوا أن يكون محمد رسول الله، وأن يكون هذا المنزل عليه كلامي، مع إظهاري عليه بمكة الباهرات من الآيات، كالغمامة، التي كانت تظله في أسفاره، والجمادات التي كانت تسلم عليه من الجبال والصخور والأحجار والأشجار، وكدفاعه قاصديه بالقتل عنه، وقتله إياهم، وكالشجرتين المتباعدتين اللتين تلاصقتا فقعد خلفهما لحاجته، ثم تراجعتا إلى أمكنتهما كما كانتا؟ وكدعائه الشجرة فجاءته مجيبة خاضعة ذليلة، ثم أمره لها بالرجوع فرجعت سامعة مطيعة " فأتوا " يا معاشر قريش واليهود ويا معشر النواصب المنتحلين الاسلام الذين هم منه برآء، ويا معشر العرب الفصحاء البلغاء ذوي الألسن " بسورة من مثله " من مثل محمد صلى الله عليه وآله، من مثل رجل
منكم لا يقرأ ولا يكتب ولم يدرس كتابا، ولا اختلف إلى عالم ولا تعلم من أحد وأنتم تعرفونه في أسفاره وحضره، بقي كذلك أربعين سنة ثم أوتي جوامع العلم حتى علم علم الأولين والآخرين، فإن كنتم في ريب من هذه الآيات فأتوا من مثل هذا الرجل بمثل هذا الكلام ليبين أنه كاذب كما تزعمون، لان كل ما كان من عند غير الله فسيوجد له نظير في سائر خلق الله، وإن كنتم معاشر قراء الكتب من اليهود والنصارى في شك مما جاءكم به محمد صلى الله عليه وآله من شرائعه، ومن نصبه أخاه سيد الوصيين وصيا، بعد أن أظهر لكم معجزاته التي منها أن كلمته الذراع المسموسة، وناطقه ذئب، وحن إليه العود، وهو على المنبر، ودفع الله عنه السم الذي دسته اليهود في طعامهم، وقلب عليهم البلاء وأهلكهم به، وكثر القليل من الطعام " فأتوا بسورة من مثله " يعني من مثل هذا القرآن من التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم والكتب الأربعة عشر فإنكم لا تجدون في سائر كتب الله سورة كسورة من هذا القرآن، وكيف يكون كلام محمد المتقول أفضل من سائر كلام الله وكتبه يا معشر اليهود والنصارى، ثم قال لجماعتهم: " وادعوا شهداءكم من دون الله " ادعوا أصنامكم التي تعبدونها أيها المشركون، وادعوا شياطينكم يا أيها اليهود والنصارى، وادعوا قرناءكم من الملحدين يا منافقي المسلمين من النصاب لآل محمد الطيبين وسائر أعوانكم على آرائكم " إن كنتم صادقين " أن محمدا تقول: هذا القرآن من تلقاء نفسه، لم ينزله الله عليه، وأن ما ذكره من فضل علي على جميع أمته وقلده سياستهم، ليس بأمر أحكم الحاكمين.
ثم قال عز وجل: " فإن لم تفعلوا " أي لم تأتوا يا أيها المقرعون بحجة رب العالمين " ولن تفعلوا " أي ولا يكون هذا منكم أبدا " فاتقوا النار التي وقودها " حطبها " الناس والحجارة " توقد تكون عذابا على أهلها " أعدت للكافرين " المكذبين لكلامه ونبيه، الناصبين العداوة لوليه ووصيه، قال: فاعلموا بعجزكم عن ذلك أنه من قبل
الله تعالى، ولو كان من قبل المخلوقين لقدرتم على معارضته، فلما عجزوا بعد التقريع و التحدي قال الله عز وجل: " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.