پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 2 جوامع معجزاته صلى الله

ج ۱۷، ص ۲۲۴–۲۵۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۷

إنا نجد في التوراة أن الله تبارك وتعالى آتى إبراهيم وولده الكتاب والحكم والنبوة، وجعل لهم الملك والإمامة، وهكذا وجدنا ذرية الأنبياء لا تتعداهم النبوة والخلافة والوصية، فما بالكم قد تعداكم ذلك، وثبت في غيركم، ونلقاكم مستضعفين مقهورين، لا يرقب فيكم ذمة نبيكم (1)؟ فدمعت عينا أبي عبد الله عليه السلام، ثم قال: نعم لم تزل أنبياء الله مضطهدة مقهورة مقتولة بغير حق، والظلمة غالبة، وقليل من عباد الله الشكور، قالوا: فإن الأنبياء وأولادهم علموا من غير تعليم، وأوتوا العلم تلقينا، وكذلك ينبغي لأئمتهم وخلفائهم وأوصيائهم، فهل أوتيتم ذلك ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: ادنه يا

موسى، فدنوت فمسح يده على صدري، ثم قال: اللهم أيده بنصرك بحق محمد وآله، ثم قال: سلوه عما بدا لكم، قالوا: وكيف نسأل طفلا لا يفقه؟ قلت: سلوني تفقها، ودعوا العنت.

قالوا: أخبرنا عن الآيات التسع التي أوتيها موسى بن عمران، قلت: العصا، و إخراجه يده من جيبه بيضاء، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ورفع الطور، والمن والسلوى آية واحدة، وفلق البحر، قالوا: صدقت، * فما أعطي نبيكم من الآيات اللاتي نفت الشك عن قلوب من ارسل إليه؟ قلت: آيات كثيرة أعدها إن شاء الله، فاسمعوا وعوا وافقهوا، أما أول ذلك فإن أنتم تقرون أن الجن كانوا يسترقون السمع قبل مبعثه فمنعت في أوان رسالته بالرجوم، وانقضاض النجوم، وبطلان الكهنة والسحرة.

ومن ذلك كلام الذئب يخبر بنبوته، واجتماع العدو والولي على صدق لهجته، وصدق أمانته، وعدم جهله أيام طفوليته، وحين أيفع، وفتى وكهلا، لا يعرف له شكل، ولا يوازيه مثل ومن ذلك أن سيف بن ذي يزن حين ظفر بالحبشة وفد عليه قريش فيهم عبد المطلب، فسألهم عنه، ووصف لهم صفته فأقروا جميعا بأن هذه الصفة في محمد، فقال: هذا أوان مبعثه، ومستقره أرض يثرب وموته بها.

ومن ذلك: أن أبرهة بن يكسوم قاد الفيلة إلى بيت الله الحرام ليهدمه قبل مبعثه، فقال عبد المطلب: إن لهذا البيت ربا يمنعه، ثم جمع أهل مكة فدعا، وهذا بعدما أخبره سيف بن ذي يزن، فأرسل الله تبارك وتعالى عليهم طيرا أبابيل ودفعهم عن مكة وأهلها.

ومن ذلك أن أبا جهل عمرو بن هشام المخزومي أتاه وهو نائم خلف جدار، ومعه حجر يريد أن يرميه به، فالتصق بكفه.

ومن ذلك أن أعرابيا باع ذودا له من أبي جهل فمطله بحقه، فأتى قريشا فقال:

أعدوني على أبي الحكم فقد لوى بحقي، فأشاروا إلى محمد صلى الله عليه وآله وهو يصلي في الكعبة، فقالوا: ائت هذا الرجل فاستعديه عليه، وهم يهزؤون بالاعرابي، فأتاه فقال له، يا عبد الله أعدني على عمرو بن هشام فقد منعني حقي، قال: نعم، فانطلق معه فدق على أبي جهل بابه، فخرج إليه متغيرا فقال له ما حاجتك؟ قال: أعط الاعرابي حقه، قال: نعم، وجاء الاعرابي إلى قريش فقال: جزاكم الله خيرا، انطلق معي الرجل الذي دللتموني عليه فأخذ حقي، وجاء أبو جهل فقالوا: أعطيت الاعرابي حقه؟ قال: نعم، قالوا: إنما أردنا أن نغريك بمحمد ونهزأ بالاعرابي، فقال: ما هو إلا دق بابي فخرجت إليه، فقال:

أعط الاعرابي حقه، وفوقه مثل الفحل فاتحا فاه كأنه يريدني، فقال: أعطه حقه، فلو قلت: لا، لابتلع رأسي، فأعطيته.

ومن ذلك أن قريشا أرسلت النضر بن الحارث وعلقمة بن أبي معيط بيثرب إلى اليهود، وقالوا لهما: إذا قدمتما عليهم فسائلوهم عنه، وهما قد سألوهم عنه فقالوا: صفوا لنا صفته، فوصفوه، وقالوا: من تبعه منكم؟ قالوا: سفلتنا، فصاح حبر منهم فقال: هذا النبي الذي نجد نعته في التوراة، ونجد قومه أشد الناس عداوة له.

ومن ذلك أن قريشا أرسلت سراقة بن جعشم حتى يخرج إلى المدينة في طلبه فلحق به، فقال صاحبه، هذا سراقة يا نبي الله، فقال: اللهم اكفنيه، فساخت قوائم ظهره، فناداه يا محمد خل عني بموثق أعطيكه أن لا أناصح غيرك، وكل من عاداك لا أصالح،

فقال النبي صلى الله عليه وآله: اللهم إن كان صادق المقال فأطلق فرسه، فأطلق فوفى، وما انثنى بعد.

ومن ذلك أن عامر بن الطفيل وأزيد بن قيس أتيا النبي صلى الله عليه وآله فقال عامر لأزيد: إذا أتيناه فأنا أشاغله عنك فاعله بالسيف، فلما دخلا عليه قال عامر: يا محمد حال، قال: لا حتى تقول: لا إله إلا الله، وإني رسول الله، وهو ينظر إلى أزيد، وأزيد لا يخبر شيئا، فلما طال ذلك نهض وخرج، وقال لأزيد: ما كان أحد على وجه الأرض أخوف منك على نفسه فتكا منك، ولعمري لا أخافك بعد اليوم، قال له أزيد:

لا تعجل فإني ما هممت بما أمرتني به إلا دخلت الرجال بيني وبينك حتى ما أبصر غيرك فأضربك.

ومن ذلك أن أزيد بن قيس والنضر بن الحارث اجتمعا على أن يسألاه عن الغيوب فدخلا عليه فأقبل النبي صلى الله عليه وآله على أزيد فقال: يا أزيد أتذكر ما جئت له يوم كذا ومعك عامر بن الطفيل؟ وأخبر بما كان منهما، فقال أزيد: والله ما حضرني وعامرا أحد وما أخبرك بهذا إلا ملك السماء، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك رسول الله.

ومن ذلك أن نفرا من اليهود أتوه فقالوا لأبي الحسن جدي: استأذن لنا على ابن عمك نسأله فدخل علي عليه السلام فأعلمه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: وما يريدون مني؟ فإني

عبد من عبيد الله، لا أعلم إلا ما علمني ربي ثم قال: أذن لهم فدخلوا عليه، فقال:

أتسألوني عما جئتم له أم أنبئكم؟ قالوا: نبئنا، قال: جئتم تسألوني عن ذي القرنين، قالوا: نعم، قال: كان غلاما من أهل الروم، ثم ملك وأتى مطلع الشمس ومغربها، ثم بنى السد فيها، قالوا: نشهد أن هذا كذا.

ومن ذلك أن وابصة بن معبد الأسدي أتاه فقال: لا أدع من البر والاثم شيئا إلا سألته عنه، فلما أتاه قال له بعض أصحابه: إليك يا وابصة عن رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: دعه، ادنه يا وابصة، فدنوت، فقال: أتسأل عما جئت له أو أخبرك؟

قال: أخبرني، قال: جئت تسأل عن البر والاثم، قال: نعم، فضرب بيده على صدره ثم قال: يا وابصة البر ما اطمأنت به النفس، والبر ما اطمأن به الصدر، والاثم ما تردد في الصدر وجال في القلب، وإن أفتاك الناس وأفتوك.

ومن ذلك أنه أتاه وفد عبد القيس فدخلوا عليه، فلما أدركوا حاجتهم عنده قال: ائتوني بتمر أهلكم مما معكم، فأتاه كل رجل منهم بنوع منه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: هذا يسمى كذا وهذا يسمى كذا، فقالوا: أنت أعلم بتمر أرضنا، فوصف لهم أرضهم، فقالوا أدخلتها؟ قال لا، ولكن فسح لي فنظرت إليها، فقام رجل منهم فقال: يا رسول الله هذا خالي وبه خبل فأخذ بردائه، ثم قال: اخرج عدو الله ثلاثا ثم أرسله فبرأ، وأتوه بشاة هرمة فأخذ أحد اذنيها بين أصابعه فصار لها ميسما، ثم قال: خذوها فإن هذه السمة في آذان ما تلد إلى يوم القيامة، فهي توالد وتلك في آذانها معروفة غير مجهولة.

ومن ذلك أنه كان في سفر فمر على بعير قد أعيا وقام مبركا على أصحابه فدعا بماء فتمضمض منه في إناء وتوضأ وقال: افتح فاه فصب في فيه، فمر ذلك الماء على رأسه وحاركه، ثم قال: اللهم احمل خلادا وعامرا ورفيقهما وهما صاحبا الجمل،

فركبوه وإنه ليهتز بهم أمام الخيل ومن ذلك أن ناقة لبعض أصحابه ضلت في سفر كانت فيه، فقال صاحبها: لو كان نبيا يعلم أمر الناقة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فقال: الغيب لا يعلمه إلا الله، انطلق يا فلان فإن ناقتك بموضع كذا وكذا، قد تعلق زمامها بشجرة، فوجدها كما قال.

ومن ذلك أنه مر على بعير ساقط فتبصبص له، فقال: إنه ليشكو شر ولاية أهله له، وسأله أن يخرج عنهم فسأل عن صاحبه فأتاه فقال: بعه وأخرجه عنك، فأناخ البعير يرغو، ثم نهض وتبع النبي صلى الله عليه وآله، فقال: يسألني أن أتولى أمره، فباعه من علي عليه السلام فلم يزل عنده إلى أيام صفين.

ومن ذلك أنه كان في مسجده إذ أقبل جمل ناد حتى وضع رأسه في حجره، ثم خرخر، فقال النبي صلى الله عليه آله: يزعم هذا أن صاحبه يريد أن ينحره في وليمة على ابنه فجاء يستغيث، فقال رجل: يا رسول الله هذا لفلان وقد أراد به ذلك، فأرسل إليه وسأله أن لا ينحره ففعل.

ومن ذلك أنه دعا على مضر فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، فأصابهم سنون، فأتاه رجل فقال: فوالله ما أتيتك حتى لا يخطر لنا فحل ولا يتردد منا رائح، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اللهم دعوتك فأجبتني، وسألتك فأعطيتني اللهم فاسقنا غيثا مغيثا مريئا سريعا طبقا سجالا عاجلا غير رائث، نافعا غير ضار " فما قام حتى ملا كل شئ، ودام عليهم جمعة، فأتوه فقالوا: يا رسول الله انقطعت سبلنا وأسواقنا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: حوالينا ولا علينا، فانجابت السحابة عن المدينة وصار فيما حولها وامطروا أشهرا.

ومن ذلك أنه توجه إلى الشام قبل مبعثه مع نفر من قريش فلما كان بحيال بحير الراهب نزلوا بفناء ديره، وكان عالما بالكتب وقد كان قرأ في التوراة مرور النبي صلى الله عليه وآله به، وعرف أوان ذلك، فأمر فدعي إلى طعامه، فأقبل يطلب الصفة في القوم فلم يجدها، فقال: هل بقي في رحالكم أحد، فقالوا: غلام يتيم، فقام بحير الراهب فاطلع فإذا هو برسول الله صلى الله عليه وآله نائم وقد أظلته سحابة، فقال للقوم: ادعوا هذا اليتيم ففعلوا، وبحير مشرف عليه وهو يسير والسحابة قد أظلته، فأخبر القوم بشأنه وأنه سيبعث فيهم رسولا وما يكون من حاله وأمره، فكان القوم بعد ذلك يهابونه ويجلونه، فلما قدموا أخبروا قريشا بذلك، وكان معهم عبد خديجة بنت خويلد، فرغبت في تزويجه وهي سيدة نساء قريش، وقد خطبها كل صنديد ورئيس قد ابتهم، فزوجته نفسها بالذي بأنها من خبر بحير.

ومن ذلك أنه كان بمكة قبل الهجرة أيام ألبت عليه قومه وعشائره، فأمر عليا أن يأمر خديجة أن تتخذ له طعاما ففعلت، ثم أمره أن يدعو له أقرباءه من بني عبد المطلب فدعا أربعين رجلا، فقال: احضر لهم طعاما يا علي، فأتاه بثريدة وطعام يأكله الثلاثة و الأربعة، فقدمه إليهم، وقال: كلوا وسموا، فسمى ولم يسم القوم، فأكلوا و صدروا شبعى، فقال أبو جهل: جاد ما سحركم محمد، يطعم من طعام ثلاثة رجال أربعين رجلا، هذا والله السحر الذي لا بعده، فقال علي عليه السلام: ثم أمرني بعد أيام فاتخذت له مثله ودعوتهم بأعيانهم فطعموا وصدروا.

ومن ذلك أن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: " دخلت السوق فابتعت لحما بدرهم، وذرة بدرهم، وأتيت فاطمة عليها السلام حتى إذا فرغت من الخبز والطبخ قالت: لو دعوت أبي: فأتيته وهو مضطجع وهو يقول: أعوذ بالله من الجوع ضجيعا فقلت له: يا رسول الله إن عندنا طعاما، فقام واتكأ علي ومضينا نحو فاطمة عليه السلام، فلما دخلنا قال: هلم طعامك يا فاطمة، فقدمت إليه البرمة والقرص، فغطى القرص وقال: " اللهم بارك لنا في طعامنا " ثم قال: اغرفي لعائشة، فغرفت، ثم قال: اغرفي لام سلمة، فما زالت: تغرف حتى وجهت إلى نسائه التسع قرصة قرصة ومرقا، ثم قال: اغرفي لابنيك وبعلك، ثم قال:

اغرفي وكلي وأهدي لجاراتك، ففعلت وبقي عندهم أياما يأكلون.

ومن ذلك أن امرأة عبد الله بن مسلم أتته بشاة مسمومة، ومع النبي صلى الله عليه وآله بشر بن البراء بن عازب، فتناول النبي صلى الله عليه وآله الذراع، وتناول بشر الكراع، فأما النبي صلى الله عليه وآله فلاكها ولفظها، وقال: إنها لتخبرني أنها مسمومة، وأما بشر فلاك المضغة وابتلعها فمات، فأرسل إليها فأقرت، فقال: ما حملك على ما فعلت؟ قالت: قلت زوجي وأشراف قومي، فقلت: إن كان ملكا قتلته، وإن كان نبيا فسيطلعه الله تبارك وتعالى على ذلك.

ومن ذلك أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: رأيت الناس يوم الخندق يحفرون وهم خماص، ورأيت النبي صلى الله عليه وآله يحفر وبطنه خميص، فأتيت أهلي فأخبرتها، فقالت:

ما عندنا إلا هذه الشاة، ومحرز من ذرة قال فاخبزي، وذبح الشاة وطبخوا شقها وشووا الباقي حتى إذا أدرك أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله اتخذت طعاما فأتني أنت ومن أحببت، فشبك أصابعه في يده، ثم نادى ألا إن جابرا يدعوكم إلى طعامه، فأتى أهله مذعورا خجلا فقال لها: هي الفضيحة قد جفل بها أجمعين، فقالت: أنت دعوتهم أم هو قال:

هو، قالت: فهو أعلم بهم، فلما رآنا أمر بالأنطاع، فبسطت على الشوارع، وأمره

أن يجمع التواري - يعني قصاعا كانت من خشب - والجفان، ثم قال: ما عندكم من الطعام؟ فأعلمته، فقال: غطوا السدانة والبرمة والتنور واغرفوا، وأخرجوا الخبز و اللحم وغطوا، فما زالوا يغرفون وينقلون ولا يرونه ينقص شيئا حتى شبع القوم وهم ثلاثة آلاف، ثم أكل جابر وأهله وأهدوا وبقي عندهم أياما.

ومن ذلك أن سعد بن عبادة الأنصاري أتاه عشية وهو صائم فدعاه إلى طعامه، و دعا معه علي بن أبي طالب عليه السلام، فلما أكلوا قال النبي صلى الله عليه وآله: نبي ووصي أيا سعد أكل طعامك الأبرار، وأفطر عندك الصائمون، وصلت عليكم الملائكة، فحمله سعد على حمار قطوف، وألقى عليه قطيفة، فرجع الحمار وإنه لهملاج ما يساير.

ومن ذلك أنه أقبل من الحديبية وفي الطريق ماء يخرج من وشل بقدر ما يروي الراكب والراكبين، فقال: من سبقنا إلى الماء فلا يستقين منه، فلما انتهى إليه دعا بقدح فتمضمض فيه ثم صبه في الماء، ففاض الماء فشربوا وملأوا أداواهم ومياضيهم وتوضؤوا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: لان بقيتم وبقى منكم ليسقين بهذا الوادي يسقى ما بين يديه من كثرة مائه، فوجدوا ذلك كما قال.

ومن ذلك إخباره عن الغيوب وما كان وما يكون فوجدوا ذلك موافقا لما يقول.

ومن ذلك أنه أخبر صبيحة الليلة التي أسري به بما رأى في سفره، فأنكر ذلك بعض وصدقه بعض، فأخبرهم بما رأى من المارة والممتارة، وهيأتهم ومنازلهم وما معهم من الأمتعة وأنه رأى عيرا أمامها بعير أورق، وأنه يطلع يوم كذا من العقبة مع طلوع الشمس، فعدوا يطلبون تكذيبه للوقت الذي وقته لهم، فلما كانوا هناك طلعت الشمس، فقال بعضهم: كذب الساحر، وبصر آخرون بالعير قد أقبلت يقدمها الأورق فقالوا: صدق، هذه، نعم قد أقبلت.

ومن ذلك أنه أقبل من تبوك فجهدوا عطشا وبادر الناس إليه يقولون: الماء الماء يا رسول الله، فقال لأبي هريرة: هل معك من الماء شئ؟ قال: كقدر قدح في ميضاتي قال:

هلم ميضاتك، فصب ما فيه في قدح ودعا وأوعاه وقال: ناد من أراد الماء. فأقبلوا يقولون: الماء يا رسول الله، فما زال يسكب وأبو هريرة يسقي حتى روي القوم أجمعون، و ملأوا ما معهم، ثم قال لأبي هريرة: اشرب، فقال: بل آخركم شربا، فشرب رسول الله صلى الله عليه وآله وشرب.

ومن ذلك أن أخت عبد الله بن رواحة الأنصاري مرت به أيام حفرهم الخندق فقال لها: أين تريدين (2)؟ قالت: إلى عبد الله بهذه التمرات، فقال: هاتيهن فنثرت في كفه، ثم دعا بالأنطاع وفرقها عليها وغطاها بالأزر، وقام وصلى ففاض التمر على الأنطاع، ثم نادى هلموا وكلوا، فأكلوا وشبعوا وحملوا معهم ودفع ما بقي إليها.

ومن ذلك أنه كان في سفر فأجهدوا جوعا، فقال: من كان معه زاد فليأتنا به فأتاه نفر منهم بمقدار صاع، فدعا بالأزر والأنطاع ثم صب التمر عليها، ودعا ربه فأكثر الله ذلك التمر حتى كان أزوادهم إلى المدينة.

ومن ذلك أنه أقبل من بعض أسفاره فأتاه قوم فقالوا: يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان القيظ اجتمعنا عليها، وإذا كان الشتاء تفرقنا على مياه حولنا، وقد صار من حولنا عدوا لنا فادع الله في بئرنا فتفل صلى الله عليه وآله في بئرهم ففاضت المياه المغيبة، وكانوا لا يقدرون أن ينظروا إلى قعرها بعد من كثرة مائها، فبلغ ذلك مسيلمة الكذاب فحاول مثله من قليب قليل ماؤه فتفل الأنكد في القليب فغار ماؤه، وصار كالجبوب.

ومن ذلك أن سراقة بن جعشم حين وجهه قريش في طلبه ناوله نبلا من كنانته و قال له: ستمر برعاتي فإذا وصلت إليهم فهذا علامتي، أطعم عندهم واشرب، فلما انتهى

إليهم أتوه بعنز حايل فمسح صلى الله عليه وآله ضرعها فصارت حاملا ودرت حتى ملأوا الاناء وارتووا.

ومن ذلك أنه نزل بأم شريك فأتته بعكة فيها سمن يسير، فأكل هو أصحابه، ثم دعا لها بالبركة فلم تزل العكة تصب سمنا أيام حياتها.

ومن ذلك أن أم جميل امرأة أبي لهب أتته حين نزلت سورة تبت ومع النبي صلى الله عليه وآله أبو بكر بن أبي قحافة، فقال: يا رسول الله هذه أم جميل محفظة، أي مغضبة تريدك، ومعها حجر تريد أن ترميك به، فقال: إنها لا تراني، فقالت لأبي بكر: أين صاحبك؟ قال:

حيث شاء الله، قالت: لقد جئته ولو أراه لرميته فإنه هجاني، واللات والعزى إني لشاعرة فقال أبو بكر: يا رسول الله لم ترك؟ قال: لا، ضرب الله بيني وبينها حجابا.

ومن ذلك كتابه المهيمن الباهر لعقول الناظرين، مع ما أعطي من الخلال التي إن ذكرناها لطالت فقالت اليهود: وكيف لنا بأن نعلم أن هذا كما وصفت؟ فقال لهم موسى عليه السلام.

وكيف لنا بأن نعلم أن ما تذكرون من آيات موسى صلى الله عليه على ما تصفون؟

قالوا: علمنا ذلك بنقل البررة الصادقين، قال لهم: فاعلموا صدق ما أتيناكم به بخبر طفل لقنه الله من غير تلقين ولا معرفة عن الناقلين، فقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنكم الأئمة والقادة والحجج من عند الله على خلقه، فوثب أبو عبد الله عليه السلام فقبل بين عيني، ثم قال: أنت القائم من بعدي - فلهذا قالت الواقفة: إنه حي، وإنه القائم - ثم كساهم أبو عبد الله عليه السلام ووهب لهم وانصرفوا مسلمين.

توضيح: قال الفيروزآبادي: غلام خماسي: طوله خمسة أشبار، وقال: رقبه:

انتظره، والشئ: حرسه.

قوله: ذمة نبيكم، أي عهده، أو حرمته والعنت محركة: الفساد والاثم و الهلاك، ودخول المشقة على الانسان.

قوله عليه السلام: فمنعت في أوان رسالته، لعله محمول على المنع الشديد، أو المراد بأوان الرسالة ما تقدمها أيضا إلى الولادة، لئلا ينافي ما سبق من أن ظهور ذلك كان عند ولادته صلى الله عليه وآله. وأيفع الغلام، أي ارتفع. وقوله عليه السلام: وهذا بعد ما أخبره سيف بن ذي يزن، خلاف ما هو المشهور من أن قصة الفيل كانت في سنة ولادته صلى الله عليه وآله أو قبله كما مر، وهذا أوثق لصحة الخبر، ويمكن أن يتكلف بحمل هذا الخبر من سيف على خبر آخر غير ما سبق، أو بحمل قوله :

بأن هذه الصفة في محمد، على أن المراد الصفة من حيث الأب والام والآثار بأن يكون قبل مولده، ولا يخفى بعدهما. والذود من الإبل: ما بين الثلاث إلى العشر.

قوله: أعدوني، أي انصروني، ولواه بحقه أي مطله.

قوله: فساخت أي دخلت وغابت.

قوله: وما انثنى، أي لم ينعطف ولم يرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله، أو عن ذلك العهد.

قوله: حال، كذا في أكثر النسخ بالحاء المهملة، ولعله أمر من حالي يحالي، يقال:

حاليته، أي طايبته، وفي بعضها بالمعجمة، ولعله بتشديد اللام من المخالة بمعنى المصادقة، أي كن صديقي وخليلي.

قوله: لا يخبر شيئا، كذا في أكثر النسخ بالخاء المعجمة، والباء الموحدة، فيحتمل أن يكون بضم الباء أي لا يعلم شيئا، ولا يبعد أن يكون في الأصل لا يحير بالحاء المهملة والياء المثناة من قولهم: طحنت فما أحارت شيئا، أي ما ردت شيئا من الدقيق، ذكره

على سبيل المثل، أو بالجيم والزاء المعجمة، أي ما يجيز القتل، أو بالجيم والسين المهملة أي لا يجترئ عليه وهو أظهر، والفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله.

قوله صلى الله عليه وآله: فسح لي على المجهول، أي وسع لي ورفعت الحجب عني.

قوله: فصار لها ميسما، أي هذا الاخذ صار لها بمنزلة الميسم حيث أثر فيها.

قوله صلى الله عليه وآله: الغيب لا يعلمه إلا الله، أقول: يحتمل وجوها:

الأول: أن عدم إخباري أولا إنما كان لعدم علمي به، ولم يخبرني الله به، و إنما أخبرني في هذا الوقت.

الثاني: أن يكون المراد بيان أن ما أخبره صلى الله عليه وآله من قبل الله ليكون دليلا على نبوته.

الثالث: التبري عن أن ينسبوه إلى أنه يعلم الغيب بنفسه، والأوسط أظهر.

وبصبص الكلب وتبصبص: حرك ذنبه، والتبصبص: التملق، ورغا البعير: صاح، والخرخرة، صوت النمر، وصوت السنور، استعير هنا لصوت البعير.

قوله صلى الله عليه وآله: اللهم اشدد وطأتك، قال الجزري: الوطأة في الأصل: الدوس بالقدم، فسمي به الغزو والقتل، لان من يطأ الشئ برجله فقد استقصى في إهلاكه وإهانته، ومنه الحديث اللهم اشدد وطأتك على مضر، أي خذهم أخذا شديدا، وقال: السنة:

الجدب، وقال: في حديث الاستسقاء ما يخطر لنا جمل، أي ما يحرك ذنبه هزالا، لشدة، القحط والجدب، يقال: خطر البعير بذنبه يخطر: إذا رفعه وحطه. انتهى.

قوله رائح، أي حيوان يأتينا عند الرواح بالبركة، أو ماش من قولهم: راح: إذا مشى وذهب، قوله صلى الله عليه وآله: مغيثا، من الإغاثة بمعنى الإعانة عند الاضطرار، أو يأتي بعده بغيث آخر أو معشبا، فإن الغيث يطلق على الكلاء ينبت بماء السماء، وقال الجزري: في حديث الاستسقاء اسقنا غيثا مريئا مريعا، يقال: مرئ الطعام وأمرأني: إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عنها طيبا، والمريع: المخصب الناجع، وغيث طبق، أي عام واسع، ويقال: سجلت الماء

سجلا: إذا صببته صبا متصلا، وقال: غير رائث، أي غير بطئ متأخر، من راث: إذا أبطأ، وقال فيه: اللهم حوالينا ولا علينا، يقال: رأيت الناس حوله وحواليه، أي مطيفين به من جوانبه، يريد اللهم أنزل الغيث في مواضع النبات، لا مواضع الأبنية، وفيه: فانجاب السحاب عن المدينة، أي انجمع وتقبض بعضه إلى بعض وانكشف عنها. انتهى.

قوله عليه السلام: فأمر: أي بطعام والصنديد بالكسر: السيد الشجاع، ويقال: ألب على كذا: إذا لم يفارقه، أو هو من التأليب وهو التحريض والافساد، قوله: وصدروا: أي رجعوا، والبرمة بالضم: قدر من حجارة. والكراع كغراب: مستدق الساق. قوله:

وهم خماص بالكسر، أي جياع.

قوله: ومحرز - على بناء المفعول - إي شئ قليل أحرزته لعيالي، ولعل فيه تصحيفا.

قوله: جفل بهم أي أسرع وذهب، ويقال: انجفل القوم، إي انقلعوا فمضوا، وفي بعض النسخ بالحاء المهملة.

قال الفيروزآبادي: حفل الوادي بالسيل: جاء بملئ جنبيه، والسماء: اشتد مطرها، والدمع: كثر، والقوم: اجتمعوا.

قوله: غطوا السدانة، لم نعرف له معنى مناسبا، ولعله كان في الأصل بالسدانة البرمة فصحف، والسدان بالكسر: الستر، ويقال: قطفت الدابة، إي ضاق مشيها فهي قطوف، والهملاج بالكسر: السريع السير، الواسع الخطو. قوله: ما يساير، أي لا تسير معه دابة، ولا يسابق لسرعة سيره.

قال الجزري: في الحديث: إن رجلا من الأنصار قال حملنا رسول الله صلى الله عليه وآله على حمار لنا قطوف فنزل عنه فإذا هو فراغ لا يساير، إي سريع المشي واسع الخطو. انتهى.

والوشل بالتحريك: الماء القليل، ووشل الماء وشلا، أي قطر، والأداوى بفتح الواو جمع الأدوات، والمياضى جمع الميضاة وهي المطهرة.

قوله صلى الله عليه وآله: يسقي ما بين يديه، إي يسقي الأراضي التي عنده للزرع، والامتيار جلب الميرة، والعير بالكسر: الإبل التي تحمل الميرة، والأورق من الإبل: الذي في لونه بياض إلى سواد، قوله:، إذا كان القيظ اجتمعنا عليها: العادة تقتضي عكس ذلك، فإن في

القيظ تنقص المياه، وفي الشتاء تزيد، ولعل المراد أن في الشتاء لنا مياه آخر، فلا نحتاج إلى الاجتماع على هذا الماء، وأما في الصيف فييبس تلك المياه فنجتمع عليها وهي لا تكفينا على حال، أو المراد بالقيظ الربيع، وفي بعض النسخ بالضاد يقال: بئر مقيضة، أي كثير الماء، والظاهر أن النساخ بدلوا فجعلوا القيظ مكان الشتاء وبالعكس، والأنكد: المشؤوم، والجبوب: الأرض، أي غليظها أو وجهها، أو التراب والعكة بالضم: آنية السمن أصغر من القربة.

وقال الجزري: في حديث حنين: أردت أن احفظ الناس، وأن يقاتلوا عن أهليهم وأموالهم، أي اغضبهم، من الحفيظة: الغضب.

قوله: فلهذا، أقول: هذا كلام الراوي أو الحميري، والمعنى أنه عليه السلام قال: أنت القائم، أي بأمر الإمامة بعدي، فتمسكت به الواقفة لعنهم الله، وحملوه على أنه القائم صاحب الغيبة، وآخر الأئمة فأنكروا إمامة من بعده.

2 - تفسير الإمام العسكري: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام أنه قال: قيل لأمير المؤمنين عليه السلام: هل لمحمد صلى الله عليه وآله آية مثل آية موسى عليه السلام في رفعه الجبل فوق رؤوس الممتنعين عن قبول ما أمروا به؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إي والذي بعثه بالحق نبيا، ما من آية كانت لاحد من الأنبياء من لدن آدم عليه السلام إلى أن انتهى إلى محمد صلى الله عليه وآله إلا وقد كان لمحمد صلى الله عليه وآله مثلها أو أفضل منها، ولقد كان لمحمد صلى الله عليه وآله نظير هذه الآية إلى آيات اخر ظهرت له، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أظهر بمكة دعوته، وأبان عن الله مراده رمته العرب عن قسي عداوتها بضروب إمكانهم، ولقد قصدته يوما لأني كنت أول الناس إسلاما، بعث يوم الاثنين وصليت معه يوم الثلاثاء، وبقيت معه أصلي سبع سنين حتى دخل نفر في الاسلام، وأيد الله تعالى دينه من بعد، فجاءه قوم من المشركين فقالوا له: يا محمد تزعم أنك رسول رب العالمين، ثم إنك لا ترضى بذلك حتى تزعم أنك

سيدهم وأفضلهم، فإن كنت نبيا فأتنا بآية كما تذكره عن الأنبياء قبلك مثال نوح الذي جاء بالغرق، ونجا في سفينته مع المؤمنين، وإبراهيم الذي ذكرت أن النار جعلت عليه بردا وسلاما، وموسى الذي زعمت أن الجبل رفع فوق رؤوس أصحابه حتى انقادوا لما دعاهم إليه صاغرين داخرين، وعيسى الذي كان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وصار هؤلاء المشركون فرقا أربع، هذه تقول: أظهر لنا آية نوح، وهذه تقول:

أظهر لنا آية موسى، وهذه تقول: أظهر لنا آية إبراهيم، وهذه تقول: أظهر لنا آية عيسى فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما أنا نذير مبين، آتيتكم بآية مبينة: هذا القرآن الذي تعجزون أنتم والأمم وسائر العرب عن معارضته، وهو بلغتكم فهو حجة الله وحجة نبيه عليكم، وما بعد ذلك فليس لي الاقتراح على ربي، وما على الرسول إلا البلاغ المبين إلى المقرين بحجة صدقه، وآية حقه، وليس عليه أن يقترح بعد قيام الحجة على ربه ما يقترحه عليه المقترحون الذين لا يعلمون هل الصلاح أو الفساد فيما يقترحون؟

فجاء جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن العلي الاعلى يقرأ عليك السلام، ويقول: إني سأظهر لهم هذه الآيات، وإنهم يكفرون بها إلا من أعصمه منهم، ولكني أريهم زيادة في الاعذار، والايضاح لحججك، فقل لهؤلاء المقترحين لآية نوح عليه السلام: امضوا إلى جبل أبي قبيس فإذا بلغتم سفحه فسترون آية نوح عليه السلام، فإذا غشيكم الهلاك فاعتصموا بهذا وبطفلين يكونان بين يديه، وقل للفريق الثاني المقترحين لآية إبراهيم

عليه السلام: امضوا إلى حيث تريدون من ظاهر مكة فسترون آية إبراهيم عليه السلام في النار، فإذا غشيكم البلاء فسترون في الهواء امرأة قد أرسلت طرف خمارها فتعلقوا به لتنجيكم من الهلكة وترد عنكم النار، وقل للفريق الثالث المقترحين لآية موسى عليه السلام:

امضوا إلى ظل الكعبة فأنتم سترون آية موسى عليه السلام، وسينجيكم هناك عمي حمزة، وقل للفريق الرابع ورئيسهم أبو جهل: وأنت يا أبا جهل فاثبت عندي ليتصل بك أخبار هؤلاء الفرق الثلاثة، فإن الآية التي اقترحتها أنت تكون بحضرتي، فقال أبو جهل للفرق الثلاثة: قوموا فتفرقوا ليتبين لكم باطل قول محمد، فذهبت الفرقة الأولى إلى جبل أبي قبيس فلما صاروا إلى جانب الجبل نبع الماء من تحتهم، ونزل من السماء الماء من فوقهم من غير غمامة ولا سحاب وكثر حتى بلغ أفواههم فألجمها وألجأهم إلى صعود الجبل إذ لم يجدوا منجى سواه، فجعلوا يصعدون الجبل والماء يعلو من تحتهم إلى أن بلغوا ذروته، وارتفع الماء حتى ألجمهم وهم على قلة الجبل، وأيقنوا بالغرق إذ لم يكن لهم مفر، فرأوا عليا عليه السلام واقفا على متن الماء فوق قلة الجبل، وعن يمينه طفل، وعن يساره طفل، فناداهم علي: خذوا بيدي أنجيكم أو بيد من شئتم من هذين الطفلين، فلم يجدوا بدا من ذلك، فبعضهم أخذ بيد علي، وبعضهم أخذ بيد أحد الطفلين، وبعضهم أخذ بيد الطفل الآخر، وجعلوا ينزلون بهم من الجبل والماء ينزل وينحط من بين أيديهم حتى أوصلوهم إلى القرار، والماء يدخل بعضه في الأرض، ويرتفع بعضه إلى السماء حتى عادوا كهيئتهم إلى قرار الأرض، فجاء علي عليه السلام بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهم يبكون و يقولون: نشهد أنك سيد المرسلين، وخير الخلق أجمعين، رأينا مثل طوفان نوح عليه السلام،

وخلصنا هذا وطفلان كانا معه لسنا نراهما الآن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما إنهما سيكونان، هما الحسن والحسين سيولدان لأخي هذا، هما سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما، اعلموا أن الدنيا بحر عميق،، قد غرق فيها خلق كثير، وأن سفينة نجاتها آل محمد: علي هذا وولداه اللذان رأيتموهما سيكونان، وسائر أفاضل أهلي، فمن ركب هذه السفينة نجا ومن تخلف عنها فرق، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فكذلك الآخرة حميمها ونارها كالبحر، وهؤلاء سفن أمتي يعبرون بمحبيهم وأوليائهم إلى الجنة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما سمعت هذا يا با جهل؟ قال: بلى حتى أنظر إلى الفرقة الثانية والثالثة.

فجاءت الفرقة الثانية يبكون ويقولون: نشهد أنك رسول رب العالمين، وسيد الخلق أجمعين، مضينا إلى صحراء ملساء ونحن نتذاكر بيننا قولك، فنظرنا السماء قد تشققت بجمر النيران تتناثر عنها، ورأينا الأرض قد تصدعت ولهب النيران يخرج منها، فما زالت كذلك حتى طبقت الأرض وملأتها، ومسنا من شدة حرها حتى سمعنا لجلودنا نشيشا من شدة حرها، وأيقنا بالاشتواء والاحتراق بتلك النيران، فبينما نحن كذلك إذ رفع لنا في الهواء شخص امرأة قد أرخت خمارها فتدلى طرفه إلينا بحيث تناله أيدينا، وإذا مناد من السماء ينادينا: إن أردتم النجاة فتمسكوا ببعض أهداب هذا الخمار فتعلق كل واحد منا بهدبة من أهداب ذلك الخمار فرفعنا في الهواء ونحن نشق جمر النيران ولهبها لا يمسنا شررها، ولا يؤذينا حرها، ولا نثقل على الهدبة التي تعلقنا بها، ولا تنقطع الأهداب في أيدينا على دقتها، فما زالت كذلك حتى جازت بنا تلك النيران،

ثم وضع كل واحد منا في صحن داره سالما معافا، ثم خرجنا فالتقينا فجئناك عالمين بأنه لا محيص عن دينك، ولا معدل عنك وأنت أفضل من لجئ إليه، واعتمد بعد الله إليه، صادق في أقوالك، حكيم في أفعالك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي جهل : هذه الفرقة الثانية قد أراهم الله آية إبراهيم عليه السلام، قال أبو جهل: حتى أنظر الفرقة الثالثة وأسمع مقالتها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لهذه الفرقة الثانية لما آمنوا: يا عباد الله إن الله أغاثكم بتلك المرأة أتدرون من هي؟ قالوا: لا، قال: تلك تكون ابنتي فاطمة، وهي سيدة النساء، إن الله تعالى إذا بعث الخلائق من الأولين والآخرين نادى منادي ربنا من تحت عرشه: يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم لتجوز فاطمة بنت محمد سيدة نساء العالمين على الصراط، فتغض الخلائق كلهم أبصارهم فتجوز فاطمة عليه الصراط، لا يبقى أحد في القيامة إلا غض بصره عنها إلا محمد وعلي والحسن والحسين والطاهرون من أولادهم فإنهم محارمها، فإذا دخلت الجنة بقي مرطها ممدودا على الصراط، طرف منه بيدها وهي في الجنة وطرف في عرصات القيامة، فينادي منادي ربنا: يا أيها المحبون لفاطمة تعلقوا بأهداب مرط فاطمة سيدة نساء العالمين فلا يبقى محب لفاطمة إلا تعلق بهدبة من أهداب مرطها، حتى يتعلق بها أكثر من ألف فئام وألف فئام، قالوا: وكم فئام واحد يا رسول الله؟ قال:

ألف ألف وينجون بها من النار.

قال: ثم جاءت الفرقة الثالثة باكين يقولون: نشهد يا محمد أنك رسول رب العالمين وسيد الخلق أجمعين، وأن عليا أفضل الوصيين، وأن آلك أفضل آل النبيين، و صحابتك خير صحابة المرسلين، وأن أمتك خير الأمم أجمعين، رأينا من آياتك ما لا محيص لنا عنها، ومن معجزاتك ما لا مذهب لنا سواها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وما الذي رأيتم؟ قالوا:

كنا قعودا في ظل الكعبة نتذاكر أمرك ونهزأ بخبرك وأنك ذكرت أن لك مثل

آية موسى عليه السلام، فبينا نحن كذلك إذا ارتفعت الكعبة عن موضعها وصارت فوق رؤوسنا فركزنا في مواضعنا، ولم نقدر أن نريمها، فجاء عمك حمزة وقال بزج رمحه هكذا تحتها فتناولها واحتبسها على عظمها فوقنا في الهواء، ثم قال لنا: أخرجوا، فخرجنا من تحتها، فقال: ابعدوا، فبعدنا عنها، ثم أخرج سنان الرمح من تحتها فنزلت إلى موضعها واستقرت، فجئناك بذلك مسلمين.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي جهل: هذه الفرقة الثالثة قد جاءتك وأخبرتك بما شاهدت، فقال أبو جهل: لا أدري أصدق هؤلاء أم كذبوا، أم حقق لهم، أم خيل إليهم، فإن رأيت ما أنا أقترحه عليك من نحو آيات عيسى بن مريم عليه السلام فقد لزمني الايمان بك، وإلا فليس يلزمني تصديق هؤلاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا جهل فإن كان لا يلزمك تصديق هؤلاء على كثرتهم وشدة تحصيلهم فكيف تصدق بمآثر آبائك وأجدادك، ومساوي أسلاف أعدائك؟ وكيف تصدق عن الصين والعراق والشام إذا حدثت عنها؟ هل المخبرون عن ذلك إلا دون هؤلاء المخبرين لك عن هذه الآيات مع سائر من شاهدها منهم من الجمع الكثيف الذين لا يجتمعون على باطل يتخرصونه إلا كان بإزائهم من يكذبهم ويخبر بضد إخبارهم؟ ألا وكل فرقة من هؤلاء محجوجون بما

شاهدوا، وأنت يا أبا جهل محجوج بما سمعت ممن شاهد، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الفرقة الثالثة فقال لهم: هذا حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وآله، بلغه الله تعالى المنازل الرفيعة، والدرجات العالية، وأكرمه بالفضائل لشدة حبه لمحمد ولعلي بن أبي طالب، أما إن حمزة عم محمد لينحي جهنم يوم القيامة عن محبيه كما نحى عنكم اليوم الكعبة أن تقع عليكم، قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه ليرى يوم القيامة إلى جانب الصراط عالم كثير من الناس، لا يعرف عددهم إلا الله تعالى، هم كانوا محبي حمزة وكثير منهم أصحاب الذنوب والآثام، فتحول حيطان بينهم وبين سلوك الصراط والعبور إلى الجنة، فيقولون: يا حمزة قد ترى ما نحن فيه، فيقول حمزة لرسول الله ولعلي بن أبي طالب صلوات الله عليهما: قد تريان أوليائي كيف يستغيثون بي؟ فيقول محمد رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي ولي الله: يا علي أعن عمك على إغاثة أوليائه، واستنقاذهم من النار، فيأتي علي بن أبي طالب عليه السلام بالرمح الذي كان يقاتل به حمزة أعداء الله تعالى في الدنيا، فيناوله إياه، ويقول: يا عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وعم أخي رسول الله، ذد الجحيم عن أوليائك برمحك هذا كما كنت تذود به عن أولياء الله في الدنيا أعداء الله، فيتناول حمزة الرمح بيده فيضع زجه في حيطان النار الحائلة بين أوليائه وبين العبور إلى الجنة على الصراط، ويدفعها دفعة فينحيها مسيرة خمسمأة عام، ثم يقول لأوليائه والمحبين الذين كانوا له في الدنيا: اعبروا، فيعبرون على الصراط آمنين سالمين، قد انزاحت عنهم النيران، وبعدت عنهم الأهوال، ويردون الجنة غانمين ظافرين، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي جهل: يا أبا جهل هذه الفرقة الثالثة، قد شاهدت آيات الله ومعجزات رسول الله، وبقي الذي لك، فأي آية تريد؟ قال أبو جهل: آية

عيسى بن مريم عليه السلام كما زعمت أنه كان يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، فأخبرني بما أكلت اليوم، وما ادخرته في بيتي، وزدني على ذلك أن تحدثني بما صنعته بعد أكلي لما أكلت، كما زعمت أن الله زادك في المرتبة فوق عيسى عليه السلام، فقال:

رسول الله صلى الله عليه وآله: أما ما أكلت وما ادخرت فأخبرك به وأخبرك بما فعلته في خلال أكلك، وما فعلته بعد أكلك، وهذا يوم يفضحك الله فيه لاقتراحك، فإن آمنت بالله لم تضرك هذه الفضيحة، وإن أصررت على كفرك أضيف لك إلى فضيحة الدنيا وخزيها خزي الآخرة الذي لا يبيد ولا ينفد ولا يتناهى، قال: وما هو؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قعدت يا أبا جهل تتناول من دجاجة مسمنة استطبتها، فلما وضعت يدك عليها استأذن عليك أخوك أبو البختري ابن هشام، فأشفقت عليه أن يأكل منها وبخلت، فوضعتها تحت ذيلك، وأرخيت عليها ذيلك حتى انصرف عنك فقال أبو جهل: كذبت يا محمد، ما من هذا قليل ولا كثير، ولا أكلت من دجاجة ، ولا ادخرت منها شيئا، فما الذي فعلته بعد أكلي الذي زعمت، قال رسول الله صلى الله عليه وآله كان عندك ثلاثمأة دينار لك، وعشرة آلاف دينار ودائع الناس عندك: المأة، والمأتان، والخمسمأة، والسبعمأة، والألف، ونحو ذلك إلى تمام عشرة آلاف، مال كل واحد في صرة وكنت قد عزمت على أن تختانهم، وقد كنت جحدتهم ومنعتهم، واليوم لما أكلت من هذه الدجاجة أكلت زورها وادخرت الباقي، ودفنت هذا المال أجمع مسرورا فرحا باختيانك عباد الله، وواثقا بأنه قد حصل لك، وتدبير الله في ذلك خلاف تدبيرك، فقال أبو جهل: وهذا أيضا يا محمد، فما أصبت منه قليلا ولا كثيرا، وما دفنت شيئا، وقد سرقت تلك

العشرة آلاف الودائع التي كانت عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا جهل ما هذا من تلقائي فتكذبني، وإنما هذا جبرئيل الروح الأمين يخبرني به عن رب العالمين، وعليه تصحيح شهادته وتحقيق مقالته، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله هلم يا جبرئيل بالدجاجة التي أكل منها، فإذا الدجاجة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أتعرفها يا أبا جهل؟

فقال أبو جهل: ما أعرفها وما أخبرت عن شئ، ومثل هذه الدجاجة المأكول بعضها في الدنيا كثير، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أيتها الدجاجة إن أبا جهل قد كذب محمدا على جبرئيل، وكذب جبرئيل على رب العالمين، فاشهدي لمحمد بالتصديق، وعلى أبي جهل بالتكذيب فنطقت وقالت: أشهد يا محمد أنك رسول الله وسيد الخلق أجمعين، وأن أبا جهل هذا عدو الله المعاند الجاحد للحق الذي يعلمه، أكل مني هذا الجانب، وادخر الباقي، وقد أخبرته بذلك، وأحضرتنيه فكذب به، فعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين فإنه مع كفره بخيل، استأذن عليه أخوه فوضعني تحت ذيله إشفاقا من أن يصيب مني أخوه، فأنت يا رسول الله أصدق الصادقين من الخلق أجمعين، وأبو جهل الكاذب المفتري اللعين.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما كفاك ما شاهدت، آمن لتكون آمنا من عذاب الله عز وجل، قال أبو جهل: إني لأظن أن هذا تخييل وإيهام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهل تفرق بين مشاهدتك لهذا وسماعك لكلامها، وبين مشاهدتك لنفسك ولسائر قريش والعرب وسماعك لكلامهم؟ قال أبو جهل: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فما يدريك أن جميع ما تشاهد وتحس بحواسك تخييل؟ قال أبو جهل: ما هو بتخييل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ولا هذا بتخييل وإلا كيف تصحح أنك ترى في العالم شيئا أوثق منه؟ قال: ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله يده على الموضع المأكول من الدجاجة فمسح بده عليها فعاد اللحم عليه أوفر ما كان ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا با جهل أرأيت هذه الآية؟ قال: يا محمد توهمت شيئا ولا أوقنه، قال رسول الله

صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل فأتنا بالأموال التي دفنها هذا المعاند للحق، لعله يؤمن، فإذا هو بالصرر بين يديه كلها: ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله قاله إلى تمام عشرة آلاف وثلاثمأة دينار، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله - وأبو جهل ينظر إليه - صرة منها فقال: ائتوني بفلان بن فلان، فأتي به وهو صاحبها فقال: هاكها يا فلان ما قد اختانك فيه أبو جهل، فرد عليه ماله، ودعا بآخر ثم بآخر حتى رد العشرة آلاف كلها على أربابها، وفضح عندهم أبو جهل، وبقيت الثلاثمأة الدينار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: الآن آمن لتأخذ الثلاثمأة دينار، ويبارك الله لك فيها حتى تصير أيسر قريش، قال: لا آمن، ولكن آخذها فهي مالي، فلما ذهب يأخذها صاح رسول الله صلى الله عليه وآله بالدجاجة: دونك أبا جهل، وكفيه عن الدنانير، وخذيه فوثبت الدجاجة على أبي جهل فتناولته بمخالبها، ورفعته في الهواء، وطارت به إلى سطح بيته فوضعته عليه، ودفع رسول الله صلى الله عليه وآله تلك الدنانير إلى بعض فقراء المؤمنين، ثم نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أصحابه فقال لهم: معاشر أصحاب محمد هذه آية أظهرها ربنا عز وجل لأبي جهل، فعاند، وهذا الطير الذي حيي يصير من طيور الجنة الطيارة عليكم فيها، فإن فيها طيورا كالبخاتي، عليها من جميع أنواع المواشي، تطير بين سماء الجنة وأرضها، فإذا تمنى مؤمن محب للنبي وآله الاكل من شئ منها وقع ذلك بعينه بين يديه، فتناثر ريشه وانسمط وانشوى وانطبخ، فأكل من جانب منه قديدا، ومن جانب منه مشويا بلا نار، فإذا قضى شهوته ونهمته وقال: الحمد لله رب العالمين عادت كما كانت، فطارت في الهواء وفخرت على سائر طيور الجنة، تقول: من مثلي وقد أكل مني ولي الله عن أمر الله

الإحتجاج: مثله مع اختصار في وسطه وفي آخره.

بيان: قال الجزري: فيه: يبلغ العرق منهم ما يلجمهم، أي يصل إلى أفواههم فيصير لهم بمنزلة اللجام يمنعهم عن الكلام. انتهى.

والنشيش: الغليان، وهدبة الثوب بالضم: طرفه مما يلي طرته، والمراد هنا الخيوط المتدلية من طرفه، والمرط بالكسر: كساء من صوف أو خز، والفئام بالهمز وقد تقلب ياء: الجماعة من الناس، والمراد هنا هذا العدد، كما فسر أمير المؤمنين عليه السلام في خبر الغدير بمائة ألف.

قوله: فركزنا. يقال: ركزت الرمح أي غرزته في الأرض، وفي بعض النسخ بالدال المهملة من الركود بمعنى السكون والهدوء، ويقال: لا يريم من المكان، أي لا يبرح ولا يزول، والزج بالضم: الحديدة التي في أسفل الرمح، ويقال: تخرص، أي كذب والذود: الطرد والدفع، والزور: أعلى الصدر، والبخاتي جمع البختي وهو الإبل الخراساني والشية: كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره، والهاء عوض من الواو، ويقال:

وشيت الثوب آشيه وشيا ووشية، ووشيته توشية، شدد للكثرة فهو موشي وموشى، والوشي من اللون معروف ذكره الجوهري، وقال: سمطت الجدي أسمطه وأسمطه سمطا: إذا نظفته من الشعر بالماء الحار لتشويه.

3 - قصص الأنبياء: الصدوق، عن الحسن بن حمزة العلوي، عن محمد بن داود، عن عبد الله بن أحمد الكوفي، عن سهل بن صالح، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن موسى بن جعفر، عن آبائه صلوات الله عليهم قال: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا جلوسا يتذاكرون وفيهم أمير المؤمنين صلوات الله عليه إذ أتاهم يهودي، فقال: يا أمة محمد ما تركتم للأنبياء درجة إلا نحلتموها لنبيكم، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن كنتم تزعمون أن موسى عليه السلام

كلمه ربه على طور سيناء فإن الله كلم محمدا في السماء السابعة، وإن زعمت النصارى أن عيسى أبرأ الأكمه وأحيى الموتى فإن محمدا صلى الله عليه وآله سألته قريش أن يحيي ميتا فدعاني وبعثني معهم إلى المقابر، فدعوت الله تعالى عز وجل فقاموا من قبورهم، ينفضون التراب عن رؤوسهم بإذن الله عز وجل، وإن أبا قتادة بن ربعي الأنصاري شهد وقعة أحد فأصابته طعنة في عينه، فبدت حدقته فأخذها بيده، ثم أتى بها رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: امرأتي الآن تبغضني، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله من يده ثم وضعها مكانها، فلم يك يعرف إلا بفضل حسنها وضوءها على العين الأخرى، ولقد بارز عبد الله بن عتيك فابين يده فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليلا ومعه اليد المقطوعة، فمسح عليها فاستوت يده.

4 - الخرائج: اعلم أن الله تعالى كما أمر آدم عليه السلام أن يخرج من الجنة إلى الأرض وأن يهاجر إليها أمر محمدا صلى الله عليه وآله أن يخرج من مكة إلى المدينة، وكما ابتلى آدم عليه السلام بقتل ابنه هابيل ابتلى محمدا صلى الله عليه وآله بقتل ابنيه الحسن والحسين عليهما السلام وكان يعلمه لاعلام الله إياه ذلك، وكما أمر الله آدم عليه السلام لما أمره بوضع النوى في الأرض فصار في الحال نخلا باسقة عليها الرطب أكرم محمدا بمثله عند إسلام سلمان، وكما قال في وصف إدريس عليه السلام " ورفعناه مكانا عليا " قال في وصف محمد: " ورفعنا لك ذكرك " يذكر مع ذكر الله في الاذان والصلاة، وقد رفع إلى سدرة المنتهى فشاهد ما لم يشاهده بشر، وإن أطعم إدريس عليه السلام بعد وفاته من الجنة فقد أطعم محمدا وآله مرارا كثيرة في الدنيا، وقيل لمحمد صلى الله عليه وآله:

إنك تواصل (6)؟ قال: إني لست كأحدكم، إني يطعمني ربي ويسقيني، وإن أوتي نوح عليه السلام إجابة الدعوة بما قال: " لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " فلم يبق

منهم باقية إلا المؤمنين فقد أوتي محمد صلى الله عليه وآله مثله حين أنزل الله ملك الجبال، وأمر بطاعته فيما يأمره به من إهلاك قومه، فاختار الصبر على أذاهم، والابتهال في الدعاء لهم بالهداية ثم رق نوح عليه السلام على ولده فقال: " رب إن ابني من أهلي " رقة القرابة، فالمصطفى لما أمره الله بالقتال شهر على قرابته سيف النقمة، ولم تحركه شفقة القرابة، وأخذ بالفضل معهم لما شكوا احتباس المطر، فدعا فمطروا من الجمعة إلى الجمعة حتى سألوه أن يقل وإن قال في نوح عليه السلام: " إنه كان عبدا شكورا " فقد قال في محمد: " بالمؤمنين رؤوف رحيم " " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " وإن خص إبراهيم عليه السلام بالخلة ففضل بها فقال: " واتخذ الله إبراهيم خليلا " فقد جمع الله الخلة والمحبة لمحمد صلى الله عليه وآله حتى قال صلى الله عليه وآله: ولكن صاحبكم خليل الله وحبيب الله، وفي القرآن: " فاتبعوني يحببكم الله " وعن عبد الله بن أبي الحمساء قال: كان بيني وبين محمد بيع قبل أن يبعث فبقيت لي بقية فوعدته أن آتيه في مكانه، فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث، وكان محمد في مكانه ينتظرني، فقلت له في ذلك، فقال: أنا ههنا مذ وعدتك أنتظرك، ضاهى جده إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام فإنه وعد رجلا فبقي في مكانه سنة فشكر الله له ذلك فقال: " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد " وكان محمد في صباه يخرج بغنم لهم إلى الصحراء، فقال له بعض الرعاة: يا محمد إني وجدت في موضع كذا مرعى خصيبا، فقال: نخرج غدا إليه، فبكر من بيته إلى ذلك الموضع وأبطأ الرجل

في الوصول، فرأى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد منع غنمه أن ترعى في ذلك الموضع حتى يصل ذلك الرجل فرعيا، ولا شك أن الأنبياء كلهم وأممهم تحت راية نبينا، وإن كلم الله موسى عليه السلام على طور سيناء، فقد كلم محمدا فوق سبع سماوات، وجعل الله الإمامة بعد محمد صلى الله عليه وآله في قومه عند انقطاع النبوة حتى يأتي أمر الله، وينزل عيسى عليه السلام فيصلي خلف رجل منهم يقال له: المهدي، يملأ الأرض عدلا، ويمحو كل جور، كما وصف رسول الله صلى الله عليه وآله.

وإن النبي لما وصف عليا عليه السلام وشبهه بعيسى عليه السلام قال تعالى: " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون " وإن أخرج الله لصالح عليه السلام ناقة من الجبل لها شرب ولقومه شرب فقد أخرج تعالى لوصي محمد خمسين ناقة أو أربعين مرة ومأة ناقة مرة من الجبل قضى بها دين محمد صلى الله عليه وآله ووعده، وقال تعالى: " وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين " وهو علي بن أبي طالب على ما روى الرواة في تفسيرهم، وأنطق الله لمحمد البعير، وإن بئر زمزم في صدر الاسلام بمكة كان للمسلمين يوما، وللكافرين يوما، فكان يستقى للمسلمين منه ما يكون ليومين في يوم، وللمشركين على ما كان عليه يوما فيوما، وإن أعطى الله يعقوب عليه السلام الأسباط من سلالة صلبه، ومريم بنت عمران من بناته فقال: " ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فقد أعطى محمدا صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام من صلبه، وهي سيدة نساء العالمين، وجعل الوصية والإمامة في أخيه وابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم في الحسن والحسين وفي أولاد الحسين عليهم السلام إلى أن تقوم الساعة كلهم ولد رسول الله صلى الله عليه وآله من فاطمة عليها السلام

كما كان عيسى عليه السلام من ولد الأنبياء، قال الله: " ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى " وأعطى محمدا الكتاب المجيد، والقرآن العظيم، وفتح عليه وعلى أهل بيته باب الحكمة، وأوجب الطاعة لهم على الاطلاق بقوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " وإن صبر يعقوب عليه السلام على فراق ولده حتى كاد أن يكون حرضا من الحزن، فقد فجع محمد صلى الله عليه وآله بابن كان له وحده فصبر، ووجد يعقوب عليه السلام وجد فراق، وحزن محمد صلى الله عليه وآله على قرة عينه كان بوفاته، وكان يعقوب عليه السلام فقد ابنا واحدا من بنيه ولم يتيقن وفاته، وإن أوتي يوسف شطر الحسن، فقد وصف جمال رسولنا فقيل: إذا رأيته رأيته كالشمس الطالعة، وإن ابتلي يوسف بالغربة وامتحن بالفرقة فمحمد فارق وطنه من أذى المشركين، ووقف على الثنية وحول وجهه إلى مكة فقال: إني لاعلم أنك أحب البقاع إلى الله، ولولا أهلك أخرجوني ما خرجت، فلما بلغ الجحفة أنزل الله عليه:

" إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ثم آل محمد صلى الله عليه وآله شردوا في الآفاق، وامتحنوا بما لم يمتحن به أحد غيرهم، وقد اعلم محمد صلى الله عليه وآله جميع ذلك، وكان يخبر به، وإن بشر الله يوسف برؤيا رآها فقد بشر محمدا برؤيا في قوله: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق " وإن اختار يوسف عليه السلام الحبس توقيا من المعصية فقد حبس رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب ثلاث سنين ونيفا حتى ألجأه أقاربه إلى أضيق الضيق، حتى كادهم الله ببعثه أضعف خلقه في أكل عهدهم الذي كتبوه في قطيعة رحمه، ولئن غاب يوسف عليه السلام

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.