بحارالانوار · المجلد السادس
باب 1 بدء خلقه وما جرى له في الميثاق، وبدء نوره وظهوره صلى
ج ۱۵، ص ۱۳۳–۱۶۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۵ از ۶
ابن الجلاح، وخرج إليه من اليهود بنيامين القرطي، فقال له أحيحة: أيها الملك نحن قومك، وقال بنيامين: هذه بلدة لا تقدر أن تدخلها ولو جهدت. قال: ولم؟ قال:
لأنها منزل نبي من الأنبياء يبعثه الله من قريش، قال: ثم خرج يسير حتى إذا كان من مكة على ليلتين بعث الله عليه ريحا " قصفت يديه ورجليه، وشنجت جسده، فأرسل إلى من معه من اليهود فقال: ويحكم ما هذا الذي أصابني؟ قالوا: حدثت نفسك بشئ؟
قال: نعم، وذكر ما أجمع عليه من هدم البيت، وإصابة ما فيه، قالوا: ذاك بيت الله الحرام، ومن أراده هلك، قال: ويحكم وما المخرج مما دخلت فيه؟ قالوا: تحدث نفسك بأن تطوف به وتكسوه وتهدي له، فحدث نفسه بذلك فأطلقه الله، ثم سار حتى دخل مكة فطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، وكسى البيت، وذكر الحديث في نحره بمكة وإطعامه الناس، ثم رجوعه إلى اليمن وقتله وخروج ابنه إلي قيصر واستعانته به فيما فعل قومه بأبيه، وإن قيصرا " كتب له إلى النجاشي ملك الحبشة وأن النجاشي بعث معه ستين ألفا "، واستعمل عليهم روزبه حتى قاتلوا حمير قتلة أبيه، ودخلوا صنعاء فملكوها وملكوا اليمن، وكان في أصحاب روزبه رجل يقال له: أبرهة وهو أبو يكسوم، فقال لروزبه أنا أولى بهذا الامر منك، وقتله مكرا "، وأرضى النجاشي، ثم إنه بنى كعبة باليمن و جعل فيها قبابا " من ذهب، وأمر أهل مملكته بالحج إليها يضاهي بذلك البيت الحرام، وإن رجلا " من بني كنانة خرج حتى قدم اليمن فنظر إليها، ثم قعد فيها، - يعني لحاجة الانسان -، فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة فيها، فقال: من اجترء علي بهذا؟ ونصرانيتي لأهدمن ذلك البيت حتى لا يحجه حاج أبدا "، فدعا بالفيل وأذن قومه بالخروج
ومن اتبعه من أهل اليمن، وكان أكثر من تبعه منهم عك والأشعريون وخثعم قال: ثم خرج يسير حتى إذا كان ببعض طريقه بعث رجلا " من بني سليم ليدعو الناس إلى حج بيته الذي بناه، فتلقاه رجل من الخمس من بني كنانة فقتله، فازداد بذلك حنقا "، وأحث السير والانطلاق، وطلب من أهل الطائف دليلا "، فبعثوا معه رجلا " من هذيل يقال له: نفيل، فخرج بهم يهديهم حتى إذا كانوا بالمغمس نزلوا وهو من مكة على ستة أميال، فبعثوا مقدماتهم إلى مكة. فخرجت قريش عباديد في رؤوس الجبال وقالوا:
لا طاقة لنا اليوم بقتال هؤلاء القوم، ولم يبق بمكة غير عبد المطلب بن هاشم أقام على سقايته، وغير شيبة بن عثمان بن عبد الدار أقام على حجابة البيت، فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادتي الباب ثم يقول:
لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك * لا يغلبوا بصليبهم ومحالهم عدوا " محالك إن يدخلوا البيت الحرام إذا " فأمر ما بدا لك ثم إن مقدمات أبرهة أصابت نعما " لقريش فأصابت فيها مأتي بعير لعبد المطلب ابن هاشم، فلما بلغه ذلك خرج حتى أتى القوم، وكان حاجب أبرهة رجلا " من الأشعريين، وكانت له بعبد المطلب معرفة، فاستأذن له على الملك وقال له: أيها
الملك جائك سيد قريش، الذي يطعم إنسها في الحي، ووحشها في الجبل، فقال:
ائذن له، وكان عبد المطلب رجلا " جسيما " جميلا "، فلما رآه أبو يكسوم أجله أن يجلسه تحته، وكره أن يجلسه معه على سريره، فنزل من سريره فجلس على الأرض، و أجلس عبد المطلب معه، ثم قال: ما حاجتك؟ قال: حاجتي مأتا بعير لي أصابتها مقدمتك، فقال أبو يكسوم: والله لقد رأيتك فأعجبتني، ثم تكلمت فزهدت فيك، فقال: ولم أيها الملك؟ قال: لأني جئت إلى بيت عزكم ومنعتكم من العرب، وفضلكم في الناس، وشرفكم عليهم، ودينكم الذي تعبدون، فجئت لأكسره، وأصيبت لك مأتا بعير، فسألتك عن حاجتك فكلمتني في إبلك، ولم تطلب إلي في بيتكم، فقال له عبد المطلب:
أيها الملك إنما أكلمك فيما لي، ولهذا البيت رب هو يمنعه، لست أنا منه في شئ، فراع ذلك أبا يكسوم، وأمر برد إبل عبد المطلب عليه، ثم رجع وأمست ليلتهم تلك ليلة كالحة نجومها، كأنها تكلمهم كلاما " لاقترابها منهم، فأحست نفوسهم بالعذاب، وخرج دليلهم حتى دخل الحرم وتركهم، وقام الأشعريون وخثعم وكسروا رماحهم و سيوفهم، وبرءوا إلى الله أن يعينوا على هدم البيت، فباتوا كذلك بأخبث ليلة، ثم أدلجوا بسحر، فبعثوا فيلهم يريدون أن يصبحوا بمكة، فوجهوه إلى مكة، فربض، فضربوه فتمرغ فلم يزالوا كذلك حتى كادوا أن يصبحوا، ثم إنهم أقبلوا على الفيل فقالوا: لك الله أن لا نوجهك إلى مكة، فانبعث فوجهوه إلى اليمن راجعا " فتوجه يهرول فعطفوه حين رأوه منطلقا حتى إذا ردوه إلى مكانه الأول ربض، فلما رأوا ذلك عادوا إلى القسم فلم يزالوا كذلك يعالجونه حتى إذا كان من طلوع الشمس طلعت عليهم الطير
معها الحجارة، فجعلت ترميهم، وكل طائر في منقاره حجر، وفي رجليه حجران، وإذا رمت بتلك مضت، وطلعت أخرى، فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطن إلا خرقه، ولا عظم إلا أوهاه وثقبه، وثاب أبو يكسوم راجعا " قد أصابته بعض الحجارة، فجعل كلما قدم أرضا " انقطع له فيها إرب حتى إذا انتهى إلى اليمن لم يبق شئ إلا أباده، فلما قدمها انصدع صدره، وانشق بطنه فهلك، ولم يصب من خثعم و الأشعريين أحد، قال: وكان عبد المطلب يرتجز ويدعو على الحبشة يقول:
يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا * إنهم لم يقهروا قواكا قال: ولم تصب تلك الحجارة أحدا " إلا هلك، وليس كل القوم أصابت، وخرجوا هاربين، يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا، ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق.
وقال مقاتل: السبب الذي جر أصحاب الفيل إلى مكة هو أن فئة من قريش خرجوا تجارا " إلى أرض النجاشي، فساروا حتى دنوا من ساحل البحر، وفي حقف من أحقافها بيعة للنصارى تسميها قريش الهيكل، ويسميها النجاشي وأهل أرضه ما سرخشان، فنزل القوم فجمعوا حطبا " ثم أججوا نارا " فاشتووا لحما "، فلما ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف فذهبت الرياح بالنار فاضطرم الهيكل نارا "، فغضب النجاشي لذلك فبعث أبرهة لهدم الكعبة.
وروى العياشي بإسناده عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أرسل الله على أهل الفيل طيرا " مثل الخطاف أو نحوه في منقاره حجر مثل العدسة، فكان يحاذي برأس الرجل فيرميه بالحجر، فيخرج من دبره، فلم تزل بهم حتى أتت عليهم، قال:
فأفلت رجل منهم فجعل يخبر الناس بالقصة، فبينا هو يخبرهم إذ أبصر طيرا " منها، فقال:
هذا هو منها، قال: فحاذى به فطرحه على رأسه فخرج من دبره.
وقال عبيد بن عمير: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا " نشأت من البحر كأنها الخطاطيف، كل طير منها معه ثلاثة أحجار، ثم جاءت حتى صفت على رؤوسهم، ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما من حجر وقع منها على رجل إلا خرج من الجانب الآخر، إن وقع على رأسه خرج من دبره، وإن وقع على شئ من جسده خرج من الجانب الآخر.
وعن ابن عباس: قال: دعا الله الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سودا " عليها الطين، فلما حاذت بهم رمتهم، فما بقي أحد منهم إلا أخذته الحكة، فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه، قال: وكانت الطير نشأت من قبل البحر، لها خراطيم الطيور، ورؤوس السباع، لم تر قبل ذلك ولا بعده، فقال تعالى: (ألم تر) ألم تعلم (كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) الذي قصدوا تخريب الكعبة، وكان معهم فيل واحد اسمه محمود، وقيل: ثمانية أفيال، وقيل: اثنا عشر فيلا "، وإنما وحد لأنه أراد الجنس، وكان ذلك في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، وعليه أكثر العلماء، وقيل: كان أمر الفيل قبل مولده صلى الله عليه وآله بثلاث وعشرين سنة، وقيل: بأربعين سنة (ألم يجعل كيدهم في تضليل) أي ضل سعيهم
حتى لم يصلوا إلى ما أرادوه بكيدهم (وأرسل عليهم طيرا " أبابيل) أي أقاطيع يتبع بعضها بعضا " كالإبل المؤبلة، وكانت لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب، وقيل:
لها أنياب كأنياب السباع، وقيل: طير خضر لها مناقير صفر، وقيل: طير سود بحرية تحمل في مناقيرها وأكفها الحجارة، ويمكن أن يكون بعضها خضرا "، وبعضها سودا " (ترميهم بحجارة من سجيل) أي تقذفهم تلك الطير بحجارة صلبة شديدة، وقال موسى ابن عايشة: كانت أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة.
وقال البيضاوي: (من سجيل) من طين متحجر، معرب سنگ كل وقيل:
من السجل، وهو الدلو الكبير، أو الاسجال وهو الارسال، أو من السجل ومعناه من جملة العذاب المكتوب المدون.
(فجعلهم كعصف مأكول) كورق زرع وقع فيه الاكال وهو أن يأكله الدود أو اكل حبه فبقي صفرا " منه، أو كتبن أكلته الدواب وراشته.
72 - كنز الكراجكي: عن الحسين بن عبيد الله الواسطي، عن التلعكبري، عن محمد بن همام وأحمد بن هوذة جميعا "، عن الحسن بن محمد بن جمهور، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: لما ظهرت الحبشة باليمن وجه يكسوم ملك الحبشة بقائدين من قواده، يقال لأحدهما: أبرهة، والاخر أرباط، في عشرة من الفيلة، كل فيل في عشرة آلاف لهدم بيت الله الحرام، فلما صاروا ببعض الطريق وقع بأسهم بينهم، واختلفوا فقتل أبرهة أرباط واستولى على الجيش، فلما قارب مكة طرد أصحابه عيرا " لعبد المطلب بن هاشم، فصار عبد المطلب إلى أبرهة، وكان ترجمان أبرهة والمستولي عليه ابن داية لعبد المطلب، فقال الترجمان لأبرهة: هذا سيد العرب وديانها فأجله وأعظمه، ثم قال لكاتبه: سله ما حاجته؟ فسأله فقال: إن أصحاب الملك طردوا لي نعما "، فأمر بردها، ثم أقبل على
الترجمان فقال: قل له: عجبا " لقوم سودوك ورءسوك عليهم حيث تسألني في عير لك وقد جئت لأهدم شرفك ومجدك، ولو سألتني الرجوع عنه لفعلت، فقال: أيها الملك إن هذه العير لي وأنا ربها، فسألتك إطلاقها، وإن لهذه البنية ربا يدفع عنها، قال:
فإني عاد لهدمها حتى أنظر ماذا يفعل، فلما انصرف عبد المطلب رحل أبرهة بجيشه فإذا هاتف يهتف في السحر الأكبر: يا أهل مكة أتاكم أهل عكة بجحفل جرار يملا الاندار ملا الجفار، فعليهم لعنة الجبار، فأنشأ عبد المطلب يقول شعر.
أيها الداعي لقد أسمعتني * كل ما قلت وما بي من صمم إن للبيت لربا " مانعا " * من يرده بأثام يصطلم رامه تبع في أجناده * حمير والحي من آل إرم هلكت بالبغي فيهم جرهم * بعد طسم وحديس وجشم وكذاك الامر فيمن كاده * ليس أمر الله بالامر الأمم نحن آل الله فيما قد خلا * لم يزل ذاك على عهد إبرهم نعرف الله وفينا شيمة * صلة الرحم ونوفي بالذمم لم يزل لله فينا حجة * يدفع الله بها عنها النقم ولنا في كل دور كرة * نعرف الدين وطورا في العجم
فإذا ما بلغ الدور إلى * منتهى الوقت أتى الطين فدم بكتاب فصلت آياته * فيه تبيان أحاديث الأمم فلما أصبح عبد المطلب جمع بنيه وأرسل الحارث ابنه الأكبر إلى أعلى أبي قبيس فقال: انظر يا بني ماذا يأتيك من قبل البحر فرجع فلم ير شيئا "، فأرسل واحدا " بعد آخر من ولده فلم يأته أحد منهم عن البحر بخبر، فدعا عبد الله وإنه لغلام حين أيفع، وعليه ذؤابة تضرب إلى عجزه، فقال: اذهب فداك أبي وأمي، فاعل أبا قبيس فانظر ماذا ترى يجئ من البحر، فنزل مسرعا " فقال: يا سيد النادي رأيت سحابا " من قبل البحر مقبلا "، يستفل تارة، ويرتفع أخرى، إن قلت غيما " قلته، وإن قلت جهاما " خلته، يرتفع تارة، وينحدر أخرى، فنادى عبد المطلب يا معشر قريش ادخلوا منازلكم، فقد أتاكم الله بالنصر من عنده، فأقبلت الطير الأبابيل في منقار كل طائر حجر، وفي رجليه حجران، فكان الطائر الواحد يقتل ثلاثة من أصحاب أبرهة، كان يلقي الحجر في قمة رأس الرجل فيخرج من دبره، وقد قص الله تبارك وتعالى نبأهم في كتابه فقال سبحانه: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) السورة، السجيل: الصلب من الحجارة. والعصف:
ورق الزرع. ومأكول يعني كأنه قد اخذ ما فيه من الحب فأكل وبقي لا حب فيه، وقيل: إن الحجارة كانت إذا وقعت على رؤوسهم وخرجت من أدبارهم بقيت أجوافهم فارغة خالية حتى يكون الجسم كقشر الحنظلة.
بيان: قال الجوهري: العكة بالضم: آنية السمن، ورملة حميت عليها الشمس، وفورة الحر. وعكة اسم بلد في الثغور. والجحفل: الجيش. والاندر: البيدر. ولعل فيه تصحيفا " والجفار جمع جفر وهو من أولاد الشاة ما عظم، وجمع جفرة وهي جوف الصدر، وسعة في الأرض مستديرة. والأمم محركة: اليسير. والفدم: الأحمر المشبع حمرة، ولعله
هنا كناية عن الدم، والجهام: السحاب لا ماء فيه.
73 - علل الشرائع: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي مريم، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: (وأرسل عليهم طيرا " أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل) فقال: هؤلاء أهل مدينة كانت على ساحل البحر إلى المشرق فيما بين اليمامة والبحرين، يخيفون السبيل، ويأتون المنكر، فأرسل عليهم طيرا " جاءتهم من قبل البحر رؤوسها كأمثال رؤوس السباع، وأبصارها كأبصار السباع، مع كل طير ثلاثة أحجار: حجران في مخاليبه، وحجر في منقاره، فجعلت ترميهم بها حتى جدرت أجسادهم، فقتلهم الله عز وجل بها، وما كانوا قبل ذلك رأوا شيئا " من ذلك الطير ولا شيئا " من الجدري، ومن أفلت منهم انطلقوا حتى بلغوا حضرموت وادي باليمن أرسل الله عز وجل عليهم سيلا " فغرقهم ولا رأوا في ذلك الوادي ماء قبل ذلك، فلذلك سمي حضرموت حين ماتوا فيه.
بيان: هذا حديث غريب مخالف لما مر، لم أره إلا من هذا الطريق، ويمكن أن تكون السورة إشارة إلى الواقعتين معا "، ويحتمل أن يكون الذين أرادوا البيت هؤلاء القوم، وسيأتي الخبر من الكافي بهذا السند بوجه آخر لا يخالف شيئا " من الاخبار.
74 - إكمال الدين: ابن موسى، عن ابن زكريا القطان، عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله ابن محمد، عن أبيه، عن الهيثم بن عمرو المغربي، عن إبراهيم بن عقيل الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه أحد إلا هو، إجلالا " له، وكان بنوه يجلسون حوله حتى يخرج عبد المطلب، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج وهو غلام صبي فيجئ حتى يجلس على الفراش، فيعظم ذلك
أعمامه ويأخذونه ليؤخروه فيقول لهم عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا " عظيما "، إني أرى أنه سيأتي عليكم يوم وهو سيدكم، إني أرى غرته غرة تسود الناس، ثم يحمله فيجلسه معه، ويمسح ظهره ويقبله، ويقول: ما رأيت قبلة أطيب منه، ولا أطهر قط، ولا جسدا " ألين منه ولا أطيب، ثم يلتفت إلى أبى طالب - وذلك أن عبد الله وأبا طالب لام واحدة - فيقول: يا أبا طالب إن لهذا الغلام لشأنا " عظيما " فاحفظه واستمسك به، فإنه فرد وحيد، وكن له كالأم لا يصل إليه شئ يكرهه، ثم يحمله على عنقه فيطوف به أسبوعا "، وكان عبد المطلب قد علم أنه يكره اللات والعزى فلا يدخله عليهما، فلما تمت له ست سنين ماتت أمه آمنة بالابواء بين مكة والمدينة، وكانت قدمت به على أخواله من بني عدي، فبقي رسول الله صلى الله عليه وآله يتيما " لا أب له ولا أم، فازداد عبد المطلب له رقة وحفظا "، وكانت هذه حاله حتى أدرك عبد المطلب الوفاة فبعث إلى أبي طالب ومحمد على صدره وهو في غمرات الموت وهو يبكي، ويلتفت إلى أبي طالب ويقول: يا أبا طالب انظر أن تكون حافظا " لهذا الوحيد الذي لم يشم رائحة أبيه، ولم يذق شفقة أمه، انظر يا أبا طالب أن يكون من جسدك بمنزلة كبدك، فإني قد تركت بني كلهم وأوصيتك به لأنك من أم أبيه، يا أبا طالب إن أدركت أيامه تعلم أني كنت من أبصر الناس به، وأنظر الناس وأعلم، فإن استطعت أن تتبعه فافعل وانصره بلسانك ويدك ومالك، فإنه والله سيسودكم ويملك ما لم يملك أحد من بني آبائي، يا أبا طالب ما أعلم أحدا " من آبائك مات عنه أبوه على حال أبيه، ولا أمه على حال أمه، فاحفظه لوحدته، هل قبلت وصيتي؟ قال: نعم قد قبلت والله علي بذلك
شاهد، فقال عبد المطلب: فمد يدك إلي، فمد يده فضرب بيده إلى يده، ثم قال عبد المطلب:
الان خفف علي الموت، ثم لم يزل يقبله ويقول: أشهد أني لم اقبل أحدا من ولدي أطيب ريحا " منك، ولا أحسن وجها " منك، ويتمنى أن يكون قد بقي حتى يدرك زمانه، فمات عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين، فضمه أبو طالب إلى نفسه لا يفارقه ساعة من ليل ولا نهار، وكان ينام معه حتى بلغ لا يأمن عليه أحدا.
75 - إكمال الدين: أحمد بن محمد بن الحسين، عن محمد بن يعقوب الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بن بشار الهذلي، عن العباس بن عبد الله بن سعيد، عن بعض أهله قال: كان يوضع لعبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وآله فراش في ظل الكعبة، وكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا " له، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتي حتى يجلس عليه، فيذهب أعمامه ليؤخروه فيقول جده عبد المطلب:
دعوا ابني، فيمسح على ظهره ويقول: إن لابني هذا لشأنا "، فتوفي عبد المطلب والنبي صلى الله عليه وآله ابن ثمان سنين بعد الفيل بثمان سنين.
76 - إكمال الدين: أحمد بن محمد الصائغ، عن محمد بن أيوب، عن صالح بن أسباط، عن إسماعيل بن محمد، وعلي بن عبد الله، عن الربيع بن محمد السلمي، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباته قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنما " قط، قيل: فما كانوا يعبدون ؟ قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم عليه السلام متمسكين به.
77 - الخرائج: من معجزات النبي صلى الله عليه وآله أن أبرهة بن يكسوم قاد الفيلة إلى بيت الله الحرام ليهدمه قبل مبعثه، فقال عبد المطلب لأبرهة وقد حضره بعد أن عظم شأنه لسؤاله بعيره: إن لهذا البيت ربا " يمنعه، ثم رجع إلى أهل مكة فدعا عبد المطلب على أبي قبيس وأهل مكة قد صعدوا وتركوا مكة، ثم قال لأبي طالب: اخرج وانظر ماذا ترى في السماء، فرجع قال: طيورا " لم تكن في ولايتنا، وقد أخبره سيف بن ذي يزن وغيره به، فأرسل الله عليهم طيرا " أبابيل ودفعهم عن مكة وأهلها.
78 - مناقب ابن شهرآشوب: لما قصد أبرهة بن الصباح لهدم الكعبة أتاه عبد المطلب ليسترد منه إبله، فقال: تعلمني في مأة بعير، وتترك دينك ودين آبائك وقد جئت لهدمه؟ فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا " سيمنعه منك، فرد إليه إبله، فانصرف إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأخذ بحلقة الباب قائلا ":
يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا * أمنعهم أن يخربوا قراكا وله أيضا ":
لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك * لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا " محالك فانجلى نوره على الكعبة فقال لقومه: انصرفوا، فوالله ما انجلى من جبيني هذا النور إلا ظفرت، والآن قد انجلى عنه، وسجد الفيل له، فقال للفيل: يا محمود، فحرك الفيل رأسه، فقال له: تدري لم جاءوا بك؟ فقال الفيل برأسه: لا، فقال: جاءوا بك لتهدم بيت ربك، أفتراك فاعل ذلك؟ فقال الفيل برأسه: لا.
بيان: المحال بالكسر: الكيد والقوة.
79 - مناقب ابن شهرآشوب: عكرمة قال: كان يوضع فراش لعبد المطلب في ظل الكعبة، ولا يجلس عليه أحد إجلالا " له، وكان بنوه يجلسون حوله حتى يخرج، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه، فيقول لهم عبد المطلب: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا " عظيما "، إني أرى أنه سيأتي عليكم وهو سيدكم، ثم يحمله فيجلسه معه ويمسح ظهره ويقبله ويوصيه إلى أبي طالب.
80 - الروضة: قال الواقدي: كان في زمان عبد المطلب رجل يقال له: سيف بن ذي يزن، وكان من ملوك اليمن، وقد أنفذ ابنه إلى مكة واليا " من قبله، وتقدم إليه باستعمال العدل والانصاف ففعل ما أمره به أبوه، ثم إن عبد المطلب دعا برؤوساء قريش مثل عتبة ابن ربيعة، ومثل الوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف، ورؤساء بني هاشم، فاجتمعوا في دار الندوة، فلما قعدوا وأخذوا مراتبهم فتكلم عبد المطلب وقال: اعلموا أني قد دبرت تدبيرا "، فقال المشايخ: وما دبرت يا رئيس قريش وكبير بني هاشم؟ فقال: يا قوم إنكم تحتاجون أن تخرجوا معي نحو سيف بن ذي يزن لتهنيته في ولايته وهلاك عدوه ليكون أرفق بنا، وأميل إلينا، فقالوا له بأجمعهم: نعم ما رأيت، ونعم ما دبرت، قال:
فخرج عبد المطلب ومعه سبعة وعشرون رجلا " على نوق جياد نحو اليمن، فلما وصلوا إلى سيف بن ذي يزن بعد أيام سألوا عن الوصول إليه، قالوا لهم: إن الملك في القصر الوردي، وكان من عاداته في أوان الورد أن يدخل قصر غمدان، ولا يخرج إلا بعد نيف وأربعين يوما "، ولا يصل إليه ذو حاجة ولا زائر، وأنتم قصدتم الملك في أيام الورد، فذهب عبد المطلب
إلى باب بستانه، وكان لقصر غمدان في وسط البستان أبواب، وكان لهذا البستان باب يفتح إلى البرية، وقد وكل بذلك البستان بوابا " واحدا "، فقال عبد المطلب لأصحابه:
لعلنا يتهيئ لنا الدخول بحيلة، ولا يتهيئ إلا هي، فقال القوم: صدقت، قال الواقدي:
ثم إن عبد المطلب نزل وأخذ نحو الباب، فنظر إلى البواب وسلم عليه، فقال له: يا بواب دعني أن أدخل هذا البستان، فقال البواب: واعجبا " منك! ما أقل فهمك، وأضعف رأيك؟ أمصروع أنت؟ فقال له عبد المطلب: ما رأيت من جنوني؟ فقال له البواب: ما علمت أن سيف بن ذي يزن في القصر مع جواريه وخدمه قاعدا " فإن بصر بك في بستانه أمر بقتلك، وإن سفك دمك عنده أهون من شربة ماء، فقال له عبد المطلب: دعني أدخل ويكون من الملك إلي ما يكون، فقال له البواب: يا مغلوب العقل إن الملك في القصر وعيناه للباب والبواب، إنه قدر ما يرمق أن يأمر بقتلك، فقال عقيل بن أبي وقاص:
يا أبا الحارث أما علمت أن المصابيح لا تضئ إلا بالدهن؟ فقال عبد المطلب: صدقت، قال الواقدي: ثم إن عبد المطلب دعا بكيس من أديم فيه ألف دينار، وقال: بعد أن صب الكيس بين يدي البواب يا هذا إن تركتني أدخل البستان جعلت هذا بري إليك، فاقبل صلتي، وخل سبيلي، فلما نظر البواب إلى الدرهم خر مبهوتا " وقال له البواب:
يا شيخ إن دخلت ونظر إليك وسألك عن كيفية دخولك ما أنت قائل؟ قال عبد المطلب:
أقول له: كان البواب نائما " وشرط عليه عبد المطلب أن لا يكذبه إن دعاه الملك للمسألة فيقول: غفوت وليس لي بدخوله علم، قال: نعم، فقال عبد المطلب: إن كذبتني في هذا صدقت الملك عن الصلة التي وصلتك بها، فقال له البواب: ادخل يا شيخ، فدخل عبد المطلب البستان، وكان قصر غمدان في وسط الميدان والبستان كأنه جنة من الجنان، قد حف بالورد والياسمين وأنواع الرياحين والفواكه، وفيه أنهار جارية وسطه، وإذا سيف بن ذي يزن قد اتكأ على عمود المنظرة من قصره، فلما نظر إلى عبد المطلب غضب
وقال لغلمانه: من ذا الذي دخل علي بغير إذني؟ ايتوني به سريعا "، فسعى إليه الغلمان والخدم فاختطفوه من البستان، فلما دخل عبد المطلب عليه رأى قصرا " مبنيا " على حجر، مطلى بطلاء الوردي، منقشا " بنقش اللازوردي، وورد على أمثال الورد، ورأي عن يمين الملك وعن شماله وبين يديه من الجواري ما لا عدد لهن، ورأي بقرب الملك عمودا " من عقيق أحمر، وله رأس من ياقوت أزرق، مجوف محشى بالمسك، ورأي عن يساره تورا " من ذهب أحمر، وعلى فخذه سيف نقمته مكتوب عليه بماء الذهب. شعر:
رب ليث مدجج كان يحمي * ألف قرن منغمد الأغمادي وخميس ملفف بخميس * بدد الدهر جمعهم في البلاد قال الواقدي: فوقف عبد المطلب بين يديه ولم يتكلم له الملك ولا عبد المطلب حتى كرع الملك في التور الذي بين يديه، فلما فرغ من شربه نظر إليه وكان سيف قد شاهد عبد المطلب قبل هذا، ولكنه أنكره حتى استنطقه، فقال له الملك: من الرجل؟ فقال أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، حتى بلغ آدم عليه السلام، فقال له الملك: أنت ابن أختي؟ فقال: نعم أيها الملك أنا ابن أختك، وذلك أن سيف بن ذي يزن كان من آل قحطان، وآل قحطان من الأخ، وآل إسماعيل من الأخت، فعلم سيف بن ذي يزن أن عبد المطلب ابن أخته، فقال سيف:
أهلا " وسهلا " وناقة " ورحلا "، ومد الملك يده إلى عبد المطلب، وكذلك عبد المطلب إلى نحو الملك، فأمره الملك بالقعود وكناه بأبي الحارث، أنتم معاشر أهل الشار، رجال الليل والنهار، وغيوث الجدب والغلاء، وليوث الحرب بضرب الطلا، ثم قال: يا أبا الحارث فيم جئت؟ فقال له عبد المطلب: نحن جيران بيت الله الحرام، وسدنة البيت، وقد جئت إليك وأصحابي بالباب لنهنئك بولايتك وما فوضه الله تعالى من النصر لك وأجراه على يديك من هلاك عدوك، فالحمد لله الذي نصرك، وأقر عينيك، وأفلج حجتك، وأقر
عيوننا بخذلان عدوك، فأطال الله تعالى في سوابغ نعمه مدتك، وهنأك بما منحك، ووصلها بالكرامة الأبدية، فلا خيب دعائي فيك أيها الملك، ففرح سيف بدعائه واستقر له بالمحبة بما سمع من تهنيته، ثم أمره أن يصير هو ومن معه بالباب من أصحابه إلى دار الضيافة إلى أن يؤمر بإحضارهم بعد هذا اليوم إلى مجلسه، فمضى وحجابه وخدمه بين يديه إلى حيث أمرهم، وخرج عبد المطلب واستوى على جمله وأتبعه أصحابه وبين يديه غلمان الملك وحوله حتى أنزلوه وأصحابه الدار، وبالغوا بالتوصية به وبأصحابه، فأمر الملك أن يجري عليهم في كل يوم ألف درهم بيض، فبقي عبد المطلب في دار الضيافة سريرا " حتى تصرمت أيام الورد، فلما كان في اليوم الذي أراد فيه مجلسه للتسليم عليه والنظر في أمره ذكر عبد المطلب في شطر من ليلته فأمر بإحضاره وحده، فدخل عليه الرسول فأمره وأعلمه بمراد الملك منه، فقام معه إليه، فإذا الملك في مجلسه وحده، فقال لخدمه: تباعدوا عنا، فلم يبق في المجلس غير الملك وعبد المطلب، وثالثهم رب العزة تبارك وتعالى، فقال له الملك: يا أبا الحارث، إن من آرائي أن أفوض إليك علما " كنت كتمته عن غيرك، وأريد أن أضعه عندك، فإنك موضع ذلك، وأريد أن تطويه وتكتمه إلى أن يظهره الله تعالى، فقال عبد المطلب: السمع والطاعة للملك، وكذا الظن بك فقال الملك: اعلم يا أبا الحارث إن بأرضكم غلاما " حسن الوجه والبدن، جميل القد والقامة، بين كتفيه شامة، المبعوث من تهامة، أنبت الله تعالى على رأسه شجرة النبوة، وظللته الغمامة، صاحب الشفاعة يوم القيامة، مكتوب بخاتم النبوة على كتفيه سطران: لا إله إلا الله، والثاني محمد رسول الله، والله تعالى أمات أمه وأباه، وتكون تربيته على جده وعمه، وإني وجدت في كتب بني إسرائيل صفته أبين وأشرح من القمر بين الكواكب، وإني أراك جده، فقال عبد المطلب: أنا جده أيها الملك، فقال الملك: مرحبا " بك وسهلا " يا أبا الحارث، ثم قال له الملك: أشهدك على نفسي يا أبا الحارث إني مؤمن به وبما يأتي
به من عند ربه، ثم تأوه سيف ثلاث مرات بأن يراه فكان ينصره وينظره، يتعجب منه الطير في الهواء، ثم قال: يا أبا الحارث عليك بكتمان ما ألقيت عليك، ولا تظهره إلى أن يظهره الله تعالى، فقال عبد المطلب: السمع والطاعة للملك، ونظر عبد المطلب في لحية سيف بن ذي يزن سوادا " وبياضا "، وخرج من عنده وقد وعده في الحباء في غد ليرحلوا إلى أرض الحرم إن شاء الله تعالى، فلما رجع إلى أصحابه وجدهم وجلين شاحبين وقد أكثروا الفكر فيه حين دعاه الملك في مثل ساعته التي دعاه فيها، فقالوا له، ما كان يريد الملك منك؟ قال عبد المطلب: يسألني عن رسوم مكة وآثارها، ولم يخبر عبد المطلب أحدا بما كان بينه وبين الملك، وغدا عليهم رسول الملك من غد يحضرهم مجلسه فتطيبوا وتزينوا ودخلوا القصر، وعبد المطلب يقدمهم، فدخلوا عليه فنظر عبد المطلب فإذا برأسه ولحيته حالكا "، فقال له عبد المطلب: إني تركتك أبيض اللحية فما هذا؟ فقال له الملك:
إني أستعمل الخضاب، فقال أصحاب عبد المطلب: إن رأى الملك أن يرانا أهلا " لذلك الخضاب فليفعل، قال فأمر الملك أن يؤخذ بهم إلى الحمام، وكان القوم بيض الرؤوس واللحاء، فخضبوا هناك فخرجوا ولشعورهم بريق كأسود ما يكون من الشعر، ويقال: إن سيفا " أول من خضب رأسه ولحيته.
قال الواقدي: ثم إن الملك أمر لكل واحد منهم ببدرة بيض، فحمل كل واحد منهم على دابة وبغل، وأمر لكل واحد منهم بجارية وغلام وبتخت ثياب فاخرة، ولعبد المطلب بضعفي ما وهب لهم، ثم دعا الملك بفرسه العقاب وبغلته الشهباء وناقته العضباء وقال يا أبا الحارث: إن الذي أسلمه إليك أمانة في عنقك تحفظها إلى
أن تسلمها إلى محمد صلى الله عليه وآله إذا بلغ مبلغ الرجال فقال له: اعلم أني ما طلبت على ظهر هذه الفرس شيئا " إلا وجدته، وما قصدني عدو وأنا راكب عليها إلا نجاني الله تعالى منه، وأما البغلة فإني كنت أقطع بها الدكداك والجبال لحسن سيرها، ولا أنزل عنها ليلي ونهاري، فأمره أن يتحفظ ويجعلها لي تذكرة، وبلغه عني التحية الكثيرة، فقال عبد المطلب:
السمع والطاعة لأمر الملك، ثم ودعوه وخرجوا نحو الحرم حتى دخلوا مكة، فوقعت الصيحة في البلد بقدومهم، فخرج الناس يستقبلونهم، وخرج أولاد عبد المطلب وقعد النبي على صخرة وقد ألقى كمه على وجهه لئلا تناله الشمس حتى تقارب عبد المطلب، فنظر أولاده إليه وقالوا: يا أبانا خرجت إلى اليمن شيخا " ورجعت شابا "، قال: نعم أيها الفتيان سأخبركم بما ذكرتم، ثم قال لهم : أين سيدي محمد؟ فقالوا: إنه قعد في بعض الطريق ينتظركم، ثم إن عبد المطلب سار نحوه حتى وصل إليه مع أصحابه، فنزل عن مركوبه وعانقه وقبل ما بين عينيه، وقال له: إن هذا الفرس والبغلة والناقة أهداها إليك سيف بن ذي يزن، ويقرء عليك التحية الطيبة، ثم أمر أن يحمل رسول الله صلى الله عليه وآله على الفرس، فلما استوى النبي صلى الله عليه وآله على ظهر الفرس انتشط وصهل صهيلا " شديدا " فرحا " برسول الله صلى الله عليه وآله، ونسب هذا الفرس إنه عقاب بن ينزوب بن قابل بن بطال بن زاد الراكب بن الكفاح بن الجنح بن موج بن ميمون بن ريح، أمر الله تعالى قال: كن، فكان بأمره.
قال الواقدي: وأخذ أبو طالب بلجام فرسه، وحف برسول صلى الله عليه وآله أعمامه، فقال صلى الله عليه وآله: خلوا عني فإن ربي يحفظني ويكلاني، فخلوا عنه، فدخل النبي صلى الله عليه وآله إلى مكة على حالته، فشاع خبره في قريش وبني هاشم، فتعجب من أمره الخلق، وبقي النبي صلى الله عليه وآله فرحا " مسرورا " عند عبد المطلب.
قال الواقدي: ودب النبي صلى الله عليه وآله ودرج وأتى عليه ثمان سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام فعندها اعتل عبد المطلب علة شديدة فأمر أن يحمل سريره إلى عند البيت الحرام، وينصب هناك عند أستار الكعبة، وكان لعبد المطلب سرير من خيزران أسود ورثه من جده عبد مناف، وكان السرير له شبكات من عاج وآبنوس وصندل وعود أحسن ما يكون إحكاما "
وهيئة، وأمر عبد المطلب أن يزين السرير بألوان الفرش والديباج الرقاق، وأمر أن ينصب فوق سريره فسطاط من ديباج أحمر، ففعل ذلك، وحمل عبد المطلب إلى بيت الله الحرام ونام على ذلك السرير المزين، وقعد حوله أولاده، وكان له من البنين عشرة أنفس، فمات منهم عبد الله، وبقى بعده تسعة أنفس شجعان يعد كل واحد منهم بألف، وقعدوا حوله وحفوا بعبد المطلب يبكون ودموعهم تتقاطر كالمطر، وقعد النبي صلى الله عليه وآله واجتمعت عند عبد المطلب بطون العرب وكبار قريش مصطفون، ما منهم أحد إلا وعيناه تهملان بالدموع، فعند ذلك ظهر أبو لهب لعنه الله وأخزاه وأخذ برأس رسول الله صلى الله عليه وآله لينحيه عن عبد المطلب فصاح عبد المطلب وانتهره، وقال له: مه يا عبد العزى أنت من عداوتك لا تنفك من إظهارك ببغضك لولدي محمد، اقعد مكانك وأمسك عنه، وقام أبو لهب وقعد عند رجل عبد المطلب خجلا " مخذولا "، لأن أبا لهب كان من الفراعنة المبغضين لرسول الله صلى الله عليه وآله، ثم مال عبد المطلب إلى جنبه وأقبل بوجهه على أبي طالب لأنه لم يكن في أولاد عبد المطلب أرفق منه برسول الله صلى الله عليه وآله ولا أميل منه، ثم أنشأ يقول - شعر -:
أوصيك يا عبد مناف بعدي * بموحد بعد أبيه فردي فارقه وهو ضجيع المهدي * فكنت كالأم له في الوجدي قد كنت ألصقه الحشي والكبدي * حتى إذا خفت فراق الوحدي أوصيك أرجى أهلنا بالرفدي * يا بن الذي غيبته في اللحدي بالكره مني ثم لا بالعمدي * وخيرة الله يشاء في العبدي ثم قال عبد المطلب: يا أبا طالب إنني القي إليك بعد وصيتي، قال أبو طالب:
ما هي؟ قال: يا بني أوصيك بعدي بقرة عيني محمد صلى الله عليه وآله وأنت تعلم محله مني، ومقامه لدي، فأكرمه بأجل الكرامة، ويكون عندك ليله ونهاره وما دمت في الدنيا، الله ثم الله في حبيبه، ثم
قال لأولاده: أكرموا وجللوا محمدا " صلى الله عليه وآله، وكونوا عند إعزازه وإكرامه، فسترون منه أمرا " عظيما " عليا "، وسترون آخر أمره ما أنا أصفه لكم عند بلوغه، فقالوا بأجمعهم: السمع والطاعة يا أبانا نفديه بأنفسنا وأموالنا ونحن له فدية، قال أبو طالب: قد أوصيتنا بمن هو أفضل مني ومن إخواني، قال: نعم، - ولم يكن في أعمام النبي صلى الله عليه وآله أرفق من أبي طالب قديما " وحديثا " في أمر محمد صلى الله عليه وآله -، ثم قال: إن نفسي ومالي دونه فداء أنازع معاديه :
وأنصر مواليه، فلا يهمنك أمره.
قال الواقدي: ثم إن عبد المطلب غمض عينيه وفتحهما ونظر قريشا " وقال: يا قوم أليس حقي عليكم واجبا "؟ فقالوا بأجمعهم: نعم حقك على الكبير والصغير واجب، فنعم القائد ونعم السائق فينا كنت، فجزاك الله تعالى عنا خيرا "، ويهون عليك سكرات الموت، وغفر لك ما سلف من ذنوبك، فقال عبد المطلب: أوصيكم بولدي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله فأحلوه محل الكرامة فيكم وبروه ولا تجفوه، ولا تستقبلوه بما يكره، فقالوا بأجمعهم: قد سمعنا منك وأطعناك فيه، ثم قال لهم عبد المطلب: إن الرئيس عليكم من بعدي الوليد بن المغيرة أبو عبد الشمس بن أبي العاص بن نقية بن عبد شمس بن عبد مناف، فضجت الخلق بأجمعهم وقالوا: قبلنا أمرك، فنعم ما رأيته رأيا "، ونعم ما خلفته فينا بعدك، وصارت قريش وبنو هاشم تحت ركاب الوليد بن المغيرة، فعند ذلك تغير وجه عبد المطلب واخضرت أظافير يديه ورجليه، ووقع على وجنتيه غبار الموت، يكثر التقلب من جنب إلى جنب، ومرة يقبض رجلا " ويبسط أخرى، والخلائق من قريش وبني هاشم حاضرون، وقد صارت مكة في ضجة واحدة، وأراد النبي صلى الله عليه وآله أن يقوم من عنده ففتح عبد المطلب عينيه وقال: يا محمد تريد أن تقوم؟ قال: نعم، فقال عبد المطلب: يا ولدي فإني وحق رب السماء لفي راحة ما دمت عندي، قال: فقعد النبي صلى الله عليه وآله فما كان إلا عن قليل حتى قضى نحبه.
قال الواقدي: ثم قاموا في تغسيله فغسلوه وكفنوه وحنطوه، وجعلوه في أعواد المنايا وحملوه إلى ذيل الصفا، وما بقي في مكة شيخ ولا شاب ولا حر ولا عبد من الرجال و النساء إلا وقد ذهبوا إلى جنازته وعظموها ودفنوه، فرجع الخلق من جنازته باكين عليه لفقده من مكة، فقالت عاتكة بنت عبد المطلب ترثي أباها وتقول:
ألا يا عين ويحك فاسعديني * بدمع واكف هطل غزير على رجل أجل الناس أصلا * وفرعا " في المعالي والظهور طويل الباع أروع شيظميا * أغر كغرة القمر المنير وقالت صفية ترثي أباها:
أعيني جودا بالدموع السواكب * على خير شخص من لوي بن غالب أعيني جودا عبرة بعد عبرة * على الأسد الضرغام محض الضرائب وقالت برة بنت عبد المطلب تبكي أباها وترثيه:
أعيني جودا بالدموع الهواطل * على النحر مني مثل فيض الجداول ولا تسأما أن تبكيا كل ليلة * ويوم على مولى كريم الشمائل أبا الحارث الفياض ذو الباع والندى * رئيس قريش كلها في القبائل فأسقى مليك الناس موضع قبره * بنوء الثريا ديمة بعد وابل
وقالت أروى بنت عبد المطلب ترثي أباها:
ألا يا عين ويحك فاسعديني * بويل واكف من بعد ويل بدمع من دموعك ذو غروب * فقد فارقت ذا كرم ونبل طويل الباع أروع ذي المعالي * أبوك الخير وارث كل فضل وقالت آمنة بنت عبد المطلب تبكي أباها وترثيه:
بكت عيني وحق لها البكاء * على سمح السجية والحياء على سمح الخليقة أبطحي * كريم الخيم ينميه العلاء أقب الكشح أروع ذي أصول * له المجد المقدم والثناء وكان هو الفتى كرما " وجودا " * وبأسا " حين يشتبك القناء بيان: قال الجزري: فيه ذكر غمدان، هو بضم الغين وسكون الميم: البناء العظيم بناحية صنعاء اليمن، قيل: هو من بناء سليمان عليه السلام انتهى. والمدجج: الذي دخل في سلاحه. والأغماد جمع الغمد بالكسر وهو جفن السيف، وغمده يغمده: جعله في الغمد. وكرع الماء: تناوله بفيه من غير أن يشرب بكفه ولا بإناء كما تشرب البهائم.
والشارة والشيار: الحسن والجمال والهيئة واللباس والزينة. والطلا بالضم: الأعناق.
ويقال: رجل بر سر أي يبر ويسر. والحالك: الأسود الشديد السواد. والدكداك من الرمل: ما التبد منه بالأرض ولم يرتفع. والشيظم: الطويل الجسم. والغروب:
مجاري الدمع. والخيم بالكسر: السجية والطبيعة لا واحد له من لفظه.
81 - العدد: لما ماتت آمنة ضم عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى نفسه وكان يرق عليه ويحبه ويقربه إليه ويدنيه، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله يوما " يلعب مع الغلمان حتى بلغ الردم فرآه قوم من بني مدلج فدعوه فنظروا إلى قدميه وإلى أثره، ثم خرجوا في أثره فصادفوا عبد المطلب قد اعتنقه، فقالوا له: ما هذا منك؟ قال: ابني، قالوا:
احتفظ به فإنا لم نر قدما " أشبه بالقدم التي في المقام منه، فقال عبد المطلب لأبي طالب:
اسمع ما يقول هذا، فكان أبو طالب يحتفظ به.
82 - روى كميل بن سعيد، عن أبيه قال: حججت في الجاهلية فإذا أنا برجل يطوف بالبيت وهو يرتجز ويقول:
يا رب رد راكبي محمدا " * رد إلي واصطنع عندي يدا " قال: فقلت: من هذا؟ قيل: هو عبد المطلب بن هاشم، ذهبت إبل له فأرسل ابن ابنه في طلبها، ولم يرسله في حاجة قط إلا جاء بها، وقد احتبس عليه، قال: فما برحت أن جاء النبي صلى الله عليه وآله وجاء بالإبل، فقال له: يا بني قد حزنت عليك حزنا " لا يفارقني أبدا ".
وتوفي عبد المطلب والنبي صلى الله عليه وآله له ثمان سنين وشهران وعشرة أيام، وكان خلف جنازته يبكي حتى دفن بالحجون، فكفله أبو طالب عمه وكان أخا عبد الله لأبيه وأمه.
83 - كنز الكراجكي: روي أنه قيل لأكثم بن صيفي وكان حكيم العرب وكان من المعمرين: إنك لاعلم أهل زمانك وأحكمهم وأعقلهم وأحلمهم، فقال: وكيف لا أكون كذلك وقد جالست أبا طالب بن عبد المطلب دهره، وعبد المطلب دهره، وهاشما " دهره، وعبد مناف دهره، وقصيا " دهره؟ وكل هؤلاء سادات أبناء سادات فتخلقت بأخلاقهم وتعلمت من حلمهم، واقتبست سؤددهم، واتبعت آثارهم.
84 - الكافي: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي عبد الله صلى الله عليه وآله قال: يحشر عبد المطلب يوم القيامة أمة وحده عليه سيماء الأنبياء وهيبة الملوك.
بيان: قوله عليه السلام: أمة وحده، أي إذا حشر الناس فوجا " فوجا " هو يحشر وحده، لأنه كان في زمانه متفردا " بدين الحق من بين قومه. قال في النهاية: في حديث قس إنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة، الأمة الرجل المتفرد بدين كقوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة).
85 - الكافي: علي، عن أبيه، عن الأصم، عن الهيثم بن واقد، عن مقرن، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عبد المطلب أول من قال: بالبداء يبعث يوم القيامة أمة وحده، عليه بهاء الملوك، وسيماء الأنبياء.
86 - الكافي: بعض أصحابنا، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، جميعا " عن أبي
عبد الله عليه السلام قال، يبعث عبد المطلب أمة وحده عليه بهاء الملوك، وسيماء الأنبياء، و ذلك أنه أول من قال بالبداء، قال: وكان عبد المطلب أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى رعاته في إبل قد ندت له، فجمعها فأبطأ عليه فأخذ بحلقة باب الكعبة وجعل يقول: يا رب أتهلك آلك إن تفعل فأمر ما بدا لك، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله بالإبل وقد وجه عبد المطلب في كل طريق، وفي كل شعب في طلبه، وجعل يصيح: يا رب أتهلك آلك إن تفعل فأمر ما بدا لك، ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله أخذه فقبله، فقال: يا بني لا وجهتك بعد هذا في شئ، فإني أخاف أن تغتال فتقتل. توضيح: قوله عليه السلام: وذلك أنه تعليل لقوله: عليه سيماء الأنبياء. وند البعير:
نفر وذهب على وجهه شاردا ". قوله: أتهلك آلك، أي أتهلك من جعلته أهلك، ووعدت أنه سيصير نبيا "، ثم تفطن بإمكان البداء فقال: إن تفعل فأمر آخر بدا لك فيه، فظهر أنه كان قائلا " بالبداء، ويمكن أن يقرأ بصيغة الامر، أي فأمر ما بدا لك في وأهلكني فإني لا أحب الحياة بعده، والأول أظهر. والاغتيال: هو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه أحد.
87 - الكافي: العدة، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن ابن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لما أن وجه صاحب الحبشة بالخيل ومعهم الفيل ليهدم البيت مروا بإبل لعبد المطلب فساقوها، فبلغ ذلك عبد المطلب فأتى صاحب الحبشة فدخل الاذن فقال: هذا عبد المطلب بن هاشم، قال: وما يشاء؟ قال الترجمان: جاء في إبل له ساقوها يسألك ردها، فقال ملك الحبشة لأصحابه: هذا رئيس قوم وزعيمهم، جئت إلى بيته الذي يعبده لأهدمه وهو يسألني إطلاق إبله، أما لو سألني الامساك عن هدمه لفعلت، ردوا عليه إبله، فقال عبد المطلب لترجمانه: ما قال الملك؟ فأخبره، فقال
عبد المطلب: أنا رب الإبل، ولهذا البيت رب يمنعه، فردت عليه إبله، وانصرف عبد المطلب نحو منزله فمر بالفيل في منصرفه فقال للفيل: يا محمود، فحرك الفيل رأسه، فقال له: أتدري لم جاءوا بك؟ فقال الفيل برأسه: لا، فقال عبد المطلب: جاءوا بك لتهدم بيت ربك، أفتراك فاعل ذلك؟ فقال برأسه: لا، فانصرف عبد المطلب إلى منزله، فلما أصبحوا غدوا به لدخول الحرم فأبى وامتنع عليهم، فقال عبد المطلب لبعض مواليه عند ذلك: اعل الجبل فانظر ترى شيئا "، فقال: أرى سوادا " من قبل البحر، فقال له: يصيبه بصرك أجمع؟ فقال له: لا، ولأوشك أن يصيب، فلما أن قرب قال: هو طير كثير ولا أعرفه يحمل كل طير في منقاره حصاة مثل حصاة الخذف أو دون حصاة الخذف، فقال عبد المطلب ورب عبد المطلب ما يريد إلا القوم، حتى لما صاروا فوق رؤوسهم أجمع ألقت الحصاة فوقعت كل حصاة على هامة رجل فخرجت من دبره فقتلته، فما انفلت منهم إلا رجل واحد يخبر الناس، فلما أن أخبرهم ألقت عليه حصاة فقتلته.
88 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي نصر، عن رفاعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
كان عبد المطلب يفرش له بفناء الكعبة لا يفرش لاحد غيره، وكان له ولد يقومون على رأسه فيمنعون من دنا منه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وهو طفل يدرج حتى جلس على فخذيه، فأهوى بعضهم إليه لينحيه عنه، فقال له عبد المطلب: دع ابني فإن الملك قد أتاه.
89 - الكافي: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي مريم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: (وأرسل عليهم طيرا " أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل) قال: كان طير ساف جاءهم من قبل البحر رؤوسها كأمثال رؤوس السباع، وأظفارها كأظفار السباع من الطير، مع كل طائر ثلاثة أحجار: في رجليه حجران، وفي منقاره حجر، فجعلت ترميهم بها حتى جدرت
أجسادهم فقتلهم بها، وما كان قبل ذلك رؤي شئ من الجدري، ولا رأوا ذلك من الطير قبل ذلك اليوم ولا بعده، قال: ومن أفلت منهم يومئذ انطلق حتى إذا بلغوا حضرموت وهو واد دون اليمن، أرسل الله عليهم سيلا " فغرقهم أجمعين، قال: وما رؤي في ذلك الوادي ماء قبل ذلك اليوم بخمسة عشر سنة، قال: فلذلك سمي حضرموت حين ماتوا فيه.
90 - الاختصاص: محمد بن علي، عن محمد بن الحسن، عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعي، عن بعض أصحابنا، عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي الحسن مولى المنصور قال: أخرج إلي بعض ولد سليمان بن علي كتابا " بخط عبد المطلب وإذا شبيه بخط الصبيان:
بسمك اللهم، ذكر حق عبد المطلب بن هاشم من أهل مكة على فلان بن فلان الحميري من أهل زول صنعاء عليه ألف درهم فضة طيبة كيلا " بالجديد، ومتى دعاه بها أجابه، شهد الله والملكان.
91 - أمالي الطوسي: محمد بن أحمد بن شاذان، عن إبراهيم بن محمد المذاري، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: سألته عن القائم في طريق الغري، فقال: نعم إنه لما جازوا بسرير أمير المؤمنين علي عليه السلام انحنى أسفا " وحزنا " على أمير المؤمنين عليه السلام، وكذلك سرير أبرهة لما دخل عليه عبد المطلب انحنى ومال.
92 - العدد: كان لهاشم خمسة بنين: عبد المطلب وأسد، ونضلة، وصيفي، وأبو صيفي، وسمي هاشما " لهشمه الثريد للناس في زمن المسغبة، وكنيته أبو نضلة، واسمه عمرو العلى قال ابن الزبعري:
كانت قريش بيضة فتقلقت * فالمخ خالصها لعبد مناف الرايشون وليس يوجد رايش * والقائلون: هلم للأضياف والخالطون فقيرهم بغنيهم * حتى يكون فقيرهم كالكافي عمرو العلى هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف ولد هاشم وعبد شمس توأمان في بطن، فقيل: إنه اخرج أحدهما وإصبعه ملتصقة بجبهة الاخر، فلما أزيلت من موضعها أدميت، فقيل: يكون بينهما دم، وكان عبد مناف وصى إلى هاشم ودفع إليه مفتاح البيت وسقاية الحاج وقوس إسماعيل، ومات هاشم بغزة من آخر عمل الشام، ومات عبد المطلب بالطائف، وأسد من ولد هاشم انقرض عقبه إلا من ابنته فاطمة أم أمير المؤمنين عليه السلام، وأبو صيفي انقرض عقبه إلا من ابنته رفيقة وهي أم مخزومة بن نوفل، وصيفي لا عقب له، ونضلة لا عقب له، والبقية من سائر ولد هاشم من عبد المطلب، وعبد مناف، اسمه المغيرة بن قصي، واسمه زيد، قصا عن دار قومه لأنه حمل من مكة في صغره إلى بلاد أزدشنوءة وسمي قصيا "، ويلقب بالمجمع، لأنه جمع قبايل قريش بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، وسمي قريشا "، ابن خزيمة بن مدركة لأنهم أدركوا الشرف في أيامه، ابن إلياس، لأنه جاء
على أياس وانقطاع، ابن مضر لاخذه بالقلوب، ولم يكن يراه أحد إلا أحبه، ابن نزار واسمه عمرو بن معد بن عدنان.
بيان: راش: جمع المال والأثاث، والصديق: أطعمه وسقاه وكساه وأصلح حاله.
93 - أقول: قال صاحب المنتقى وغيره: وروي عن ابن عباس وغير واحد قالوا:
كان رسول الله صلى الله عليه وآله مع أمه آمنة بنت وهب، فلما بلغ ست سنين خرجت به إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم به، ومعه أم أيمن تحضنه، وهم على بعيرين، فنزلت به في دار النابغة فأقامت به عندهم شهرا "، وكان قوم من اليهود يختلفون وينظرون، قالت أم أيمن: فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة، وهذه دار هجرته، ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانوا بالابواء توفيت أمه آمنة، فقبرها هناك، فرجعت به أم أيمن إلى مكة، ثم لما مر رسول الله صلى الله عليه وآله في عمرة الحديبية بالابواء قال: إن الله قد أذن لي في زيارة قبر أمي، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله فأصلحه وبكى عنده وبكى المسلمون لبكاء رسول الله صلى الله عليه وآله، فقيل له فقال: أدركتني رحمة رحمتها فبكيت.
وروي عن بريدة قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة أتى قبرا " فجلس إليه وجلس الناس حوله، فجعل يتكلم كهيئة المخاطب، ثم قام وهو يبكي فاستقبله عمر فقال:
يا رسول الله ما الذي أبكاك؟ قال: هذا قبر أمي سألت ربي الزيارة فأذن لي.
ثم قال في المنتقى: وجه الجمع أنه يجوز أنها توفيت بالابواء ثم حملت إلى مكة فدفنت بها، وأما عبد المطلب عليه السلام فمات وللنبي صلى الله عليه وآله ثمان سنين وهو ابن ثنتين وثمانين سنة، ويقال: ابن مأة وعشرين سنة، وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله أتذكر موت عبد المطلب؟
فقال: نعم أنا يومئذ ابن ثمان سنين، قالت أم أيمن: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يبكي خلف سرير عبد المطلب.
وفي رواية: توفي عبد المطلب وللنبي ثمانية وعشرون شهرا "، والأولى أصح. وتوفي عبد المطلب في ملك هرمز بن أنوشيروان.
94 - العدد: كان لعبد المطلب عشرة أسماء: عمر، وشيبة الحمد، وسيد البطحاء، وساقي الحجيج، وساقي الغيث، وغيث الورى في العام الجدب، وأبو السادة العشرة، وحافر زمزم، وعبد المطلب، وله عشرة بنين: الحارث، والزبير، وحجل وهو الغيداق، وضرار وهو نوفل، والمقوم، وأبو لهب وهو عبد العزى، وعبد الله، وأبو طالب، وحمزة، والعباس، وكانوا من أمهات شتى إلا عبد الله وأبو طالب والزبير، فإن أمهم فاطمة بنت عمرو بن عايذ، وأعقب من البنين خمسة: عبد الله أعقب محمدا " صلى الله عليه وآله سيد البشر، وأبو طالب أعقب جعفرا " وعقيلا " وعليا " عليه السلام سيد الوصيين، والعباس أعقب عبد الله وقثم والفضل وعبيد الله، والحارث أعقب عتبة ومعتبة وعتيقا "، وكان لعبد المطلب ست بنات: عاتكة، وأميمة ، والبيضاء وهي أم حكيم، وبرة، وصفية وهي أم الزبير، وأروى، ويقال: وريدة، وأسلم من أعمام النبي صلى الله عليه وآله أبو طالب وحمزة والعباس، ومن عماته صفية وأروى وعاتكة، وآخر من مات من أعمامه العباس، ومن عماته صفية.
95 - الكافي: علي بن إبراهيم وغيره رفعوه قال: كان في الكعبة غزالان من ذهب وخمسة أسياف، فلما غلبت خزاعة جرهم على الحرم ألقت جرهم الأسياف والغزالين في بئر زمزم، وألقوا فيها الحجارة وطموها وعموا أثرها، فلما غلبت قصي على خزاعة لم يعرفوا موضع زمزم وعمي عليهم موضعها، فلما غلب عبد المطلب وكان يفرش له في فناء الكعبة ولم يكن يفرش لأحد هناك غيره، فبينما هو نائم في ظل الكعبة فرأى في منامه أتاه آت فقال له: احفر برة، قال: وما برة؟ ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: احفر طيبة، ثم أتاه في اليوم الثالث فقال: احفر المضنونة، قال: ثم أتاه في الرابع فقال: احفر زمزم لا تنزخ ولا تذم لسقي الحجيج الأعظم، عند الغراب الأعصم، عند قرية النمل، وكان عند زمزم حجر يخرج منه النمل فيقع عليه الغراب الأعصم في كل يوم يلتقط
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.