پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 1 بدء خلقه وما جرى له في الميثاق، وبدء نوره وظهوره صلى

ج ۱۵، ص ۳۳–۶۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۶

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۵

لينظروا إلى نور ولدك محمد صلى الله عليه وآله، قال: يا رب اجعله أمامي حتى تستقبلني الملائكة، فجعله في جبهته، فكانت الملائكة تقف قدامه صفوفا، ثم سأل آدم عليه السلام ربه أن يجعله في مكان يراه آدم، فجعله في الإصبع السبابة، فكان نور محمد صلى الله عليه وآله فيها، ونور علي عليه السلام في الإصبع الوسطى، وفاطمة عليها السلام في التي تليها، والحسن عليه السلام في الخنصر، والحسين عليه السلام في الابهام، وكانت أنوارهم كغرة الشمس في قبة الفلك، أو كالقمر في ليلة البدر، وكان آدم عليه السلام إذا أراد أن يغشي حواء يأمرها أن تتطيب وتتطهر، ويقول لها: يا حواء الله يرزقك هذا النور ويخصك به، فهو وديعة الله وميثاقه، فلم يزل نور رسول الله صلى الله عليه وآله في غرة آدم عليه السلام حتى حملت حواء بشيث، وكانت الملائكة يأتون حواء ويهنؤنها، فلما وضعته نظرت بين عينيه إلى نور رسول الله صلى الله عليه وآله يشتعل اشتعالا "، ففرحت بذلك، وضرب جبرئيل عليه السلام بينها وبينه حجابا " من نور غلظه مقدار خمسمأة عام، فلم يزل محجوبا " محبوسا " حتى بلغ شيث عليه السلام مبالغ الرجال، والنور يشرق في غرته، فلما علم آدم عليه السلام أن ولده شيث بلغ مبالغ الرجال قال له: يا بني إني مفارقك عن قريب، فادن مني حتى آخذ عليك العهد والميثاق كما أخذه الله تعالى على من قبلك، ثم رفع آدم عليه السلام رأسه نحو السماء وقد علم الله ما أراد، فأمر الله الملائكة أن يمسكوا عن التسبيح ولفت أجنحتها، وأشرفت سكان الجنان من غرفاتها، وسكن صرير أبوابها، وجريان أنهارها، وتصفيق أوراق أشجارها، وتطاولت لاستماع ما يقول آدم عليه السلام، ونودي: يا آدم قل ما أنت قائل، فقال آدم عليه السلام: اللهم رب القدم قبل النفس، ومنير القمر والشمس، خلقتني كيف شئت، وقد أودعتني هذا النور الذي أرى منه التشريف والكرامة، وقد صار

لولدي شيث، وإني أريد أن آخذ عليه العهد والميثاق كما أخذته علي، اللهم وأنت الشاهد عليه، وإذا بالنداء من قبل الله تعالى: يا آدم خذ على ولدك شيث العهد، وأشهد عليه جبرئيل وميكائيل والملائكة أجمعين، قال: فأمر الله تعالى جبرئيل عليه السلام أن يهبط إلى الأرض في سبعين ألفا " من الملائكة بأيديهم ألوية الحمد، وبيده حريرة بيضاء، و قلم مكون من مشية الله رب العالمين، فأقبل جبرئيل على آدم عليه السلام، وقال له:

يا آدم ربك يقرئك السلام ويقول لك: اكتب على ولدك شيث كتابا، وأشهد عليه جبرئيل وميكائيل والملائكة أجمعين، فكتب الكتاب، وأشهد عليه، وختمه جبرئيل بخاتمه، ودفعه إلى شيث: وكسا قبل انصرافه حلتين حمراوين أضوء من نور الشمس، وأروق من السماء، لم يقطعا ولم يفصلا، بل قال لهما الجليل: كونيا فكانتا، ثم تفرقا، وقبل شيث العهد وألزمه نفسه، ولم يزل ذلك النور بين عينيه حتى تزوج المحاولة البيضاء، وكانت بطول حواء، واقترن إليها بخطبة جبرئيل، فلما وطأها حملت بأنوش، فلما حملت به سمعت مناديا " ينادي: هنيئا " لك يا بيضاء، لقد استودعك الله نور سيد المرسلين، سيد الأولين والآخرين، فلما ولدته أخذ عليه شيث العهد كما أخذ عليه، وانتقل إلى ولده قينان، ومنه إلى مهلائيل، ومنه إلى أدد، ومنه إلى أخنوخ وهو إدريس عليه السلام، ثم أودعه إدريس ولده متوشلخ، وأخذ عليه العهد، ثم انتقل إلى

ملك، ثم إلى نوح، ومن نوح إلى سام، ومن سام إلى ولده أرفخشد، ثم إلى ولده عابر، ثم إلى قالع، ثم إلى أرغو، ومنه إلى شارغ، ومنه إلى تاخور، ثم انتقل إلى تارخ، ومنه إلى إبراهيم، ثم إلى إسماعيل، ثم إلى قيذار، ومنه إلى الهميسع، ثم انتقل إلى نبت، ثم إلى يشحب، ومنه إلى أدد، ومنه إلى عدنان، ومنه إلى معد، ومنه إلى نزار، ومنه إلى مضر، ومن مضر إلى إلياس، ومن إلياس إلى مدركة، ومنه إلى خزيمة، ومنه إلى كنانة، ومن كنانة إلى قصي، ومن قصي إلى لوي، ومن لوي إلى غالب، ومنه إلى فهر، ومن فهر إلى عبد مناف، ومن عبد مناف إلى هاشم، وإنما سمي هاشما " لأنه هشم الثريد لقومه، وكان اسمه عمرو العلاء،

وكان نور رسول الله صلى الله عليه وآله في وجهه، إذا أقبل تضئ منه الكعبة، وتكتسي من نوره نورا " شعشعانيا "، ويرتفع من وجهه نور إلى السماء، وخرج من بطن أمه عاتكة بنت مره، بنت فالج بن ذكوان، وله ضفيرتان كضفيرتي إسماعيل عليه السلام، يتوقد نورهما إلى السماء، فعجب أهل مكة من ذلك، وسارت إليه قبائل العرب من كل جانب، وماجت منه الكهان، ونطقت الأصنام بفضل النبي المختار، وكان هاشم لا يمر بحجر ولا مدر إلا ويناديه ابشر يا هاشم فإنه سيظهر من ذريتك أكرم الخلق على الله تعالى، و أشرف العالمين محمد خاتم النبيين، وكان هاشم إذا مشى في الظلام أنارت منه الحنادس، ويرى من حوله كما يرى من ضوء المصباح، فلما حضرت عبد مناف الوفاة أخذ العهد على هاشم أن يودع نور رسول الله صلى الله عليه وآله في الأرحام الزكية من النساء، فقبل هاشم العهد وألزمه نفسه، وجعلت الملوك تتطاول إلى هاشم ليتزوج منهم ويبذلون إليه الأموال الجزيلة، وهو يأبى عليهم، وكان كل يوم يأتي الكعبة ويطوف بها سبعا "، ويتعلق بأستارها، وكان هاشم إذا قصده قاصد أكرمه، وكان يكسو العريان، ويطعم الجائع، و يفرج عن المعسر، ويوفي عن المديون، ومن أصيب بدم دفع عنه، وكان بابه لا يغلق عن صادر ولا وارد، وإذا أولم وليمة أو اصطنع طعاما " لاحد وفضل منه شئ يأمر به أن يلقى إلى الوحش والطيور حتى تحدثوا به وبجوده في الآفاق، وسوده أهل مكة بأجمعهم وشرفوه وعظموه، وسلموا إليه مفاتيح الكعبة والسقاية والحجابة والرفادة

ومصادر أمور الناس ومواردها، وسلموا إليه لواء نزار، وقوس إسماعيل عليه السلام، وقميص إبراهيم عليه السلام، ونعل شيث عليه السلام، وخاتم نوح عليه السلام، فلما احتوى على ذلك كله ظهر فخره ومجده، وكان يقوم بالحاج ويرعاهم، ويتولى أمورهم ويكرمهم، ولا ينصرفون إلا شاكرين.

قال أبو الحسن البكري: وكان هاشم إذا أهل هلال ذي الحجة يأمر الناس بالاجتماع إلى الكعبة، فإذا اجتمعوا قام خطيبا " ويقول: (معاشر الناس إنكم جيران الله وجيران بيته، وإنه سيأتيكم في هذا الموسم زوار بيت الله وهم أضياف الله، والأضياف هم أولى بالكرامة، وقد خصكم الله تعالى بهم وأكرمكم، وإنهم سيأتونكم شعثا " غبرا " من كل فج عميق، ويقصدونكم من كل مكان سحيق، فأقروهم واحموهم وأكرموهم يكرمكم الله تعالى) وكانت قريش تخرج المال الكثير من أموالهم، وكان هاشم ينصب أحواض الأديم، ويجعل فيها ماء من ماء زمزم، ويملي باقي الحياض من سائر الابار بحيث تشرب الحاج، وكان من عادته أنه يطعمهم قبل التروية بيوم، وكان يحمل لهم الطعام إلى منى وعرفة، وكان يثرد لهم اللحم والسمن والتمر، ويسقيهم اللبن إلى حيث تصدر الناس من منى، ثم يقطع عنهم الضيافة.

قال أبو الحسن البكري: بلغنا أنه كان بأهل مكة ضيق وجدب وغلاء، ولم يكن عندهم ما يزودون به الحاج، فبعث هاشم إلى نحو الشام أباعر، فباعها واشترى بأثمانها

كعكا " وزيتا "، ولم يترك عنده من ذلك قوت يوم واحد، بل بذل ذلك كله للحاج، فكفاهم جميعهم، وصدر الناس يشكرونه في الآفاق، وفيه يقول الشاعر:

يا أيها الرجل المجدر حيله * هلا مررت بدار عبد مناف؟!

ثكلتك أمك لو مررت ببابهم * لعجبت من كرم ومن أوصاف.

عمرو العلاء هشم الثريد لقومه * والقوم فيها مسنتون عجاف بسطوا إليه الرحلتين كليهما * عند الشتاء ورحلة الاصياف قال: فبلغ خبره إلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى قيصر ملك الروم، فكاتبوه و راسلوه أن يهدوا له بناتهم رغبة في النور الذي في وجهه، وهو نور محمد صلى الله عليه وآله، لأن رهبانهم وكهانهم أعلموهم بأن ذلك النور نور رسول الله صلى الله عليه وآله، فأبى هاشم عن ذلك، وتزوج من نساء قومه، ورزق منهن أولادا "، وكان أولاده الذكور أسد ومضر وعمرو وصيفي، وأما البنات فصعصعة ورقية وخلادة والشعثاء، فهذه جملة الذكور والإناث، و نور رسول الله صلى الله عليه وآله في غرته لم يزل، فعظم ذلك عليه وكبر لديه، فلما كان في بعض الليالي وقد طاف بالبيت سأل الله تعالى أن يرزقه ولدا " يكون فيه نور رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخذه النعاس، فمال عن البيت، ثم اضطجع، فأتاه آت يقول في منامه: عليك بسلمى بنت عمرو فإنها طاهرة مطهرة الأذيال، فخذها، وادفع لها المهر الجزيل، فلم تجد

لها مشبها " من النساء، فإنك ترزق منها ولدا " يكون منه النبي صلى الله عليه وآله فصاحبها ترشد، واسع إلى أخذ الكريمة عاجلا "، قال: فانتبه هاشم فزعا " مرعوبا "، وأحضر بني عمه وأخاه المطلب، وأخبرهم بما رآه في منامه وبما قال الهاتف، فقال له أخوه المطلب : يا بن أم إن المرأة المعروفة في قومها، كبيرة في نفسها، قد كملت عفة واعتدالا، وهي سلمى بنت عمرو بن لبيد بن حداث بن زيد بن عامر بن غنم بن مازن بن النجار، وهم أهل الأضياف والعفاف، وأنت أشرف منهم حسبا "، وأكرم منهم نسبا "، قد تطاولت إليك الملوك والجبابرة، وإن شئت فنحن لك خطابا "، فقال لهم: الحاجة لا تقضى إلا بصاحبها، وقد جمعت فضلات وتجارة وأريد أن أخرج إلى الشام للتجارة ولوصال هذه المرأة، فقال له أصحابه: نحن نفرح لفرحك، ونسر لسرورك، وننظر ما يكون من أمرك، ثم إن هاشما " خرج للسفر وخرج معه أصحابه بأسلحتهم، وخرج معه العبيد يقودون الخيل والجمال، وعليها أحمال الأديم، وعند خروجه نادى في أهل مكة فخرجت معه السادات والأكابر، وخرج معه العبيد والنساء لتوديع هاشم، فأمرهم بالرجوع وسار هو

وبنو عمه وأخوه المطلب إلى يثرب كالأسود طالبي بني النجار.

فلما وصلوا المدينة أشرق بنور رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك الوادي من غرة هاشم حتى دخل جملة البيوت، فلما رآهم أهل يثرب بادروا إليهم مسرعين، وقالوا: من أنتم أيها الناس؟ فما رأينا أحسن منكم جمالا "، ولا سيما صاحب هذا النور الساطع، والضياء اللامع، قال لهم المطلب: نحن أهل بيت الله، وسكان حرم الله، نحن بني لوي بن غالب، وهذا أخونا هاشم بن عبد مناف، وقد جئناكم خاطبين، وفيكم راغبين، وقد علمتم أن أخانا هذا خطبه الملوك والأكابر، فما رغب إلا فيكم، ونحب أن ترشدونا إلى سلمى، وكان أبوها يسمع الخطاب، فقال لهم: مرحبا " بكم، أنتم أرباب الشرف و المفاخر، والعز والماثر، والسادات الكرام، والمطعمون الطعام، ونهاية الجود والاكرام، ولكم عندنا ما تطلبون، غير أن المرأة التي خرجتم لأجلها وجئتم لها طالبين هي ابنتي وقرة عيني، وهي مالكة نفسها، ومع ذلك إنها خرجت بالأمس إلى سوق من أسواقنا مع نساء من قومها يقال لها سوق بني قينقاع، فإن أقمتم عندنا فأنتم في العناية والكلاية، وإن أردتم أن تسيروا إليها ففي الرعاية، ومن الخاطب لها والراغب فيها؟

قالوا: صاحب هذا النور الساطع، والضياء اللامع، سراج بيت الله الحرام، ومصباح الظلام، الموصوف بالجود والاكرام هاشم بن عبد مناف، صاحب رحلة الايلاف، و ذروة الأحقاف، فقال أبوها: بخ بخ لقد علونا وفخرنا بخطبتكم، اعلموا يا من حضر إني

قد رغبت في هذا الرجل أكثر من رغبته فينا، غير أني أخبركم أن أمري دون أمرها، وها أنا أسير معكم إليها، فانزلوا يا خير زوار، ويا فخر بني نزار، قال: فنزل هاشم وأخوه وأصحابه وحطوا رحالهم ومتاعهم، وسبق أبوها عمرو إلى قومه، ونحر لهم النحاير، وعقر لهم العقاير، وأصلح لهم الطعام، وخرجت لهم العبيد بالجفان، فأكلت القوم منه حسب الحاجة، ولم يبق من أهل يثرب أحد إلا خرج ينظر إلى هاشم ونور وجهه، وخرج الأوس والخزرج والناس متعجبين من ذلك النور، وخرج اليهود، فلما نظروا إليه عرفوه بالصفة التي وجدوها في التوراة والعلامات، فعظم ذلك عليهم، وبكوا بكاء شديدا "، فقال بعض اليهود لحبر من أحبارهم: ما بكاءكم؟ قال: من هذا الرجل الذي يظهر منه سفك دمائكم وقد جاءكم السفاك القتال الذي تقاتل معه الاملاك المعروف في كتبكم بالماحي، وهذه أنواره قد ابتدرت، قال: فبكى اليهود من قوله، وقالوا له:

يا أبانا فهل هذا الذي ذكرت نصل إلى قتله، ونكفي شره؟ فقال لهم: هيهات حيل بينكم وبين ما تشتهون، وعجزتم عما تأملون، إن هذا هو المولود الذي ذكرت لكم، تقاتل معه الاملاك من الهواء، ويخاطب من السماء، ويقول: قال جبرئيل عن رب السماء، فقالوا: هذا تكون له هذه المنزلة؟ قال: أعز من الولد عند الوالد، فإنه أكرم أهل الأرض على الله تعالى، وأكرم أهل السماوات، فقالوا: أيها السيد الكريم نحن نسعى في إطفاء ضوء هذا المصباح قبل أن يتمكن ويحدث علينا منه كل مكروه، وأضمر القوم لهاشم العداوة، وكان بدء عداوة اليهود من ذلك اليوم لرسول الله صلى الله عليه وآله، فلما أصبح هاشم أمر أصحابه أن يلبسوا أفخرج أثوابهم، وأن يظهروا

زينتهم، فلبسوا ما كان عندهم من الثياب، وما قد أعدوه للزينة والجمال، وأظهروا التيجان والجواشن والدروع والبيض، فأقبلوا يريدون سوق بني قينقاع وقد شدوا لواء نزار على قناة، وأحاطوا بهاشم عن يمينه وشماله، ومشى قدامه العبيد وأبو سلمى معهم وأكابر قومه، ومعهم جماعة من اليهود، فلما أشرفوا على السوق وكان تجتمع إليه الناس من أقاصي البلاد وأقطارها وأهل الحضر وسكانها، فنظر القوم إلى هاشم وأصحابه وتركوا معاشهم وأقبلوا ينظرون إلى هاشم ويتعجبون من حسنه وجماله، وكان هاشم بين أصحابه كالبدر المنير بين الكواكب، وعليه السكينة والوقار، فأذهل بجماله أهل السوق، وجعلوا ينظرون إلى النور الذي بين عينيه، وكانت سلمى بنت عمرو واقفة مع الناس تنظر إلى هاشم وحسنه وجماله وما عليه من الهيبة والوقار، إذ أقبل عليها أبوها وقال لها:

يا سلمى أبشرك بما يسرك ولا يضرك، وكانت معجبة بنفسها من حسنها وجمالها، فلما نظرت إلى هاشم وجماله نسيت حسنها وجمالها، وقالت: يا أبت بما تبشرني؟ قال:

إن هذا الرجل، إليك خاطب، وفيك راغب، وهو يا سلمى من أهل الكفاف والعفاف والجود والأضياف هاشم بن عبد مناف، وإنه لم يخرج من الحرم لغير ذلك، فلما سمعت سلمى كلام أبيها أعرضت عنه بوجهها وأدركها الحياء منه فأمسكت عن الكلام، ثم قالت: يا أبت إن النساء يفتخرون على الرجال بالحسن والجمال والقدر والكمال، وإذا كان زوج المرأة سيدا " من سادات العرب وكان مليح المنظر والمخبر فما أقول لك، وقد عرفت ما جرى بيني وبين أحيحة بن الجلاح الأوسي وحيلتي عليه حتى خلعت نفسي منه لما علمت أنه لم يكن من الكرام، وإن هذا الرجل يدل عظمته ونور وجهه على مروته، وإحسانه يدل على فخره، فإن يكن القوم كما ذكرت قد خطبونا ورغبوا فينا فإني فيهم راغبة،

ولكن لابد أن أطلب منهم المهر، ولا أصغر نفسي، وسيكون لنا ولهم خطاب وجواب، وكان القول منها لحال أبيها لأنها لم تصدق بذلك، حتى نزل هاشم قريبا " من السوق واعتزل ناحية عنه، فأقبل أهل السوق إليه مسرعين ينظرون إلى نوره حتى ضاع كثير من متاعهم ومعاشهم من نظرهم إليه، وقد نصبت له خيمة من الحرير الأحمر، و وضعت له سرادقات، فلما دخل هاشم وأصحابه الخيمة تفرق أهل السوق عنهم، و جعل يسأل بعضهم بعضا " عن أمر هاشم وقومه، وما أقدمهم عليه من مكة، فقيل: إنه جاء خاطبا " لسلمى فحسدوها عليه، وكانت أجمل أهل زمانها وأكملهم حسنا " وجمالا "، وكانت جارية تامة معتدلة، لها منظر ومخبر، كاملة الأوصاف، معتدلة الأطراف، سريعة الجواب، حسنة الآداب، عاقلة طريفة عفيفة لبيبة، طاهرة من الأدناس، فحسدوها كلهم على هاشم حتى حسدها إبليس لعنه الله وكان قد تصور لها في صورة شيخ كبير وقال: يا سلمى أنا من أصحاب هاشم قد جئتك ناصحا " لك، اعلمي أن لصاحبنا هذا من الحسن والجمال ما رأيت إلا أنه رجل ملول للنساء، لا تقيم المرأة عنده أكثر من شهرين إذا أراد، وإلا فعشرة أيام لا غير، وقد تزوج نساء كثيرة، ومع ذلك إنه جبان في الحروب، فقالت سلمى: إليك عني،

فوالله لو ملا لي حصنا " من المال ما قبلته، ولو ملا لي حصون خيبر ذهبا " وفضة ما رغبت فيه لهذه الخصال التي ذكرت، ولقد كنت أجبته ورغبت فيه وقد قلت رغبتي فيه لهذه الخصال، اذهب عني، فانصرف عنها وتركها في همها وغمها، ثم إن إبليس لعنه الله تصور لها بصورة أخرى وزعم أنه من أصحاب هاشم وذكر لها مثل الأول، فقالت: أوليس الذي قد أرسلتك إليه أنه لا يرسل إلي رسولا " بعد ذلك، فسكت إبليس لعنه الله، فقالت: إن أرسل رسولا " بعدك أمرت بضرب عنقه، فخرج إبليس فرحا " مسرورا " وقد ألقى في قلبها البغضة لهاشم، وظن أن هاشما " يرجع خائنا "، فعند ذلك دخل عليها أبوها فوجدها في سكرتها وحيرتها، فقال: يا سلمى ما الذي حل بك هذا اليوم وهذا يوم سرورك؟!

فقالت: يا أبت لا تزيدني كلاما "، فقد فضحتني وأشهرت أمري، أردت أن تزوجني برجل ملول للنساء، كثير الطلاق، جبان في الحروب، فضحك أبوها وقال: يا سلمى والله ما لهذا الرجل شئ من هذه الخصال الثلاث، وإنه إلى كرمه الغاية، وإلى جوده النهاية، وإنما سمي هاشما " لأنه أول من هشم الثريد لقومه، وأما قولك: كثير الطلاق فإنه ما طلق امرأة قط، وأما قولك: جبان فهو واحد أهل زمانه في الشجاعة، وإنه لمعروف عند الناس بالجواب والخطاب والصواب، فقالت: يا أبت لو أنه ما جائني عنه إلا واحد كذبته وقلت: إنه عدو، فقد جاءني ثلاثة نفر كل واحد منهم يقول مثل مقالة الاخر، فقال أبوها: ما رأينا منه رسولا ولا جاءنا منه خبر، وكان الشيطان يظهر لهم في ذلك الزمان ويأمرهم وينهاهم، وقد صح عندها ما قاله الشيطان الرجيم وهي تظن أنه من بني آدم، وهاشم لا يعلم شيئا " من ذلك، وكان قد عول على جمع من قومه في خطبتها، ثم إن سلمى خرجت في بعض حوائجها وهي تحب أن تنظر إلى هاشم،

فجمع الله بينهما في الطريق، فوقع في قلبها أمر عظيم من محبته، وكان في ذلك الزمان لا تستحي النساء من الرجال، ولا يضرب بينهن حجاب إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وآله، و نزل طائفة من اليهود من جهة خيمه هاشم، ولما اجتمعت سلمى بهاشم عرفته بالنور الذي في وجهه، وعرفها أيضا هو، فقالت له: يا هاشم قد أحببتك وأردتك، فإذا كان غدا فاخطبني من أبي، ولا يعز عليك ما يطلب أبي منك، فإن لم تصله يدك ساعدتك عليه، فلما أصبح تأهب هاشم للقاء القوم فتزينوا بزينتهم، وإذا أهل سلمى قد قدموا، فقام من كان في الخيمة إجلالا " لهم، وجلس هاشم وأخوه وبنو عمه في صدر الخيمة فتطاولت القوم إلى هاشم، فابتدأهم المطلب بالكلام، وقال: يا أهل الشرف والاكرام والفضل والانعام، نحن وفد بيت الله الحرام، والمشاعر العظام، وإلينا سعة الاقدام، وأنتم تعلمون شرفنا وسؤددنا، وما قد خصصنا الله به من النور الساطع، والضياء اللامع، ونحن بنو لوي بن غالب، قد انتقل هذا النور إلى عبد مناف، ثم إلى أخينا هاشم، وهو معنا من آدم إلى أن صار إلى هاشم، وقد ساقه الله إليكم، وأقدمه عليكم، فنحن لكريمتكم خاطبون، وفيكم راغبون، ثم أمسك عن الكلام، فقال عمرو أبو سلمى:

لكم التحية والاكرام والإجابة والاعظام، وقد قبلنا خطبتكم، وأجبنا دعوتكم، وأنتم تعرفون عليتنا، ولا يخفى عليكم أحوالنا، ولابد من تقدير المهر كما كان سلفنا و

آباؤنا، ولولا ذلك ما واجهناكم بشئ من ذلك ولا قابلناكم به أبدا "، فعند ذلك قال المطلب: لكم عندي مأة ناقة سود الحدق، حمر الوبر، لم يعلها جمل، فبكى إبليس لعنه الله وكان من جملة من حضر، وجلس عند أبي سلمى وأشار إليه أن اطلب الزيادة، فقال أبو سلمى: معاشر السادات ما هذا؟ هذا قدر ابنتنا عندكم؟ فقال المطلب: ولكم ألف مثقال من الذهب الأحمر، فغمز إبليس لعنه الله أبا سلمى وأشار إليه أن اطلب الزيادة، فقال: يا فتى قصرت في حقنا فيما قلت، وأقللت فيما بذلت، فقال: ولكم عندنا حمل عنبر، وعشرة أثواب من قباطي مصر، وعشرة من أراضي العراق، فقد أنصفناكم، فغمز إبليس لعنه الله أبا سلمى وأشار إليه أن اطلب الزيادة، فقال: يا فتى قد قاربت وأجملت، قال له المطلب: ولكم خمس وصايف برسم الخدمة، فهل تريدون أكثر من ذلك؟ فأشار إليه إبليس لعنه الله أن اطلب الزيادة، فقال أبو سلمى: يا فتى إن الذي بذلتموه لنا إليكم راجع، فقال المطلب: ولكم عشر أواق من المسك الأذفر، وخمسة أقداح من الكافور، فهل رضيتم أم لا؟ فهم إبليس أن يغمز أبا سلمى فصاح به أبو سلمى وقال له:

يا شيخ السوء اخرج لقد جئت شيئا " نكرا، فوالله لقد أخجلتني، فقال له المطلب: اخرج يا شيخ السوء، فقام الشيطان وخرج، وخرج اليهود معه، فقال إبليس: يا عمرو إن الذي شرطته في مهر ابنتك قليل، وإنما أردت أن أطلب من القوم ما تفتخر به ابنتك على سائر نسائها وأهل زمانها، ولقد هممت أن أشرط عليه أن يبني لها قصرا طوله عشرة فراسخ، وعرضه مثل ذلك، ويكون شاهقا " في الهواء، باسقا " في السماء، وفي أعلاه مجلس ينظر منه إلى إيوان كسرى، وينظر إلى المراكب منحدرات في البحر، ثم يجلب إليه نهرا " من الدجلة والفرات عرضه مأة ذراع، تجري فيه المراكب، ثم يغرس حول النهر

نخلات معتدلات لا ينقطع ثمرها صيفا " ولا شتاء "، قال المطلب: يا ويلك ومن يقدر على ذلك يا شيخ السوء؟ فقد أسرفت فيما قلت، من يصل إلى ما أردت؟ فصاح به أبو سلمى والمطلب فأخذته الصيحة من كل مكان، وكان مراد إبليس لعنه الله تفرق المجلس، ثم قال أرمون بن قيطون: يا قوم إن هذا الشيخ أحكم الحكماء، وهو معروف في بلادنا بالحكمة، وفي الشام والعراق، وبعد ذلك إننا ما نزوج ابنتنا برجل غريب من غير بلدنا، فقامت اليهود وهم أربع مأة يهودي وأهل الحرم أربعون سيدا " وجردوا سيوفهم، وقال هاشم لأصحابه: دونكم القوم، فهذا تأويل رؤياي، فقامت الصيحة فيهم فوثب المطلب على أرمون بن قيطون، ووثب هاشم على إبليس لعنه الله فانحاز يريد الهرب فأدركه هاشم وقبضه ورفعه وجلد به الأرض، فصرخ صرخة عظيمة لما غشاه نور رسول الله صلى الله عليه وآله وصار ريحا "، فالتفت هاشم إلى أخيه المطلب فوجده قد قتل أرمون بن قيطون وقسمه نصفين، وقتل هاشم وأصحابه جمعا " كثيرا " من اليهود، ووقعت الرجفة في المدينة، وخرج الرجال والنساء وانهزم اليهود على وجوههم، ورجع أبو سلمى وقال لقومه: مزجتم الفرح بالترح؟ وما كان سبب الفتنة إلا من إبليس لعنه الله، فوضع السيف عن اليهود بعد أن قتل منهم سبعين رجلا، وكانت عداوة اليهود لرسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك اليوم، ثم إن هاشما " قال لأصحابه: هذا تأويل رؤياي، فافتقد اليهود الحبر فلم يجدوه، فقال هاشم: يا معاشر اليهود إنما أغواكم الشيطان الرجيم، فانظروا إلى صاحبكم، فإن وجدتموه فاعلموا أنه كما زعمتم حكيم من حكمائكم، وإن لم تجدوه فقد حيل بينكم

وبينه وظننتم أنه من أحباركم وما هو إلا الشيطان أغواكم، ثم إن أبا سلمى عمد إلى إصلاح شأنه، ورجع القوم إلى أماكنهم وقد امتلؤا غيظا " على اليهود، فأقبل هاشم إلى منزله وأصلح الولائم، وأمر العبيد أن يحملوا الجفان المترعة باللبن ولحوم الضأن والإبل، ثم إن عمروا " مضى إلى ابنته وقال لها: إن الرجل الذي يقول لك: إن هاشما " لجبان قد نطق بالمحال، والله لولا أمسكته وأحلف عليه ما ترك من القوم واحدا "، فقالت: يا أبت امض معهم على كل حال ولا ملامة للآئم، قال: فلما أكلوا ورفعوا أيديهم قال لهم أبو سلمى:

يا معاشر السادات اصرفوا عن قلوبكم الغيظ وكل هم، فنحن لكم وابنتنا هدية، فقال له المطلب: لك ما ذكرناه وزيادة، ثم قال: يا أخي هاشم أرضيت بما تكلمت به عنك؟

قال: نعم، فعند ذلك تصافحوا، ومضى أبو سلمى وأخرج من كمه دنانير ودراهم فنثر الدنانير على هاشم وأخيه المطلب، ونثر الدراهم على أصحابه، ونثر عليهم زرير المسك الأذفر، والكافور والعنبر، حتى غمر أطمارهم، ثم قال: يا هاشم تحب الدخول على زوجتك هذه الليلة أو تصبر لها حتى تصلح لها شأنها (5)؟ قال: بل أصبر حتى تصلح شأنها، فعند ذلك أمر بتقديم مطاياهم، فركبوا وخرجوا، ثم إن هاشما " دفع إلى أخيه المطلب ما حضره من المال، وأمره أن يدفعه إلى سلمى، فلما جائها المطلب فرحت به وبذلك المال وقبلته، وقالت: يا سيد الحرم وخير من مشى على قدم سلم على أخيك وقل له: ما الرغبة إلا فيك، فاحفظ منا ما حفظنا منك، ثم قالت: قل له ما أقول لك، قال: قولي ما بدا لك، قالت: قل لأخيك: إني امرأة كان لي رجل اسمه أحيحة بن الجلاح الأوسي، وكان كثير المال، فلما تزوجته اشترطت عليه أنه متى أساء إلي

فارقته، وكان من قصتي أني رزقت منه ولدا فأردت فراقه فأخذت خيطا " وربطته في رجل الطفل، فجعل الطفل يبكي تلك الليلة حتى مضى من الليل ثلثه أو نصفه، وقطعت الخيط من رجل الطفل، فنام الطفل وأبوه، فخرجت إلى أهلي، فانتبه الرجل فلم يجدني فعلم أنها حيلة مني عليه، وأنا قد حدثتك بهذا الحديث لتخبر به أخاك لكيلا يخفى عليه شئ من أمري، ولا يشتغل عني بباقي نسائه، فقال المطلب عند ذلك: اعلمي أن أخي قد تطاولت إليه الملوك في خطبته، ورغبوا في تزويجه فأبى حتى أتاه آت في منامه فأخبره بخبرك فرغب فيك، وأراد أن يستودعك هذا النور الذي استودعه الله إياه بعد الأنبياء، فأسأل الله أن يتم لكم السرور، وأن يكفيكم كل محذور، ثم إنه خرج وهي تشيعه ومعها نساء من قومها، فمضى إلى أخيه وأخبره بما قالت له سلمى، فضحك لذلك وقال له: بلغت الرسالة، قال: ثم أقام هاشم أياما " ودخل على زوجته سلمى في مدينة يثرب وحضر عرسها الحاضر والبادي من جميع الآفاق، فلما دخل بها رأى ما يسره من الحسن والجمال، والهيئة والكمال، ثم إن سلمى دفعت إليه جميع المال الذي دفعه إليها وزادته أضعافا "، فلما واقعها حملت منه في ليلتها بعبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا حديث تزويج سلمى بهاشم، وكان أهل يثرب يعملون الولائم، ويطعمون الناس إكراما " لهاشم وأصحابه، وقد زاد سلمى حسنا " وجمالا وصار أهل يثرب يهنئونها بما خصها الله تعالى به.

قال: أبو الحسن البكري: حدثنا أشياخنا وأسلافنا الرواة لهذا الحديث أنه لما

تزوج هاشم بن عبد مناف بسلمى بنت عمرو النجارية ودخل بها حملت بعبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وآله، وانتقل النور الذي كان في وجهه إلى سلمى زادها حسنا " وجمالا وبهجة وكمالا حتى شاع حسنها في الآفاق، وكان يناديها الشجر والحجر والمدر بالتحية والاكرام، وتسمع قائلا يقول عن يمينها: السلام عليك يا خير البشر، ولم تزل تحدث بما ترى حتى حذرها هاشم فكانت تكتم أمرها عن قومها حتى إذا كان ذات ليلة سمعت قائلا يقول:

لك البشر إذ أوتيت أكرم من مشى * وخير الناس من حضر وبادي وقال: لما سمعت ذلك لم تدع هاشما " يلامسها بعد ذلك. قال: ثم إن هاشما " أقام في المدينة أياما " حتى اشتهر حمل سلمى، فقال لها: يا سلمى إني أودعتك الوديعة التي أودعها الله تعالى آدم عليه السلام، وأودعها آدم عليه السلام، ولدها شيثا " عليه السلام، ولم يزالوا يتوارثونها من واحد إلى واحد إلى أن وصلت إلينا، وشرفنا الله بهذا النور، وقد أودعته إياك، وها أنا آخذ عليك العهد والميثاق بأن تقيه وتحفظيه، وإن أتيت به وأنا غائب عنك فليكن عندك بمنزلة الحدقة من العين، والروح بين الجنبين، وإن قدرت على أن لا تراه العيون فافعلي، فإن له حسادا " وأضدادا "، وأشد الناس عليه اليهود، وقد رأيت ما جرى بيننا وبينهم يوم خطبتك، وإن لم أرجع من سفري هذا أو سمعت أني قد هلكت فليكن عندك محفوظا " مكرما " إلى أن يترعرع، واحمليه إلى الحرم إلى عمومته في دار عزه ونصرته، ثم قال لها: اسمعي واحفظي ما قلت لك، قالت: نعم قد سمعت وأطعت ولقد أوجعتني

بكلامك، فأنا أسأل الله العظيم أن يردك سالما "، ثم خرج هاشم وأخوه المطلب وأصحابه وأقبل عليهم وقال: يا بني أبي وعشيرتي من بني لوي إن الموت سبيل لابد منه، وأنا غائب عنكم، ولا أدري أني أرجع إليكم أم لا، وأنا أوصيكم: إياكم والتفرق والشتات فتذهب حميتكم، وتقل قيمتكم، ويهين قدركم عند الملوك، ويطمع فيكم الطامع، فهل أنت يا أخي لما أقول لك سامع؟ وإني مخلف فيكم ومقدم عليكم أخي المطلب دون إخوتي، لأنه من أبي وأمي، وأعز الخلق عندي، وإن سمعتم وصيتي وقدمتموه وسلمتم إليه مفاتيح الكعبة وسقاية الحاج ولواء نزار وكل ما كان من مكارم الأنبياء سعدتم، وإني أوصيكم بولدي الذي اشتملت عليه سلمى، فإنه سيكون له شأن عظيم، ولا تخالفوا قولي، قالوا: سمعنا وأطعنا غير أنك كسرت قلوبنا بوصيتك، وأزعجت أفئدتنا بقولك، قال: ثم إن هاشما " سافر إلى غزة الشام فحضر موسمها وباع أمتعته وشرى ما كان يصلح له، واشترى لسلمى طرفا " وتحفا "، ثم إنه تجهز للسفر فلما كان الليلة التي عزم فيها على الرحيل طرقته حوادث الزمان، وأتته العلة، فأصبح مثقلا، وارتحل رفقاءه وبقي هاشم وعبيدة وأصحابه، فقال لهم: ألحقوا بأصحابكم فإني هالك لا محالة، وارجعوا إلى مكة وإن مررتم على يثرب فاقرءوا زوجتي سلمى عني السلام، وأخبروها بخبري، وعزوها في شخصي، وأوصوها بولدي، فهو أكبر همي، ولو لاه ما نلت أمري، فبكى القوم بكاء شديدا " فقالوا: ما نبرح عنك حتى ننظر ما يكون من أمرك، وأقاموا يومهم، فلما أصبحوا ترادفت عليه الأمراض، فقالوا له: كيف تجد نفسك؟ فقال:

لا مقام لي معكم أكثر من يومي هذا، وغدا " توسدوني التراب، فبكى القوم بكاء " شديدا " وعلموا أنه مفارق الدنيا، ولم يزالوا يشاهدونه حتى طلع الفجر الأول، فاشتد به الامر، فقال لهم: أقعدوني وسندوني وآتوني بدواة وقرطاس، فأتوه بما طلب، وجعل يكتب وأصابعه ترتعد، فقال: باسمك اللهم هذا كتاب كتبه عبد ذليل، جائه أمر مولاه بالرحيل، أما بعد فإني كتبت إليكم هذا الكتاب وروحي بالموت تجاذب، لأنه لا لأحد من الموت مهرب، وإني قد نفذت إليكم أموالي فتقاسموها بينكم بالسوية، ولا تنسوا البعيدة عنكم التي آخذت نوركم، وحوت عزكم سلمى، وأوصيكم بولدي الذي منها، وقولوا: لخلادة وصفية ورقية يبكين علي، ويندبن ندب الثاكلات، ثم بلغوا سلمى عني السلام وقولوا لها: آه ثم آه، إني لم أشبع من قربها، والنظر إليها وإلى ولدها، والسلام عليكم ورحمة الله إلى يوم النشور، ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى أصحابه، وقال: أضجعوني فأضجعوه، فشخص ببصره نحو السماء ثم قال:

رفقا " " رفقا " أيها الرسول بحق ما حملت من نور المصطفى، وكأنه كان مصباحا وانطفئ، ثم لما مات جهزوه ودفنوه وقبره معروف هناك، ثم عزم عبيدة وغلمانه على الرحيل بأمواله وفيه يقول الشاعر:

اليوم هاشم قد مضى لسبيله * يا عين جودي منك بالعبرات وابكي على البدر المنير بحرقة * وابكي على الضرغام طول حياتي آه أبو كعب مضى لسبيله * يا عين فابكى الجود بالعبرات صعب العريكة لابه لوم ولا * فشل غداة الروع والكربات يا عين أبكي غيث جود هاطل * أعني ابن عبد مناف ذي الخيرات

وابكى لاكرم من مشى فوق الثرى * فلأجله قد أردفت زفراتي قال: وسار القوم حتى أشرفوا على يثرب فبكو بكاء " شديدا "، ونادوا: وا هاشماه، وا عزاه، وخرج الناس وخرجت سلمى وأبوها وعشيرتها فنظروا وإذا " بخيل هاشم قد جزوا نواصيها وشعورها، وعبيد هاشم يبكون، فلما سمعت سلمى بموت هاشم مزقت أثوابها، ولطمت خدها، وقالت: وا هاشماه، مات والله لفقدك الكرم والعز من بعدك، يا هاشماه يا نور عيني من لولدك الذي لم تر عيناك؟ قال: فضج الناس بالبكاء والنحيب، ثم إن سلمى أخذت سيفا " من سيوف هاشم وعطفت به على ركابه وعقرتها عن آخرها، وحسبت ثمنها على نفسها، وقالت لوصي هاشم: اقرأ المطلب عني السلام وقل له: إني على عهد أخيه، وإن الرجال بعده علي حرام، ثم إن العبيد والغلمان ساروا إلى مكة وقد سبقهم الناعي إلى أولاده وعياله، فأكثر أهل مكة البكاء والنحيب، وخرج الرجال وخرجت نساء قريش منشرات الشعور، ومشققات الجيوب، وخرجت نساء سادات بني عبد مناف، وتقدمت خلادة تلومهم حيث إنهم لم يحملوه إلى الحرم وأنشأت تقول:

يا أيها الناعون أفضل من مشى * الفاضل بن الفاضل بن الفاضل أسد الثرى ما زال يحمي أهله * من ظالم أو معتد بالباطل ماضي العزيمة أروع ذي همة * عليا وجود كالسحاب الهاطل زين العشيرة كلها وعمادها * عند الهزاهز طاعن بالذابل إن السميدع قد مضى في بلدة * بالشام بين صحاصح وجنادل قال: فلما فرغت من شعرها أتت إليهم بنته الشعثاء فحثت التراب على وجههم،

وقالت: بئس العشيرة أنتم ضيعوا سيدهم، وأسلموا عمادهم، أما كان هاشم مشفقا " عليكم، إذا نزل به الموت أن تحملوه إلى بلده وعشيرته حتى نشاهده، وأنشأت بعد ذلك تقول:

يا عين جودي وسحي دمعك الهطلا * على كريم ثوى في الشام ثم خلا زين الورى ذاك الذي سن القرى * كرما " ولم ير في يديه مذ نشأ بخلا قال: فلما فرغت من شعرها أقبلت ابنة الطليعة حليلة هاشم تقول:

ألا يا أيها الركب الذين تركتموا * كريمكم بالشام رهن مقام ألم تعرفوا ما قدره وفخاره * ألا إنكم أولى الورى بملام أيا عبرتي سحي عليه فقد مضى * أخو الجود والأضياف تحت رخام قال: وكان آخر من رثاه من بناته رقية فإنها جعلت تندب وتقول:

عين جودي بالبكاء والعويل * لأخ الفضل والسخاء الفضيل طيب الأصل في العزيمة ماض * سمهري في النايبات أصيل قال: فبكى القوم عند ذلك وفكوا كتابه وقرءوه فجددوا حزنهم، ثم قدموا أخاه المطلب وسودوه عليهم، فقال: إن أخي عبد شمس أكبر مني وأحق بهذا الامر، فقال عبد شمس: وأيم الله إنك خليفة أخي هاشم، قال: فرضوا أهل مكة بذلك، وسلموا له لواء نزار، ومفاتيح الكعبة والسقاية والرفادة ودار الندوة، وقوس إسماعيل عليه السلام، ونعل شيث عليه السلام، وقميص إبراهيم عليه السلام، وخاتم نوح عليه السلام، وما كان في أيديهم من مكارم الأنبياء، وأقام المطلب أياما "، فلما اشتد بسلمى الحمل وجائها المخاض وهي لا تجد ألما " إذ سمعت هاتفا " يقول:

يا زينة النساء من بني النجار * بالله اسدلي عليه بالأستار واحجبيه عن أعين النظار * كي تسعدي في جملة الأقطار قال: فلما سمعت شعر الهاتف أغلقت بابها، وأسدلت سترها، وكتمت أمرها، فبينما هي تعالج نفسها إذ نظرت إلى حجاب من نور قد ضرب عليها من البيت إلى عنان السماء، وحبس الله عنها الشيطان الرجيم، فولدت شيبة الحمد، وقامت وتولت أمرها، ولما وضعته سطع منه نور شعشعاني، وكان ذلك النور نور رسول الله صلى الله عليه وآله، فضحك وتبسم، فتعجبت أمه من ذلك، ثم نظرت إليه فإذا هي بشعرة بيضاء تلوح في رأسه، فقالت: نعم أنت شيبة كما سميت، ثم إن سلمى درجته في ثوب من صوف وقمطته وهيأته ولم تعلم به أحدا " من قومها حتى مضت له أيام، وصارت تلاعبه ويهش إليها، فلما كمل له شهر علم الناس فأقبلت القوابل إليها فوجودها تلاعبه، فلما صار له شهران مشى ولم يكن على اليهود أشد منه وأكثر ضررا "، وكانوا إذا نظروا إليه امتلؤا غيظا " وخنقا " لما يعلمون بما سيظهر منه من تدميرهم، وخراب أوطانهم وديارهم، وقطع آثارهم، وكانت أمه إذا ركبت ركب معها أبطال الأوس والخزرج، وكانت مطاعة بينهم، وكان إذا خرج يلعب يقفون الناس من حوله يفرحون به أولادهم، وكانت أمه لا تأمن عليه أحدا "، فلما تم له سبع سنين اشتد حبله، وقوى بأسه، وتبين

للناس فضله، وكان يحمل الشئ الثقيل، ويأخذ الصبي ويصرعه، فلم يشكوه إلى أمه وكان يهشم عظامهم.

قال أبو الحسن البكري: بلغنا أن رجلا من بني الحارث دخل يثرب في حاجة فإذا هو بابن هاشم يلعب مع الصبيان قد غمرهم بنوره، فوقف الرجل ينظر إلى الصبي وهو يقول: ما أسعد من أنت في ديارهم ساكن؟ وكان يلعب وهو يقول: أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن هاشم وكفى، قال: فناداه الرجل: يا فتى، فأجاب وقال: ما تريد يا عم؟

قال: ما اسمك؟ قال: شيبة بن هاشم بن عبد مناف، مات أبي وجفوني عمومتي، وبقيت مع أمي وأخوالي، فمن أين أقبلت يا عم؟ قال: من مكة، قال: وهل أنت متحمل لي رسالة ومتقلد لي أمانة؟ قال الحارث: وحق أبي وأبيك إني فاعل ما تأمرني به، قال: يا عم إذا رجعت إلى بلدك سالما " ورأيت بني عبد مناف فاقرءهم مني السلام وقل لهم:

إن معي رسالة غلام يتيم، مات أبوه، وجفوه عمومته، يا بني عبد مناف ما أسرع ما نسيتم وصية هاشم، وضيعتم نسله، وإذا هبت الريح تحمل روائحكم إلي، قال: فبكى الرجل واستوى على مطيته وأرسل زمامها حتى قدم مكة، فلم يكن له همة إلا رسالة الغلام، ثم أتى مجلس بني عبد مناف فوجدهم جلوسا " فأنعمهم صباحا، وقال: يا أهل الفضل والأشراف، يا بني عبد مناف، أراكم قد غفلتم عن عزكم وتركتم مصباحكم يستضئ به غيركم، قالوا:

وما ذلك؟ فأخبرهم بوصية ابن أخيهم، فقالوا: وأيم الله ما ظننا أنه صار إلى هذا الامر، فقال لهم الحارث: وإنه ليعجز الفصحاء عن فصاحته، ويعجز اللبيب عن خطابه، وإنه لفصيح اللسان، جري الجنان، يتحير في كلامه اللبيب، فائق على العلماء، عاقل أديب، إلى عقله الكفاية، وإلى جماله النهاية، فقال عمه المطلب بن عبد مناف:

شعرا ":

أقسمت بالسلف الماضين من مضر * وهاشم الفاضل المشهور في الأمم لأمضين إليه الآن مجتهدا * وأقطعن إليه البيد في الظلم السيد الماجد المشهور من مضر * نور الأنام وأهل البيت والحرم قال: وكان المطلب أشد أهل زمانه بأسا " في الشجاعة، فقال له إخوته: نخشي عليك إن علمت أمه لم تدعه يخرج معك، لأنها شرطت على أخيك ذلك، فقال: يا قوم إن لي في ذلك أمرا " ادبره، ثم إنه تهيأ للخروج، وأفرغ على نفسه لامة حربه، وركب مطيته وخرج وقد أخفى نفسه خوفا " أن يشعر به أحد فيخبر سلمى ثم أقبل يجد السير حتى أقبل على مدينة يثرب وقد ضيق لثامه، ودخل المدينة فوجد شيبة يلعب فعرفه بالنور الذي أودعه الله فيه، وهو قد رفع صخرة عظيمة وقال: أنا ابن هاشم المعروف بالعظائم، فلما سمع كلامه عمه أناخ مطيته وناداه: ادن مني يا بن أخي، فأسرع إليه شيبة فقال له: من أنت يا هذا؟ فقد مال قلبي إليك وأظنك أحد عمومتي، فقال له: أنا عمك المطلب، وأسبل عبرته، وجعل يقبله وقال: يا بن أخي أحب أن تمضي معي إلى بلد أبيك وعمومتك، وتكون في دار عزك، فقال: نعم، فركب المطلب، وركب شيبة معه وسارا، فقال له شيبة: يا عم أسرع بنا لأني أخشى أن يعلموا بنا أمي وعشيرتها فيلحقوا بنا فيأخذوني قهرا "، أما علمت أنه يركب لركوبها أبطال الأوس والخزرج، فقال له: يا بن أخي في الله الكفاية، ثم سارا وركبا الجادة الكبرى حتى أدركهم المساء بذي الحليفة فنزلا وسقيا مطيتهما، ثم إن المطلب ركب مطية وأخذ

ابن أخيه شيبة قدامه وأرسل زمامها وسارا، فبينما هما كذلك إذ سمعا صهيل الخيل و قعقعة اللجم وهمهمة الرجال في جوف الليل، فقال المطلب: يا بن أخي دهينا ورب الكعبة فما نصنع؟ قال شيبة: ألم أقل لك إن القوم يلحقون بنا، فانحرف بنا عن الجادة إلى الطريق السفلى، قال المطلب: وكيف يخفى أمرنا عليهم ونورك يدل علينا قال: أستر وجهي. فعسى أن يخفى أمرنا عليهم، قال: فأخذ المطلب ثوبا " وطواه ثلاث طيات وستر به وجهه، وإذا بالنور علا من وجهه كما كان، فقال: يا بن أخي إن لك شأنا " عظيما " عند الله، فإن الذي أعطاك هذا النور يصرف عنا كل محذور، قال: فبينا هو يخاطب ابن أخيه إذ أدركتهما الخيل وكانوا من اليهود، فلما رأوا شيبة علموا أنه هو الذي يخرج من ذريته من يسومهم سوء العذاب، ويكون خراب ديارهم على يديه وقد بلغهم في ذلك اليوم أن شيبة قد خرج هو وعمه ولا ثالث لهما فأدركهم الطمع في قتله، فخرجوا وخرج معهم سيد من سادات اليهود يقال له: دحية، وكان له ولد يقال له: لاطية، فخرج يوما " يلعب مع الصبيان فأخذ شيبة عظم بعير وضرب به ابن دحية فهشم رأسه وشجه شجة موضحة، وقال له: يا ابن اليهودية قد قرب أجلك، و دنا خراب دياركم، فبلغ الخبر إلى أبيه دحية فامتلأ غيظا "، فلما علم أنه قد خرج مع

عمه نادى: يا معاشر اليهود، هذا الغلام الذي تخشونه قد خرج معه عمه وما لهما ثالث فاسرعوا إليه واقتلوه، فخرجوا وكان عددهم سبعين فارسا "، فلحقوا بشيبة وعمه، فقال لعمه شيبة: يا عم أنزلني حتى أراك قدرة الله تعالى فأنزله عمه فقصده القوم فجثا على الطريق وجعل يمرغ وجهه في التراب ويدعوا ويقول في دعائه: (يا رب الظلام الغامر، والفلك الدائر، يا رب السبع الطباق، يا مقسم الأرزاق، أسألك بحق الشفيع المشفع، والنور المستودع، أن ترد عنا كيد أعدائنا) فما استتم دعاؤه حتى كادت الخيل تهجم عليهم، فوقفت الخيل، فقال ابن دحية لاطية: يا بن هاشم اصرف عنا هذا الخطاب وكثرة الجواب، فنحن لا نشك فيك يا بن عبد مناف، فأنتم السادات، اعلموا أنا ما خرجنا طالبين كيدكم، ولكن خرجنا كي نردك إلى أمك، فلقد كنت مصباح بلدتنا، فقال شيبة: أراكم تنظرون إلي بعين مغضب، فكيف تكون في قلوبكم المحبة لي؟ لكن لما رأيتم قدرة الله تعالى قلتم: هذا الكلام، وتركهم، وسار إلى عمه، فقال له المطلب:

يا بن أخي إن لك عند الله شأنا "، ثم جعل يقبله، وسارا وسار القوم راجعين، قال لهم لاطية:

ألم تعلموا أن هؤلاء معدن السحر؟ قالوا: بلى، قال: يا بني إسرائيل يا أمة الكليم قد سحركم هذا الغلام وعمه فدعونا نترجل، فاتبعوهم من ورائهم شاهرين سيوفهم وقصدوا شيبة، فلما قربوا قال المطلب: الان قد حققت الحقائق، وأخذ المطلب قوسه وجعل فيه سهما " ورمى بها اليهود فقتل بها عبد لاطية، فأتاه سيده وقد مات، و قد أخذ أخرى ورمى بها فأصابت رجلا آخر فقتله، فصاحوا بأجمعهم وهموا بالرجوع، فقال لهم لاطية: عار عليكم الرجوع عن اثنين، فإلى متى يصيبون منا بنبلهم؟ فلا بد أن يفرغ نبلهم ونقتلهم، ولم يكن في القوم أشجع منه، وكان من يهود خيبر، فعند ذلك حملوا عليهما حملة رجل واحد، وجاء لاطية إلى المطلب وقال: قف لي أكلمك بما فيه المصلحة ونرجع عنكم، قال شيبة: يا عم إن القوم قد عزموا علينا، فقال المطلب: يا معاشر اليهود ليس فيكم شفيق ولا حبيب، والمقام له بين عمومته خير له فانصرفوا راجعين، فقال لهم لاطية: كيف يرجع هذا الجمع خائبا " ونحن قد خرجنا ومرادنا أن نرده إلى أمه؟

فقال لهم المطلب: أنتم قوم ظالمون ، لقد أكثرتم الكلام، وأطلتم الملام، ثم قال المطلب: إنما غرضي أن تمضي إلى عمومتك، فإن كنت تعرف من القوم الصدق فارجع معهم حتى تكبر وتبلغ مبالغ الرجال، ثم تعود إلى بلد عمومتك، قال: يا عم لا يغرنك كلامهم، إنهم أعداءنا، قال عمه: صدقت، قال: ثم إن المطلب قال لهم: يا حزب الشيطان بنا تمكرون، وعلينا تحتالون؟ إنما ساقكم إلينا آجالكم، فمن شاء منكم أن يبرز إلى القتال فليبرز، فلما سمعوا كلام المطلب قال لهم لاطية: أما تعلمون أن هذا فارس بني عبد مناف الذي يفرق العرب؟ من يبرز إليه فله عندي مأة نخلة حاملة ليس فيها ذكر، فقال له رجل يقال له: (جميع) من بني قريظة وكان للاطية عليه دين: أنا أبرز إليه واترك دينك عني، قال: نعم ولك مثله، فاشهدوا يا من حضر، ثم خرج جميع إلى المطلب وهو لا يعلم به حتى قرب منه، فقال له المطلب: لا أشك أنه قد ساقك قصر أجلك، ثم ضربه بالسيف فقال: خذها وأنا المطلب بن عبد مناف، فمات من ساعته، فأقبل اليهود و أحاطوا به، فلما رأى لاطية ما حل بأصحابه غضب غضبا " شديدا " وقال: من يبرز إليه فله عندي ما يريد، فقال له غلاب: ما لهذا البطل إلا بطل مثله، أبرز إليه أنت،

قال: نعم أنا أبرز إليه وجرد سيفه ودنا من المطلب فتقاتلا من أول النهار حتى مضى من الليل أكثره، واليهود فرحون إذ برز لاطية للمطلب هذا، وعينا شيبة يهملان دموعا " خوفا " على عمه المطلب، فبينا هم كذلك وإذا " بغبرة قد ثارت كأنها الليل المظلم وقد سدت الأفق، وإذا بصهيل الخيل، وقعقعة اللجم، واصطفاق الأسنة، وإذا هم أربعمأة وهم فرسان الأوس والخزرج قد أقبلوا من المدينة مع سلمى وأبيها، فلما نظرت إلى اليهود مجتمعين على حرب المطلب صاحت بهم صيحة عظيمة وقالت: يا ويلكم ما هذا الفعال؟ فهم لاطية بالهزيمة فقال له المطلب: إلى أين يا عدو الله، الفرار من الموت، ثم ضربه بالسيف على عاتقه فقسمه نصفين، وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار، وجالت الفرسان على اليهود، فما كان إلا قليلا حتى باد جميع اليهود، فعند ذلك عطفوا على المطلب والسيف مشهور في يده وقد دفع القوس إلى ابن أخيه، فلما جالت الكتائب خافت سلمى على ولدها فأومأت إلى القوم وكانت مطاعة فيهم فأمسكوا عن القتال، فتقدمت سلمى إلى المطلب ونادته وقالت: من الهاجم على مرابط الأسد والخاطف من اللبوة شبلها؟ قال المطلب: هو من يزيده شرفا " على شرفه، وعزا " إلى عزه، وهو أشفق عليه منكم، وأنا أرجو أن يكون صاحب الحرم، والمتولي على الأمم، وأنا عمه المطلب، فلما سمعت كلامه قالت: مرحبا " وأهلا وسهلا، ولم لا تستأذني في حملك ولدنا

من بلدنا، وأنا قد شرطت على أبيه إن رزقت منه ولدا " يكون عندي ولا يفارقني، فقال لها المطلب: كان ذلك، ثم أقبلت على ولدها، وقالت: يا ولدي خرجت مع عمك وتركتني، والآن إن أردت أن ترجع معي فارجع، وإن اخترت عمك فامض راشدا "، فلما سمع كلام أمه أطرق إلى الأرض، فقالت له أمه: يا بني لم تسكت وأنت طلق اللسان، جرئ الجنان؟ فوحق أبيك إني لا أمنعك عن شهوتك، وإن عز علي فراقك يا ولدي، فرفع رأسه وقد سبقته العبرة فقال: يا أماه أخشى مخالفتك لأنه محرم علي عصياني لك، ولكن أحب مجاورة بيت ربي، وأنظر إلى عمومتي وعشيرتي، فإن أمرتني بالمسير سرت وإلا رجعت، فعند ذلك بكت وقالت له: إذا كان كذلك فقد سمحت لك برضى مني، و قد كنت مستأنسة بغرتك فلا تنسني، ولا تقطع أخبارك عني، ثم قبلته وودعته، وقالت: يا بن عبد مناف قد سلمت إليك الوديعة التي استودعنيها أخوك هاشم بالعهد والميثاق، فاحتفظ بها، فإذا بلغ ولدي مبالغ الرجال ولم أكن حاضرة فانظروا بمن تزوجونه، فقال لها المطلب: تكرمت بما فعلت، وأجملت فيما وصفت، ونحن لا ننسى حقك ما حيينا، ثم عطف عليها يودعها فقالت سلمى: خذوا من هذا الثياب والخيل ما تريدون، فشكرها المطلب وأردف ابن أخيه وسارا حتى قربا من مكة فأضاءت شعابها وأنارت الكعبة، فأقبلت الناس ينظرون إليه، وإذا هم بالمطلب يحمل ابن أخيه، فسألوه عنه و قالوا: من هذا يا بن عبد مناف الذي قد أضائت به البلاد؟ فقال لهم المطلب: هذا عبد لي، فقالوا: ما أجمل هذا العبد، فسموه الناس من ذلك عبد المطلب، وأقبل إلى منزله وكتم أمره، وقد عجبت الناس منه ومن نوره وهم لا يعلمون أنه جد رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم إنه ظهرت له آيات ومعجزات ومناقب ودلالات تدل على النبوة.

وقال أبو الحسن البكري: حدثنا أشياخنا وأسلافنا الرواة لهذا الحديث أنه لما قدم المطلب وشيبة إلى الحرم وكان بين عينيه نور رسول الله صلى الله عليه وآله كانت قريش تتبرك به، فإذا أصابتهم مصيبة أو نزلت بهم نازلة أو دهمهم طارق أو نزل بهم قحط توسلوا بنور رسول الله صلى الله عليه وآله فيكشف الله عنهم ما نزل بهم، قال: وكان أعجب نازلة نزلت بهم وأعجب آية ظهرت لهم ما جرى من أصحاب الفيل وهو أبرهة بن الصباح، وكان ملك اليمن، وقيل:

ملك الحبشة الذي ذكره الله في كتابه العزيز، وكان قد أشرف منه أهل مكة على الهلاك، وقد حلف أنه يقطع آثارهم، ويهدم الكعبة، ويرمى بأحجارها في بحر جدة، ويحفر أساسها، فكشفه الله عن البيت وأهله ببركة عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وآله.

قال صاحب الحديث: فأما ما اجتمعت عليه الروايات وأصحاب الحديث أنه نزلت جماعة من أهل مكة بأرض الحبشة في تجارة فدخلوا في كنيسة من كنائس النصارى، و أوقدوا بها نارا " يصطلون عليها، ويصلحون بها طعاما " لهم ورحلوا لم يطفؤها فهبت ريح فأحرقت جميع ما في الكنيسة، فلما دخلوا قالوا: من فعل هذا؟ قالوا: كان بها تجار من عرب مكة، فأخبروا بذلك النجاشي وكان ملك اليمن أو ملك الحبشة - والله أعلم - قال:

ما أحرق معبدنا إلا العرب، فغضب لذلك غضبا " شديدا "، وقال: لأحرقن معبدهم كما أحرقوا معبدنا، فأرسل وزيره أبرهة بن الصباح وأرسل معه أربعمأة فيل، وأرسل معه مأة ألف مقاتل، وقال له: امضى إلى كعبتهم وانقضها حجرا " حجرا "، وارمها في بحر جدة، واقتل رجالهم، وانهب أموالهم وذراريهم، ولا تترك لهم رجالا "، قال: فأمر المنادي ينادي في الجيوش بالمسير إلى مكة، واجتمعوا من كل جانب ومكان، وأعدوا ما يصلح للسفر من الزاد والماء والعدد والسلاح والدواب وأمرهم بالمسير، قال: فسار القوم وجعل في مقدمة الجيوش رجلا من أخيار دولته يقال له: الأسود بن مقصود، وأمره بالمسير أمامه،

ومعه عشرون ألف فارس، وقال: امض بمن معك، وانزل على الكعبة، وخذ رجالها ونسائها ولا تقتل منهم أحدا " حتى آتيك، فإني أريد أن أعذبهم عذابا " شديدا " لم يعذب به أحد من العالمين، قال: فسار بجيشه سيرا " عنيفا " يقطع الفيافي والقفار، ويجوز السهل والوعار، ولم يقروا ولم يهدءوا حتى نزلوا ببطن مكة، فلما سمع أهل مكة أنه قد نزل بهم صاحب الفيل جمعوا أموالهم وأهليهم ودوابهم وهموا بالخروج من مكة هاربين من أصحاب الفيل، فلما نظر إليهم عبد المطلب قال لهم: يا قوم أيجمل منكم هذا الامر؟ وإنه لعار عليكم خروجكم عن كعبتكم، قالوا له: إن الملك أقسم بمعبوده أن لابد له من ذلك أن يهدم الكعبة، ويرمي أحجارها في البحر، ويذبح أطفالها، ويرمل نسائها، ويقتل رجالها، فاتركنا نخرج قبل أن يحل بنا الويل، فقال لهم عبد المطلب:

إن الكعبة لا يصلون إليها، لان لها مانعا " يمنعهم عنها، وصادا " يصدهم عنها، فإن أنتم التجأتم إليها واعتصمتم بها فهو خير لكم، فلم تطمئن القلوب إلى كلامه، وغلب عليهم الخوف والجزع، وخرجوا هاربين يطلبون الشعاب، ومنهم من طلب الجبال، ومنهم من ركب البحر، قال: فعند ذلك قالوا لعبد المطلب: ما يمنعك أن تهرب مع الناس؟ قال:

أستحيي من الله أن أهرب عن بيته وحرمه، فوالله لا برحت من مكاني ولا نأيت عن بيت ربي حتى يحكم الله بما يشاء، قال: ولم يبق يومئذ بمكة إلا عبد المطلب وأقاربه وهم غير آمنين على أنفسهم، فلما نظر عبد المطلب إلى الكعبة خالية وديارها خاوية قال:

(اللهم أنت أنيس المستوحشين ولا وحشة معك، فالبيت بيتك، والحرم حرمك، والدار دارك، ونحن جيرانك تمنع عنه ما تشاء، ورب الدار أولى بالدار) قال: وأقام الأسود بن

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.