پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 1 بدء خلقه وما جرى له في الميثاق، وبدء نوره وظهوره صلى

ج ۱۵، ص ۹۷–۱۳۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۴ از ۶

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۵

يا أبا الحارث قد طلبنا تعجيل المسرة، وقد علمنا أن ملوك الشام والعراق وغيرهم تطاولت إليكم، وقد رغبوا في ولدكم يطلبون أولادكم وأنواركم المضيئة، ونحن أيضا " طمعنا فيمن طمع في ولدكم عبد الله، ورجوناه مثل من رجا. وقد رجا وهب أن يكون عبد الله بعلا " لابنتنا، وقد جئناكم طامعين وراغبين في النور الذي في وجه ولدكم عبد الله، ونسألكم أن تقبلونا، فإن كان مالها قليلا " فعلينا ما نجملها به وهي هدية منا لابنك عبد الله، فلما سمع عبد المطلب كلامها نظر إلى ولده وكان قبل ذلك إذا عرض عليه التزويج

من بنات الملوك يظهر في وجهه الامتناع، وقال أبوه: ما تقول يا بني فيما سمعت؟ فوالله ما في بنات أهل مكة مثلها، لأنها محتشمة في نفسها طاهرة مطهرة، عاقلة دينة، فسكت عبد الله ولم يرد جوابا "، فعلم أبوه أنه قد مال إليها، فقال عبد المطلب: قد قبلنا دعوتكم، وأجبنا ورضينا بابنتكم، قالت فاطمة زوجة عبد المطلب: أنا أمضي معك إليها حتى أنظر إلى آمنة، فإن كانت تصلح لولدي رضينا بها، فرجعت برة مسرورة بما سمعت، ثم سارت إلى زوجها مسرعة وبشرته وسمعت أم آمنة هاتفا " في الطريق يقول:

(بخ بخ لكم يا معشر أهل الصفا، قد قرب خروج المصطفى)، فدخلت على زوجها فقال:

وما وراءك؟ قالت: لقد سعدت سعادة علا قدرك في جملة العالمين، اعلم أن عبد المطلب قد رضي بابنتك، ولكن مع الفرح ترحة، قال: وما هي؟ قالت: إن فاطمة خارجة تنظر إلى ابنتك آمنة، فإن رضيت بها وإلا لم يكن شيئا، وإني أخاف أن لا ترضى بها، فقال لها وهب بن عبد مناف: أخرجي هذه الساعة إلى ابنتك وزينيها وألبسيها أفخر الثياب وقلديها أفخر ما عندك، فعسى ولعل، فعمدت برة إلى بنتها وألبستها أفخر ما عندها من الثياب، والحلي، وضفرت شعرها، وأرخت ذوائبها على أكتافها، وقالت لها: يا ابنتي إذا أتتك فاطمة فتأدبي لها أحسن الأدب، وارغبي في النور الذي في وجه ولدها عبد الله، فبينما هما في ذلك إذ أقبلت فاطمة وخرج وهب من المنزل، وإذا بعبد المطلب فأدخلوا فاطمة، فقامت لها آمنة إجلالا " وتعظيما " ورحبت بها أحسن

المرحب، فنظرت إليها فاطمة وإذا بها قد كساها الله جمالا " لا يوصف، فلما رأت فاطمة ذلك الحسن والجمال وقد أضاء من نور وجهها ذلك المجلس، قالت فاطمة: يا برة ما كنت عهدت أن آمنة على هذه الصورة ولقد رأيتها قبل ذلك مرارا "، فقالت برة: يا فاطمة كل ذلك ببركتهم علينا، ثم خاطبت فاطمة آمنة وإذا هي أفصح نساء أهل مكة، فقامت فاطمة وأتت إلى عبد المطلب وعبد الله، وقالت: يا ولدي ما في بنات العرب مثلها أبدا، ولقد ارتضيتها، وإن الله تعالى لا يودع هذا النور إلا في مثل هذه.

ولما وقع الحديث بين وهب وبين عبد المطلب في أمر ابنته آمنة، قال وهب: يا أبا الحارث هذه آمنة هدية مني إليك بغير صداق معجل ولا مؤجل، فقال عبد المطلب جزيت خيرا " ولابد من صداق، ويكون بيننا وبينك من يشهد به من قومنا، ثم إن عبد المطلب هم أن يمد إليه شيئا " من المال ليصلح به شأنها، إذ سمع همهمة وأصواتا " فوثب وهب وسيفه مسلول ثم قاموا جميعا "، قال أبو الحسن البكري: وكان سبب ذلك أن اليهود الذين كانوا محبوسين في دار وهب خدعهم الشيطان، وزين لهم هيوبا إنكم مقتولون لا محالة، فقوموا جميعا " وخاطروا بأنفسكم على عبد المطلب وابنه عبد الله، فإن الموت قد وقع بكم، واهربوا على وجوهكم، ثم إن هبوبا تمطى في كتافه فقطعه، ثم

حل جملة أصحابه، فلما خلصهم قالوا: بم نهجم عليهم وليس معنا سلاح؟ فقال هيوبا:

نهجم عليهم بالحجارة هجمة رجل واحد، وهم غافلون، فسار القوم وأقبلوا وعبد المطلب وولده عبد الله ووهب في دار وهب، والمصباح عندهم، واليهود يرونهم وهم لا يرون اليهود فرموهم بالحجارة التي كانت معهم، فرد الله تعالى عليهم الحجارة فهشمت وجوههم، ومنهم من وقع حجره في رأسه، ومنهم من وقع في صدره، وذلك بقدرة الله تعالى لأجل النور الذي في وجه عبد الله، فحمل عليهم عبد المطلب ومن كان معه فقتلوهم عن آخرهم، وكان عبد المطلب لا يفارقه سيفه حيث ما توجه، وبعد ذلك خرج عبد المطلب وولده وزوجته إلى منزلهم، وقالوا: يا وهب إذا كان في غداة غد جمعنا قومنا وقومك ليشهدون بما يكون من الصداق، فقال: جزاك الله خيرا "، فلما طلع الفجر أرسل عبد المطلب إلى بني عمه ليحضروا خطبتهم، ولبس عبد المطلب افخر أثوابه، وجمع وهب أيضا قرابته وبني عمه فاجتمعوا في الأبطح، فلما أشرف عليهم الناس قاموا إجلالا " لعبد المطلب وأولاده، فلما استقر بهم المجلس خطبوا خطبتهم وعقدوا عقد النكاح، وقام عبد المطلب فيهم خطيبا "

فقال: (الحمد لله حمد الشاكرين حمدا " أستوجبه بما أنعم علينا وأعطانا، وجعلنا لبيته جيرانا "، ولحرمه سكانا "، وألقى محبتنا في قلوب عباده، وشرفنا على جميع الأمم، ووقانا شر الآفات والنقم، والحمد لله الذي أحل لنا النكاح، وحرم علينا السفاح، وأمرنا بالاتصال وحرم علينا الحرام، اعلموا أن ولدنا عبد الله هذا الذي تعرفونه قد خطب فتاتكم آمنة بصداق معجل ومؤجل كذا وكذا، فهل رضيتم بذلك من ولدنا)؟ قال وهب:

قد رضينا منكم، فقال عبد المطلب: اشهدوا يا من حضر، ثم تصافحوا وتهانوا وتصافقوا وتعانقوا، وأولم عبد المطلب وليمة عظيمة، فيها جميع أهل مكة وأوديتها وشعابها وسوادها، فأقام الناس في مكة أربعة أيام.

قال أبو الحسن البكري: ولما تزوج عبد الله بآمنة أقامت معه زمانا "، والنور في وجهه لم يزل حتى نفذت مشية الله تعالى وقدرته وأراد أن يخرج خيرة خلقه محمدا " رسول الله وأن يشرف به الأرض وينورها بعد ظلامها، ويطهرها بعد تنجيسها، أمر الله تعالى جبرئيل عليه السلام أن ينادي في جنة المأوى أن الله جل جلاله قد تمت كلمته ومشيته وأن الذي وعده من ظهور البشير النذير السراج المنير الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله وهو صاحب الأمانة والصيانة يظهر نوره في البلاد، ويكون

رحمة على العباد، ومن أحبه بشر بالشرف والحباء، ومن أبغضه بسوء القضاء، وهو الذي عرض عليكم من قبل أن يخلق آدم عليه السلام الذي يسمى في السماء أحمد، وفي الأرض محمدا " وفي الجنة أبا القاسم، فأجابته الملائكة بالتسبيح والتهليل والتقديس والتكبير لله رب العالمين، وفتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران، وأشرفت الحور العين، وسبحت الأطيار على رؤس الأشجار، فلما فرغ جبريل من أهل السماوات أمره الله أن ينزل في مأة ألف من الملائكة إلى أقطار الأرض، وإلى جبل قاف، وإلى خازن السحاب، وجملة ما خلق الله يبشرهم بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم نزل إلى الأرض السابعة فأخبرهم بخبره، ومن أراد الله به خيرا " ألهمه محبته، ومن أراد به شرا " ألهمه بغضه، وزلزلت الشياطين، وصفدت وطردت عن الأماكن التي كانوا يسترقون فيها السمع، ورجموا بالشهب.

قال صاحب الحديث: ولما كانت ليلة الجمعة عشية عرفة وكان عبد الله قد خرج هو وإخوته وأبوه. فبينما هم سائرون وإذا بنهر عظيم فيه ماء زلال، ولم يكن قبل ذلك اليوم هناك ماء فبقي عبد المطلب وأولاده متعجبين، فبينما عبد الله كذلك إذ نودي يا عبد الله اشرب من هذا النهر، فشرب منه، وإذا هو أبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأزكى من المسك، فنهض مسرعا " والتفت إلى إخوته فلم يروا للنهر أثرا " فتعجبوا منه، ثم إن عبد الله مضى مسرعا " إلى منزله فرأته آمنة طائشا "، فقالت له: ما بالك (9)؟ صرف الله عنك الطوارق،

فقال لها: قومي فتطهري وتطيبي وتعطري - واغتسلي خ ل -، فعسى الله أن يستودعك هذا النور، فقامت وفعلت ما أمرها، ثم جاءت إليه فغشيها تلك الليلة المباركة، فحملت برسول الله صلى الله عليه وآله، فانتقل النور من وجه عبد الله في ساعته إلى آمنة بنت وهب، قالت آمنة:

لما دنا مني ولا مسني أضاء منه نور ساطع، وضياء لامع، فأنارت منه السماء والأرض، فأدهشني ما رأيت، وكانت آمنة بعد ذلك يرى النور في وجهها كأنه المرآة المضيئة.

بيان: النشيش: صوت الماء وغيره إذا غلا. والاراض بالكسر: بساط ضخم من صوف أو وبر. وانحاز عنه: عدل، وانحاز القوم: تركوا مراكزهم. والترح بالتحريك: ضد الفرح. والأروع من الرجال: الذي يعجبك حسنه. والذابل: الرمح الرقيق. والسميدع بالفتح: السيد الموطأ الأكناف. والصحاصح: جمع الصحصاح وهو المكان المستوي.

والجندل: الحجارة. والاسمهرار: الصلابة والشدة. قوله: (دهينا)، أي أصابتنا الداهية.

والدرقة: الترس. والغيداق: الكريم. والضيغم: الأسد.

أقول: إنما أوردت هذا الخبر مع غرابته وإرساله للاعتماد على مؤلفه واشتماله على كثير من الآيات والمعجزات التي لا تنافيها سائر الأخبار، بل تؤيدها والله تعالى يعلم.

49 - مناقب ابن شهرآشوب: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب سمي بذلك لان هاشما " دخل مكة وهو رديفه، وعبد المطلب اسمه شيبة الحمد بن هاشم، سمي بذلك لأنه هشم الثريد للناس في أيام الغلاء، وهو عمرو بن عبد مناف، سمي بذلك لأنه علا وأناف، واسمه المغيرة

ابن قصي، واسمه زيدا، قصي عن دار قومه، لأنه حمل من مكة في صغره إلى بلاد أزدشنوءة فسمي قصيا، ويلقب بالمجمع لأنه جمع قبائل قريش بعد ما كانوا في الجبال والشعاب.

وقسم بينهم المنازل بالبطحاء، ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر وهو قريش، وسمي النضر لان الله تعالى اختاره، والنضر النضرة، ابن خزيمة، وإنما سمى بذلك لأنه خزم نور آبائه، ابن مدركة، لأنهم أدركوا الشرف في أيامه، وقيل: لادراكه صيدا " لأبيه، وسمي أبوه طابخة لطبخه لأبيه، ابن إلياس النبي عليه السلام، وسمي بذلك لأنه جاء على أياس وانقطاع، ابن مضر، وسمي بذلك لأخذه بالقلوب، ولم يكن يراه أحد إلا أحبه، ابن نزار، واسمه عمرو، وسمي بذلك لان معد نظر إلى نور النبي صلى الله عليه وآله في وجهه فقرب له قربانا " عظيما "، وقال له: لقد استقللت هذا القربان وإنه لقليل نزر، ويقال: إنه اسم أعجمي، وكان رجلا " هزيلا "، فدخل على يستأسف فقال:

هذا نزار ابن معد، وسمي بذلك لأنه كان صاحب حروب وغارات على اليهود، وكان منصورا "، ابن عدنان، لان أعين الحي كلها تنظر إليه.

وروي عنه صلى الله عليه وآله إذا بلغ نسبي إلى عدنان فأمسكوا.

وعنه صلى الله عليه وآله كذب النسابون، قال الله تعالى: (وقرونا بين ذلك كثيرا ").

قال القاضي عبد الجبار بن أحمد: المراد بذلك أن اتصال الأنساب غير معلوم، فلا يخلوا إما أن يكون كاذبا " أو في حكم الكاذب. وقد روي أنه انتسب إلى إبراهيم.

أم سلمة سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: معد بن عدنان بن أدد، وسمي أدد لأنه كان ماد الصوت، كثير الغر، ابن زيد بن ثرا بن أعراق الثرى.

قالت أم سلمة: زيد هميسع، وثرا نبت، وأعراق الثرى إسماعيل بن إبراهيم، قالت: ثم قرء عليه السلام (وعادا " وثمود وأصحاب الرس) الآية ، واعتمد النسابة وأصحاب التواريخ أن عدنان هو ابن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل

ابن قيذار بن إسماعيل.

وقال ابن بابويه: عدنان بن أد بن أدد بن زيد بن يقدد بن يقدم بن الهميسع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل، وقال ابن عباس: عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع، و يقال: ابن ياحين بن يخشب بن منحر بن صابوغ بن الهميسع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن سروغ بن ارغو وهو هود، ويقال: بن قالغ بن غابر وهو هود بن أرفخشد بن متوشلخ بن سام بن نوح بن لمك بن أخنوخ، ويقال:

احنوخ وهو إدريس بن مهلايل، ويقال: مهاييل بن زبارز، ويقال: مارد، ويقال أياد بن قينان بن أنوش، ويقال: قينان بن أدد بن أنوش بن شيث وهو هبة الله ابن آدم.

أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة إلى آخر النسب،

ويقال: إنه ينسب إلى آدم بتسعة وأربعين أبا ".

50 - العدد: رسول الله صلى الله عليه وآله أبو القاسم محمد وأحمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن النبت بن حمل بن قيداد بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهم السلام بن تارخ بن ناخور بن شروغ بالشين المعجمة والغين المعجمة ابن ارغو بن فالغ بالغين المعجمة فيهما بن عابر بفتح الباء والعين غير المعجمة ابن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح بن ملك بن متوشلخ بكسر اللام ابن أخنوخ بن اليارذ بالذال المعجمة ابن مهلايل بن فينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام.

وقال ابن بابويه: عدنان بن أد بن أدد بن زيد بن يعدد بن يقدم بن الهميسع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل.

وقال ابن عباس: عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع.

ويقال: ابن يامين بن يحشب بن منحد بن صابوع بن الهميسع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم بن تارخ بن سروع بن أرغو، وهو هود ويقال: ابن قالع بن عامر بن أرفخشد بن ناحور بن متوشلح بن سام بن نوح بن لمك بن احنوح، وهو إدريس بن مهلائيل، ويقال: مهائيل بن زياد، ويقال: مارد، ويقال: أياد بن قينان بن أنوش، ويقال: قينان بن

أو دين أنوش بن شيث وهو هبة الله بن آدم عليهم السلام.

51 - قرب الإسناد: السندي بن محمد، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني مستوهب من ربي أربعة، وهو واهبهم لي إن شاء الله: آمنة بنت وهب، وعبد الله بن عبد المطلب، وأبو طالب بن عبد المطلب، ورجل من الأنصار جرت بيني وبينه ملحة .

بيان: قال الفيروزآبادي: بينهما ملح وملحة: حرمة وحلف، وهذا الخبر يدل على إيمان هؤلاء فإن النبي صلى الله عليه وآله لا يستوهب ولا يشفع لكافر، وقد نهى الله عن موادة الكفار والشفاعة لهم والدعاء لهم كما دلت عليه الآيات الكثيرة.

52 - معاني الأخبار، أمالي الصدوق: ابن الوليد، عن الصفار، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن ابن كثير الهاشمي قال: سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول: نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن الله جل جلاله يقرءك السلام ويقول: إني حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك، فقال: يا جبريل بين لي ذلك، فقال: أما الصلب الذي أنزلك فعبد الله بن عبد المطلب، وأما البطن الذي حملك فآمنة بنت وهب، وأما الحجر الذي كفلك فأبو طالب بن عبد المطلب وفاطمة بنت أسد.

بيان: هذا الخبر أيضا يدل على إيمان هؤلاء، فإن الله تعالى أوجب النار على جميع المشركين والكفار كما دلت عليه الآيات والأخبار.

53 - علل الشرائع، معاني الأخبار: محمد بن عمرو بن علي البصري، عن عبد السلام بن محمد بن هارون الهاشمي، عن محمد بن محمد بن عقبة الشيباني، عن الخضر بن أبان، عن أبي هدية إبراهيم ابن هدية، عن أنس بن مالك قال: أتى أبو ذر يوما " إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال:

ما رأيت كما رأيت البارحة، قالوا: وما رأيت البارحة؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ببابه، فخرج ليلا " فأخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام، وخرجا إلى البقيع فمازلت أقفو أثرهما إلى أن أتيا مقابر مكة فعدل إلى قبر أبيه فصلى عنده ركعتين، فإذا بالقبر قد انشق و إذا بعبد الله جالس وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا " عبده ورسوله، فقال له:

من وليك يا أبه؟ فقال: وما الولي يا بني؟ قال: هو هذا علي، قال: وإن عليا " وليي، قال: فارجع إلى روضتك، ثم عدل إلى قبر أمه فصنع كما صنع عند قبر أبيه فإذا بالقبر قد انشق فإذا هي تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك نبي الله ورسوله، فقال لها من وليك يا أماه؟ فقالت: ومن الولي يا بني؟ فقال: هو هذا علي بن أبي طالب، فقالت: إن عليا وليي، فقال: ارجعي إلى حفرتك وروضتك، فكذبوه، ولببوه، وقالوا: يا رسول الله كذب عليك اليوم، فقال: وما كان من ذلك؟ قالوا: إن جندب حكى عنك كيت وكيت، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.

قال عبد السلام بن محمد: فعرضت هذا الخبر على الهجيمي محمد بن عبد الأعلى فقال: أما علمت أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أتاني جبرئيل عليه السلام فقال: إن الله عز وجل حرم النار على ظهر أنزلك وبطن حملك، وثدي أرضعك، وحجر كفلك.

بيان: هذا الخبر أيضا يدل على إيمان والديه عليهما السلام إذ لو كانا ماتا على الشرك لم

ينفعهم الايمان بعد الاحياء، لان الله تعالى ختم على من مات على الكفر والشرك دخول النار، فهو صلى الله عليه وآله إنما أحياهما ليدركا أيام نبوته، ويشهدا برسالته وبإمامة وصيه، فيكمل بذلك إيمانهما، ويشهد له قوله صلى الله عليه وآله: فارجع إلى روضتك.

54 - تفسير علي بن إبراهيم: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو قمت المقام المحمود لشفعت لأبي وأمي وأخ كان لي مواخيا " في الجاهلية.

55 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة وعبد الله بن سنان وأبي حمزة الثمالي قالوا: سمعنا أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام يقول: لما حج رسول الله صلى الله عليه وآله حجة الوداع نزل بالأبطح ووضعت له وسادة فجلس عليها ثم رفع يده إلى السماء وبكى بكاء " شديدا "، ثم قال: يا رب إنك وعدتني في أبي وأمي وعمي أن لا تعذبهم قال فأوحى الله إليه إني آليت على نفسي أن لا يدخل جنتي إلا من شهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبدي ورسولي، ولكن ائت الشعب فنادهم فإن أجابوك فقد وجبت لهم رحمتي، فقام النبي صلى الله عليه وآله إلى الشعب فناداهم يا أبتاه ويا أماه ويا عماه، فخرجوا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا ترون إلى هذه الكرامة التي أكرمني الله بها، فقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله حقا " حقا "، وأن جميع ما أتيت به من عند الله فهو الحق، فقال: ارجعوا إلى مضاجعكم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله مكة، و قدم عليه علي بن أبي طالب من اليمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا أبشرك يا علي؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: بأبي أنت وأمي لم تزل مبشرا "، فقال: ألا ترى إلى ما رزقنا الله تبارك وتعالى في سفرنا هذا؟ وأخبره الخبر، فقال على: الحمد لله، قال: فأشرك رسول الله صلى الله عليه وآله في بدنه أباه وأمه وعمه.

بيان: هذا الخبر إما محمول على التقية، أو على أنه إنما فعل ذلك ليظهر للناس إسلامهم، ثم اعلم أن هذه الأخبار مخالفة لما اشتهر من أن والديه عليهما السلام ماتا في غير مكة ويمكن الجمع بينهما بأن يكونوا نقلوهما بعد موتهما إلى مكة كما ذكره بعض أهل السير، أو انتقلا بعد ندائه صلى الله عليه وآله بإعجازه إليها.

56 - قصص الأنبياء: إن أباه توفى وأمه حبلى، وقدمت أمه آمنة بنت وهب على أخواله من بني عدي من النجار بالمدينة، ثم رجعت به حتى إذا كانت بالابواء ماتت، وأرضعته حتى شب حليمة بنت عبد الله السعدية.

57 - الخرائج: روي أن عبد الله بن عبد المطلب لما ترعرع ركب يوما " ليصيد، وقد نزل بالبطحاء قوم من اليهود قدموا ليهلكوا والد محمد صلى الله عليه وآله ليطفؤا نور الله فنظروا إلى عبد الله فرءوا حلية أبوة النبوة فيه، فقصدوه وكانوا ثمانين نفرا " بالسيوف والسكاكين، وكان وهب بن عبد مناف بن زهرة والد آمنة أم محمد صلى الله عليه وآله في ذلك الصوب يصيد، وقد رأى عبد الله وقد صف به اليهود ليقتلوه، فقصد أن يدفعهم عنه، وإذا " بكثير من الملائكة معهم الأسلحة طردوا عنه اليهود، فعجب من ذلك وانصرف، ودخل على عبد المطلب وقال: أزوج بنتي آمنة من عبد الله، وعقد فولدت رسول الله صلى الله عليه وآله.

58 - مناقب ابن شهرآشوب: تصور لعبد المطلب أن ذبح الولد أفضل قربة لما علم من حال إسماعيل عليه السلام فنذر إنه متى رزق عشرة أولاد ذكور أن ينحر أحدهم للكعبة شكرا " لربه، فلما وجدهم عشرة قال لهم، يا بني ما تقولون في نذري؟ فقالوا: الامر إليك، ونحن بين يديك فقال: لينطلق كل واحد منكم إلى قدحه وليكتب عليه اسمه ففعلوا وأتوه بالقداح فأخذها وقال:

عاهدته والآن أوفي عهده * إذ كان مولاي وكنت عبده

نذرت نذرا " لا أحب رده * ولا أحب أن أعيش بعده فقدمهم ثم تعلق بأستار الكعبة ونادى: (اللهم رب البلد الحرام، والركن والمقام، ورب المشاعر العظام، والملائكة الكرام، اللهم أنت خلقت الخلق لطاعتك، وأمرتهم بعبادتك، لا حاجة منك في كلام له) ثم أمر بضرب القداح وقال: (اللهم إليك أسلمتهم ولك أعطيتهم، فخذ من أحببت منهم فإني راض بما حكمت، وهب لي أصغرهم سنا " فإنه أضعفهم ركنا ") ثم أنشأ يقول:

يا رب لا تخرج عليه قدحي * واجعل له واقية من ذبحي فخرج السهم على عبد الله فأخذ الشفرة وأتى عبد الله حتى أضجعه في الكعبة، وقال:

هذا بني قد أريد نحره * والله لا يقدر شئ قدره فإن يؤخره يقبل عذره.

وهم بذبحه فأمسك أبو طالب يده وقال:

كلا ورب البيت ذي الأنصاب * ما ذبح عبد الله بالتلعاب ثم قال: (اللهم اجعلني فديته، وهب لي ذبحته)، ثم قال:

خذها إليك هدية يا خالقي * روحي وأنت مليك هذا الخافق وعاونه أخواله من بني مخزوم وقال بعضهم:

يا عجبا " من فعل عبد المطلب * وذبحه ابنا كتمثال الذهب فأشاروا عليه بكاهنة بني سعد فخرج في ثمان مأة رجل وهو يقول:

تعاورني أمر فضقت به ذرعا * ولم أستطع مما تجللني دفعا " نذرت ونذر المرء دين ملازم * وما للفتى مما قضى ربه منعا " وعاهدته عشرا " إذا ما تكملوا * أقرب منهم واحدا " ماله رجعا " فأكملهم عشرا " فلما هممت أن * أفئ بذاك النذر ثار له جمعا " يصدونني عن أمر ربي وإنني * سأرضيه مشكورا " ليلبسني نفعا " فلما دخلوا عليها قال:

يا رب إني فاعل لما ترد * إن شئت ألهمت الصواب والرشد فقالت: كم دية الرجل عندكم؟ قالوا: عشرة من الإبل، قالت: واضربوا على الغلام وعلى الإبل القداح، فإن خرج القداح على الإبل فانحروها، وإن خرج عليه فزيدوا في الإبل عشرة عشرة حتى يرضى ربكم، وكانوا يضربون القداح على عبد الله وعلى عشرة فيخرج السهم على عبد الله إلى أن جعلها مأة، وضرب فخرج القدح على الإبل فكبر عبد المطلب وكبرت قريش، ووقع عبد المطلب مغشيا " عليه، وتواثبت بنو مخزوم فحملوه على أكتافهم ، فلما أفاق من غشيته قالوا: قد قبل الله منك فداء ولدك، فبينا هم كذلك فإذا " بهاتف يهتف في داخل البيت وهو يقول: قبل الفداء. ونفذ القضاء، وآن ظهور محمد المصطفى، فقال عبد المطلب: القداح تخطئ وتصيب حتى أضرب ثلاثا "، فلما ضربها خرج على الإبل فارتجز يقول:

دعوت ربي مخلصا " وجهرا " * يا رب لا تنحر بني نحرا " فنحرها كلها فجرت السنة في الدية بمأة من الإبل.

59 - مناقب ابن شهرآشوب: كانت امرأة يقال لها: فاطمة بنت مرة قد قرأت الكتب، فمر بها عبد الله ابن عبد المطلب، فقالت: أنت الذي فداك أبوك بمأة من الإبل؟ قال: نعم، فقالت: هل لك أن تقع علي مرة وأعطيك من الإبل مأة؟ فنظر إليها وأنشأ:

أما الحرام فالممات دونه * والحل لا حل فأستبينه فكيف بالامر الذي تبغينه ومضى مع أبيه فزوجه أبوه آمنة فظل عندها يوما " وليلة، فحملت بالنبي صلى الله عليه وآله، ثم انصرف عبد الله فمر بها فلم يربها حرصا " على ما قالت أولا "، فقال لها عند ذلك مختبرا ":

هل لك فيما قلت لي فقلت: لا؟

قالت:

قد كان ذاك مرة فاليوم لا فذهبت كلمتاهما مثلا ".

ثم قالت: أي شئ صنعت بعدي؟ قال: زوجني أبي آمنة فبت عندها، فقالت:

لله ما زهرية سلبت * ثوبيك ما سلبت؟ وما تدري ثم قالت: رأيت في وجهك نور النبوة فأردت أن يكون في وأبي الله إلا أن يضعه حيث يحب، ثم قالت:

بني هاشم قد غادرت من أخيكم * أمينة إذ للباه يعتلجان كما غادر المصباح بعد خبوه * فتائل قد شبت له بدخان وما كل ما يحوى الفتى من نصيبه * بحرص ولا ما فاته بتواني ويقال: إنه مر بها وبين عينيه غرة كغرة الفرس، وكان عند الأحبار جبة صوف بيضاء قد غمست في دم يحي بن زكريا عليه السلام وكانوا قد قرءوا في كتبهم إذا رأيتم هذه الجبة تقطر دما " فاعلموا أنه قد ولد أبو السفاك الهتاك، فلما رأوا ذلك من الجبة اغتموا و

اجتمع خلق على أن يقتلوا عبد الله. فوجدوا الفرصة منه لكون عبد المطلب في الصيد فقصدوه، فأدرك وهب بن عبد مناف الزهري فجاز منه فنظر إلى رجال نزلوا من السماء وكشفوهم عنه، فزوج ابنته من عبد الله، قال: فمتن من نساء قريش مأتا امرأة غيرة، ويقال: إن عبد الله كان في جبينه نور يتلألأ، فلما قرب من حمل محمد صلى الله عليه وآله لم يطق أحد رؤيته، وما مر بحجر ولا شجر إلا سجد له وسلم عليه، فنقل الله منه نوره يوم عرفة وقت العصر وكان يوم الجمعة إلى آمنة.

بيان: قولها: (ما زهرية)، المراد بالزهرية آمنة، أي آمنة ما سلبت ثوبيك فقط حين قاربتها، ما سلبت؟ أي أي شئ سلبت؟ أي سلبت منك شيئا " عظيما "، وهو نور النبوة، وما تدري، قولها: (قد غادرت)، أي تركت، قولها: (للباه يعتلجان)، أي للجماع، يتصارعان وينضمان، والخبو: الانطفاء، قد شبت له على بناء المجهول، أي أوقدت، والضمير للمصباح، والحاصل أنها خاطبت بني هاشم أن آمنة ذهبت بالنور من عبد الله، كمصباح اطفئ فلم يبق منه إلا فتيلة فيها دخان، ثم ذكرت لنفسها عذرا " فيما فاتها بأن الحرص لا يسوق شيئا " لم يقدر، وليس كل ما فات من الانسان بالتواني والتقصير، بل هو من تقدير الحكيم الخبير.

60 - مناقب ابن شهرآشوب: توفي أبوه صلى الله عليه وآله وهو ابن شهرين.

الواقدي: وهو ابن سبعة أشهر.

الطبري: توفي أبوه بالمدينة ودفن في دار النابغة.

ابن إسحاق: توفي أبوه وأمه حامل به، وماتت أمه وهو ابن أربع سنين.

الكلبي: وهو ابن ثمانية وعشرين شهرا ".

محمد بن إسحاق: توفيت أمه بالابواء منصرفة إلى مكة وهو ابن ست، ورباه

عبد المطلب وتوفي عنه وهو ابن ثمانية سنين وشهرين وعشرة أيام فأوصى به إلى أبي طالب فرباه.

61 - العدد: قيل: إنه لما شب رسول الله صلى الله عليه وآله وترعرع وسعى ردته حليمة إلى أمه فافتصلته وقدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار بالمدينة، ثم رجعت به حتى إذا كان بالابواء هلكت بها، فيتم رسول الله صلى الله عليه وآله وكان عمره يومئذ ست سنين فرجعت به أم أيمن إلى مكة، وكانت تحضنه، وورث رسول الله صلى الله عليه وآله من أمه أم أيمن، وخمسة أجمال أوداك، وقطيعة غنم، فلما تزوج بخديجة أعتق أم أيمن.

وروي أن آمنة لما قدمت برسول الله صلى الله عليه وآله المدينة نزلت به في دار النابغة رجل من بني عدي بن النجار فأقامت بها شهرا "، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يذكر أمورا " كانت في مقامه ذلك، فقال صلى الله عليه وآله: نظرت إلى رجل من اليهود يختلف وينظر إلي، ثم ينصرف عني، فلقيني يوما " خاليا " فقال لي: يا غلام ما اسمك؟ قلت: أحمد، فنظر إلى ظهري فأسمعه يقول: هذا نبي هذه الأمة، ثم راح إلى أخوالي فخبرهم الخبر فأخبروا أمي فخافت علي وخرجنا من المدينة.

وحدثت أم أيمن: قالت: أتاني رجلان من اليهود يوما " نصف النهار بالمدينة فقالا: أخرجي لنا أحمد فأخرجته، فنظرا إليه وقلباه مليا " ونظرا إلى سرته ثم قال أحدهما لصاحبه: هذا نبي هذه الأمة، وهذه دار هجرته، وسيكون بهذه البلدة من القتل والسبي أمر عظيم.

62 - العدد: عبد الله أنفذه أبوه يمتار له تمرا " من يثرب فتوفي بها.

63 - العقائد: قال الشيخ أبو جعفر رضي الله عنه: اعتقادنا في آباء النبي صلى الله عليه وآله أنهم مسلمون من آدم إلى أبيه عبد الله، وأن أبا طالب كان مسلما "، وآمنة بنت وهب بن عبد مناف أم رسول الله صلى الله عليه وآله كانت مسلمة، وقال النبي صلى الله عليه وآله: خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم.

وقد روي أن عبد المطلب كان حجة، وأبو طالب كان وصيه عليه السلام.

بيان: اتفقت الامامية رضوان الله عليهم على أن والدي الرسول وكل أجداده إلى آدم عليه السلام كانوا مسلمين، بل كانوا من الصديقين: إما أنبياء مرسلين، أو أوصياء معصومين، ولعل بعضهم لم يظهر الاسلام لتقية أو لمصلحة دينية.

قال أمين الدين الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان: قال أصحابنا: إن آزر كان جد إبراهيم عليه السلام لامه، أو كان عمه من حيث صح عندهم أن آباء النبي صلى الله عليه وآله إلى آدم كلهم كانوا موحدين، وأجمعت الطائفة على ذلك، ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:

لم يزل ينقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات، حتى أخرجني في عالمكم هذا، لم يدنسني بدنس الجاهلية.

ولو كان في آبائه عليه السلام كافر لم يصف جميعهم بالطهارة، مع قوله سبحانه: (إنما المشركون نجس) ولهم في ذلك أدلة ليس هنا موضع ذكرها. انتهى.

وقال إمامهم الرازي في تفسيره: قالت الشيعة: إن أحدا " من آباء الرسول صلى الله عليه وآله وأجداده ما كان كافرا "، وأنكروا أن يقال: إن والد إبراهيم كان كافرا " وذكروا أن آزر كان عم إبراهيم عليه السلام، واحتجوا على قولهم بوجوه:

الأولى: أن آباء نبينا ما كانوا كفارا " ويدل عليه وجوه:

منها: قوله تعالى: (الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين) قيل:

معناه إنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد، وبهذا التقدير فالآية دالة على أن جميع آباء محمد صلى الله عليه وآله كانوا مسلمين، فيجب القطع بأن والد إبراهيم كان مسلما "، ومما يدل على أن أحدا " من آباء محمد صلى الله عليه وآله ما كانوا من المشركين قوله صلى الله عليه وآله: (لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات) وقال تعالى: (إنما المشركون نجس).

أقول: ثم أورد بعض الاعتراضات والأجوبة التي لا حاجة لنا إلى إيرادها، ثم قال: وأما أصحابنا فقد زعموا أن والد رسول الله صلى الله عليه وآله كان كافرا "، وذكروا أن نص الكتاب في هذه الآية تدل على أن آزر كان كافرا "، وكان والد إبراهيم عليه السلام إلى آخر ما قال، وإنما أوردنا كلامه ليعلم أن اتفاق الشيعة على ذلك كان معلوما "، بحيث اشتهر بين المخالفين.

وأما المخالفون: فذهب أكثرهم إلى كفر والدي الرسول صلى الله عليه وآله وكثير من أجداده كعبد المطلب وهاشم وعبد مناف صلوات الله عليهم أجمعين، وإجماعنا وأخبارنا متضافرة

على خلافهم، وسيأتي الأخبار الكثيرة الدالة على ذلك في سائر أبواب الكتاب.

ووجدت في بعض الكتب أن عبد المطلب اسمه شيبة، ويقال: شيبة الحمد، وقد قيل: إن اسمه عامر، والصحيح الأول، ويقال: إنه سمي شيبة لأنه ولد وفي رأسه

شعرة بيضاء، ويكنى أبا الحارث، ويلقب الفياض لجوده، وإنما سمي عبد المطلب لان أباه هاشما " مر بيثرب في بعض أسفاره فنزل على عمرو بن زيد، وقيل: زيد بن عمرو ابن خداش بن أمية بن وليد بن غنم بن عدي بن النجار، والراوي الأول يقول: عمرو

ابن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج وهو المعتمد، فرأى ابنته سلمى فخطبها إليه فزوجه إياها، وشرط عليه أنها إذا حملت أتى بها لتلد في دار قومها، وبنى عليها هاشم بيثرب ومضى بها إلى مكة،

فلما أثقلت أتى بها إلى يثرب في السفرة التي مات فيها وذهب إلى الشام فمات هناك بغزة من أرض الشام، وولدت سلمى عبد المطلب وشب عند أمه فمر به رجل من بني الحارث بن عبد مناف، وهو مع صبيان يتناضلون فرآه أجملهم وأحسنهم إصابة، وكلما رمى فأصاب، قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن السيد البطحاء، فأعجب الرجل ما رأى منه ودنا إليه فقال:

من أنت؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف، قال: بارك الله فيك، وكثر فينا مثلك، قال:

من أنت يا عم؟ قال: رجل من قومك، قال: حياك الله ومرحبا " بك، وسأله عن أحواله وحاجته، فرأى الرجل منه ما أعجبه، فلما أتى مكة لم يبدء بشئ حتى أتى المطلب بن عبد مناف فأصابه جالسا " في الحجر فخلا به وأخبره خبر الغلام وما رأى منه، فقال المطلب:

والله لقد أغفلته، ثم ركب قلوصا " ولحق بالمدينة وقصد محلة بني النجار فإذا هو بالغلام في غلمان منهم، فلما رآه أناخ قلوصه وقصد إليه، فأخبره بنفسه، وأنه جاء للذهاب به، فما لبث أن جلس على عجز الرحل وركب المطلب القلوص ومضى به، وقيل: بل كانت أمه قد علمت بمجئ المطلب ونازعته فغلبها عليه، ومضى به إلى مكة وهو خلفه، فلما رآه قريش قامت إليه وسلمت عليه وقالوا: من أين أقبلت؟ قال: من يثرب، قالوا: ومن هذا معك؟ قال: عبد ابتعته، فلما أتى محله اشترى له حلة فألبسه إياها وأتى به في مجلس بني عبد مناف، فقال: هذا ابن أخيكم هاشم، وأخبرهم خبره، فغلب عليه عبد المطلب لقول عمه: إنه عبد ابتعته، وساد عبد المطلب قريشا "، وأذعنت له سائر العرب بالسيادة والرياسة، وأخباره مشهورة مع أصحاب الفيل، وحفر زمزم، وفي سقياه حين استسقى مرتين: مرة لقريش، ومره لقيس إلى غير ذلك من فضائله، و أخباره وأشعاره تدل على أنه كان يعلم أن سبطه محمدا " نبي، وهو ابن هاشم، واسمه عمرو، و يقال له: عمرو العلى، ويكنى أبا نضله، وإنما سمي هاشما " لهشمه الثريد للحجاج، وكانت إليه الوفادة والرفادة وهو الذي سن الرحلتين: رحلة الشتاء إلى اليمن و

العراق، ورحلة الصيف إلى الشام ومات بغزة من أرض الشام وفيه يقول مطرود بن كعب الخزاعي: شعر:

عمرو العلى هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف.

وكان هاشم يدعى القمر، ويسمى ذات الركب، وقد سمي بهذا آخرون من قريش أيضا "، وهو ابن عبد مناف، واسمه المغيرة، وإنما سمته عبد مناف أمه، ومناف اسم صنم كان مستقبل الركن الأسود، وكان أيضا " يدعى القمر لجماله، ويدعى السيد لشرفه وسؤدده، وهو ابن قصي، واسمه زيد، وإنما سمى قصيا " لان أمه فاطمة بنت سعد بن سنبل الأزدية من أزدشنوءه تزوجها بعد أبيه كلاب ربيعة بن حزام بن سعد بن زيد القضاعي، فمضى بها إلى قومه، وكان زهرة بن كلاب كبيرا "، فتركته عند قومه، وحملت زيدا " معها، لأنه كان فطيما "، فسمي قصيا " لأنه أقصى عن داره، وشب في حجر ربيعة بن حزام، لا يرى إلا أنه أبوه إلى أن كبر فنازع بعض بني عذرة، فقال له العذري: الحق بقومك فإنك لست منا، قال: وممن أنا؟ قال: سل أمك تخبرك، فقالت: أنت والله أكبر منهم نفسا " ووالدا " ونسبا "، أنت ابن كلاب بن مرة، وقومك آل الله في حرمه وعند بيته، فكره قصي المقام دون مكة، فأشارت عليه أمه أن يقيم حتى يدخل الشهر الحرام، ثم يخرج مع حجاج قضاعة ففعل، ولما صار إلى مكة تزوج إلى خليل بن الحبشية الخزاعي ابنته حيي، وكان خليل يلي أمر الكعبة، وعظم أمر قصي حتى استخلص البيت من خزاعة وحاربهم وأجلاهم عن الحرم وصارت إليه السدانة والوفادة والسقاية، وجمع قبائل قريش وكانت متفرقة.

وقال محمد بن مسعود الكازروني في كتاب المنتقى: ولد عبد الله لأربع وعشرين سنة

مضت من ملك كسرى أنوشروان، فبلغ سبع عشرة سنة، ثم تزوج آمنة، فلما حملت برسول الله صلى الله عليه وآله توفي، وذلك أن عبد الله بن عبد المطلب خرج إلى الشام في عير من عيرات قريش، يحملون تجارات، ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا، فمروا بالمدينة وعبد الله بن عبد المطلب يومئذ مريض، فقال: أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضا " شهرا "، ومضى أصحابه فقدموا مكة فسألهم عبد المطلب عن عبد الله، فقالوا خلفناه عند أخواله بني عدي بن النجار وهو مريض، فبعث إليه عبد المطلب أعظم ولده الحارث فوجده قد توفي في دار النابغة، فرجع إلى أبيه فأخبره، فوجد عليه عبد المطلب وإخوته وأخواته وجدا " شديدا "، ورسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ حمل، ولعبد الله يوم توفي خمس وعشرون سنة.

وروي أنه توفي بعد ما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله ثمانية وعشرون شهرا "، ويقال:

سبعة أشهر، والأول أصح.

قال الواقدي: ترك عبد الله أم أيمن وخمسة جمال أوراك، يعني قد أكلت الأراك، وقطيعة غنم، فورث رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت أم أيمن تحضنه واسمها بركة.

64 - عيون أخبار الرضا (ع)، أمالي الصدوق: ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه، عن الريان بن الصلت قال:

أنشدني الرضا عليه السلام لعبد المطلب شعر:

يعيب الناس كلهم زمانا * وما لزماننا عيب سوانا نعيب زماننا والعيب فينا * ولو نطق الزمان بناهجانا

وإن الذئب يترك لحم ذئب * ويأكل بعضنا بعضا " عيانا أقول: سيأتي في باب مولد النبي صلى الله عليه وآله بعض أخباره.

65 - الخصال: الفامي وابن مسرور معا "، عن ابن بطة، عن الصفار، عن ابن معروف، عن حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي جعفر صلى الله عليه وآله قال: أول من سوهم عليه مريم بنت عمران، وهو قول الله: (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) والسهام ستة، ثم استهموا في يونس عليه السلام لما ركب مع القوم، فوقفت السفينة في اللجة، فاستهموا فوقع السهم على يونس عليه السلام ثلاث مرات، قال: فمضى يونس عليه السلام إلى صدر السفينة فإذا الحوت فاتح فاه فرمى بنفسه، ثم كان عبد المطلب ولد له تسعة فنذر في العاشر إن يرزقه الله غلاما " أن يذبحه، قال: فلما ولد عبد الله لم يكن يقدر أن يذبحه ورسول الله صلى الله عليه وآله في صلبه، فجاء بعشر من الإبل وساهم عليها وعلى عبد الله فخرجت السهام على عبد الله، فزاد عشرا "، فلم يزل السهام تخرج على عبد الله ويزيد عشرا "، فلما بلغت مأة خرجت السهام على الإبل، فقال عبد المطلب: ما أنصفت ربي، فأعاد السهام ثلاثا " فخرجت على الإبل، فقال: الآن علمت أن ربي قد رضي، فنحرها.

66 - الخصال: أبي، عن سعد، عن أبي محمد الفضل اليماني، عن الحسن بن جمهور، عن أبيه، عن علي بن حديد، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: هبط جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن الله عز وجل قد شفعك في خمسة: في بطن حملك وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وفي صلب أنزلك وهو عبد الله بن عبد المطلب، وفي حجر كفلك وهو عبد المطلب بن هاشم، وفي بيت آواك وهو عبد مناف بن عبد المطلب أبو طالب، وفي أخ كان لك في الجاهلية، قيل:

يا رسول الله من هذا الأخ؟ فقال رسول الله: كان آنسي وكنت آنسه، وكان سخيا " يطعم الطعام.

67 - الخصال: محمد بن علي بن الشاه، عن أبي حامد، عن أبي يزيد، عن محمد بن أحمد بن صالح التميمي، عن أبيه، عن أنس بن محمد أبي مالك، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في وصيته له:

يا علي إن عبد المطلب سن في الجاهلية خمس سنن أجراها الله له في الإسلام: حرم نساء الاباء على الأبناء فأنزل الله عز وجل: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) ووجد كنزا " فأخرج منه الخمس وتصدق به، فأنزل الله عز وجل: (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) الآية، ولما حفر زمزم سماها سقاية الحاج فأنزل الله عز وجل:

(أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر) الآية، وسن في القتل مأة من الإبل فأجرى الله عز وجل ذلك في الاسلام، ولم يكن للطواف عدد عند قريش فسن فيهم عبد المطلب سبعة أشواط، فأجرى الله ذلك في الاسلام، يا علي إن عبد المطلب كان لا يستقسم بالأزلام، ولا يعبد الأصنام، ولا يأكل ما ذبح على النصب، ويقول: أنا على دين أبي إبراهيم عليه السلام.

بيان: لعله عليه السلام فعل هذه الأمور بإلهام من الله تعالى، أو كانت في ملة إبراهيم عليه السلام فتركتها قريش فأجراها فيهم، فلما جاء الاسلام لم ينسخ هذه الأمور لما سنه عبد المطلب.

68 - الخصال: الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان الأحمر قال:

سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يحدث عن أبيه عليه السلام قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن ولد عبد المطلب، فقال: عشرة والعباس.

قال الصدوق ره: وهم عبد الله، وأبو طالب، والزبير، وحمزة، والحارث، وهو أسنهم والغيداق، والمقوم، وحجل، وعبد العزى وهو أبو لهب، وضرار، والعباس، ومن الناس

من يقول: إن المقوم هو حجل. ولعبد المطلب عشرة أسماء، تعرفه بها العرب وملوك القياصرة وملوك العجم وملوك الحبشة، فمن أسمائه: عامر، وشيبة الحمد، وسيد البطحاء، وساقي الحجيج، وساقي الغيث، وغيث الورى في العام الجدب، وأبو السادة العشرة، وعبد المطلب، وحافر زمزم، وليس ذلك لمن تقدمه.

69 - عيون أخبار الرضا (ع): القطان، عن الأسدي، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله أنا ابن الذبيحين، قال:

يعني إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، وعبد الله بن عبد المطلب، أما إسماعيل فهو الغلام الحليم الذي بشر الله تعالى به إبراهيم عليه السلام (فلما بلغ معه السعي) وهو لما عمل مثل عمله (قال يا بني: إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى * قال يا أبت افعل ما تؤمر) ولم يقل له: يا أبت افعل ما رأيت (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) فلما عزم على ذبحه فداه الله تعالى بذبح عظيم بكبش أملح. يأكل في سواد، ويشرب في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد ويبول ويبعر في سواد، وكان يرتع قبل ذلك في رياض الجنة أربعين عاما، وما خرج من رحم أنثى، وإنما قال الله عز وجل له:

كن فكان، ليفدي به إسماعيل، فكل ما يذبح بمنى فهو فدية لإسماعيل إلى يوم القيامة، فهذا أحد الذبيحين، وأما الاخر فإن عبد المطلب كان تعلق بحلقة باب الكعبة ودعا الله عز وجل أن يرزقه عشرة بنين، ونذر لله عز وجل أن يذبح واحدا " منهم متى أجاب الله دعوته، فلما بلغوا عشرة قال: قد وفى الله تعالى لي فلافين لله عز وجل فأدخل ولده الكعبة، وأسهم بينهم، فخرج سهم عبد الله أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وكان أحب ولده إليه، ثم أجالها ثانية فخرج سهم عبد الله ، ثم أجالها ثالثة، فخرج سهم عبد الله فأخذه وحبسه وعزم على ذبحه، فاجتمعت قريش ومنعته من ذلك، واجتمع نساء عبد المطلب يبكين ويصحن، فقالت له ابنته عاتكة: يا أبتاه اعذر فيما بينك وبين الله عز وجل في قتل ابنك، قال: وكيف اعذر يا بنية فإنك مباركة؟ قالت: اعمد على تلك السوائم التي لك في الحرم فاضرب بالقداح على ابنك وعلى الإبل واعط ربك حتى يرضى، فبعث عبد المطلب إلى إبله فأحضرها وعزل منها عشرا "، وضرب بالسهام فخرج سهم عبد الله، فما زال يزيد عشرا " عشرا " حتى بلغت مأة، فضرب فخرج السهم على الإبل، فكبرت قريش تكبيرة ارتجت لها جبال تهامة، فقال عبد المطلب: لا حتى أضرب بالقداح ثلاث مرات، فضرب ثلاثا " كل ذلك يخرج السهم على الإبل، فلما كان في الثالثة اجتذبه الزبير وأبو طالب وأخواتهما من تحت رجليه، فحملوه وقد انسلخت جلدة خده الذي كان على الأرض وأقبلوا يرفعونه ويقبلونه ويمسحون عنه التراب، وأمر عبد المطلب أن تنحر الإبل بالحزورة، ولا يمنع أحد منها، وكانت مأة، فكانت لعبد المطلب خمس من السنن أجراها الله عز وجل في الاسلام: حرم نساء الاباء على الأبناء، وسن الدية في القتل مأة من الإبل، وكان يطوف بالبيت سبعة أشواط، ووجد كنزا " فأخرج منه الخمس، وسمي زمزم حين حفرها سقاية الحاج، ولولا أن عبد المطلب كان حجة وأن عزمه على ذبح ابنه عبد الله شبيه بعزم إبراهيم عليه السلام على ذبح ابنه إسماعيل لما افتخر النبي صلى الله عليه وآله بالانتساب إليهما لأجل

أنهما الذبيحان في قوله صلى الله عليه وآله: أنا ابن الذبيحين، والعلة التي من أجلها دفع الله عز و جل الذبح عن إسماعيل هي العلة التي من أجلها دفع الذبح عن عبد الله، وهي كون النبي والأئمة صلوات الله عليهم في صلبيهما، فببركة النبي والأئمة صلوات الله عليهم دفع الله الذبح عنهما، فلم تجر السنة في الناس بقتل أولادهم، ولولا ذلك لوجب على الناس كل أضحى التقرب إلى الله تعالى ذكره بقتل أولادهم، كل ما يتقرب الناس به إلى الله عز وجل من أضحية فهو فداء لإسماعيل إلى يوم القيامة.

70 - مجالس المفيد، أمالي الطوسي: المفيد، عن علي بن بلال المهلبي، عن عبد الواحد بن عبد الله بن يونس، عن الحسين بن محمد بن عامر، عن المعلى، عن العمي، عن جعفر بن بشير، عن سليمان بن سماعة، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: لما قصد أبرهة بن الصباح ملك الحبشة لهدم البيت تسرعت الحبشة فأغاروا عليها فأخذوا سرحا " لعبد المطلب بن هاشم، فجاء عبد المطلب فاستأذن عليه فأذن له وهو في قبة ديباج على سرير له: فسلم عليه، فرد أبرهة السلام وجعل ينظر في وجهه فراقه حسنه وجماله وهيبته، فقال له: هل كان في آبائك مثل هذا النور الذي أراه لك والجمال؟ قال: نعم أيها الملك كل آبائي كان لهم هذا الجمال والنور والبهاء، فقال له أبرهة: لقد فقتم فخرا " وشرفا "، ويحق لك أن تكون سيد قومك، ثم أجلسه معه على سريره، وقال لسائس فيله الأعظم: وكان فيلا " أبيض عظيم الخلق، له نابان مرصعان بأنواع الدر والجواهر، وكان الملك يباهي به ملوك الأرض - اتيني به، فجاء به سائسه وقد زين بكل زينة حسنة، فحين قابل وجه عبد المطلب سجد له، ولم يكن يسجد لملكه، وأطلق الله لسانه بالعربية فسلم على عبد المطلب، فلما رأى الملك ذلك ارتاع

له وظنه سحرا "، فقال: ردوا الفيل إلى مكانه، ثم قال لعبد المطلب: فيم جئت؟ فقد بلغني سخاءك وكرمك وفضلك، ورأيت من هيبتك وجمالك وجلالك ما يقتضي أن أنظر في حاجتك، فسلني ما شئت، وهو يرى أنه يسأله في الرجوع من مكة، فقال له عبد المطلب:

إن أصحابك غدوا على سرح لي فذهبوا به فمرهم برده علي، قال: فتغيظ الحبشي من ذلك، وقال لعبد المطلب: لقد سقطت من عيني، جئتني تسألني في سرحك وأنا قد جئت لهدم شرفك، وشرف قومك، ومكرمتكم التي تتميزون بها من كل جيل وهو البيت الذي يحج إليه من كل صقع في الأرض، فتركت مسألتي في ذلك وسألتني في سرحك، فقال له عبد المطلب: لست برب البيت الذي قصدت لهدمه، وأنا رب سرحي الذي أخذه أصحابك، فجئت أسألك فيما أنا ربه، وللبيت رب هو أمنع له من الخلق كلهم، وأولى به منهم، فقال الملك ردوا عليه سرحه، وانصرف إلى مكة، وأتبعه الملك بالفيل الأعظم مع الجيش لهدم البيت، فكانوا إذا حملوه على دخول الحرم أناخ، وإذا تركوه رجع مهرولا "، فقال عبد المطلب لغلمانه: ادعوا إلي ابني، فجئ بالعباس، فقال: ليس هذا أريد، ادعوا إلي ابني، فجئ بأبي طالب فقال: ليس هذا أريد، ادعوا إلي ابني فجئ بعبد الله أب النبي صلى الله عليه وآله، فلما أقبل إليه قال: اذهب يا بني حتى تصعد أبا قبيس، ثم اضرب ببصرك ناحية البحر، فانظر أي شئ يجئ من هناك، وخبرني به، قال: فصعد عبد الله أبا قبيس فما لبث أن جاء بطير أبابيل مثل السيل والليل، فسقط على أبي قبيس، ثم صار إلى البيت فطاف سبعا "، ثم صار إلى الصفا والمروة فطاف بهما سبعا "، فجاء عبد الله إلى أبيه فأخبره الخبر، فقال: انظر يا بني ما يكون من أمرها بعد فأخبرني به، فنظرها فإذا هي قد أخذت نحو عسكر الحبشة، فأخبر عبد المطلب بذلك، فخرج عبد المطلب وهو يقول: يا أهل مكة أخرجوا إلى العسكر فخذوا غنائمكم، قال:

فأتوا العسكر وهم أمثال الخشب النخرة، وليس من الطير إلا ما معه ثلاثة أحجار في منقاره ويديه يقتل بكل حصاة منها واحدا " من القوم، فلما أتوا على جميعهم انصرف الطير فلم ير قبل ذلك ولا بعده، فلما هلك القوم بأجمعهم جاء عبد المطلب إلى البيت فتعلق بأستاره وقال:

يا حابس الفيل بذي المغمس * حبسته كأنه مكوس في مجلس تزهق فيه الأنفس فانصرف وهو يقول في فرار قريش وجزعهم من الحبشة:

طارت قريش إذا رأت خميسا * فظلت فردا " لا أرى أنيسا ولا أحس منهم حسيسا * إلا أخا " لي ماجدا " نفيسا مسودا " في أهله رئيسا. بيان: راقه: أعجبه، قال الفيروزآبادي: المغمس كمعظم ومحدث: موضع بطريق الطائف فيه قبر أبي رغال دليل أبرهة ويرجم، وقال: المكوس كمعظم حمار.

أقول: روي في كتاب العدد مثله إلا أنه زاد فيه: فحين قابل الفيل وجه عبد المطلب سجد له، ولم يكن سجد لملكه وأطلق الله لسانه بالعربية فسلم على عبد المطلب وقال بلسان فصيح: يا نور خير البرية، ويا صاحب البيت والسقاية، ويا جد سيد المرسلين، السلام على نور الذي في ظهرك، يا عبد المطلب معك العز والشرف، لن تذل ولن تغلب أبدا "، فلما رأى الملك ذلك ارتاع له وظنه سحرا "، فقال: ردوا الفيل إلى مكانه، ثم قال لعبد المطلب: فيم جئت؟ فقد بلغني سخاءك وكرمك وفضلك، ورأيت من هيبتك وجمالك وجلالك ما يقتضي أن أنظر في حاجتك، فسل ما شئت. وساق الحديث إلى آخره.

71 - تفسير علي بن إبراهيم: (ألم تر) ألم تعلم يا محمد (كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) قال:

نزلت في الحبشة حين جاءوا بالفيل ليهدموا به الكعبة، فلما أدنوه من باب المسجد قال له عبد المطلب: تدري أين يأم بك؟ قال برأسه: لا، قال: أتوا بك لتهدم كعبة الله، أتفعل ذلك؟ فقال برأسه: لا، فجهدت به الحبشة ليدخل المسجد فأبى، فحملوا عليه بالسيوف وقطعوه، (فأرسل عليهم طيرا " أبابيل) قال: بعضها على أثر بعض (ترميهم بحجارة من سجيل) قال: كان مع كل طير حجر في منقاره، وحجران في مخاليبه، وكانت ترفرف على رؤوسهم، وترمى في دماغهم فيدخل الحجر في دماغهم، ويخرج من أدبارهم، وتنتفض أبدانهم فكانوا كما قال: (فجعلهم كعصف مأكول) قال:

العصف: التبن، والمأكول هو الذي يبقى من فضله، قال الصادق عليه السلام: وأهل الجدري من ذلك الذي أصابهم في زمانهم جدري.

بيان: قال الطبرسي ره: أجمعت الرواة على أن ملك اليمن الذي قصد هدم الكعبة هو أبرهة بن الصباح، وقيل: إن كنيته أبو يكسوم، قال الواقدي: هو صاحب النجاشي جد النجاشي الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال محمد بن إسحاق: أقبل تبع حتى نزل على المدينة، فنزل بوادي قبا فحفر بها بئرا " تدعى اليوم ببئر الملك، قال: و بالمدينة إذ ذاك يهود والأوس والخزرج فقاتلوه وجعلوا يقاتلونه بالنهار، فإذا أمسى أرسلوا إليه بالضيافة، فاستحيى وأراد صلحهم، فخرج إليه رجل من الأوس يقال له: أحيحة

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.