پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 1 بدء خلقه وما جرى له في الميثاق، وبدء نوره وظهوره صلى

ج ۱۵، ص ۶۶–۹۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۶

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۵

مقصود بجيشه حتى ورد عليه أبرهة بن الصباح ومعه بقية الجيش وهم أربعمأة فيل، فكدر المياه، وحطم المراعي، وسد المسالك والفجاج، وحطموا الأرض، فأضر بهم العطش والجوع لكثرتهم فشكوا ذلك إلى أبرهة، فقال لهم: سيروا إلى مكة مسرعين، فنزلوا بالأبطح، وساقوا جميع المواشي، وكانت لعبد المطلب ثمانون ناقة حمراء فأخذها القوم وتقاسموها، وسبق بعض الرعاة فأخبر عبد المطلب بذلك، فقال: (الحمد لله) هي مال الله، وضيافة لأهل بيته وزواره وحجاجه، فإن سلمها فهي له، وإن ردها إلينا فهي إحسانه، وهي عارية عندنا)، ثم إن عبد المطلب لبس قميصه، وتردى برداء لوي، وتحزم بمنطقة الخليل عليه السلام، وتنكب قوس إسماعيل عليه السلام، واستوى على مطيته وعزم على الخروج، فقام إليه أقاربه وقالوا له: أين تريد؟ قال: إلى هذا الرجل الظالم الذي أخذ مال الله عز وجل، وتعرض لحرم الله، قالوا: ما كنا بالذي نطلق سبيلك حتى تمضي إليه لان هذا مثل البحر من دخله غرق، وأنت اعتصمت برب الكعبة، واعتصمنا معك، ورضينا لأنفسنا ما رضيت لنفسك، أما الخروج من الحرم إلى شر الأمم فما نسمح لك بذلك، قال: يا قوم إني أعلم من فضل ربي ما لا تعلمون، فخلوا سبيلي فإني سأرجع إليكم عن قريب، فخلوا سبيله فمرت به مطيته كالريح، فلما أشرف على القوم نظروا إليه من بعيد فإذا هو كالبدر إذا بدا، والصبح إذا أسفر، فلما عاينوه من قريب بهتوا فيه فجاؤوه وقد حبس الله أيديهم عنه، فقالوا له: من أنت أيها الرجل الجميل الطلعة، المليح الغرة، من أنت يا ذا النور الساطع، والضياء اللامع؟ فإن كنت من هذه البلدة نسألك أن ترد

عن قربنا شفقة منا عليك، فقال لهم: إني أريد الملك، فقالوا له: إن ملكنا قد أقسم بمعبوده أن لا يترك من قومك أحدا "، فقال لهم عبد المطلب: إني قد أتيته قاصدا "، فعند ذلك تصارخت القوم وقال بعضهم لبعض: ما رأينا مثل هذا الرجل في الجمال و الكمال إلا أنه ناقص العقل، نحن نقول: إن ملكنا قد أقسم بمعبوده أن لا يترك أحدا " من أهل هذه البلدة، وهو يقول: لابد لي منه، قال: فخلوا سبيله فمضى قاصدا " إلى الملك، فأوصلوا خبره إلى الملك، وقالوا: أيها الملك قد قدم علينا رجل صفته كذا وكذا من أهل مكة ولم يفزع ولم يجزع، فقال الملك: علي به، فوحق ما أعتقده من ديني لو سألني أهل الأرض ما قبلت فيه سؤالا، قال: فعند ذلك أقبلوا إلى عبد المطلب ليأتوا به، فقال لهم عبد المطلب: إني قادم إلى الملك بنفسي، فأمر الملك قومه أن يشهروا السلاح، ويجردوا السيوف، وجعل الملك على رأسه تاجا "، وشد عمامته على جبينه، وأمر سياس الفيل أن يحضروه فأحضروه، وكان فيهم فيل يقال له: المذموم، وكان قد ركبوا على رأسه قرنين من حديد لو نطح جبلا راسيا " بهما لألقاه، وكانوا قد علقوا على خرطومه سيفين هنديين وعلموه الحرب، ووقف سياسه من ورائه، فقال لهم الملك: إذا رأيتموني قد أشرت لكم عند دخول هذا المكي فأطلقوه عليه حتى يدوسه بكلكله، قال: فدخل عليهم عبد المطلب وهم صفوف ينظرون ما يأمرهم الملك في عبد المطلب وهم باهتون، وهو لا يلتفت إلى أحد منهم حتى جاوز أصحاب الفيل، فأمرهم الملك بإطلاق الفيل فأطلقوه، فلما قرب من عبد المطلب برك الفيل إلى الأرض وجثا على ركبتيه وسكن ارتجاجه، وكان قبل ذلك إن أحضره سياسه على القتال تحمر عيناه، ويضرب بخرطومه وفيه سيفان، فلما قرب من عبد المطلب سكن ولم يفعل شيئا "، فتعجب الملك وأصحابه من ذلك، وألقى الله

في قلبه الجزع والفزع، وارتعدت فرائصه، ورق قلبه، فأقبل على عبد المطلب حتى أجلسه بجانبه، ورحب به، والتفت إلى الأسود بن مقصود، وقال: أي شئ يطلب هذا الرجل المكي فأقضي حاجته. وقد كان الملك يحلف على هلاكه قبل ذلك، ثم قال له الملك:

من أنت وما اسمك؟ فما رأيت أجمل منك وجها "، ولا أحسن منك بهجة، ولك عندي ما سألت، ولو سألتني الرجوع عن بلدك لفعلت، فقال له عبد المطلب: لا أسألك في شئ من ذلك إلا أن قومك أغاروا علينا، وأخذوا لي ثمانين ناقة، وكنت قد أعددتها للحجاج الذين يقصدوننا من جميع النواحي، فإن رأيت أن تردها علي فافعل، فأمر الملك رجاله بإحضارهن، ثم قال الملك: هل لك من حاجة غيرها فاسألني فيها (3)؟

فقال عبد المطلب: أيها الملك ما أريد غير هذه، فقال له الملك: فلم لا تسألني في بلدك فإني أقسمت لأهدمن كعبتكم، وأقتل رجالكم، لكن لعظم قدرك عندنا لو سألتني فيها قبلت سؤالك، فقال عبد المطلب: لا أسألك في شئ من ذلك، قال: ولم ذلك؟ قال:

إن لها مانعا " يمنعها غيري، فقال الملك: اعلم يا عبد المطلب إني أخرج على أثرك بجنودي ورجالي، فنخرب الكعبة ونواحيها ، وأقتل سكانها، فقال له عبد المطلب: إن قدرت فافعل، قال: فانصرف عبد المطلب ومر على الفيل المذموم، فلما نظر الفيل إلى عبد المطلب سجد له، فقام الوزراء والحجاب يلومون الملك في أمر عبد المطلب كيف خلى سبيله، فقال لهم الملك: ويحكم لا تلوموني، ألم تروا كيف سجد له الفيل بين يديه؟ والله لقد وقع لهذا الرجل في قلبي هيبة عظيمة، ولكن أشيروا علي بما يكون من هذا الأمر، فقالوا:

لابد لنا أن نسير إلى مكة فنخربها، ونرمي أحجارها في بحر جدة، فعند ذلك أمر الملك بالجموع والجيوش أن تزحف إلى مكة، ولما وصل عبد المطلب بالنوق إلى

مكة خرج إليه أقاربه وبنو عمه يهنئونه بالسلامة، وقد كانوا آيسوا منه، فلما نظروا إليه فرحوا به وجعلوا يتعلقون به ويقبلون يديه، وقالوا: (الحمد لله الذي حماك وحفظك بهذا النور الحسن)، ثم سألوه عن الجيش فأخبرهم بقصته وخبر الفيل، فقالوا له: ما الذي تأمرنا به؟ فقال: يا قوم أخرجوا إلى جبل أبي قبيس حتى ينفذ الله حكمه ومشيته، قال:

فخرج القوم بأولادهم ونسائهم ودوابهم، وخرج عبد المطلب وبنو عمه وإخوته وأقاربه، وأخرج مفاتيح الكعبة إلى جبل أبي قبيس، وجعل يسير بهم إلى الصفا، ويدعو ويبكي ويتوسل بنور محمد صلى الله عليه وآله، وجعل يقول: (يا رب إليك المهرب، وأنت المطلب، أسألك بالكعبة العلياء ذات الحج والموقف العظيم المقرب، يا رب ارم الأعادي بسهام العطب حتى يكونوا كالحصيد المنقلب) ثم رجع وأتى إلى باب البيت فأخذ بحلقته وهو يقول:

لاهم إن المرء يمنع رحله، فامنع رحالك * لا يغلبن صليبهم، ومحالهم عدوا " محالك إن كنت تاركهم وكعبتنا فأمر ما بدا لك * جروا جميع بلادهم، والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا جمالك بكيدهم، جهلا وما راقبوا جلالك * فانصر على آل الصليب، وعابديه اليوم آلك وقال أيضا " شعرا ":

يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا * أمنعهم أن يخربوا قراكا وإذا بهاتف يسمع صوته ولا يرى شخصه وهو يقول: قد أجبت دعوتك، وبلغت مسرتك إكراما " للنور الذي في وجهك، فنظر يمينا " وشمالا " فلم ير أحدا "، ثم قال لمن معه وهم على جبل أبي قبيس وقد نشروا شعورهم وهم يبتهلون بالدعاء ويستبشرون بالإجابة، ثم قال: أبشروا فإني رأيت النور الذي في وجهي قد علا، وإنما كان ذلك كاشفا " لما

طرقكم، ففرح القوم وتضرعوا إلى الله تعالى، فبينما هم كذلك إذا أشرفت عليهم غبرة القوم، وتقاربت الصفوف، ولاح لهم بريق الأسنة، ثم انكشف الغبار عن الفيل فنظروا إليه كأنه الجبل العظيم، وقد ألبسوه الحديد، وزينوه بزينة، فاشتد قلقهم، وانهملت عبراتهم، وتضرع عبد المطلب ودعا، فوالله ما أتم عبد المطلب دعائه وتضرعه حتى وقف الفيل مكانه فصرخت عليه الفيالة، وزجرته الساسة، فلم يلتفت إليهم، فوقفت الجيوش ودهشوا، فقال الأسود بن مقصود وهو على الساقة: ما الخبر؟ قالوا:

إن الفيل قد وقف، فقال للساسة: اضربوه، فضربوه فما حال ولا زال، فتعجبوا من ذلك، ثم أمرهم أن يعطفوا رأسه ففعلوا فهرول راجعا "، فأمر برده فردوه فوقف، فقال الأسود:

سحروا فيلكم، ثم بعث إلى الملك وأعلمه بذلك، فقال له: أشر علينا، فبعث أبرهة إلى ابن مقصود فقال: ليس من جرب كمن لا يجرب، ابعث للقوم رسولا " واطلب الصلح، ولا تخبرهم بأمر الفيل لئلا يكون طريقا " لطمعهم فيكم، واطلب منهم رجالا بعدد من قتل منا، ويقومون لنا بما أفسدوا من كنيستنا، فإذا فعلوا ذلك رجعنا عنهم، قال: فلما دخل رسوله أبرهة على الأسود وكان اسمه حناطة الحميري، وكان يهزم الجيوش وحده، وكان له خلقة هائلة فقال له الأسود هل لك أن تكون أنت الرسول إليهم؟

فعسى أن يكون الصلح على يديك، فقال حناطة: ها أنا سائر إليهم، فإن صالحونا وإلا

رجعت برؤوسهم، ثم سار وهو معجب بنفسه فسأل عن سيد قريش، فقالوا: هو الشيبة النجار، وكان عبد المطلب قد رآه وعلم أنه رسول من القوم، فلما نظر حناطة إلى عبد المطلب دهش وحار، فقال له عبد المطلب: ما الذي أتى بك؟ قال: يا مولاي إن أبرهة قد عرف فضلكم، ووهب لكم الحرم والبيت، وقد أرسل إليك أن تقوم بدية من قتل له، أو تسلم من رجالك بعددهم، ثم تقوم له بثمن ما عدم من الكنيسة، فإذا فعلتم هذا رجع عنكم، فقال عبد المطلب: أيؤخذ البرئ بالسقيم، ونحن من شيمتنا الأمانة والصيانة، ونقبض أيدينا عن المظالم، ونصرف جوارحنا عن المآثم، فبلغ صاحبك عنا ذلك، وأما هذا البيت فقد سبق مني القول فيه: إن له ربا " يمنع عنه، فوالله ما كبر علي ما جمعتموه من الرجال، فإن أراد صاحبك المسير فليسر، وإن أراد المقام فليقم، قال: فلما سمع حناطة كلامه غضب وأراد أن يقتل عبد المطلب، فظهر لعبد المطلب ما في وجهه فلم يمهله دون أن قبض على محزمه ومراق بطنه وشاله وضرب به الأرض، وقال: وعزة ربي لولا أنك رسول لأهلكتك قبل أن تأتي صاحبك، فرجع حناطة إلى الأسود وأعلمه بما كان من أمره، ثم قال: هؤلاء قوم قد غلت دماؤهم، والرأي عندي أن تراسل القوم بعد هذا، واعلم أن مكة خلية من أهلها، فاسرع إلى الغنيمة.

قال الراوي: فأمر الجيوش بالزحف فساروا نحو الحرم، فلما قربوا منه جاءهم أمر الله من حيث لا يشعرون، وإذا هم بأفواج من الطير كالسحابة المترادفة يتبع بعضها بعضا "، و هي كأمثال الخطاطيف، يحمل كل طير ثلاثة أحجار: أحدها في منقاره، واثنين

بين رجليه كالعدس، وكبيرها كالحمص، وقد تعالت الطيور، وارتفعت وامتدت فوق العسكر، وانتشرت بطولهم وعرضهم، فلما نظر القوم إلى ذلك خافوا وقالوا: ما هذه الطيور التي لم نر مثلها قبل هذا اليوم؟ فقال الأسود: ما عليكم بأس، لأنها طير تحمل رزقها لفراخها، ثم قال: علي بقوسي ونبلي حتى أردها عنكم، فأخذ قوسه و أراد الرمي فتصارخت الطيور مستأذنة لربها في هلاك القوم، فما أتمت صراخها حتى فتحت أبواب السماء، وإذا بالنداء: أيها الطيور المطيعة لربها افعلوا ما أمرتم به، فقد اشتد غضب الجبار على الكفار، ففتحت الطيور أفواهها، وكان أول حصاة وقعت على رأس حناطة فنزلت من البيضة إلى الرأس إلى الحلقوم، ونزلت إلى الصدر، وخرجت من دبره، ونزلت إلى الأرض وغاصت فانقلب صريعا "، فتناثرت القوم يمينا " وشمالا و الطيور تتبعهم لا تحول ولا تزول عن الرجل حتى ترميه بالحصاة على رأسه، فتخرج من دبره ولا يردها درقة ولا حديد، وإن أبرهة لما نظر إلى الطير وفعلها علم أنه قد أحيط بهم، فولى هاربا " على وجهه، وأما الأسود فإنه لما نظر إلى ما نزل بقومه والحصى تتساقط عليهم وهم يقعون على وجوههم فإذا بطير قد ألقى حجرا " فوقع في فيه حتى خرج من دبره، وأتاه آخر فضربه في هامته فطلع من قفاه، فخر صريعا "، وأعجب من ذلك أن رجلا " من حضرموت كان له أخ فسأله المسير معه فأبى، وقال: ما أنا ممن يتعرض لبيت الله، فلما نزل بهم البلاء خرج هاربا " على وجهه والطير يتبعه، فلما وصل إلى أخيه وصف له العذاب الذي حل بالقوم ورفع رأسه وإذا هو بطير قد رماه بحصاة

على هامته وخرجت من دبره، وأما أبرهة فإنه سار مجدا " على فرسه، إذ سقطت يده اليمنى فتحير في أمره فسقطت يده اليسرى، ثم رجله اليمنى، ثم اليسرى، فأتى منزله فحكى لهم جميع ما جرى لهم كلهم، فما أتم حديثه إلا ورأسه قد وقع، هذا ما جرى لهم، وأما عبد المطلب ومن معه فإنهم أقاموا في ابتهال ودعاء وتضرع وقد استجيب لهم ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالوا في دعائهم: (اللهم ببركة هذا النور الذي وهبتنا اجعل لنا من كل كيدهم فرجا "، وانصرنا على أعداءنا) ونظروا هياكل الأعداء على وجه الأرض مطروحة، والفيل ولى هاربا "، وأما ما كان ممن فر من أهل مكة وسمع بما نزل بأصحاب الفيل أتوا فرحين مستبشرين، وأقاموا مدة ينقلون الا سلاب والرحال وكان سعادتهم وسرورهم ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله.

ثم إن عبد المطلب كان ذات يوم نائما " في الحجر إذ أتاه آت فقال له: احفر طيبة، قال: فقلت له: وما طيبة؟ فغاب عني إلى غد، فنمت في مكاني فأتى الهاتف فقال: احفر برة، فقلت: وما برة؟ فغاب عني، فنمت في اليوم الثالث فأتى وقال: احفر مضنونة، فقلت: وما مضنونة؟، فغاب عني، وأتاني في اليوم الرابع وقال: احفر زمزم، فقلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدا " ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، عند قرية النمل، فلما دله على الموضع أخذ عبد المطلب معوله وولده الحارث ولم يكن له يومئذ ولد غيره، فلما ظهر له البناء وعلمت قريش بذلك قالوا له: هذا بئر زمزم، بئر أبينا إسماعيل عليه السلام و نحن فيه شركاء، قال: لا أفعل لأنه أمر خصصت به دونكم، فتشاوروا على أن يجعلوا

بينهم حكما " وهو سعيد بن خثيمة، وكان بأطراف الشام، فخرجوا حتى إذا كانوا بمفازة بين الحجاز والشام بلغ بهم الجهد والعطش ولم يجدوا ماء، فقالوا لعبد المطلب:

ما تفعل؟ قال: كل واحد منكم يحفر حفيرة لنفسه ففعلوا، ثم ركب عبد المطلب راحلته وسار بها فنبع الماء من تحت خفها فكبر وكبرت أصحابه وشربوا جميعهم وملؤا قربهم وحلفوا أن لا يخالفوه في زمزم، فقالوا: إن الذي أسقاه الماء في هذه الفلاة هو الذي أعطاه زمزم، ورجعوا ومكنوه من الحفر.

فلما تمادى على الحفر وجد غزالين من ذهب وهما اللذان دفنهما جدهم، ووجد أسيافا " كثيرة ودروعا "، فطلبوه بنصيبهم فيها، فقال لهم: هلموا إلى من ينصف بيننا، فنضرب القداح فنجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه كان هذا له، قالوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين له، وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطاه لصاحب القداح وهو عند هبل، وهبل صنم في الكعبة، فضرب بهما فخرج الأصفران على الغزالين، وخرج الأسودان على الأسياف والدروع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف ما بين الكعبة، فضرب في الباب الغزالين من الذهب، وأقام عبد المطلب بسقاية زمزم للحاج.

وما كان بمكة من يحسده ويضاده إلا رجل واحد وهو عدي بن نوفل، وكان أيضا " صاحب منعة وبسطة وطول يد، وكان المشار إليه قبل قدوم عبد المطلب، فلما قدم

عبد المطلب إلى مكة وسوده أهل مكة عليهم كبر ذلك على عدي بن نوفل، إذ مال الناس إلى عبد المطلب وكبر ذلك عليه، فلما كان بعض الأيام تناسبا وتقاولا ووقع الخصام، فقال عدي بن نوفل لعبد المطلب: أمسك عليك ما أعطيناك، ولا يغرنك ما خولناك، فإنما أنت غلام من غلمان قومك، ليس لك ولد ولا مساعد فبم تستطيل علينا ولقد كنت في يثرب وحيدا " حتى جاء بك عمك إلينا، وقدم بك علينا، فصار لك كلام، فغضب عبد المطلب لذلك، وقال له: يا ويلك تعيرني بقلة الولد، لله علي عهد وميثاق لازم، لان رزقني الله عشرة أولاد ذكورا " وزاد عليهم لأنحرن أحدهم إكراما " وإجلالا لحقه، وطلبا " بثأري بالوفاء، اللهم فكثر لي العيال، ولا تشمت بي أحدا "، إنك أنت الفرد الصمد، ولا أعاين بمثل قولك أبدا، ثم مضى وأخذ في خطبة النساء والتزويج حرصا " على الأولاد، ثم تزوج بست نساء فرزق منهن عشرة أولاد، وكل امرأة تزوجها هي كانت ذات حسن وجمال وعز في قومها، منهن منعة بنت حباب الكلابية، والطائفية، والطليقية بنت غيدق اسمها سمراء، وهاجرة الخزاعية، وسعدى بنت حبيب الكلابية، وهالة بنت وهب، وفاطمة بنت عمرو المخزومية، وأما منعة بنت الحباب فإنها ولدت له الغيداق واسمه الحجل، وإنما سمي الغيداق لمروته وبذل ماله، وأما الفرعي فولدت له أبا لهب واسمه عبد العزى، وأما سعدى فولدت له ولدين: أحدهما ضرار، والاخر العباس، وأما فاطمة فولدت له ولدين: أحدهما عبد مناف، ويقال له: أبو طالب

والاخر عبد الله أبو رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان عبد الله أصغر أولاده، وكان في وجهه نور رسول الله صلى الله عليه وآله، فأولاد عبد المطلب الحارث وأبو لهب والعباس وضرار وحمزة والمقوم والحجل والزبير وأبو طالب و عبد الله، وكان عبد المطلب قائما " مجتهدا " في خدمة الكعبة، وكان عبد المطلب نائما " في بعض الليالي قريبا " من حائط الكعبة فرأى رؤيا " فانتبه فزعا " مرعوبا "، فقام يجر أذياله ويجر ردائه إلى أن وقف على جماعته وهو يرتعد فزعا "، فقالوا له: ما وراءك يا أبا الحارث؟ إنا نراك مرعوبا " طائشا "، فقال: إني رأيت كأن قد خرج من ظهري سلسلة بيضاء مضيئة، يكاد ضوئها يخطف الابصار، لها أربعة أطراف، طرف منها قد بلغ المشرق، وطرف منها قد بلغ المغرب، وطرف منها قد غاص تحت الثرى، وطرف منها قد بلغ عنان السماء، فنظرت وإذا رأيت تحتها شخصين عظيمين بهيين، فقلت لأحدهما:

من أنت؟ فقال: أنا نوح نبي رب العالمين، وقلت للاخر: من أنت؟ قال: أنا إبراهيم الخليل، جئنا نستظل بهذه الشجرة، فطوبى لمن استظل بها، والويل لمن تنحى عنها، فانتبهت لذلك فزعا " مرعوبا " فقال له الكهنة: يا أبا الحارث هذه بشارة لك، وخير يصل إليك، ليس لأحد فيها شئ، وإن صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك من يدعو أهل المشرق والمغرب، ويكون رحمة لقوم، وعذابا " على قوم، فانصرف عبد المطلب فرحا " مسرورا "، وقال في نفسه: ليت شعري من يقبض النور من ولدي، وكان يخرج كل يوم إلى الصيد وحده، فأخذه ذات يوم العطش فنظر إلى ماء صاف في حجر معين، فشرب منه فوجده أبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأقبل من وقته وغشى زوجته فاطمة بنت عمرو، فحملت بعبد الله أبي رسول الله صلى الله عليه وآله، فانتقل النور الذي كان في وجهه إلى زوجته فاطمة، فما مرت بها الليالي والأيام حتى ولدت عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وآله، فانتقل النور إليه، فلما ولدته

سطح النور في غرته حتى لحق عنان السماء، فلما نظر إليه عبد المطلب فرح فرحا " شديدا "، ولم يخف مولده على الكهنة والأحبار، فأما الكهنة فعظم أمره عليهم لابطال كهانتم، وأما أحبار اليهود فكانت معهم جبة بيضاء وكانت جبة يحيى بن زكريا عليهما السلام، وكان الدم يابسا " عليها قد غمست في دمه، وكان في كتبهم: إن هذا الدم الذي في الجبة إذا قطر منها قطرة واحدة من الدم يكون قد قرب خروج صاحب السيف المسلول، فنظروا إلى ذلك الدم فوجدوا الجبة، وإذا بها قد صارت رطبة يقطر منها الدم، فعلموا أنه قد دنا خروجه، فاغتموا لذلك غما " شديدا "، وبعثوا إلى مكة رجالا منهم يكشفون لهم عن الخبر، ويأتونهم بخبر مولده، وكان عبد الله يشب في اليوم مثل ما يشب أولاد الناس في السنة، وكان الناس يزورونه ويتعجبون من حسنه وجماله وأنواره، وقيل:

إنه لقى عبد الله في زمانه ما لقى يوسف الصديق في زمانه، وذلك من عداوة اليهود، وجرت عليه أمور عظيمة وأحوال جسيمة.

فلما كملت لعبد المطلب عشرة أولاد ذكورا " وولد له الحارث فصاروا أحد عشر ولدا " ذكرا " فذكر نذره الذي نذر، والعهد الذي عاهد: لئن بلغت أولادي أحد عشر ولدا " ذكورا " لاقربن أحدهم لوجه الله تعالى، فجمع عبد المطلب أولاده بين يديه، وصنع لهم طعاما "، وجمعهم حوله، واغتم لذلك غما " شديدا "، ثم قال لهم: يا أولادي إنكم كنتم تعلمون أنكم عندي بمنزلة واحدة، وأنتم الحدقة من العين، والروح بين الجنبين،

ولو أن أحدكم أصابته شوكة لساءني ذلك، ولكن حق الله أوجب من حقكم، وقد عاهدته ونذرت له متى رزقني الله أحد عشر ولدا " ذكرا " لأنحرن أحدهم قربانا "، وقد أعطاني ما سألته، وبقي الآن، ما عاهدته، وقد جمعتكم لأشاوركم، فما أنتم قائلون؟

فجعل بعضهم ينظر إلى بعض وهم سكوت لا يتكلمون، فأول من تكلم منهم عبد الله أبو رسول الله صلى الله عليه وآله وكان أصغر أولاده، فقال: يا أبت أنت الحاكم علينا، ونحن أولادك وفي طوع يدك، وحق الله أوجب من حقنا، وأمره أوجب من أمرنا، ونحن لك طائعون وصابرون على حكم الله وحكمك، وقد رضينا بأمر الله وأمرك، وصبرنا على حكم الله و حكمك، ونعوذ بالله من مخالفتك، فشكره أبوه، وكان لعبد الله في ذلك اليوم إحدى عشر سنة، فلما سمع أبوه كلامه بكى بكاء " شديدا " حتى بل لحيته من دموعه، ثم قال لهم:

يا أولادي ما الذي تقولون؟ فقالوا له: سمعنا وأطعنا، فافعل ما بدا لك، ولو نحرتنا عن آخرنا فكيف واحدا " منا، فشكرهم على مقالتهم، ثم قال لهم: يا بني امضوا إلى أمهاتكم وأخبروهن بما قلت لكم، وقولوا لهن يغسلنكم ويكحلنكم ويطيبنكم، والبسوا أفخر ثيابكم، وودعوا أمهاتكم وداع من لا يرجع أبدا "، فتفرقوا إلى أمهاتهم و وأخبروهن بما قال لهم أبوهم، ففاضت لأجل ذلك العيون، وترادفت الأحزان، قال:

ثم إن عبد المطلب بات تلك الليلة مهموما " مغموما "، لم يطعم طعاما "، ولم يشرب شرابا "، ولم يغمض عينا " حتى طلع الفجر، ثم لبس أفخر أثوابه، وتردى برداء آدم عليه السلام، وتنعل بنعل شيث عليه السلام، وتختم بخاتم نوح عليه السلام، وأخذ بيده خنجرا " ماضيا " ليذبح به بعض أولاده،

وخرج يناديهم من عند أمهاتهم واحدا " واحدا "، فأقبلوا إليه مسرعين وقد تزينوا بأحسن الزينة، فلم يتأخر غير عبد الله، لأنه كان أصغرهم، فسألهم عنه فقالوا:

لا نعلمه منهم أحد فخرج إليه بنفسه حتى ورد منزل فاطمة زوجته، فأخذ بيده، فتعلقت به أمه، فجعل أبوه يجذبه منها، وهي تجذبه منه، وهو يريد أباه، وهو يقول: (يا أماه اتركيني أمضي مع أبي ليفعل بي ما يريد)، فتركته وشقت جيبها وصرخت وقالت: (لفعلك يا أبا الحارث فعل لم يفعله أحد غيرك، فكيف تطيب نفسك بذبح ولدك؟

وإن كان ولا بد من ذلك فخل عبد الله لأنه طفل صغير وارحمه لأجل صغره، ولأجل هذا النور الذي في غرته) فلم يكترث بكلامها، ثم جذبه من يدها، فقامت عند ذلك تودعه فضمته إلى صدرها، وقالت: (حاشاك يا رب أن يطفئ نورك، وقد قلت حيلتي فيك يا ولدي، واحزنا عليك يا ولدي، ليتني قبل غيبتك عني وقبل ذبحك يا ولدي غيبت تحت الثرى، لئلا أرى فيك ما أرى، ولكن ذلك بالرغم مني لا بالرضا

سوقك من عندي من غير اختياري)، فلما سمع ذلك أبوه بكى بكاء " شديدا " حتى غشي عليه وتغير لونه، فقال عبد الله لامه: دعيني أمضي مع أبي، فإن اختارني ربي كنت راضيا " سامحا " ببذل روحي له، وإن كان غير ذلك عدت إليك، فأطلقته أمه فمشى وراء أبيه وجملة أولاده إلى الكعبة، فارتفعت الأصوات من كل ناحية، وأقبلوا ينظرون ما يصنع عبد المطلب بأولاده، وأقبلت اليهود والكهنة وقالوا: لعله يذبح الذي نخافه، ثم عزم على القرعة بينهم وجاء بهم جميعا " للمنحر، وبيده خنجر يلوح الموت من جوانبه، ثم نادى بأعلا صوته يسمع القريب والبعيد وقال: (اللهم رب هذا البيت والحرم والحطيم، وزمزم ورب الملائكة الكرام، ورب جملة الأنام، اكشف عنا بنورك الظلام، بحق ما جرى به القلم، اللهم إنك خلقت الخلق بقدرتك، وأمرتهم بعبادتك، لا مانع منك إلا أنت، وإنما يحتاج الضعيف إلى القوي، والفقير إلى الغني، يا رب وأنت تعلم أني نذرت نذرا "، وعاهدتك عهدا " على إن وهبتني عشرة أولاد ذكور لأقربن لوجهك الكريم واحدا " منهم، وها أنا وهم بين يديك، فاختر منهم من أحببت، اللهم كما قضيت وأمضيت فاجعله في الكبار، ولا تجعله في الصغار، لان الكبير أصبر على البلاء من الصغير،

والصغير أولى بالرحمة، اللهم رب البيت والأستار، والركن والأحجار، وساطح الأرض، ومجري البحار، ومرسل السحاب والأمطار، اصرف البلاء عن الصغار) ثم دعا بصاحب الجرائد فقدها فقذفها وكتب على كل واحدة اسم ولد، ثم دعا بصاحب القداح وهي الأزلام التي ذكرها الله تعالى، وكانوا يقسمون بها في الجاهلية، فأخذ الجرائد من يده، وساق أولاد عبد المطلب وقصد بهم الكعبة، فأخذت أمهاتهم في الصراخ والنياح والشق للجيوب، كل واحدة تبكي على ولدها، وجميع الناس يبكون لبكائهم، وجعل عبد المطلب يقوم مرة ويقعد أخرى، وهو يدعو: (يا رب أسرع في قضائك) فتطاولت الأعناق، وفاضت العبرات، واشتدت الحسرات، فبينما هم في ذلك وإذا بصاحب القداح قد خرج من الكعبة وهو قابض على عبد الله أبي رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد جعل ردائه في عنقه وهو يجره وقد زالت النضارة من وجهه، واصفر لونه، وارتعدت فرائصه، وقال له: يا عبد المطلب هذا ولدك قد خرج عليه السهم، فإن شئت فاذبحه أو اتركه، فلما سمع كلامه خر مغشيا " عليه، ووقع إلى الأرض، وخرج بقية أولاده من الكعبة وهم يبكون على أخيهم، وكان أشدهم عليه حزنا " أبو طالب لأنه شقيقه من أمه وأبيه، وكان لا يصبر عنه ساعة واحدة، وكان يقبل غرته وموضع النور من وجهه، ويقول:

يا أخي ليتني لا أموت حتى أرى ولدك الوارث لهذا النور الذي فضله الله على الخلق أجمعين، الذي يغسل الأرض من الدنس، ويزيل دولة الأوثان، ويبطل كهانة الكهان.

فلما ولد النبي صلى الله عليه وآله كان يحبه أبو طالب حبا " شديدا "، ويقول له: فدتك نفسي يا بن أخي، يا بن الذبيحين إسماعيل وعبد الله.

رجعنا إلى الحديث الأول: ثم لما أفاق عبد المطلب سمع البكاء من الرجال و النساء من كل ناحية، فنظر وإذا فاطمة بنت عمرو أم عبد الله وهي تحثو التراب على وجهها، وتضرب على صدرها، فلما نظر إليها عبد المطلب لم يجد صبرا " وقبض على يد ولده، وأراد أن يذبحه فتعلقت به سادات قريش وبنو عبد مناف فصاح بهم صيحة منكرة وقال: يا ويلكم لستم أشفق على ولدي مني، ولكن أمضي حكم ربي، وأبو طالب متعلق بأذيال عبد الله وهو يبكي ويقول لأبيه: اترك أخي واذبحني مكانه فإني راض أن أكون قربانك لربك، فقال عبد المطلب: ما كنت بالذي أتعرض على ربي، وأخالف حكمه، فهو الامر وأنا المأمور، ثم اجتمع أكابر قومه وعشيرته وقالوا له: يا عبد المطلب عد إلى صاحب القداح مرة ثانية فعسى أن يقع السهم في غيره، ويقضي الله ما فيه الفرج، فعاد ثانية فعاد السهم على عبد الله، فقال عبد المطلب: قضي الأمر ورب الكعبة، ثم ساق ولده عبد الله إلى المنحر والناس من وراءه صفوف، فلما وصل المنحر عقل رجليه فعند ذلك ضربت أمه وجهها، ونشرت شعرها، ومزقت أثوابها، ثم أضجعه وهو ذاهل لا يدري ما يصنع مما بقلبه من الحزن، فلما رأته أمه أنه لا محالة عازم على ذبحه مضت مسرعة إلى قومها، وهي قد اضطربت جوارحها لما رأت عبد المطلب قد أضجع

عبد الله ولده ليذبحه، وهو لا يسمع عذل عاذل، ولا قول قائل، وضجت الملائكة بالتسبيح، ونشرت أجنحتها، ونادى جبرئيل، وتضرع إسرافيل وهم يستغيثون إلى ربهم، فقال الله: يا ملائكتي إني بكل شئ عليم، وقد ابتليت عبدي لأنظر صبره على حكمي، فبينما عبد المطلب كذلك إذ أتاه عشرة رجال عراة حفاة، في أيديهم السيوف، وحالوا بينه وبين ولده، فقال لهم: ما شأنكم؟ قالوا له: لا ندعك تذبح ابن أختنا ولو قتلتنا عن آخرنا، ولقد كلفت هذه المرأة ما لا تطيق، ونحن أخواله من بني مخزوم، فلما رآهم قد حالوا بينه وبين ولده رفع رأسه إلى السماء، وقال: (يا رب قد منعوني أن أمضي حكمك، وأوفي بعهدك، فاحكم بيني وبينهم بالحق وأنت خير الحاكمين)، فبينما هم كذلك إذ أقبل عليهم رجل من كبار قومه يقال له: عكرمة بن عامر، فأشار بيده إلى الناس أن اسكتوا، ثم قال: يا أبا الحارث اعلم أنك قد أصبحت سيد الأبطح، فلو فعلت بولدك هذا لصار سنة بعدك يلزمك عارها وشنارها، وهذا لا يليق بك، فقال: أترى يا عكرمة أغضب ربي؟ قال: إني أدلك على ما فيه الصلاح، قال: ما هو يا عكرمة، قال: إن معنا في بلادنا كاهنة عارفة ليس في الكهان أعرف منها، تحدث بما يكون في ضمائر الناس وما يخفى في سرائرهم، وذلك أن لها صاحبا من الجن يخبرها بذلك، فلما سمع كلامه سكن ما به فأجمع رأيهم على ذلك، فقالوا:

يا أبا الحارث لقد تكلم عكرمة بالصواب، فأخذ عبد المطلب ولده وأقبل إلى منزله وأخذ

أهبة السفر إلى الكاهنة، وأخذ معه هدية عظيمة، وكان اسم الكاهنة أم ملخان، فلما كان بعد ثلاثة أيام خرج عبد المطلب في قومه إلى الكاهنة، فتقدم عبد المطلب إليها بعد أن دفع إليها الهدية، فسألها عن أمره، فقالت، أنزلوا، وغدا " أظهر لكم العجب، فلما كان غداة غد اجتمعوا عندها فأنشأت تقول:

يا مرحبا بالفتية الأخيار * الساكني البيت مع الأستار قد خلقوا من صلصل الفخار * ومن صميم العز والأنوار خذوا بقولي صح في الآثار * أنبئكم بالعلم والأخبار أهل الضياء والنور والفخار * من هاشم سماه في الأقدار قد رام من خالقه الجبار * أن يعطه عشرا " من الأذكار من غير ما نقص بإذن الباري * فواحد ينحره للأنذار ثم إنها التفتت إلى عبد المطلب، وقالت له: أنت الناذر؟ قال: نعم، جئناك لتنظري في أمرنا، وتعملي الحيلة في ولدنا، فقالت: ورب البنية، وناصب الجبال المرسية، وساطح الأرض المدحية، إن هذا الفتى الذي ذكرتموه سوف يعلو ذكره ويعظم

أمره، وإني سأرشدكم إلى خلاصه، فكم الدية عندكم، قالوا: عشرة من الإبل، قالت:

ارجعوا إلى بلدكم واستقسموا بالأزلام على عشرة من الإبل وعلى ولدكم، فإن خرج عليه السهم فزيدوا عشرة أخرى وارموا عليها بالسهام، فإن خرج عليه دونها فزيدوا عشرة أخرى هكذا إلى المأة، فإن لم تخرج على الإبل اذبحوا ولدكم، ففرح القوم ورجعوا إلى مكة، وأقبل عبد المطلب على ولده يقبله، فقال عبد الله: يعز علي يا أبتاه شقاءك من أجلي، وحزنك علي، ثم أمر عبد المطلب أن يخرج كل ما معه من الإبل، فأحضرت وأرسل إلى بني عمه أن يأتوا بالإبل على قدر طاقتهم، وقال: (إن أراد الله بي خيرا " وقاني في ولدي، وإن كان غير ذلك فحكمه ماض)، فجعل أهل مكة يسوقون له كل ما معهم من الإبل، وأقبل عبد المطلب على فاطمة أم عبد الله، وقد أقرحت عيناها بالبكاء فأخبرها بذلك ففرحت وقالت: أرجو من ربي أن يقبل مني الفداء، ويسامحني في ولدي، وكانت ذات يسار ومال كثير، وكانت أمها سرحانة زوجة عمرو المخزومي، وكانت كثيرة الأموال والذخائر، وكان لها جمال تسافر إلى العراق، وجمال تسافر إلى الشام، فقالت: علي بمالي ومال أمي، ولو طلب مني ربي ألف ناقة لقدمتها إليه وعلي الزيادة، فشكرها عبد المطلب وقال: أرجو أن يكون في مالي ما يرضى ربي، ويفرج كربي، وأما الناس بمكة ففي فرح وسرور، وبات عبد المطلب فرحا " مسرورا "، ثم أقبل إلى الكعبة وطاف بها سبعا "، وهو يسأل الله تعالى أن يفرج عنه، فلما طلع الصباح أمر رعاة الإبل أن يحضروها، فأحضروها، وأخذ عبد المطلب ابنه فطيبه وزينه وألبسه أفخر

أثوابه، وأقبل به إلى الكعبة، وفي يده الحبل والسكين، فلما رأته أمه فاطمة قالت: يا عبد المطلب ارم ما في يدك حتى يطمئن قلبي، قال: إني قاصد إلى ربي أسأله أن يقبل مني الفداء في ولدي، فإن نفدت أموالي وأموال قومي ركبت جوادي وخرجت إلى كسرى وقيصر وملوك الهند والصين مستطعما " على وجهي حتى أرضى ربي، وأنا أرجو أن يفديه كما فدا أبي إسماعيل من الذبح، وسار إلى الكعبة والناس حوله ينظرون، فقال لهم: (يا معاشر من حضر إياكم أن تعودوا إلي في ولدي كما فعلتم بالأمس، وتحولوا بيني وبين ذبح ولدي)، ثم إنه قدم عشرة من الإبل وأوقفها وتعلق بأستار الكعبة، وقال: (اللهم أمرك نافذ)، ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها، فخرج السهم على عبد الله، فقال عبد المطلب: (لربي القضاء)، فزاد على الإبل عشرة، وأمر صاحب القداح أن يضربها، فضربها فخرج السهم على عبد الله، فقال أشراف قريش: لو قدمت غيرك يا عبد المطلب لكان خيرا "، فإنا نخشى أن يكون ربك ساخطا " عليك، فقال لهم: إن كان الامر كما زعمتم فالمسئ أولى بالاعتذار، ثم قال: (اللهم إن كان دعائي عنك قد حجب من كثرة الذنوب فإنك غفار الذنوب، كاشف الكروب، تكرم علي بفضلك وإحسانك) ثم زاد عشرة أخرى من الإبل ورمق بطرفه نحو السماء وقال: (اللهم أنت تعلم السر وأخفى، وأنت بالمنظر الاعلى، اصرف عنا البلاء كما صرفته عن إبراهيم الذي وفى) ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على

عبد الله، فقال عبد المطلب: إن هذا لشئ يراد، ثم قال: لعل بعد العسر يسرا "، ثم أضاف إلى الثلاثين عشرة أخرى فقال:

يا رب هذا البيت والعباد * إن بني أقرب الأولاد وحبه في السمع والفؤاد * وأمه صارخة تنادي فوقه من شفرة الحداد * فإنه كالبدر في البلاد ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله، فقال عبد المطلب:

كيف أبذل فيك يا ولدي الفداء وقد حكم فيك الرب بما يشاء، ثم أضاف إلى الأربعين عشرة أخرى، وأمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله، فقالت أمه: يا عبد المطلب أريد منك أن تتركني أسأل الله في ولدي، فعسى أن يرحمني ويرحم ضعفي وحالتي هذه، فقامت فاطمة وأضافت إلى الخمسين عشرة أخرى. وقالت: (يا رب رزقتني ولدا " وقد حسدني عليه أكثر الناس وعاندني فيه، وقد رجوته أن يكون لي سندا " وعضدا "، وأن يوسدني في لحدي، ويكون ذكري بعدي، فعارضنني فيه أمرك وأنت تعلم يا رب إنه أحب أولادي إلي، وأكرمهم لدي، وإني يا رب فديته بهذه الفداء فاقبلها ولا تشمت بي الأعداء)، ثم أمرت صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله، فقال عبد المطلب: إن لكل شئ دليلا ونهاية، وهذا الامر ليس لي ولا لك فيه حيلة، فلا تعودي إلى التعرض في أمري، ثم أضاف إلى الستين عشرة أخرى فقال:

(اللهم منك المنع ومنك العطاء، وأمرك نافذ كما تشاء، وقد تعرضت عليك بجهلي وقبيح عملي فلا تؤاخذني ولا تخيب أملي) ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله، فعند ذلك ضج الناس بالبكاء والنحيب، فقال عبد المطلب: (ما بعد المنع إلا العطاء، وما بعد الشدة إلا الرخاء، وأنت عالم السر وأخفى)، ثم ضم إلى السبعين عشرة أخرى وأمر صاحب القداح أن يضربها، فضربها فخرج السهم على عبد الله، فأخذ عبد المطلب الحبل والسكين بيده وهم الناس أن يمنعوه مثل المرة الأولى فقال لهم: أقسمت بالله إن عارضنني في ولدي أحد لأضربن نفسي بهذا السكين و أذبح نفسي، اتركوني حتى أنفذ حكم ربي فأنا عبده، وولدي عبده، يفعل بنا ما يشاء

ويحكم ما يريد، فأمسك الناس عنه، ثم أضاف إلى الثمانين عشرة وجعل يقول: (يا رب إليك المرجع، وأنت ترى وتسمع) ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على عبد الله، فوقع عبد المطلب مغشيا " عليه، فلما أفاق قال: (وا غوثاه إليك يا رب) وجذب ابنه للذبح وضجت الناس بالبكاء والعويل رجالا " ونساء "، فعند ذلك صاح عبد الله في وثاقه وقال: يا أبت أما تستحيي من الله؟ كم ترد أمره وتلح عليه؟

هلم إلي فانحرني فإني قد خجلت من تعرضك إلى ربك في حقي، فإني صابر على قضائه وحكمه، وإن كنت يا أبت لا تقدر على ذلك من رقة قلبك علي يا أبتاه فخذ بيدي ورجلي واربطهما بعضهما إلى بعض، وغط وجهي لئلا ترى عينك عيني، واقبض ثيابك عن دمي لكيلا تتلطخ بالدم، فتكون إذا لبست أثوابك تذكرك الحزن علي يا أبت، وأوصيك يا أبتاه بأمي خيرا "، فإني أعلم أنها بعدي هالكة لا محالة من أجل حزنها علي فسكنها وسكن دمعتها، وإني أعلم أنها لا تلتذ بعدي بعيش، وأوصيك بنفسك خيرا، فإن خفت ذلك فغمض عينيك فإنك تجدني صابرا "، ثم قال عبد المطلب: يعز علي يا ولدي كلامك هذا، ثم بكى حتى اخضلت لحيته بالدموع، ثم قال: (يا قوم ما تقولون؟ كيف أتعرض على ربي في قضائه؟ وإني أخاف أن ينتقم مني، ثم قام ونهض إلى الكعبة فطاف بها سبعا " ودعا الله ومرغ وجهه وزاد في دعائه، وقال: (يا رب امض أمرك فإني راغب في رضاك) ثم زاد على الإبل عشرة فصارت مأة، وقال: من أكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له، ثم قال: (رب ارحم تضرعي وتوسلي وكبري) ثم أمر صاحب القداح أن يضربها، فضربها فخرج السهم على الإبل، فنزع الناس عبد الله من يد أبيه، وأقبلت الناس من كل مكان يهنئونه بالخلاص، وأقبلت أمه وهي تعثر في أذيالها فأخذت ولدها وقبلته وضمته إلى صدرها، ثم قالت: (الحمد لله الذي لم يبتلني بذبحك،

ولم يشمت بي الأعداء وأهل العناد)، فبينما هم كذلك إذ سمعوا هاتفا " من داخل الكعبة وهو يقول: (قد قبل الله منكم الفداء، وقد قرب خروج المصطفى)، فقالت قريش: بخ بخ لك يا أبا الحارث، هتفت بك وبابنك الهواتف، وهم الناس بذبح الإبل، فقال عبد المطلب:

مهلا أراجع ربي مرة أخرى، فإن هذه القداح تصيب وتخطئ، وقد خرجت على ولدي تسع مرات متواليات، وهذه مرة واحدة، فلا أدري ما يكون من الثانية، اتركوني أعاود ربي مرة واحدة، فقالوا له: افعل ما تريد، ثم إنه استقبل الكعبة وقال: (اللهم سامع الدعاء، وسابغ النعم، ومعدن الجود والكرم، فإن كنت يا مولاي مننت علي بولدي هبة منك فاظهر لنا برهانه مرة ثانية) ثم أمر صاحب القداح أن يضربها فضربها فخرج السهم على الإبل، فأخذت فاطمة ولدها وذهبت به إلى بيتها وأتى إليه الناس من كل جانب ومكان سحيق، وفج عميق يهنئونها بمنة الله عليها، ثم أمر عبد المطلب أن تنحر الإبل فنحرت عن آخرها وتناهبها الناس، وقال لهم: لا تمنعوا منها الوحوش والطير، وانصرف فجرت سنة في الدية مأة من الإبل إلى هذا الزمان، ومضى عبد المطلب وأولاده، فلما رأته الكهنة والأحبار وقد تخلص خاب أملهم، فقال بعضهم لبعض: تعالوا نسع في هلاكه من حيث لا يشعر به أحد، فقال كبيرهم وكان يسمى ربيان وكانوا له سامعين فقال لهم: اعملوا طعاما " وضعوا فيه سما "، ثم ابعثوا به إلى عبد المطلب على حال الهدية إكراما " لخلاص ولده، فعزم القوم على ذلك فصنعوا طعاما " ووضعوا فيه سما "، وأرسلوه مع نساء متبرقعات إلى بيت عبد المطلب، وهن خافيات أنفسهم بحيث لا تعلم إحداهن، فقرعوا الباب فخرجت إليهم فاطمة ورحبت بهن، وقالت: من أين أنتن؟

قلن لها: نحن من قرابتك من بني عبد مناف، دخل علينا السرور لخلاص ابنك، فأخذت فاطمة منهن الطعام، وأقبلت إلى عبد المطلب، فقال: من أين هذا؟ فذكرت له الخبر، فقال عبد المطلب: هلموا إلى ما خصكم به قرابتكم، فقاموا وأرادوا الاكل منه، وإذا بالطعام قد نطق بلسان فصيح وقال: لا تأكلوا مني فإني مسموم، وكان هذا من دلائل نور رسول الله صلى الله عليه وآله، فامتنعوا من أكله وخرجوا يقتفون النساء فلم يروا لهن أثرا "، فعلموا أنه مكيدة من الا " عداء، فحفروا للطعام حفيرة ووضعوه فيها.

وقال أبو الحسن البكري: حدثنا أشياخنا وأسلافنا الرواة لهذا الحديث أنه لما قبل الله الفداء من عبد المطلب في ولده عبد الله فرح فرحا " شديدا "، فلما لحق عبد الله ملاحق الرجال تطاولت إليه الخطاب، وبذلوا في طلبه الجزيل من المال، كل ذلك رغبة في نور رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يكن في زمانه أجمل ولا أبهى ولا أكمل منه، وكان إذا مر بالناس في النهار يشمون منه رائحة المسك الأذفر والكافور والعنبر، وكان إذا مر بهم ليلا تضئ من نوره الحنادس والظلم، فسموه أهل مكة مصباح الحرم، وأقام عبد المطلب وابنه عبد الله بمكة حتى تزوج عبد الله بآمنة بنت وهب، وكان السبب في تزويجها به أن الأحبار اجتمعوا بأرض الشام، وتكلموا في مولد رسول الله صلى الله عليه وآله والدم الذي قد جرى من جبة يحيى بن زكريا عليهما السلام كما تقدم ذكره، فلما أيقنوا أنه قد قرب خروج صاحب السيف، وظهرت أنواره تشاوروا فيما بينهم وساروا إلى حبر لهم وكان في

قرية من قرى الأردن، وكانوا يقتبسون من علمه، وكان ممن عمر في زمانه، فقصده القوم، فلما وصلوا إليه قال لهم: ما الذي أزعجكم (2)؟ قالوا له: إنا نظرنا في كتبنا فوجدنا صفة هذا الرجل السفاك الذي تقاتل معه الاملاك، وما نلقى عند ظهوره من الأهوال والهلاك، وقد جئناك نشاورك في أمره قبل ظهوره وعلو ذكره، قال: يا قوم إن من أراد إبطال ما أراد الله فهو جاهل مغرور، وإنه لكائن بكم، وهذا الذي ذكرتم قد سبق أمره عند الله، فكيف تقدرون على إبطاله؟ وهو مبطل كهانة الكهان، ومزيل دولة الصلبان، وسيكون له وزير وقريب، فلما سمعوا كلامه خافوا وحاروا، فقام حبر من أحبارهم يقال له: هيوبا بن داحورا، وكان كافرا " متمردا " شديد البأس، فقال لهم: هذا رجل قد كبر وخرف وقل عقله فلا تسمعوا من قوله، ثم قال لهم: أرأيتم الشجرة إذا قطعت من أصلها فهل تعود خضرا "؟ قالوا: لا، قال: فإن قتلتم صاحبكم هذا الذي يخرج من صلبه هذا المولود فما الذي تخافون منه؟ فقوموا هذه الساعة وخذوا معكم تجارة وسيروا إلى البلد الذي هو فيها، يعني مكة، فإذا وصلتم دبرتم الحيلة في هلاكه فتبعوا قوله وقالوا له: أنت سيدنا، قال لهم: افعلوا ما آمركم به، وأنا معكم بسيفي ورمحي، ولكن ما أسير معكم حتى تعاهدوني، فيعمد كل واحد منكم إلى

سيفه ليسقيه سما " فأجابوه إلى ذلك وافترقوا، ثم اجتمعوا بايلة، وخرجوا بجمالهم محملة بالتجارة، وساروا حتى وصلوا مكة، فلما دخلوها سمعوا من ورائهم صوتا وهو يقول:

قصدتم لأزر القوم في السر والجهر * تريدون مكرا " بالمعظم في القدر ومن غالب الرحمن لا شك إنه * سيرميه باريه بقاصمة الظهر ستضحون يا شر الأنام كأنكم * نعام أسيقت للذباحة والنحر فلما سمعوا كلام الهاتف هالهم ذلك وهموا بالرجوع، فقال لهم هيوبا: لا تخافوا من كلام هذا الهاتف، فإن هذا الوادي قد كثر فيه الكهان والشياطين، وإن هذا الهاتف هو شيطان قد علم قصدكم فعند ذلك تبادر القوم، فكان كل من لقاهم يحدثهم بحسن عبد الله وجماله، فوقع في قلوبهم الكمد والحسد، فجعلوا يسومون متاعهم ولا يبيعون منه شيئا "، وإنما يريدون بذلك المقام بمكة والحيلة في قتل عبد الله فأقبل يوما " عبد المطلب وهو قابض على يده ولده عبد الله، ومر باليهود، وكان عبد الله قد رأى رؤيا أفزعته، فخرج مرعوبا " إلى أبيه فقال: ما أصابك يا بني (3)؟ قال: رؤيا هالتني، قال: رأيت سيوفا " مجردة في أيدي قردة وهم قعود على أدبارهم، وأنا أنظر إليهم وهم يهزون السيوف ويشيرون بها إلي فعلوت عنها في الهواء، فبينما أنا كذلك وإذا بنار قد نزلت من السماء فزادتني خوفا، وقلت: كيف خلاصي منها؟ فبينما أنا كذلك وإذا بالنار قد وقعت على القردة فأحرقتهم عن آخرهم، فزادني ذلك رعبا "، فقال له أبوه: وقاك الله يا بني شر ما تحاذر من الحساد والأضداد، فإن الناس يحسدونك على هذا النور الذي في وجهك، ولكن

لو اجتمعت أهل الأرض إنسها وجنها لم يقدروا على شئ، لأنه وديعة من الله عز وجل لخاتم الأنبياء، وهاهنا أحبار اليهود من الشام وفيهم الحكمة والمعرفة فقم معي حتى أقص عليهم رؤياك، فقبض عبد المطلب على يد ولده عبد الله ودخلا عليهم، فلما نظر إليه الأحبار وهو كأنه البدر المنير نظر بعضهم إلى بعض وقالوا: هذا الذي نطلبه، فقال لهم عبد المطلب:

يا معاشر اليهود جئنا إليكم نخبركم برؤيا رآها ولدي هذا، فقالوا له: وماذا؟

فقص عليهم الرؤيا، فزادهم حنقا " عليه، وقال له هيوبا: أيها السيد إنها أضغاث أحلام وأنتم سادات كرام، ليس لكم معاند ولا مضاد، ثم انصرف عبد المطلب بولده وأقاموا بعد ذلك أياما " يريدون الحيلة فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا، وكان عبد الله مغرما بالصيد، وكان إذا خرج إلى الصيد لا يرجع إلا ليلا، وكان يخرج مع أبيه فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا حتى خرج ذات يوم وحده فخرجوا ورائه من حيث لا يشعر بهم أحد، فقال لهم هيوبا: ما انتظاركم وقد خرج الذي تطلبونه (6)؟ فقالوا له: إنا نخاف من فتيان مكة وفرسان بني هاشم وهم لا يطاقون وقد ذلت لهم العمالقة وغيرهم، ونخشى أن يشعروا بنا، فلما سمع هيوبا مقالتهم قال: خاب سعيكم، فإذا كنتم هكذا فما الذي أتى بكم إلى هاهنا؟ فلابد من قتل هذا الغلام، ولو طال عليكم المقام، ولم تجدوا يوما " مثل هذا اليوم، فإذا قتلناه وخفتم التهمة به فعلي ديته، وكانوا قد بعثوا عبدا من

عبيدهم ينظر إلى أين يتوجه عبد الله، فرجع العبد وأخبرهم أنه قد غاب بين الجبال و الشعاب، وقد خرج من العمران، وليس عنده إنسان، فعزم القوم على ما أملوه، وجعلوا نصفا عند الأمتعة، والنصف الآخر أخذوا السيوف تحت ثيابهم وخرجوا قاصدين عبد الله والعبد أمامهم حتى أوقفهم عليه، وكان عبد الله قد صاد حمار وحش وهو يسلخه فنظر إلى القوم وقد أقبلوا عليه، فقال لهم هيوبا: هذا صاحبكم الذي خرجتم من أوطانكم في في طلبه، فما أحس عبد الله إلا وقد أحاطوا به، وكانوا قد افترقوا فرقتين، وقالوا للذين خلفوهم عند متاعهم: إذا دعوناكم أجيبونا مسرعين، فلما أشرفوا على عبد الله وقد سدوا الطرقات، وزعموا أنهم قد حكموا عليه، فرفع عبد الله رأسه إلى السماء، ودعا الله تعالى وأقبل إليهم وقال: يا قوم ما شأنكم؟ فوالله ما بسطت يدي إلى واحد منكم بمكروه أبدا فتطالبوني به، ولا غصبت مالا " قط، ولا قتلت أحدا " فاقتل به، فما حاجتكم؟

فإن يكن سبقت مني فعلة سوء إليكم فأخبروني حتى أعرفها، واليهود يومئذ تلثموا ولم يبين منهم إلا حماليق الحدق، فلم يردوا عليه جوابا "، وأشار بعضهم إلى بعض وهموا بالهجوم عليه، فجعل نبلة في كبد قوسه ورمى بها نحوهم فأصابت رجلا منهم فوقع ميتا "، ثم رماهم بأربع نبال أصابت أربعة رجال فاشتغلوا عنه بأنفسهم، فأخذ الخامسة ليرميهم بها وأنشأ يقول:

ولي همه تعلو على كل همة * وقلب صبور لا يروع من الحرب ولي نبلة أرمي بها كل ضيغم * فتنفذ في اللبات والنحر والقلب فأربعة منها أصابت لأربع * ولو كاثروني صلت بالطعن والضرب أخذت نبالي ثم أرسلت بعضها * فصارت كبرق لاح في خلل السحب

فلما سمعوا ذلك منه قال له هيوبا: يا فتى احبس عنا نبالك فقد أسرفت في فعالك، ولقد قتلت منا رجالا من غير ذنب ولا سابقة سبقت منا إليك، ونحن قوم تجار، ونحن الذين وقفت علينا بالأمس مع أبيك، وكان لنا عبد قد هرب منا، فلما رأيناك أنكرناك، فعندما عرفناك أنك عبد الله فنحن ما لنا معك طلابة، وأنك لاعز الخلق علينا، و أكرمهم لدينا، فامض لسبيلك فقد سمحنا لك بما فعلت فينا، فقال لهم: يا ويلكم ما الذي تبين لكم مني أني عبدكم؟ فهل عبدكم مثلي، أو صفته صفتي، أوله نور كنوري؟

فقالوا له: إنما دخلنا الشك وأنت متباعد عنا، فلما قربت منا وعرفناك، فاسمح لنا بما كان منا إليك فإنا سمحنا لك بما كان وإن كان وأعظم من ذلك أنك قتلت منا رجالا لا ذنب لهم، ونحن حيث أكلنا طعام أبيك وشربنا شرابه فنحن لك شاكرون، وأنت أولى بكتمان ما كان اليوم منا، فلما سمع عبد الله كلامهم زعم أنه حق وهو خديعة، ثم إنه ركب جواده وأخذ قوسه وعطف إلى ناحية المضيق، فلما رآه القوم قد أقبل عليهم يريد الخروج بادروا إليه بأجمعهم وجعلوا يرمونه بالحجارة وقاموا إليه بالسيوف، فجعل يكر فيهم كرة بعد كرة، فعند ذلك صاح فيهم هيوبا فتبادروا إليه بأجمعهم وهو يكر فيهم يمينا " وشمالا "، وكلما رمى رجل خر صريعا " ونزل عبد الله عن فرسه واستند إلى المضيق، وقد أقبلوا إليه من كل جانب يرمونه بالحجارة، فبينما هم في المعركة وإذا هم برجال قد أقبلوا بأيديهم السيوف مشهورة وهم عراة مسرعون نحوهم، فإذا هم بنو هاشم، وأبو طالب وفتيان مكة وكان في أولهم أبو طالب وحمزة والعباس، فعند

ذلك ناداه أبوه فقال: يا بني هذا تأويل رؤياك من قبل، فما استتم كلامه حتى أحاط بعبد الله إخوته وأقاربه.

قال البكري: وكان قد أخبرهم بالخبر رجل يقال له: وهب بن عبد مناف، لأنه أشرف عليهم في المعركة، فهم أن ينزل فخاف على نفسه من كثرتهم، فأتى إلى الحرم ونادى في بني هاشم، فلما رآهم اليهود أيقنوا بالهلاك وقالوا لعبد الله: إنما أردنا أن نعلم حقيقة الحال، فقال لهم عبد الله: هيهات لقد أجهدتم أنفسكم في هلاكي، فهرب منهم جماعة والتجؤا إلى جبل وظنوا أنهم قد نجوا، فإذا أتاهم أمر الله فسقطت عليهم قطعة من الجبل فسدت عليهم المضيق فلم يجدوا مهربا "، ولحقهم عبد المطلب وأصحابه، والفرقة التي كانت من الجانب الآخر مع هيوبا قتلوا منهم أناسا " كثيرة، وقال رجل منهم: دعونا نصل مكة وافعلوا فينا ما تريدون، فإن لنا مع الناس أمتعة وأموالا " كنا قد أخفيناها وأنتم أحق بها، خذوها ولا تقتلونا، فكتفوهم عن آخرهم، وأقبلوا بهم إلى مكة وأقبل عبد المطلب على ولده يقبله ويقول: (يا ولدي لولا وهب بن عبد مناف أخبرنا بأمرك ما كنا علمنا، ولكن الله تعالى يحفظك)، فلما أشرفوا على مكة خرج الناس يهنئونهم بالسلامة، وإذا باليهود مكتوفين، فجعل جملة الناس يرمونهم الحجارة، فقام لهم عبد المطلب وقال: أرسلوا بهم إلى دار وهب حتى يستقصوا على أموالهم، ولم يبق لهم شئ فأرسلوهم إلى دار وهب، فلما كان في تلك الليلة أقبل وهب على زوجته برة بنت عبد العزى وقال لها: يا برة لقد رأيت اليوم عجبا " من عبد الله ما رأيته من أحد، وهو يكر على هؤلاء القوم، وكلما رماهم بنبلة قتل منهم إنسانا "، وهو أجمل الناس وجها " مما

خصه الله تعالى من الضياء الساطع، فامضي إلى أبيه واخطبيه لابنتنا واعرضيها عليه، فعسى أن يقبلها، فإن قبلها سعدنا سعادة عظيمة، قالت له يا وهب: إن رؤساء مكة و أبطال الحرم وأشراف البطحاء قد رغبوا فيه فأبى عن ذلك، وقد كاتبه ملوك الشام والعراق على ذلك فأبى عليهم، فكيف يتزوج بابنتنا وهي قليلة المال (1)؟ قال لها: إن لي عليهم اليد إنني أخبرتهم بأمر عبد الله مع هذا اليهود، ثم إن برة قامت ولبست أفخر أثوابها وخرجت حتى أتت دار عبد المطلب فوجدته يحدث أولاده بالخبر، فقالت: أنعم الله مساءكم، ودامت نعماءكم، فرد عليها عبد المطلب التحية والاكرام، وقال لها: لقد سلف لبعلك اليوم علينا يد لا نقدر أن نكافيه أبدا "، وله أياد بالغة بذلك، وسنجازيه بما فعل إن شاء الله تعالى، فطمعت برة في كلامه، ثم قال: بلغي بعلك عنا التحية والاكرام وقولي له: إن كان له لدينا حاجة تقضى إن شاء الله مهما كانت، فقالت له برة:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.