پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 2 البشائر بمولده ونبوته من الأنبياء والأوصياء صلوات الله

ج ۱۵، ص ۱۷۳–۲۰۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۵

وقال تعالى: ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون 101.

وقال سبحانه:.. وابعث فيهم رسولا " منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب و الحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم 129.

وقال تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا " منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون 147.

آل عمران: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين * فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون 81 و 82.

وقال تعالى: وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا " قليلا " فبئس ما يشترون * لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب و لهم عذاب أليم 187 و 188.

الأعراف: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا " عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به و عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه أولئك هم المفلحون 157.

وقال تعالى: وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم 167.

الأنبياء: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون 105.

الشعراء: وإنه لفي زبر الأولين * أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل 196 و 197.

القصص: وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين. [إلى قوله تعالى]: وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما " ما آتيهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون 45 و 46.

الصف: وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا "

لما بين يدي من التوراة ومبشرا " برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين * ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الاسلام والله لا يهدي القوم الظالمين 6 و 7.

تفسير: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: (ولما جاءهم كتاب من عند الله): قال ابن عباس: كانت اليهود (يستفتحون) أي يستنصرون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وآله قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب ولم يكن من بني إسرائيل كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولونه فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك وتصفونه وتذكرون أنه مبعوث، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشئ نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وفي قوله: (مصدق لما معهم): مصدق لكتبهم من التوراة والإنجيل، لأنه جاء على الصفة التي تقدم بها البشارة.

وفي قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين): روي عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس وقتادة أن الله تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء قبل نبينا أن يخبروا أممهم بمبعثه ونعته، ويبشروهم، به، ويأمروهم بتصديقه، وقال طاؤوس: أخذ الله الميثاق على الأنبياء على الأول والاخر، فأخذ ميثاق الأول بما جاء به الاخر.

وقال الصادق عليه السلام: تقديره وإذ أخذ الله ميثاق أمم النبيين بتصديق نبيها، و العمل بما جاءهم به، وإنهم خالفوه بعد ما جاء وما وفوا به، وتركوا كثيرا " من شرائعه، وحرفوا كثيرا " منها. والإصر: العهد.

وفي قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) قيل: أراد به اليهود،

وقيل: اليهود والنصارى، وقيل: كل من أوتي علما " بشئ من الكتب (لتبيننه للناس) أي محمدا " صلى الله عليه وآله، لان في كتابهم أنه رسول الله، وقيل: أي الكتاب فيدخل فيه بيان أمر النبي صلى الله عليه وآله (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا) قيل: هم اليهود الذين فرحوا بكتمان أمر النبي صلى الله عليه وآله، وأحبوا أن يحمدوا بأنهم أئمة وليسوا كذلك، وقال البلخي: إن اليهود قالوا: نحن أبناء الله وأحباءه، وأهل الصلاة والصوم، وليسوا كذلك، ولكنهم أهل الشرك والنفاق وهو المروي عن الباقر عليه السلام، والأقوى أن يكون المعني بالآية من أخبر الله عنهم أنه أخذ ميثاقهم في أن يبينوا أمر محمد صلى الله عليه وآله ولا يكتموه.

وفي قوله: (في التوراة والإنجيل) معناه يجدون نعته وصفته ونبوته مكتوبا " في التوراة في السفر الخامس: إني سأقيم لهم نبيا " من إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فيه، فيقول لهم: كل ما أوصيه به.

وفيها أيضا " مكتوب: وأما ابن الأمة فقد باركت عليه جدا " جدا "، وسيلد اثنى عشر عظيما "، وأؤخره لامة عظيمة.

وفيها أيضا: أتانا الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران.

وفي الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع: منها نعطيكم فارقليط آخر يكون معكم آخر الدهر كله. وفيه أيضا ": قول المسيح للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم

الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنه نذيركم يجمع الحق، و يخبركم بالأمور المزمعة، ويمدحني ويشهد لي.

وفيه أيضا ": إنه إذا جاء قيد أهل العالم.

قوله تعالى: (إصرهم) أي ثقلهم وهو التكاليف الشاقة (والاغلال التي كانت عليهم) أي العهود التي كانت في ذمتهم، وقيل: يريد بالاغلال ما امتحنوا به من قتل نفوسهم في التوبة وقرض ما يصيبه البول من أجسادهم، وما أشبه ذلك (وعزروه) أي عظموه ووقروه (واتبعوا النور الذي انزل معه) أي القرآن.

أقول: سيأتي في الروايات أنه أمير المؤمنين عليه السلام.

وفي قوله تعالى: (وإذ تأذن ربك) أي آذن وأعلم (ليبعثن عليهم) أي على اليهود (إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) أي من يذيقهم ويوليهم شدة العذاب بالقتل وأخذ الجزية منهم، والمعني به أمة محمد صلى الله عليه وآله عند جميع المفسرين، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام.

وفي قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) قيل: الزبور: كتب الأنبياء، والذكر: اللوح المحفوظ، وقيل: الزبور: الكتب المنزلة بعد التوراة، والذكر:

التوراة، وقيل: الزبور كتاب داود عليه السلام، والذكر: التوراة (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) أي أرض الجنة أو الأرض المعروفة يرثها أمة محمد صلى الله عليه وآله، وقال أبو جعفر عليه السلام:

هم أصحاب المهدي في آخر الزمان.

وفي قوله سبحانه: (وإنه لفي زبر الأولين) أي ذكر القرآن وخبره في كتب الأولين على وجه البشارة به وبمحمد صلى الله عليه وآله (أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني

إسرائيل) أي أولم يكن علم علماء بني إسرائيل بمجيئه على ما تقدمت البشارة به دلالة لهم على صحة نبوته، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل: هم خمسة: عبد الله بن سلام، وابن يامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد.

وفي قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي) أي في الجانب الغربي من الجبل الذي كلم الله فيه موسى، وقيل: بجانب الوادي الغربي (إذ قضينا إلى موسى الامر) أي عهدنا إليه بالرسالة، وقيل: أراد كلامه معه في وصف نبينا محمد صلى الله عليه وآله ونبوته (ولكن رحمة من ربك) أي الله أعلمك ذلك، وعرفك إياه نعمة من ربك أنعم بها عليك، وهو أن بعثك نبيا "، واختارك لأنباء العلم بذلك معجزة لك، لتنذر العرب الذين لم يأتهم رسول قبلك لكي يتفكروا ويعتبروا.

1 - تفسير العياشي: عن حبيب السجستاني قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله:

(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) فكيف يؤمن موسى عليه السلام بعيسى عليه السلام وينصره ولم يدركه؟ وكيف يؤمن عيسى عليه السلام بمحمد صلى الله عليه وآله وينصره ولم يدركه؟ فقال: يا حبيب إن القرآن قد طرح منه آي كثيرة، ولم يزد فيه إلا حروف أخطأت بها الكتبة ، وتوهمتها الرجال، وهذا وهم، فاقرءها: (وإذ أخذ الله ميثاق أمم النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه)، هكذا أنزلها الله يا حبيب، فوالله ما وفت أمة من الأمم التي كانت قبل موسى بما أخذ الله عليها من الميثاق لكل نبي بعثه الله بعد نبيها، ولقد كذبت الأمة التي جاءها موسى لما جاءها موسى ولم يؤمنوا به ولا نصروه

لما جاءها إلا القليل منهم، ولقد كذبت أمة عيسى عليه السلام بمحمد صلى الله عليه وآله ولم يؤمنوا به ولا نصروه لما جاءهم إلا القليل منهم، ولقد جحدت هذه الأمة بما أخذ عليها رسول الله من الميثاق لعلي بن أبي طالب عليه السلام يوم أقامه للناس ونصبه لهم ودعاهم إلى ولايته وطاعته في حياته، وأشهدهم بذلك على أنفسهم، فأي ميثاق أو كد من قول رسول الله صلى الله عليه وآله في علي بن أبي طالب عليه السلام؟ فوالله ما وفوا به، بل جحدوا وكذبوا.

2 - تفسير علي بن إبراهيم: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) الآية، فإن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام: هل تعرفون محمدا " في كتابكم؟ قال: نعم والله نعرفه بالنعت الذي نعته الله لنا إذا رأيناه فيكم، كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه مع الغلمان، والذي يحلف به ابن سلام لأنا بمحمد هذا أشد معرفة مني بابني، قال الله: (الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون).

3 - كتاب النجوم: في كتاب دلائل النبوة جمع أبي القاسم الحسين بن محمد السكوني، عن محمد بن علي بن الحسين، عن الحسن، عن عبد الله بن غانم، عن هناد، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن صالح بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن أسعد، عن ابن مسيب، عن حسان ابن ثابت قال: إني والله لغلام يفعاء ابن سبع أو ثمان سنين أعقل كل ما سمعت

إذ سمعت يهوديا " وهو على أكمة يثرب يصرخ: يا معشر اليهود، فلما اجتمعوا قالوا:

ويلك مالك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث به الليلة.

4 - الخصال: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن علي بن الحسين الرقي، عن عبد الله بن جبلة، عن الحسن بن عبد الله، عن آبائه، عن جده الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام في حديث طويل قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله أعلمهم عن أشياء فأجابه عليه السلام فأسلم وأخرج رقا " أبيض، فيه جميع ما قال النبي صلى الله عليه وآله، وقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبيا ما استنسختها إلا من الألواح التي كتب الله عز وجل لموسى بن عمران عليه السلام، ولقد قرأت في التوراة فضلك حتى شككت فيه يا محمد، ولقد كنت أمحو اسمك منذ أربعين سنة من التوراة، وكلما محوته وجدته مثبتا " فيها، ولقد قرأت في التوراة أن هذه المسائل لا يخرجها غيرك، وإن في الساعة التي ترد عليك فيها هذه المسائل يكون جبرئيل عن يمينك، وميكائيل عن يسارك، ووصيك بين يديك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: صدقت، هذا جبرئيل عن يمني، وميكائيل عن يساري، ووصيي علي بن أبي طالب بين يدي، فآمن اليهودي وحسن إسلامه.

5 - إكمال الدين: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحسن بن علي، عن عمر ابن أبان رفعه أن تبع قال في مسيره:

حتى أتاني من قريظة عالم * حبر لعمرك في اليهود مسدد قال: ازدجر عن قرية محجوبة * لنبي مكة من قريش مهتد فعفوت عنهم عفو غير مثرب * وتركتهم لعقاب يوم سرمد وتركتها لله أرجو عفوه * يوم الحساب من الحميم الموقد فلقد تركت له بها من قومنا * نفرا " اولي حسب وممن يحمد نفرا " يكون النصر في أعقابهم * أرجو بذاك ثواب رب محمد ما كنت أحسب أن بيتا " طاهرا " * لله في بطحاء مكة يعبد قالوا: بمكة بيت مال داثر * وكنوزه من لؤلؤ وزبرجد فأردت أمرا " حال ربي دونه * والله يدفع عن خراب المسجد فتركت ما أملته فيه لهم * وتركتهم مثلا " لأهل المشهد قال أبو عبد الله عليه السلام : كان الخبر أنه سيخرج من هذه يعني مكة نبي يكون مهاجره يثرب، فأخذ قوما " من اليمن فأنزلهم مع اليهود لينصروه إذا خرج، وفي ذلك يقول:

شهدت على أحمد أنه * رسول من الله بارئ النسم فلو مد عمري إلى عمره * لكنت وزيرا " له وابن عم وكنت عذابا " على المشركين * أسقيهم كأس حتف وغم 6 - إكمال الدين: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن تبع قال للأوس والخزرج. كونوا

ها هنا حتى يخرج هذا النبي، فأما أنا فلو أدركته لخدمته وخرجت معه.

7 - إكمال الدين: أحمد بن محمد بن الحسين البزاز، عن محمد بن يعقوب الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكر، عن زكريا بن يحيى، عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس يقول: لا يشتبهن عليكم أمر تبع فإنه كان مسلما ".

بيان: اختلف في تبع هل كان مسلما " أم لا، وهذه الروايات تدل على إسلامه.

قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: (أهم خير أم قوم تبع) أي أمشركو قريش أظهر نعمة، وأكثر أموالا "، وأعز في القوة والقدرة أم قوم تبع الحميري، الذي سار بالجيوش حتى حير الحيرة، وأتى سمرقند فهدمها ثم بناها، وكان إذا كتب كتب:

(بسم الذي ملك برا " وبحرا "، وضحا " وريحا ")، عن قتادة، سمي تبعا " لكثرة أتباعه من الناس، وقيل: لأنه تبع من قبله من ملوك اليمن، والتبابعة: اسم ملوك اليمن، فتبع لقب له كما يقال: خاقان لملك الترك، وقيصر لملك الروم، واسمه أسعد أبو كرب، وروى سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (لا تسبوا تبعا " فإنه كان قد أسلم) قال كعب: نعم الرجل الصالح، ذم الله قومه ولم يذمه.

وقال البيضاوي: وكان مؤمنا " وقومه كافرين، ولذلك ذمهم دونه، وعنه عليه السلام:

ما أدري أكان تبع نبيا " أو غير نبي.

8 - إكمال الدين: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم بفناء الكعبة يوم افتتح مكة إذ أقبل إليه وفد فسلموا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من القوم؟ قالوا: وفد من بكر بن

وائل، قال: فهل عندكم علم من خبر قس بن ساعدة الأيادي؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فما فعل؟ قالوا: مات، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحمد لله رب الموت، ورب الحياة، كل نفس ذائقة الموت، كأني أنظر إلى قس بن ساعدة الأيادي وهو بسوق عكاظ على جمل له أحمر، وهو يخطب الناس ويقول: اجتمعوا أيها الناس، فإذا اجتمعتم فأنصتوا، فإذا أنصتم فاستمعوا، فإذا أسمعتم فعوا، فإذا وعيتم فاحفظوا، فإذا حفظتم فاصدقوا، ألا إن من عاش مات، ومن مات فات، ومن فات فليس بآت، إن في السماء خبرا "، وفي الأرض عبرا "، سقف مرفوع، ومهاد موضوع، ونجوم تمور، وليل يدور، وبحار ماء لا تغور، يحلف قس ما هذا بلعب، وإن من وراء هذا لعجبا "، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا؟ يحلف قس يمينا " غير كاذبة إن لله دينا " هو خير من الدين الذي أنتم عليه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رحم الله قسا " يحشر يوم القيامة أمة واحدة، ثم قال: هل فيكم أحد يحسن من شعره شيئا "؟ فقال بعضهم: سمعته يقول:

في الأولين الذاهبين من القرون لنا بصائر * لما رأيت مواردا " للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها يمضي الأكابر والأصاغر * لا يرجع الماضي إلي ولا من الباقين غابر أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر وبلغ من حكمة قس بن ساعدة ومعرفته أن النبي صلى الله عليه وآله كان يسأل من يقدم عليه من إياد عن حكمته ويصغى إليها.

9 - كنز الكراجكي: عن أسد بن إبراهيم السلمي، عن محمد بن أحمد بن موسى،

عن عبد الله بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن حسان، عن محمد بن الحجاج، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس مثله إلى قوله: حيث صار القوم صائر.

بيان: مار الشئ يمور مورا ": تحرك وجاء وذهب.

10 - إكمال الدين: الحسن بن عبد الله، عن الحسين بن الحسن بن علي بن إسماعيل، عن محمد بن زكريا، عن عبد الله بن الضحاك، عن هشام، عن أبيه أن وفدا " من إياد قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله فسألهم عن حكم قس بن ساعدة فقالوا: قال قس شعرا ":

يا ناعي الموت والأموات في جدث * عليهم من بقايا تربهم خرق دعهم فإن لهم يوما " يصاح بهم * كما ينبه من نوماته الصعق منهم عرات ومنهم في ثيابهم * منها جديد ومنها الان ذو الخلق مطر ونبات وآباء وأمهات، وذاهب وآت، وآيات في أثر آيات، وأموات بعد أموات، وضوء وظلام، وليال وأيام، وفقير وغني، وسعيد وشقي، ومحسن ومسئ، أين الأرباب الفعلة؟ ليصلحن كل عامل عمله، كلا بل هو الله واحدا " ليس بمولود ولا والد، أعاد وابدئ، وإليه المآب غدا "، أما بعد يا معشر إياد أين ثمود وعاد؟ وأين الاباء والأجداد؟ أين الحسن الذي لم يشكر، والقبيح الذي لم ينقم، كلا ورب الكعبة ليعودن ما بدا، ولئن ذهب يوما " ليعودن يوما ".

وهو قس بن ساعدة بن حداق بن زهر بن إياد بن نزار، أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من توكأ على عصا "، ويقال: إنه عاش ست مأة سنة، وكان يعرف النبي باسمه ونسبه، ويبشر الناس بخروجه وكان يستعمل التقية، ويأمر بها في خلال ما يعظ به الناس.

بيان: الترب يحتمل أن يكون بالمثلثة يقال: ثرب المريض: نزع عنه ثوبه، ويحتمل أن يكون تصحيف ثوبهم، وفي بعض النسخ بزهم وهو أظهر.

أقول: سيأتي وصية قس في أبواب المواعظ، وفي باب كونهم أفضل من الأنبياء في كتاب الإمامة.

11 - إكمال الدين: ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن علي بن حكيم، عن عمرو بن بكار العبسي، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن محمد بن علي بن حاتم البرمكي،، عن محمد بن أحمد بن أزهر، عن محمد بن إسحاق البصري، عن علي بن حرب، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عمرو بن بكير، عن أحمد بن القاسم، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وآله بسنتين أتاه وفد العرب وأشرافها وشعراءها لتهنئه وتمدحه، وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثار قومه، فأتاه وفد من قريش ومعهم عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس، وعبد الله بن جذعان، وأسد بن خويلد بن عبد العزى، ووهب بن عبد مناف في أناس من وجوه قريش، فقدموا عليه

صنعاء فاستأذنوا، فإذا هو في رأس قصر يقال له: غمدان، وهو الذي يقول فيه أمية بن أبي الصلت:

اشرب هنيئا " عليك التاج مرتفقا " * في رأس غمدان دارا " منك محلالا فدخل عليه الاذن فأخبره بمكانهم فأذن لهم، فلما دخلوا عليه دنا عبد المطلب منه فاستأذنه في الكلام، فقال له: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك. قال:

فقال عبد المطلب: إن الله أحلك أيها الملك محلا رفيعا " صعبا " منيعا " شامخا " باذخا "، وأنبتك منبتا " طابت أرومته، وعذبت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، في أكرم موطن، وأطيب معدن، فأنت أبيت اللعن ملك العرب، وربيعها الذي تخصب به، وأنت أيها الملك رأس العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يخمل من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة، قال: وأيهم أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم، قال: ابن أختنا؟ قال: نعم، قال:

ادن فأدناه، ثم أقبل على القوم وعليه فقال: مرحبا " وأهلا "، وناقة " ورحلا "، ومستناخا "

سهلا "، وملكا وربحلا، يعطى عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، وأنتم أهل الليل، وأهل النهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم، قال: ثم انهضوا إلى دار الضيافة والوفود فأقاموا شهرا " لا يصلون إليه، ولا يأذن لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأدنى مجلسه وأخلاه، ثم قال: أيا عبد المطلب إني مفوض إليك من سر علمي أمرا " لو كان غيرك لم أبح له به، ولكني رأيتك معدنه فأطلعك عليه طلعة فليكن عندك مطويا " حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ أمره، إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي اخترناه لأنفسنا وأخبرناه دون غيرنا خبرا " عظيما "، وخطرا " جسيما "، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة، للناس عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة، فقال عبد المطلب: مثلك أيها الملك من سر وبر، فما هو فداك أهل الوبر زمرا " بعد زمر (11)؟ فقال: إذا ولد بتهامة، غلام بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة، فقال له عبد المطلب:

أبيت اللعن لقد أبت بخير ما آب بمثله وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه

لسألته من أسراره ما أزداد به سرورا "، فقال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد فيه، اسمه محمد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، وقد ولداه سرارا " والله باعثه جهارا "، وجاعل له منا أنصارا "، يعز بهم أوليائه، ويذل بهم أعدائه، يضرب بهم الناس عن عرض، ويستفتح بهم كرائم الأرض، يكسر الأوثان، ويخمد النيران، ويعبد الرحمن، ويزجر الشيطان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله، فقال عبد المطلب: أيها الملك عز جدك، وعلا كعبك، ودام ملكك، وطال عمرك، فهل الملك ساري بإفصاح فقد أوضح لي بعض الايضاح؟ فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الحجب، والعلامات على البيت، إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب، قال: فخر عبد المطلب ساجدا "، فقال له: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل أحسست شيئا " مما ذكرته لك، فقال: كان لي ابن وكنت به معجبا "، وعليه رفيقا، فزوجته كريمة من كرائم قومي: آمنة بنت وهب، فجاءت بغلام فسميته محمدا "، مات أبوه وأمه

وكفلته أنا وعمه، فقال ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك كما قلت فاحتفظ بابنك، واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن تدخلهم النفاسة أن تكون له الرئاسة فيطلبون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، وهم فاعلون أو أبنائهم، ولولا علمي بأن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى صرت بيثرب دار ملكه نصرة له، لكني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن يثرب دار ملكه، وبها استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا أني أخاف فيه العاهات، وأحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه أمره في هذا الوقت، ولأوطأت أسنان العرب عقبه، ولكني صارف إليك عن ذلك غير تقصير مني بمن معك، قال: ثم أمر لكل رجل من القوم بعشرة أعبد، وعشر إماء، وحلتين من البرود، ومأة من الإبل، وخمسة أرطال ذهب، وعشرة أرطال فضة، وكرش مملوة عنبرا "، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا حال الحول فأتني، فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول، قال: وكان عبد المطلب كثيرا " ما يقول: يا معشر قريش لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر فإنه إلى نفاد، ولكن يغبطني بما يبقى لي ولعقبي من بعدي ذكره وفخره

وشرفه، فإذا قيل: متى ذلك (1)؟ قال: ستعلمن نبأ ما أقول ولو بعد حين، وفي ذلك يقول أمية بن عبد شمس يذكر مسيرهم إلى ابن ذي يزن:

جلبنا الضح تحمله المطايا * على أكوار أجمال ونوق مغلغلة مرافقها تعالى * إلى صنعاء من فج عميق تؤم بنا ابن ذي يزن وتهدى * ذوات بطونها أم الطريق وتزجى من مخائله بروقا * مواصلة الوميض إلى بروق فلما وافقت صنعاء صارت * بدار الملك والحسب العريق إلى ملك يدر لنا العطايا * بحسن بشاشة الوجه الطليق 12 - إعلام الورى: عن أبي صالح، عن ابن عباس مثله، ثم قال: روى هذا الحديث الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب دلائل النبوة من طريقين.

13 - كنز الكراجكي: عن الحسين بن عبيد الله الواسطي، عن التلعكبري، عن محمد بن همام وأحمد بن هوذه، عن الحسين بن محمد بن جمهور، عن أبيه، عن علي بن حرب مثله.

ايضاح: قوله: مرتفقا، قال الجزري. المرتفق: المتكئ على المرفقة وهي كالوسادة، ومنه حديث ابن ذي يزن: اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا.

وقال الفيروزآبادي: روضة محلال: تحل كثيرا ". انتهى.

والأرومة بالفتح: أصل الشجرة. قوله: وعذبت في أكثر النسخ بالباء الموحدة، وفي بعضها بالمثناة من العذاة: الأرض الطيبة البعيدة من الماء والسباخ، وفي بعضها عزت، وفي بعضها عظمت. والجرثومة بالضم: الأصل. وبسق النخل: طال.

قوله: أبيت اللعن، قال الجزري: كان هذا في تحايا الملوك في الجاهلية والدعاء لهم، معناه أبيت أن تفعل فعلا تلعن بسببه وتذم انتهى. وقيل: أي أجارك الله أن تفعل ما تلعن به والسدنة جمع السادن وهو الخادم: وأشخصنا، أي أخرجنا وأتى بنا. وأبهجنا أي أفرحنا. وفدحنا أي ثقل علينا. والمرزئة: المصيبة. والربحل بكسر الراء، وفتح الباء الواسع العطاء. والجزل: العظيم.

قوله: وأنتم أهل الليل، وأهل النهار، أي نصحبكم ونأنس بكم في الليل والنهار.

والحباء: العطاء، والظعن: الارتحال. قوله: انتبه لهم، أي ذكرهم مفاجأة.

قوله: أخبرناه، في بعض النسخ: اختبيناه، أي أخفيناه، وفي روايات العامة:

احتجناه بالحاء المهملة، ثم التاء، ثم الجيم، ثم النون المشددة، قال الجزري: الاحتجان جمع الشئ وضمه إليك، ومنه حديث ابن ذي يزن واحتجناه دون غيرنا. والشأمة بالهمزة وقد يخفف: الخال في الجسد، والمراد بها هنا خاتم النبوة. والزعامة: الشرف والرئاسة.

قوله: ولداه سرارا، في بعض الروايات: وقد ولدناه مرارا، أي كانت غير واحدة من جداته من قبيلتنا من اليمن.

قوله: عن عرض، بالضم، أي من اعترض لهم من أي ناحية وجانب كان، يعني إذا لم يوافقهم في دينهم، قال الفيروزآبادي: ويضربون الناس عن عرض: لا يبالون من يضربون.

وقال: الكعب: الشرف والمجد. وقال الجزري : لا يزال كعبك عاليا "، أي لا تزال شريفا " مرتفعا " على من يعاديك. قوله: والعلامات على البيت، في بعض الروايات على النصب، وفسر بحجارة كانوا يذبحون عليها للأصنام، ويحتمل أن يكون المراد أنصاب الحرم. وقال الجزري:

ثلجت نفسي بالامر: إذا اطمأنت إليه وسكنت. وثبت فيها ووثقت به، ومنه حديث ابن

ذي يزن: وثلج صدرك. والمراد بالنفاسة: الحسد، وفي الأصل بمعنى البخل، و الاستبداد بالشئ، والرغبة فيه. والغوائل جمع الغائلة وهي الشر. والحبائل: المصائد.

والاجتياح: الاهلاك والاستيصال.

وقال الجزري: في حديث ابن ذي يزن: لأوطئن أسنان العرب كعبه، يريد ذوي أسنانهم وهم الأكابر والاشراف انتهى، أي لرفعته على أشرافهم، وجعلتهم موضع قدمه.

وقال الجزري: فيه يكون رسول الله في الضح والريح، قال الهروي: أراد كثرة الخيل والجيش، يقال: جاء فلان بالضح والريح، أي بما طلعت عليه الشمس، وهبت عليه الريح، يعنون المال الكثير، وقال: الاكوار جمع كور بالضم وهو رحل الناقة بأداته، وقال:

في حديث ابن ذي يزن:

مغلغلة مغالقها تعالى * إلى صنعاء من فج عميق.

المغلغلة بفتح الغينين: الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد، وبكسر الثانية: المسرعة من الغلغلة: سرعة السير.

قوله: تعالى، أي تتصاعد وتذهب، قوله: وتهدى في أكثر الروايات، وتفرى أي تقطع. وأم الطريق: معظمه. والازجاء: السوق، والدفع. والمخائل جمع المخيلة وهي السحابة التي تحسبها ماطرة. والوميض: لمعان البرق.

14 - إكمال الدين: القطان وابن موسى ومحمد بن أحمد الشيباني جميعا "، عن ابن زكريا القطان، عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن الهيثم، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب، عن أبي طالب قال:

خرجت إلى الشام تاجرا " سنة ثمان من مولد رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان في أشد ما يكون من الحر فلما أجمعت على السير قال لي رجال قومي: ما تريد أن تفعل بمحمد؟ وعلى من تخلفه؟ فقلت: لا أريد أن أخلفه على أحد، يكون معي، فقيل: صغير في حر

مثل هذا تخرجه معك؟ فقلت: والله لا يفارقني حيث توجهت أبدا "، وإني لا وطئ له الرحل، فذهبت فحشوت له حشية زكتأ وكنا ركبانا " كثيرا "، فكان والله البعير الذي عليه محمد أمامي لا يفارقني وكان يسبق الركب كلهم، وكان إذا اشتد الحر جاءت سحابة بيضاء مثل قطعة ثلج فتسلم عليه وتقف على رأسه ولا تفارقه، وكانت ربما أمطرت علينا السحابة بأنواع الفواكه وهي تسير معنا، وضاق الماء بنا في طريقنا حتى كنا لا نصيب قربة إلا بدينارين، وكنا حيث ما نزلنا تمتلي الحياض، ويكثر الماء وتخضر الأرض، فكنا في كل خصب وطيب من الخير، وكان فينا قوم قد وقفت جمالهم فمشى إليها رسول الله ومسح عليها فسارت، فلما قربنا من بصرى إذا نحن بصومعة قد أقبلت تمشي كما تمشي الدابة السريعة حتى إذا قربت منا وقفت، فإذا فيها راهب وكانت السحابة لا تفارق رسول الله صلى الله عليه وآله ساعة واحدة، وكان الراهب لا يكلم الناس، ولا يدري ما الركب، وما فيه من التجار، فلما نظر إلى النبي صلى الله عليه وآله عرفه، فسمعته يقول: إن كان أحد فأنت أنت، قال:

فنزلنا تحت شجرة عظيمة قريبة من الراهب قليلة الأغصان، ليس لها حمل، وكان الركب ينزل تحتها، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وآله اهتزت الشجرة، وألقت أغصانها على رسول الله، وحملت من ثلاثة أنواع من الفاكهة: فاكهتان للصيف، وفاكهة للشتاء، فتعجب جميع من معنا من ذلك، فلما رأى بحيراء الراهب ذهب فاتخذ طعاما " لرسول الله بقدر ما يكفيه، ثم جاء وقال: من يتولى أمر هذا الغلام؟ فقلت: أنا، فقال، أي شئ تكون منه؟ فقلت:

أنا عمه، فقال: يا هذا إن له أعماما "، فأي الأعمام أنت؟ فقلت أنا أخو أبيه من أم واحدة،

فقال: أشهد أنه هو وإلا فلست بحيراء، ثم قال: يا هذا أتأذن لي أن أقرب هذا الطعام منه ليأكله، فقلت له: قربه إليه، فالتفت إلى النبي صلى الله عليه وآله فقلت له: يا بني رجل أحب أن يكرمك فكل، فقال : هو لي دون أصحابي؟ فقال بحيراء: نعم هو لك خاصة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: فإني لا آكل دون هؤلاء، فقال بحيراء: إنه لم يكن عندي أكثر من هذا، فقال: أفتأذن يا بحيراء أن يأكلوا معي؟ فقال: نعم، فقال: بسم الله، فأكل و أكلنا معه، فوالله لقد كنا مأة وسبعين رجلا "، وأكل كل واحد منا حتى شبع و تجشأ، وبحيراء قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله يذب عنه، ويتعجب من كثرة الرجال وقلة الطعام، وفي كل ساعة يقبل رأسه ويافوخه، ويقول: هو هو ورب المسيح، والناس لا يفقهون ، فقال رجل من الركب: إن لك لشأنا "، وقد كنا نمر بك قبل اليوم فلا تفعل بنا هذا البر، فقال بحيراء: والله إن لي لشأنا " وشأنا "، وإني لأرى مالا ترون، وأعلم ما لا تعلمون، وإن تحت هذه الشجرة لغلاما " لو كنتم تعلمون منه ما أعلم لحملتموه على أعناقكم حتى تردوه إلى وطنه، والله ما أكرمتكم إلا له، ولقد رأيت وقد أقبل نور من أمامه ما بين السماء والأرض، ولقد رأيت رجالا " في أيديهم مراوح الياقوت والزبرجد يروحونه، وآخرين ينثرون عليه أنواع الفواكه، ثم هذه السحابة لا تفارقه، وصومعتي مشت إليه كما تمشي الدابة على رجلها، ثم هذه الشجرة لم تزل يابسة قليلة الأغصان وقد كثرت أغصانها واهتزت و

حملت ثلاثة أنواع من الفواكه: فاكهتان للصيف، وفاكهة للشتاء، ثم هذه الحياض التي غارت وذهب ماءها أيام تمرج بني إسرائيل بعد الحواريين حين وردوا عليهم، فوجدنا في كتاب شمعون الصفا أنه دعا عليهم فغارت وذهب ماءها، ثم قال: متى ما رأيتم قد ظهر في هذه الحياض الماء فاعلموا أنه لأجل نبي يخرج في أرض تهامة، مهاجره إلى المدينة، اسمه في قومه الأمين، وفي السماء أحمد، وهو من عترة إسماعيل بن إبراهيم لصلبه، فوالله إنه لهو، ثم قال بحيراء: يا غلام أسألك عن ثلاث خصال بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتنيها، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذكر اللات والعزى ، وقال: لا تسألني بهما، فوالله ما أبغضت شيئا " كبغضهما، إنهما صنمان من حجارة لقومي، فقال بحيراء:

هذه واحدة، ثم قال: فبالله إلا ما أخبرتني، فقال: سل عما بدا لك فإنك قد سألتني بإلهي وإلهك الذي ليس كمثله شئ، فقال: أسألك عن نومك ويقظتك، فأخبره عن نومه و يقظته وأموره وجميع شأنه، فوافق ذلك ما عند بحيراء، فأكب عليه بحيراء يقبل رجليه ويقول:

يا بني ما أطيب ريحك؟ يا أكثر النبيين أتباعا "، يا من بهاء نور الدنيا من نوره، يا من بذكره تعمر المساجد، كأنني بك قد قدت الأجناد والخيل الجياد، وتبعك العرب والعجم طوعا " وكرها "، وكأنني باللات والعزى وقد كسرتهما، وقد صار البيت العتيق لا يملكه غيرك، تضع مفاتيحه حيث تريد، كم من بطل من قريش والعرب تصرعه؟! معك مفاتيح الجنان والنيران، معك الذبح الأكبر وهلاك الأصنام، أنت الذي لا تقوم الساعة حتى تدخل الملوك كلها في دينك صاغرة قمئة، فلم يزل يقبل يديه مرة ورجليه مرة ويقول: لئن أدركت زمانك لأضربن بين يديك بالسيف ضرب الزند بالزند، أنت سيد ولد آدم، و

سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، والله لقد ضحكت الأرض يوم ولدت فهي ضاحكة إلى يوم القيامة فرحا " بك، والله لقد بكت البيع والأصنام، والشياطين فهي باكية إلى يوم القيامة، أنت بدعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، أنت المقدس المطهر من أنجاس الجاهلية، ثم التفت إلى أبي طالب فقال: ما يكون هذا الغلام منك فإني أراك لا تفارقه؟ فقال أبو طالب: هو أبني، فقال: ما هو ابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون والده الذي ولده حيا " ولا أمه، فقال: إنه ابن أخي وقد مات أبوه وأمه حاملة به، و ماتت أمه وهو ابن ست سنين، فقال: صدقت هكذا هو، ولكني أرى لك أن ترده إلى بلده عن هذا الوجه، فإنه ما بقي على ظهر الأرض يهودي ولا نصراني ولا صاحب كتاب إلا وقد علم بولادة هذا الغلام، ولئن رأوه وعرفوا منه ما قد عرفت أنا منه ليبغنه شرا "، وأكثر ذلك من اليهود، فقال أبو طالب: ولم ذلك؟ قال: لأنه كائن لابن أخيك الرسالة والنبوة، ويأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى، فقال أبو طالب: كلا إن شاء الله لم يكن الله ليضيعه، ثم خرجنا به إلى الشام فلما قربنا من الشام رأيت والله قصور الشامات كلها قد اهتزت، وعلا منها نور أعظم من نور الشمس، فلما توسطت الشام ما قدرنا أن نجوز سوق الشام من كثرة ما ازدحم الناس ينظرون إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله، وذهب الخبر إلى جميع الشامات حتى ما بقي فيها حبر ولا راهب إلا اجتمع عليه، فجاء حبر عظيم كان اسمه نسطور فجلس مقابله ينظر إليه ولا يكلمه بشئ، حتى فعل ذلك ثلاثة أيام متوالية، فلما كانت الليلة الثالثة لم يصبر حتى قام إليه فدار خلفه كأنه يلتمس منه شيئا "، فقلت: يا راهب كأنك تريد منه شيئا "؟ قال:

أجل إني أريد منه شيئا "، ما اسمه؟ قلت: محمد بن عبد الله، فتغير والله لونه، ثم قال:

فترى أن تأمره أن يكشف لي عن ظهره لأنظر إليه؟ فكشف عن ظهره فلما رأى الخاتم أكب عليه يقبله ويبكي، ثم قال: يا هذا أسرع برد هذا الغلام إلى موضعه الذي ولد فيه، فإنك لو تدري كم عدو له في أرضنا لم تكن بالذي تقدمه معك، فلم يزل يتعاهده في كل يوم ويحمل إليه الطعام، فلما خرجنا منها أتاه بقميص من عنده، فقال له: ترى أن تلبس هذا القميص لتذكرني به؟ فلم يقبله، ورأيته كارها " لذلك، فأخذت أنا القميص مخافة أن يغتم، وقلت: أنا ألبسه، وعجلت به حتى رددته إلى مكة، فوالله ما بقي بمكة يومئذ امرأة ولا كهل ولا شاب ولا صغير ولا كبير إلا استقبله شوقا " إليه ما خلا أبو جهل لعنه الله، فإنه كان فاتكا " ماجنا " قد ثمل من السكر.

بيان: قوله: حشية زكتأ الزكت: الملا، وفي بعض النسخ دكتأ، ولم أعرف له معنى، وفي بعضها ريشا " وكتانا " كثيرا "، وهو أصوب. قوله وضاق الماء بنا، لعل المراد به في غير هذه المرة أو أولا ". والمرج بالتحريك: الفساد والغلق والاضطراب. قوله قمئة أي ذليلة. والزند:

الذي يقدح به النار. والفاتك: الذي يرتكب ما دعت إليه النفس. والجري: الشجاع.

والماجن: الذي لا يبالي قولا " وفعلا ". والثمل: السكر، يقال: ثمل كفرح. والمراد هنا شدته، أو السكر بالتحريك، وهو الخمر، ونبيذ يتخذ من التمر.

15 - إكمال الدين: بالاسناد المتقدم عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، وعبد الرحمن بن محمد، عن محمد ابن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن هرثم، عن أبيه، عن جده أن أبا طالب قال: لما فارقه بحيراء بكى بكاء شديدا " وأخذ يقول: ابن آمنة كأني بك وقد رمتك العرب بوترها،

وقد قطعك الأقارب، ولو علموا لكنت لهم بمنزلة الأولاد، ثم التفت إلي وقال: أما أنت يا عم فارع فيه قرابتك الموصولة، واحفظ فيه وصية أبيك، فإن قريشا " ستهجرك فيه، فلا تبال فإني أعلم أنك لا تؤمن به، ولكن، سيؤمن به ولد تلده، وسينصره نصرا " عزيزا "، اسمه في السماوات البطل الهاصر، والشجاع الأقرع، منه الفرخان المستشهدان، وهو سيد العرب ورئيسها، وذو قرنيها، وهو في الكتب أعرف من أصحاب عيسى عليه السلام، فقال أبو طالب: قد رأيت والله كل الذي وصفه بحيراء وأكثر.

16 - إعلام الورى: أورد محمد بن إسحاق بن يسار، وساق مثل هذا الخبر ثم قال: وفي ذلك يقول أبو طالب في قصيدته الدالية أوردها محمد بن إسحاق بن يسار:

إن ابن آمنة النبي محمدا " * عندي بمثل منازل الأولاد لما تعلق بالزمام رحمته * والعيس قد قلصن بالأزواد فارفض من عيني دمع ذارف * مثل الجمان مفرد الافراد راعيت فيه قرابة موصولة * وحفظت فيه وصية الأجداد وأمرته بالسير بين عمومة * بيض الوجوه مصالت الأنجاد ساروا لابعد طية معلومة * ولقد تباعد طية المرتاد حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا * لاقوا على شرف من المرصاد

حبرا " فأخبرهم حديثا " صادقا " * عنه ورد معاشر الحساد قوما " يهودا " قد رأوا ما قد رأى * ظل الغمام وعز ذي الأكباد ساروا لقتل محمد فنهاهم * عنه وأجهد أحسن الاجهاد بيان -: البطل: الشجاع، والهاصر: الأسد الشديد الذي يفترس ويكسر، والأقرع المراد به الأصلع، وأما قوله: أعلم أنك لا تؤمن به المراد به الايمان الظاهري، والعيس بالكسر: الإبل البيض يخالط بياضها شئ من الشقرة. قوله: قد قلصن، أي اجتمعن وانضممن، والازواد جمع الزاد وهو الطعام المتخذ للسفر، والجمان هو اللؤلؤ الصغار، وقيل: حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ، والمصالت جمع المصلت بالكسر وهو الماضي في الأمور، والأنجاد جمع نجد بالفتح وهو الشجاع، وقال الجوهري: قال الخليل:

الطية تكون منزلا، وتكون منتأى، تقول: من مضى لطية أي لنيته التي انتواها، وبعدت عنا طيتة، وهو المنزل الذي انتواه.

17 - إكمال الدين: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان يرفعه قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أراد أبو طالب يخرج إلى الشام في عير قريش، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وتشبث بالزمام وقال: يا عم على من تخلفني؟ لا على أم، ولا على أب وقد كانت أمه توفيت، فرق له أبو طالب ورحمه وأخرجه معه، وكانوا إذا ساروا

تسير على رأس رسول الله الغمامة تظله من الشمس، فمروا في طريقهم برجل يقال له:

بحيراء، فلما رأى الغمامة تسير معهم نزل من صومعته، فأخذ لقريش طعاما " وبعث إليهم يسألهم أن يأتوه فأتوه، وخلفوا رسول الله صلى الله عليه وآله في الرحل، فنظر بحيراء إلى الغمامة قائمة، فقال لهم: هل بقي منكم أحد لم يأتني؟ فقالوا: ما بقي منا إلا غلام حدث خلفناه في الرحل، فقال: لا ينبغي أن يتخلف عن طعامي أحد منكم، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فلما أقبل أقبلت الغمامة، فلما نظر إليه بحيراء قال: من هذا الغلام؟ قالوا: ابن هذا، وأشاروا إلى أبي طالب، فقال له بحيراء: هذا ابنك؟ فقال أبو طالب: هذا ابن أخي، قال:

ما فعل أبوه؟ قال: توفي وهو حمل، فقال بحيراء لأبي طالب: رد هذا الغلام في بلاده ، فإنه إن علمت منه اليهود ما أعلم منه قتلوه، فإن لهذا شأنا " من الشأن، هذا نبي هذه الأمة، هذا نبي السيف.

18 - إكمال الدين: القطان وابن موسى والسناني جميعا "، عن ابن زكريا القطان، عن محمد ابن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد، قال: حدثني أبي وحدثني الهيثم بن عمر المزني، عن عمه، عن يعلى النسابة قال: خرج خالد بن أسيد بن أبي العاص وطليق ابن أبي سفيان بن أمية تجارا " إلى الشام سنة خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فيها، فكانا معه، وكانا يحكيان أنهما رأيا في مسيره وركوبه مما يصنع الوحش والطير، فلما توسطنا سوق بصرى إذا نحن بقوم من الرهبان قد جاءوا متغيري الألوان، كأن على وجوهم الزعفران نرى منهم الرعد، فقالوا: يجب أن تأتوا أكبرنا، فإنه هاهنا قريب في الكنيسة العظمى، فقلنا: ما لنا ولكم؟ فقالوا: ليس يضركم من هذا شئ، ولعلنا نكرمكم، وظنوا أن واحد منا محمد، فذهبنا معهم حتى دخلنا معهم الكنيسة العظيمة البنيان، فإذا " كبيرهم قد توسطهم وحوله تلامذته، وقد نشر كتابا " في يده، فأخذ ينظر

إلينا مرة، وفي الكتاب مرة، فقال لأصحابه: ما صنعتم شيئا "، لم تأتوني بالذي أريد، وهو الآن هاهنا، ثم قال لنا: من أنتم؟ قلنا: رهط من قريش، فقال: من أي قريش؟

فقلنا: من بني عبد شمس، فقال لنا: معكم غيركم؟ فقلنا: نعم شاب من بني هاشم، نسميه يتيم بني عبد المطلب، فوالله لقد نخر نخرة كاد أن يغشى عليه، ثم وثب فقال: أوه أوه هلكت النصرانية والمسيح، ثم قام واتكأ على صليب من صلبانه وهو مفكر وحوله ثمانون رجلا " من البطارقة والتلامذة، فقال لنا: فيخف عليكم أن ترونيه؟ فقلنا له: نعم، فجاء معنا، فإذا " نحن بمحمد، قائم في سوق بصرى، والله لكأنا لم نر وجهه إلا يومئذ، كان هلالا " يتلألأ من وجهه، قد ربح الكثير، واشترى الكثير فأردنا أن نقول للقين: هو هذا، فإذا " هو قد سبقنا فقال: هو قد عرفته والمسيح فدنا منه، وقبل رأسه، وقال: أنت المقدس ، ثم أخذ يسأله عن أشياء من علاماته فأخذ النبي صلى الله عليه وآله يخبره فسمعناه يقول:

لئن أدركت زمانك لأعطين السيف حقه، ثم قال لنا: أتعلمون ما معه معه الحياة والموت؟

من تعلق به حيي طويلا "، ومن زاغ عنه مات موتا " لا يحي بعده أبدا "، هو الذي معه الربح الأعظم، ثم قبل وجهه ورجع راجعا ".

بيان: قوله: للقين: ألقين العبد، ولعلهم أرادوا أن يغلطوه ويكذبوه فأرادوا أن يشيروا إلى عبد أنه هو فعرفه قبل ذلك، وفي بعض النسخ للقس وهو الظاهر.

19 - إكمال الدين: القطان وابن موسى والسناني جميعا "، عن ابن زكريا القطان، عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد، عن أبيه، وقيس بن سعد الدئلي، عن عبد الله بن بحير الفقعسي، عن بكر بن عبد الله الأشجعي، عن آبائه قالوا: خرج سنة خرج

رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الشام عبد مناة بن كنانة، ونوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن نعمان بن عدي تجارا " إلى الشام، فلقاهما أبو چالمويهب الراهب فقال لهما: من أنتما؟

قالا: نحن تجار من أهل الحرم من قريش، فقال لهما: من أي قريش؟ فأخبراه، فقال لهما: هل قدم معكما من قريش غيركما؟ قالا: نعم شاب مع بني هاشم اسمه محمد، فقال أبو المويهب: إياه والله أردت، فقالا: والله ما في قريش أخمل منه ذكرا "، إنما يسمونه بيتيم قريش، وهو أجير لامرأة منا يقال لها: خديجة، فما حاجتك إليه؟ فأخذ يحرك رأسه ويقول: هو هو، فقال لهما: تدلاني عليه، فقالا: تركناه في سوق بصرى، فبينا هم في الكلام إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: هو هذا، فخلا به ساعة يناجيه و يكلمه، ثم أخذ يقبل بين عينيه، وأخرج شيئا " من كمه لا ندري ما هو ورسول الله صلى الله عليه وآله يأبى أن يقبله، فلما فارقه قال لنا: تسمعان مني؟ هذا والله نبي آخر الزمان، والله سيخرج إلى قريب يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإذا رأيتم ذلك فاتبعوه، ثم قال: هل ولد لعمه أبي طالب ولد يقال له: علي؟ فقلنا: لا، فقال: إما أن يكون قد ولد، أو يولد في سنته، هو أول من يؤمن به، نعرفه، وإنا لنجد صفته عندنا بالوصية كما نجد صفة محمد بالنبوة، وإنه سيد العرب وربانيها وذو قرنيها، يعطي السيف حقه، اسمه في الملا الاعلى علي، وهو أعلى الخلائق يوم القيامة بعد الأنبياء ذكرا "، وتسميه الملائكة البطل الأزهر المفلح لا يتوجه إلى وجه إلا أفلح وظفر، والله هو

أعرف بين أصحابه في السماء من الشمس الطالعة.

20 - إكمال الدين: أحمد بن محمد بن الحسين، عن محمد بن يعقوب بن يوسف، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بن بشار المدني قال:

كان زيد بن عمرو بن نفيل أجمع على الخروج من مكة يضرب في الأرض، ويطلب الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام، وكانت امرأته صفية بنت الحضرمي كلما أبصرته قد نهض إلى الخروج وأراده آذنت به الخطاب بن نفيل، فخرج زيد إلى الشام يلتمس ويطلب في أهل الكتاب دين إبراهيم عليه السلام ويسأل عنه، فلم يزل في ذلك فيما يزعمون حتى أتى الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل حتى أتى الشام فجال فيها حتى أتى راهبا " من أهل البلقاء فتبعه، كان ينتهي إليه علم النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام فقال له الراهب: إنك لتسأل عن دين ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، لقد درس علمه، وذهب من كان يعرفه، ولكنه قد أظلك خروج نبي يبعث بأرضك التي خرجت منها بدين إبراهيم الحنيفية، فعليك ببلادك فإنه مبعوث، الآن هذا زمانه، ولقد كان شام اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئا " منهما، فخرج مسرعا " حين قال له الراهب ما قال يريد مكة حتى إذا كان بأرض لخم عدوا عليه فقتلوه، فقال ورقة بن نوفل وكان قد اتبع مثل

رأي زيد ولم يفعل في ذلك ما فعل فبكاه ورقة وقال فيه:

رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا " من النار حاميا بدينك ربا " ليس رب كمثله * وتركك أوثان الطواغي كما هيا وقد تدرك الانسان رحمة ربه * ولو كان تحت الأرض ستين واديا 21 - مناقب ابن شهرآشوب: عن محمد بن إسحاق مثله.

بيان: قوله: شام اليهودية، بتشديد الميم، قال الجزري: يقال شاممت فلانا ":

إذا قاربته وتعرفت ما عنده بالاختبار والكشف، وهي مفاعلة من الشم، كأنك تشم ما عندك، ويشم ما عنده لتعملا بمقتضى ذلك انتهى.

واللخم بالتحريك: وأدبا لحجاز، بسكون الخاء بلالام حي باليمن.

22 - إكمال الدين: بهذا الاسناد عن محمد بن إسحاق بن بشار المدني، عن محمد بن جعفر بن الأثير، ومحمد بن عبد الرحمان بن عبد الله بن الحصين التميمي أن عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد قالا: يا رسول الله تستغفر لزيد (5)؟ قال: نعم فاستغفروا له، إنه يبعث أمة واحدة.

23 - إكمال الدين: بالاسناد المتقدم عن يونس بن بكير، عن المسعودي، عن نفيل بن هشام، عن أبيه أن جده سعيد بن زيد سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن أبيه زيد بن عمر، فقال: يا رسول

الله إن بن عمرو كان كما رأيت وكما بلغك فلو أدركك لآمن بك، فأستغفر له؟

قال: نعم فاستغفر له، وقال: إنه يجئ يوم القيامة أمة واحدة، وكان فيما ذكروا أنه يطلب الدين فمات وهو في طلبه.

24 - إكمال الدين: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير والبزنطي معا "، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله بكعب بن أسد ليضرب عنقه فاخرج وذلك في غزوة بني قريظة نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: يا كعب أما نفعك وصية ابن حواش الحبر المقبل من الشام (4)؟ فقال:

(تركت الخمر والخمير، وجئت إلى البؤس والتمور لنبي يبعث، هذا أوان خروجه، يكون مخرجه بمكة، وهذه دار هجرته، وهو الضحوك القتال، يجتزئ بالكسرة و التميرات، ويركب الحمار العاري، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة ، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي بمن لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر) قال كعب: قد كان ذلك يا محمد، ولولا أن اليهود تعيرني أني جبنت عند القتل لآمنت بك وصدقتك، ولكني على دين اليهودية عليه أحي وعليه أموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قدموه واضربوا عنقه، فقدم وضربت عنقه.

25 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق بإسناده إلى ابن أورمة، عن عيسى بن العباس، عن محمد بن عبد الكريم التفليسي، عن عبد المؤمن بن محمد رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

أوحى الله تعالى جلت عظمته إلى عيسى عليه السلام: جد في أمري ولا تترك، إني خلقتك من غير فحل آية للعالمين، أخبرهم آمنوا بي وبرسولي النبي الأمي نسله من مباركة،

وهي مع أمك في الجنة طوبى لمن سمع كلامه، وأدرك زمانه، وشهد أيامه: قال عيسى:

يا رب وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة تحتها عين، من شرب منها شربة لم يظمأ بعدها أبدا "، قال عيسى: يا رب اسقني منها شربة؟ قال: كلا يا عيسى، إن تلك العين محرمة على الأنبياء حتى يشربها ذلك النبي، وتلك الجنة محرمة على الأمم حتى يدخلها أمة ذلك النبي.

26 - الخرائج: فصل ونذكر هاهنا شيئا " مما في الكتب المتقدمة من ذكر نبينا، و كيف بشرت الأنبياء قبله بألفاظهم، منها ألفاظ التوراة في هذا الباب في السفر الأول منه: إن الملك نزل على إبراهيم فقال له: إنه يولد في هذا العالم لك غلام اسمه إسحاق فقال إبراهيم: ليت إسماعيل يعيش بين أيديك يخدمنك، فقال الله لإبراهيم: لك ذلك، قد استجيب في إسماعيل وإني ابركه وآمنه وأعظمه بما استجبت فيه، وتفسير هذا الحرف محمد، ويلد اثنى عشر عظيما "، واصيره لامة كثيرة.

وقال في التوراة: إن الملك نزل على هاجر أم إسماعيل وقد كانت خرجت مغاضبة لسارة وهي تبكي، فقال لها: ارجعي واخدمي مولاتك، واعلمي أنك تلدين غلاما " يسمى إسماعيل، وهو يكون معظما " في الأمم، ويده على كل يد.

ولم يكن ذلك لإسماعيل ولا لاحد من ولده غير نبينا.

وقال في التوراة: إن إبراهيم لما أخرج إسماعيل وأمه هاجر أصابهما عطش، فنزل عليهما ملك وقال لها: لا تهاوني بالغلام، وشدي يديك به، فإني أريد أن أصيره لأمر عظيم.

فإن قيل: هذا تبشير بملك وليس فيه ذكر نبوة، قلنا: الملك ملكان: ملك كفر وملك هدى، ولا يجوز أن يبشر الله إبراهيم عليه السلام وهاجر بظهور الكفر في ولدهما، و يصفه بالعظم.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.