پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب النبوة

باب 9 قصص يعقوب ويوسف على نبينا وآله وعليهما الصلاة والسلام

ج ۱۲، ص ۳۳۲–۳۳۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۵ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۲

الرابع: أنه النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش، والدليل عليه أن الأنبياء بعثوا لمنع الخلق عن القبائح والفضائح، فلو أنهم منعوا الناس عنها ثم أقدموا على أقبح أنواعها وأفحش أقسامها لدخلوا تحت قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون.

كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون " وأيضا إن الله تعالى عير اليهود بقوله: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم " وما يكون عيبا في حق اليهود كيف ينسب إلى الرسول المؤيد بالمعجزات؟!

وأما الذين نسبوا المعصية إلى يوسف عليه السلام فقد ذكروا في تفسير ذلك البرهان أمورا:

الأول: قالوا: إن المرأة قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب، فقال يوسف: ولم؟ قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني على المعصية، فقال يوسف: تستحى من صنم لا يعقل ولا يسمع، ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت؟! فوالله لا أفعل ذلك أبدا، قالوا: فهذا هو البرهان.

الثاني: نقلوا عن ابن عباس أنه مثل له يعقوب فرآه عاضا على أصابعه ويقول له:

أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء؟ فاستحيى منه، قالوا: هو قول عكرمة ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين، قال سعيد بن جبير:

تمثل له يعقوب فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله.

الثالث: قالوا: إنه سمع في الهواء قائلا يقول: يا ابن يعقوب لا تكن كالطير يكون له ريش فإذا زنى ذهب ريشه.

والرابع: نقلوا عن ابن عباس أن يوسف لم يزدجر برؤية صورة يعقوب حتى ركضه جبرئيل عليه السلام فلم يبق فيه شئ من الشهوة إلا خرج.

ولما نقل الواحدي هذه الروايات تصلف وقال : هذا الذي ذكرناه قول أئمة التفسير الذين أخذوا التأويل عمن شاهد التنزيل، فيقال له: إنك لا تأتينا البتة إلا بهذه التصلفات التي لا فائدة فيها، فأين الحجة والدليل؟ وأيضا فإن ترادف الدلائل على الشئ الواحد جائز، وإنه عليه السلام كان ممتنعا عن الزنا بحسب الدلائل الأصلية، فلما انضاف إليها هذه الزواجر قوي الانزجار وكمل الاحتراز، والعجب أنهم نقلوا أن جروا دخل تحت حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وبقي هناك بغير علمه، قالوا: فامتنع جبرئيل من الدخول عليه أربعين يوما.

وههنا زعموا أن يوسف حال اشتغاله بالفاحشة ذهب إليه جبرئيل، والعجب أيضا أنهم زعموا أنه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب حضور جبرئيل! ولو أن أفسق الخلق وأكفرهم

كان مشغولا بفاحشة فإذا دخل عليه رجل صالح على زي الصالحين استحيى منه وفر وترك ذلك العمل، وههنا رأى يعقوب عض على أنامله ولم يلتفت! ثم إن جبرئيل على جلالة قدره دخل عليه فلم يمتنع أيضا عن ذلك القبيح بسبب حضوره حتى احتاج جبرئيل إلى أن ركضه على ظهره! نسأل الله تعالى أن يصوننا عن العمى في الدين والخذلان في طلب اليقين، فهذا هو الكلام الملخص في هذه المسألة. انتهى. أقول: قد عرفت أن الوجهين اللذين اختارهما أومأ الرضا عليه السلام إلى أحدهما في خبر أبي الصلت حيث قال: وأما قوله عز وجل في يوسف: " وقد همت به وهم بها " فإنها همت بالمعصية وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما داخله فصرف الله عنه قتلها والفاحشة، وهو قوله: " كذلك لنصرف عنه السوء " يعني القتل " والفحشاء " يعني الزنا، وأشار إليهما معا في خبر ابن الجهم حيث قال: لقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همت، لكنه كان معصوما والمعصوم لا يهم بذنب ولا يأتيه، ولقد حدثني أبي، عن أبيه الصادق عليه السلام أنه قال: همت بأن تفعل وهم بأن لا يفعل.

أقول: لا يتوهم خطأ في قصده القتل، إذ الدفع عن العرض والاحتراز عن المعصية لازم وإن انجر إلى القتل، ولكن الله تعالى نهاه عند ذلك لمصلحة: إما لئلا يقتل قودا، أو لئلا يتهم بسوء كما يومئ إليهما: " كذلك لنصرف عنه السوء " أو لغير ذلك من المصالح ويمكن أن يكون في شرعه عليه السلام قتل مريد مثل هذا الامر مجوزا، وعلى الخبر الأخير يمكن أن يكون المراد برؤية برهان ربه نزول جبرئيل عليه تعبيرا عن النبوة بما يلزمه.

ثم اعلم أن الاخبار الاخر الموافقة لجماعة كثيرة من المخالفين فظاهر أنها محمولة على التقية، وقد اتضح ذلك من الاخبار أيضا، وأما أخبار إلقاء الثوب فإذا لم نحملها على التقية فليس فيها تصريح بأن ذلك وقع بعد قصد الفاحشة أو رضاه عليه السلام بما همت

به، ولعله تعالى سبب ذلك تأييدا للعصمة وإلقاء للحجة التي يحتج بها يوسف عليه السلام عليها كما أوما إليه الرازي أيضا.

الفصل الثالث: في معنى سجودهم له عليه السلام.

أقول: قد ذكرنا بعض ما يناسب هذا المقام في باب سجود الملائكة لآدم عليه السلام وقد أوردنا في هذا الباب الذي نحن فيه الأخبار الواردة في توجيه ذلك، ولذكر هنا ما ذكره الرازي في هذا المقام لكمال الايضاح، قال: وأما قوله: " وخروا له سجدا " ففيه إشكال، وذلك لان يعقوب كان أبا يوسف وحق الأبوة حق عظيم، قال تعالى: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " فقرن حق الوالدين بحق نفسه، وأيضا أنه كان شيخا والشاب يجب عليه تعظيم الشيخ. والثالث: أنه كان من أكابر الأنبياء، ويوسف وإن كان نبيا إلا أن يعقوب كان أعلى حالا منه. والرابع: أن جده واجتهاده في تكثير الطاعات أكثر من جد يوسف، ولما اجتمعت هذه الجهات الكثيرة فهذا يوجب أن يبالغ يوسف في خدمة يعقوب، فكيف استجاز يوسف أن يسجد له يعقوب؟ هذا تقرير السؤال. والجواب عنه من وجوه:

الأول وهو قول ابن عباس في رواية عطا: أن المراد بهذه الآية أنهم خروا له، أي لأجل وجدانه سجدا لله، وحاصله أنه كان ذلك سجود الشكر، فالمسجود له هو الله إلا أن ذلك السجود إنما كان لأجله، والدليل على صحة هذا التأويل أن قوله: " ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا " مشعر بأنهم صعدوا ذلك السرير ثم سجدوا، ولو أنهم سجدوا ليوسف لسجدوا له قبل الصعود على السرير، لان ذلك أدخل في التواضع.

فإن قالوا: هذا التأويل لا يطابق قوله: " يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل " والمراد منه قوله: إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين " قلنا: بل هذا مطابق له، ويكون المراد من قوله: " والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين " أي رأيتهم ساجدين لأجلي، أي أنها سجدت لله لطلب مصلحتي والسعي في إعلاء منصبي، وإذا كان هذا

محتملا سقط السؤال، وعندي أن هذا التأويل متعين لأنه يبعد من عقل يوسف ودينه أن يرضى بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولادة والشيخوخة والعلم والدين وكمال النبوة.

والوجه الثاني في الجواب أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكرا لنعمة وجدانه، وهذا أيضا تأويل حسن فإنه يقال: صليت للكعبة كما يقال: صليت إلى الكعبة.

قال حسان: ما كنت أعرف أن الامر منصرف * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتكم * وأعرف الناس بالآثار والسنن وهذا يدل على أنه يجوز أن يقال: فلان صلى للقبلة، فكذلك يجوز أن يقال:

سجد للقبلة، فقوله: " وخروا له سجدا " أي جعلوه كالقبلة، ثم سجدوا لله شكرا لنعمة وجدانه.

الوجه الثالث في الجواب أن التواضع قد يسمى سجودا كقوله: ترى الاكم فيها سجدا للحوافر. فكان المراد ههنا التواضع إلا أن هذا مشكل لأنه تعالى قال: " وخروا له سجدا " والخرور إلى السجدة مشعر بالاتيان بالسجدة على أكمل الوجوه، وأجيب عنه بأن الخرور يعني به المرور فقط، قال تعالى: " لم يخروا عليها صما وعميانا " يعني لم يمروا.

الوجه الرابع في الجواب: أن نقول: الضمير في قوله: " وخروا له " غير عائد إلى الأبوين لا محالة، وإلا لقال: وخرا له ساجدين، بل الضمير عائد إلى إخوته وإلى سائر من كان يدخل عليه لأجل التهنئة، فالتقدير: ورفع أبويه على العرش، مبالغة في تعظيمهما وأما الاخوة وسائر الداخلين فخروا له ساجدين، فإن قالوا: فهذا لا يلائم قوله: " يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل " قلنا: إن تعبير الرؤيا لا يجب أن يكون مطابقا للرؤيا بحسب

الصورة والصفة من كل الوجوه، فسجود الكواكب والشمس والقمر تعبيره تعظيم الأكابر من الناس له، ولا شك أن ذهاب يعقوب مع أولاده من كنعان إلى مصر لأجل نهاية التعظيم له فيكفي هذا القدر في صحة الرؤيا فأما أن يكون التعبير مساويا لأصل الرؤيا في الصفة والصورة فلم يقل بوجوبه أحد من العقلاء.

الوجه الخامس في الجواب: لعل الفعل الدال على التحية والاكرام في ذلك الوقت هو السجود، فكان مقصودهم من السجود تعظيمه وهو في غاية البعد لان المبالغة في التعظيم كانت أليق بيوسف منها بيعقوب، فلو كان الامر كما قلتم لكان من الواجب أن يسجد يوسف ليعقوب.

الوجه السادس فيه أن يقال: لعل إخوته حملتهم الأنفة والاستعلاء على أن لا يسجدوا له على سبيل التواضع، وعلم يعقوب أنهم لو لم يفعلوا ذلك لصار ذلك سببا لثوران الفتن وظهور الأحقاد القديمة بعد كمونها، فهو مع جلالة قدره وعظيم حقه بسبب الأبوة والشيخوخة والتقدم في الدين والعلم والنبوة فعل ذلك السجود حتى يصير مشاهدتهم لذلك سببا لزوال تلك الأنفة والنفرة عن قلوبهم.

ألا ترى أن السلطان الكبير إذا نصب محتسبا فإذا أراد تربيته مكنه من إقامة الحسبة عليه ليصير ذلك سببا في أن لا يبقى في قلب أحد منازعة ذلك المحتسب في إقامة الحسبة فكذا ههنا.

الوجه السابع: لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا هو، كما أنه أمر الملائكة بسجودهم لادم لحكمة لا يعرفها إلا هو، ويوسف ما كان راضيا بذلك في قلبه إلا أنه لما علم أن الله أمره بذلك سكت.

ثم حكى تعالى أن يوسف لما رأى هذه الحالة قال: " يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا " وفيه بحثان :

الأول: قال ابن عباس: لما رأى سجود أبويه وإخوته له هاله ذلك واقشعر جلده منه وقال ليعقوب: " هذا تأويل رؤياي من قبل " وأقول: هذا يقوي الجواب السابع

كأنه يقول: يا أبت لا يليق بمثلك على جلالتك من العلم والدين والنبوة أن تسجد لولدك إلا أن هذا أمر أمرت به وتكليف كلفت به فإن رؤيا الأنبياء حق، فكما أن رؤيا إبراهيم عليه السلام ذبح ولده صار سببا لوجوب ذلك الذبح عليه في اليقظة فكذلك صارت هذه الرؤيا التي رآها يوسف وحكاها ليعقوب سببا لوجوب ذلك السجود عليه، فلهذا السبب حكى ابن عباس أن يوسف لما رأى ذلك هاله واقشعر منه جلده، ولكنه لم يقل شيئا.

وأقول: لا يبعد أن يكون ذلك من تمام تشديد الله تعالى على يعقوب، كأنه قيل له: أنت كنت دائم الرغبة في وصاله، دائم الحزن بسب فراقه، فإذا وجدته فاسجد له، فكان الامر بتلك السجدة من تمام التشديد والله العالم بحقائق الأمور. انتهى ما أردنا إيراده من كلامه، ولا نشتغل برد ما حققه وقبوله لئلا يطول الكلام وإنما أوردنا كلامه بطوله ليتضح لك ما صدر عنهم عليهم السلام في الاخبار السالفة لتوجيه ذلك، ولعلك لا تحتاج بعد ذلك إلى مزيد إيضاح وبيان; ومن الله التوفيق وعليه التكلان.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.