پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب النبوة

باب 10 قصص أيوب عليه السلام الآيات، الأنبياء 21 وأيوب إذ

ج ۱۲، ص ۳۳۸–۳۶۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۲

83 - 84.

ص " 38 " واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب * اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب * ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب * وخذ بيدك ضغثا فاضرب ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب

41 - 44.

تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " وأيوب " أي واذكر أيوب حين دعا ربه لما اشتدت المحنة به " أني مسني الضر " أي نالني الضر وأصابني الجهد " وأنت أرحم الراحمين " وهذا تعريض منه بالدعاء لإزالة ما به من البلاء . " بنصب وعذاب " أي بتعب ومكروه ومشقة; وقيل: بوسوسة فيقول له: طال مرضك ولا يرحمك ربك; وقيل: بأن يذكره ما كان فيه من نعم الله تعالى وكيف زال ذلك كله طمعا أن يزله بذلك فوجده صابرا مسلما لأمر الله; وقيل: إنه اشتد مرضه حتى تجنبه الناس فوسوس الشيطان إلى الناس أن يستقذروه ويخرجوه من بينهم ولا يتركوا امرأته التي تخدمه أن تدخل عليهم، فكان أيوب يتأذى بذلك ويتألم منه، ولم يشك الألم الذي كان من أمر الله; قال قتادة: دام ذلك سبع سنين، وروي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام " اركض برجلك " أي ادفع برجلك الأرض " هذا مغتسل بارد وشراب " وفي الكلام حذف أي فركض برجله فنبعت بركضته عين ماء; وقيل: نبعت عينان فاغتسل من إحداهما فبرئ، وشرب من الأخرى فروي; والمغتسل: الموضع الذي يغتسل فيه; وقيل: هو اسم للماء الذي يغتسل به " وخذ بيدك ضغثا " وهو ملء الكف من الشماريخ وما أشبه ذلك، أي وقلنا له ذلك، وذلك أنه حلف على امرأته لأمر أنكره من قولها إن هو في ليضربنها مائة جلدة، فقيل له: خذ ضغثا بعدد ما حلفت " فاضرب به " أي واضربها به دفعة واحدة، فإنك إذا فعلت ذلك برت يمينك " ولا تحنث " في يمينك.

وروي عن ابن عباس أنه قال: كان السبب في ذلك أن إبليس لقيها في صورة طبيب فدعته إلى مداواة أيوب، فقال: أداويه على أنه إذا برئ قال: أنت شفيتني، لا أريد جزاء سواه، قالت: نعم، فأشارت إلى أيوب بذلك، فحلف ليضربنها; وقيل: إنها كانت ذهبت في حاجة فأبطأت في الرجوع فضاق صدر المريض فحلف " إنه أواب " أي رجاع إلى الله، منقطع إليه.

وروى العياشي بإسناده أن عباد المكي قال: قال لي سفيان الثوري: إني أرى لك من أبي عبد الله منزلة فاسأله عن رجل زنى وهو مريض فإن أقيم عليه الحد خافوا أن يموت

ما يقول فيه، فسألته فقال لي: هذه المسألة من تلقاء نفسك أو أمرك بها إنسان؟ فقلت:

إن سفيان الثوري أمرني أن أسألك عنها، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله اتي برجل أحبن قد استسقى بطنه، وبدت عروق فخذيه، وقد زنى بامرأة مريضة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله فأتي بعرجون فيه مائة شمراخ فضربه به ضربة وخلى سبيلهما، وذلك قوله: " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث " انتهى. أقول: روى الصدوق في الفقيه بسنده الصحيح عن الحسن بن محبوب، عن حنان ابن سدير، عن عباد الملكي مثله. والحبن محركة: داء في البطن يعظم منه ويرم.

1 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن عثمان النوا، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن الله عز وجل يبتلي المؤمن بكل بلية ويميته بكل ميتة، ولا يبتليه بذهاب عقله، أما ترى أيوب كيف سلط إبليس على ماله وعلى ولده و على أهله وعلى كل شئ منه ولم يسلط على عقله، ترك له ليوحد الله به.

عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سنان مثله.

2 - الكافي: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن الحسن الميثمي عن أبان بن عثمان، عن عبد الاعلى مولى آل سام قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: تؤتى بالمرأة الحسناء يوم القيامة التي قد افتتنت في حسنها، فتقول: يا رب حسنت خلقي حتى لقيت ما لقيت، فيجاء بمريم عليها السلام فيقال: أنت أحسن أو هذه؟ قد حسناها فلم تفتتن، ويجاء بالرجل الحسن الذي قد افتتن في حسنه، فيقول: يا رب حسنت خلقي حتى لقيت من النساء ما لقيت; فيجاء بيوسف ويقال: أنت أحسن أو هذا؟ قد حسناه فلم يفتتن، و يجاء بصاحب البلاء الذي قد أصابته الفتنة في بلائه فيقول: يا رب شددت علي البلاء حتى افتتنت فيؤتى بأيوب فيقال: أبليتك أشد أو بلية هذا؟ فقد ابتلي فلم يفتتن.

3 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن ابن فضال، عن عبد الله بن بحر، عن ابن مسكان، عن أبي بصير

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن بلية أيوب عليه السلام التي ابتلي بها في الدنيا لأي علة كانت؟ قال: لنعمة أنعم الله عليه بها في الدنيا وأدى شكرها، وكان في ذلك الزمان لا يحجب إبليس عن دون العرش، فلما صعد ورأي شكر نعمة أيوب حسده إبليس فقال: يا رب إن أيوب لم يؤد إليك شكر هذه النعمة إلا بما أعطيته من الدنيا، ولو حرمته دنياه ما أدى إليك شكر نعمة أبدا، فسلطني على دنياه حتى تعلم أنه لا يؤدي إليك شكر نعمة أبدا، فقيل له: قد سلطتك على ماله وولده، قال: فانحدر إبليس فلم يبق له مالا ولا ولدا إلا أعطبه، فازداد أيوب لله شكرا وحمدا، فقال: فسلطني على زرعه يا رب، قال: قد فعلت، فجاء مع شياطينه فنفخ فيه فاحترق، فازداد أيوب لله شكرا وحمدا، فقال:

يا رب سلطني على غنمه، فسلطه على غنمه فأهلكها فازداد أيوب لله شكرا وحمدا، فقال:

يا رب سلطني على بدنه، فسلطه على بدنه ما خلا عقله وعينيه فنفخ فيه إبليس فصار قرحة واحدة من قرنه إلى قدمه، فبقي في ذلك دهرا طويلا يحمد الله ويشكره حتى وقع في بدنه الدود، و كانت تخرج من بدنه فيردها ويقول لها: ارجعي إلى موضعك الذي خلقك الله منه، ونتن حتى أخرجه أهل القرية من القرية وألقوه على المزبلة خارج القرية، وكانت امرأته رحمة بنت يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله صلى الله عليهم وعليها تتصدق من الناس وتأتيه بما تجده.

قال: فلما طال عليه البلاء ورأي إبليس صبره أتى أصحابا له كانوا رهبانا في الجبال وقال لهم: مروا بنا إلى هذا العبد المبتلى فنسأله عن بليته، فركبوا بغالا شهبا وجاؤوا، فلما دنوا منه نفرت بغالهم من نتن ريحه، فقرنوا بعضا إلى بعض ثم مشوا

إليه، وكان فيهم شاب حدث السن فقعدوا إليه فقالوا: يا أيوب لو أخبرتنا بذنبك لعل الله كان يهلكنا إذا سألناه وما نرى ابتلاءك بهذا البلاء الذي لم يتبل به أحد إلا من أمر كنت تستره، فقال أيوب: وعزة ربي إنه ليعلم أني ما أكلت طعاما إلا ويتيم أو ضعيف يأكل معي، وما عرض لي أمران كلاهما طاعة لله إلا أخذت بأشدهما على بدني، فقال الشاب: سوأة لكم عمدتم إلى نبي الله فعيرتموه حتى أظهره من عبادة ربه ما كان يسترها؟ فقال أيوب:

يا رب لو جلست مجلس الحكم منك لادليت بحجتي، فبعث الله إليه غمامة فقال: يا أيوب أدلني بحجتك فقد أقعدتك مقعد الحكم وها أنا ذا قريب ولم أزل، فقال: يا رب إنك لتعلم أنه لم يعرض لي أمران قط كلاهما لك طاعة إلا أخذت بأشدهما على نفسي، ألم أحمدك؟ ألم أشكرك؟ ألن أسبحك؟ قال: فنودي من الغمامة بعشرة آلاف لسان: يا أيوب من صيرك تعبد الله والناس عنه غافلون؟ وتحمده وتسبحه وتكبره والناس عنه غافلون؟

أتمن على الله بما لله المن فيه عليك؟. قال: فأخذ أيوب التراب فوضعه في فيه، ثم قال: لك العتبى يا رب أنت الذي فعلت ذلك بي، قال: فأنزل الله عليه ملكا فركض برجله فخرج الماء فغسله بذلك الماء، فعاد أحسن ما كان وأطرأ، وأنبت الله عليه روضة خضراء، ورد عليه أهله وماله وولده وزرعه، وقعد معه الملك يحدثه ويؤنسه، فأقبلت امرأته ومعها الكسر فلما انتهت إلى الموضع إذا الموضع متغير وإذا رجلان جالسان، فبكت وصاحت وقالت: يا أيوب ما دهاك؟ فناداها أيوب فأقبلت فلما رأته وقد رد الله عليه بدنه ونعمته سجدت لله شكرا، فرأى ذوائبها مقطوعة، وذلك أنها سألت قوما أن يعطوها ما تحمله إلى أيوب من الطعام وكانت حسنة الذؤابة فقالوا لها: تبيعينا ذؤابتك هذه حتى نعطيك، فقطعتها و

دفعتها إليهم، وأخذت منهم طعاما لأيوب، فلما رآها مقطوعة الشعر غضب وحلف عليها أن يضربها مائة، فأخبرته أنه كان سببه كيت وكيت فاغتم أيوب من ذلك، فأوحى الله إليه: " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث " فأخذ مائة شمراخ فضربها ضربة واحدة، فخرج من يمينه. ثم قال: " ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب " قال: فرد الله عليه أهله الذين ماتوا قبل البلية، ورد عليه أهله الذين ماتوا بعد ما أصابهم البلاء كلهم أحياهم الله تعالى له فعاشوا معه. وسئل أيوب بعد ما عافاه الله: أي شئ كان أشد عليك مما مر عليك؟ قال: شماتة الأعداء، قال فأمطر الله عليه في داره فراش الذهب وكان يجمعه فإذا ذهب الريح منه بشئ عدا خلفه فرده، فقال له جبرئيل: ما تشبع يا أيوب؟

قال: ومن يشبع من رزق ربه؟. بيان: قوله: (لعل الله يهلكنا) أي لا يمكننا أن نسأل الله تعالى عن ذنبك لعلو قدرك عنده تعالى، واستعلامهم منه تعالى إما بتوسط نبي آخر أو بأنفسهم إذ كان في تلك الأزمنة يتأتى مثل ذلك لغير الأنبياء أيضا كما نقل، ويحتمل أن يكون سؤال العفو عن ذنبه والاستغفار له. وأدلى بحجته أي احتج بها. والعتبى بالضم: الرجوع عن الذنب والإساءة. والركض: تحريك الرجل. قولها: (ما دهاك) أي ما أصابك من الداهية والبلاء.

والضغث بالكسر: الحزمة الصغيرة من الحشيش وغيره.

4 - علل الشرائع: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما كانت بلية أيوب التي ابتلي بها في الدنيا

لنعمة أنعم الله بها عليه فأدى شكرها، وكان إبليس في ذلك الزمان لا يحجب دون العرش فلما سعد عمل أيوب بأداء شكر النعمة حسده إبليس فقال: يا رب إن أيوب لم يؤد شكر هذه النعمة إلا بما أعطيته من الدنيا، فلو حلت بينه وبين دنياه ما أدى إليك شكر نعمة، فسلطني على دنياه تعلم أنه لا يؤدي شكر نعمة، فقال: قد سلطتك على دنياه فلم يدع له دنيا ولا ولدا إلا أهلك كل ذلك وهو يحمد الله عز وجل، ثم رجع إليه فقال: يا رب إن أيوب يعلم أنك سترد إليه دنياه التي أخذتها منه، فسلطني على بدنه حتى تعلم أنه لا يؤدي شكر نعمة، قال عز وجل: قد سلطتك على بدنه ما عدا عينيه وقلبه ولسانه و سمعه، فقال أبو بصير: قال أبو عبد الله عليه السلام: فانقض مبادرا خشية آن تدركه رحمة الله عز وجل فيحول بينه وبينه فنفخ في منخريه من نار السموم فصار جسده نقطا نقطا. بيان: انقض الطائر: هوى ليقع.

5 - علل الشرائع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن يحيى البصري، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام عن بلية أيوب التي ابتلي بها في الدنيا لأية علة كانت؟ قال: لنعمة أنعم الله عليه بها في الدنيا فأدى شكرها، وكان في ذلك الزمان لا يحجب إبليس دون العرش فلما صعد أداء شكر نعمة أيوب حسده إبليس فقال: يا رب إن أيوب لم يؤد إليك شكر هذه النعمة إلا بما أعطيته من الدنيا، ولو حرمته دنياه ما أدى إليك شكر نعمة أبدا، قال: فقيل له: إني قد سلطتك على ماله وولده، قال: فانحدر إبليس فلم يبق له مالا ولا ولدا إلا أعطبه، فلما رأى إبليس أنه لا يصل إلى شئ من أمره قال: يا رب إن أيوب يعلم أنك سترد عليه دنياه التي أخذتها منه فسلطني على بدنه، قال: فقيل له: إني قد سلطتك على بدنه ما خلا قلبه ولسانه و عينيه وسمعه، قال: فانحدر إبليس متعجلا مخافة أن تدركه رحمة الرب عز وجل فتحول بينه وبين أيوب، فلما اشتد به البلاء وكان في آخر بليه جاءه أصحابه فقالوا له: يا أيوب

ما نعلم أحدا ابتلي بمثل هذه البلية إلا لسريرة سوء، فعلك أسررت سوءا في الذي تبدي لنا، قال: فعند ذلك ناجى أيوب ربه عز وجل فقال: رب ابتليتني بهذه البلية وأنت أعلم أنه لم يعرض لي أمران قط إلا ألزمت أخشنهما على بدني، ولم آكل اكلة قط إلا وعلى خواني يتيم، فلو أن لي منك مقعد الخصم لأدليت بحجتي، قال فعرضت له سحابة فنطق فيها ناطق فقال: يا أيوب أدل بحجتك، قال: فشد عليه مئزره وجثا على ركبتيه فقال: ابتليتني بهذه البلية وأنت تعلم أنه لم يعرض لي أمران قط إلا ألزمت أخشنهما على بدني، ولم آكل اكلة من طعام إلا وعلى خوانى يتيم، قال: فقيل له: يا أيوب من حبب إليك الطاعة؟ قال: فأخذ كفا من تراب فوضعه في فيه ثم قال: أنت يا رب. بيان: عل ولعل لغتان بمعنى.

6 - تفسير علي بن إبراهيم: محمد بن جعفر، عن محمد بن عيسى بن زياد، عن ابن فضال، عن ابن بكير وغيره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " وآتيناه أهله ومثلهم معهم " قال أحيى الله له أهله الذين كانوا قبل البلية، وأحيى له أهله الذين ماتوا وهو في بلية. بيان: قال الشيخ الطبرسي: قال ابن عباس وابن مسعود: رد الله سبحانه عليه أهله الذين هلكوا بأعيانهم، وأعطاه مثلهم معهم، وكذلك رد الله عليه أمواله ومواشيه بأعيانها، وأعطاه مثلها معها، وبه قال الحسن وقتادة وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام; وقيل: إنه خير أيوب فاختار إحياء أهله في الآخرة ومثلهم في الدنيا فأوتي على ما اختار، عن عكرمة ومجاهد.

وقال وهب: كان له سبع بنات وثلاثة بنين; وقال ابن يسار: سبعة بنين وسبع

بنات انتهى. وقال البيضاوي: بأن ولد له ضعف ما كان، أو أحيي ولده وولد له منهم نوافل انتهى. وروى بعض المفسرين عن ابن عباس أن الله تعالى رد على المرأة شبابها فولدت له ستة وعشرين ذكرا، وكان له سبعة بنين وسبع بنات أمحياهم الله له بأعيانهم.

7 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد والحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: " وآتيناه أهله ومثلهم معهم " قلت: ولده كيف أوتي مثلهم معهم؟ قال: أحيي له من ولده الذين كانوا ماتوا قبل ذلك بآجالهم مثل الذين هلكوا يومئذ.

8 - علل الشرائع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشاء، عن درست قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن أيوب ابتلي من غير ذنب.

9 - علل الشرائع: بهذا الاسناد عن الوشاء، عن فضل الأشعري، عن الحسين بن مختار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ابتلي أيوب سبع سنين بلا ذنب. الخصال: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشاء مثله. بيان: ما دلت عليه الرواية من كون مدة ابتلائه عليه السلام سبع سنين هو المعتمد، وقال البيضاوي: ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو سبعا وسبعة أشهر وسبع ساعات.

10 - علل الشرائع: بهذا الاسناد عن فضل الأشعري، عن الحسن بن الربيع، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى ابتلى أيوب عليه السلام بلا ذنب، فصبر حتى عير وإن الأنبياء لا يصبرون على التعيير.

11 - دعوت الراوندي: قال النبي صلى الله عليه وآله: أوحى الله إلى أيوب عليه السلام: هل

تدري ما ذنبك إلي حين أصابك البلاء؟ قال: لا، قال: إنك دخلت على فرعون فداهنت في كلمتين.

12 - وعن ابن عباس أن امرأة أيوب قالت له يوما: لو دعوت الله أن يشفيك، فقال: ويحك كنا في النعماء سبعين عاما فهلم نصبر في الضراء مثلها، قال: فلم يمكث بعد.

ذلك إلا يسيرا حتى عوفي.

13 - الخصال: القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليه السلام قال: إن أيوب ابتلي سبع سنين من غير ذنب، وإن الأنبياء لا يذنبون، لأنهم معصومون مطهرون لا يذنبون ولا يزيغون ولا يرتكبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا. وقال عليه السلام: إن أيوب من جميع ما ابتلي به لم تنتن له رائحة، ولا قبحت له صورة، ولا خرجت منه مدة من دم ولا قيح، ولا استقذره أحد رآه، ولا استوحش منه أحد شاهده، ولا تدود شئ من جسده، وهكذا يصنع الله عز وجل بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرمين عليه، وإنما أجتنبه الناس لفقره وضعفه في ظاهر أمره لجهلهم بماله عند ربه تعالى ذكره من التأييد والفرج، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: أعظم الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، وإنما ابتلاه الله عز وجل بالبلاء العظيم الذي يهون معه على جميع الناس لئلا يدعوا له الربوبية إذا شاهدوا ما أراد الله أن يوصله إليه من عظائم نعمه تعلاى متى شاهدوه، وليستدلوا بذلك على أن الثواب من الله تعالى ذكره على ضربين: استحقاق واختصاص، ولئلا يحتقروا ضعيفا لضعفه، ولا فقيرا لفقره،

ولا مريضا لمرضه، وليعلموا أنه يسقم من يشاء، ويشفي من يشاء متى شاء كيف شاء بأي سبب شاء، ويجعل ذلك عبرة لمن شاء، وشقاوة لمن شاء، وسعادة لمن شاء، وهو عز وجل في جميع ذلك عدل في قضائه وحكيم في أفعاله، لا يفعل بعباده إلا الأصلح لهم، ولا قوة لهم إلا به. بيان: هذا الخبر أوفق بأصول متكلمي الإمامية من كونهم عليه السلام منزهين عما يوجب تنفر الطباع عنهم، فيكون الاخبار الاخر محمولة على التقية، موافقة للعامة فيما رووه، لكن إقامة الدليل على نفي ذلك عنهم مطلقا ولو بعد ثبوت نبوتهم وحجيتهم لا يخلو من إشكال، مع أن الأخبار الدالة على ثبوتها أكثر وأصح وبالجملة للتوقف فيه مجال.

قال السيد المرتضى قدس الله روحه في كتاب تنزيه الأنبياء: فان قيل: أفتصححون ما روي من أن الجذام أصابه حتى تساقطت أعضاؤه؟ قلنا: أما العلل المستقذرة التي تنفر من رآها وتوحشه كالبرص والجذام فلا يجوز شئ منها على الأنبياء عليهم السلام لما تقدم ذكره، لان النفور ليس بواقف على الأمور القبيحة، بل قد يكون من الحسن والقبيح معا، وليس ينكر أن يكون أمراض أيوب عليه السلام وأوجاعه ومحنته في جسمه ثم في أهله وماله بلغت مبلغا عظيما تزيد في الغم والألم على ما ينال المجذوم، وليس ينكر تزايد الألم فيه، وإنما ينكر ما اقتضى التنفير.

14 - عيون أخبار الرضا (ع): بالأسانيد الثلاثة عن الرضا، عن آبائه، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: أخذ الناس ثلاثة من ثلاثة: أخذوا الصبر عن أيوب، والشكر عن نوح، والحسد عن بني يعقوب.

15 - أمالي الطوسي: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أيوب النبي عليه السلام حين دعا ربه: يا رب كيف ابتليتني بهذا البلاء الذي لم تبتل به أحدا؟ فوعزتك إنك تعلم أنه ما عرض لي أمران قط كلاهما لك طاعة إلا عملت بأشدهما على بدني، قال: فنودي: ومن فعل ذلك بك يا أيوب؟ قال فأخذ التراب فوضعه على رأسه ثم قال: أنت يا رب.

16 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن فضالة، عن رفاعة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله عز وجل لما عافى أيوب عليه السلام نظر إلى بني إسرائيل قد ازدرعت، فرفع طرفه إلى السماء فقال: إلهي وسيدي عبدك أيوب المبتلى عافيته ولم يزدرع شيئا، وهذا لبني إسرائيل زرع، فأوحى الله عز وجل إليه يا أيوب خذ من سبحتك كفا فابذره، وكانت سبحته فيها ملح، فأخذ أيوب عليه السلام كفا منها فبذره فخرج هذا العدس، وأنتم تسمونه الحمص ونحن نسميه العدس. بيان: (من سبحتك) في أكثر النسخ بالحاء المهملة، وفيه بعد إلا أن يقرأ الملح بضم الميم جمع الأملح وهو بياض يخالطه سواد، وفي بعضها بالخاء المعجمة وهو أظهر.

17 - معاني الأخبار: معنى أيوب من آب يؤوب وهو أنه يرجع إلى العافية والنعمة والأهل والمال والولد بعد البلاء.

18 - قصص الأنبياء: قال الصادق عليه السلام: ما سأل أيوب العافية في شئ من بلائه.

19 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن الحسن ابن علي، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر أيوب عليه السلام فقال: قال الله جل جلاله: إن عبدي أيوب ما أنعم عليه بنعمة إلا ازداد شكرا، فقال الشيطان لو نصبت عليه

البلاء فابتليته كيف صبره؟ فسلطه على إبله ورقيقه فلم يترك له شيئا غير غلام واحد، فأتاه الغلام فقال: يا أيوب ما بقي من إبلك ولا من رقيقك أحد إلا وقد مات، فقال أيوب: الحمد لله الذي أعطاه، والحمد لله الذي أخذه; فقال الشيطان: إن خيله أعجب إليه فسلط عليها فلم يبق منها شئ إلا هلك، فقال أيوب: الحمد لله الذي أعطى والحمد لله الذي أخذ، وكذلك ببقره وغنمه ومزارعه وأرضه وأهله وولده حتى مرض مرضا شديدا فأتاه أصحاب له فقالوا يا أيوب ما كان أحد من الناس في أنفسنا ولا خير علانية خيرا عندنا منك، فلعل هذا الشئ كنت أسررته فيما بينك وبين ربك لم تطلع عليه أحدا فابتلاك الله من أجله؟ فجزع جزعا شديدا ودعا ربه فشفاه الله تعالى ورد عليه ما كان له من قليل أو كثير في الدنيا. قال: و سألته عن قوله تعالى: " ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة " فقال: الذين كانوا ماتوا.

20 - الخصال، علل الشرائع، عيون أخبار الرضا (ع): في أسئلة الشامي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال يوم الأربعاء يعني آخر الشهر ابتلى الله أيوب بذهاب ماله وولده.

21 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما طال بلاء أيوب ورأي إبليس صبره أتى إلى أصحاب له كانوا رهبانا في الجبال، فقال لهم: مروا بنا إلى هذا العبد المبتلى نسأله عن بليته، قال: فركبوا وجاؤوه فلما قربوا منه نفرت بغالهم فقربوها بعضا إلى بعض ثم مشوا إليه، وكان فيهم شاب حدث فسلموا على أيوب وقعدوا وقالوا: يا أيوب لو أخبرتنا بذنبك فلا نرى تبتلي بهذا البلاء إلا لأمر كنت تسره، قال أيوب عليه السلام: وعزة ربي إنه ليعلم أني ما أكلت طعاما قط إلا ومعي يتيم أو ضعيف يأكل معي، وما عرض لي أمران كلاهما طاعة إلا أخذت بأشدهما على بدني، فقال الشاب: سوءة لكم عمدتم إلى نبي الله فعنفتموه حتى أظهر من عبادة ربه ما كان يستره; فعند ذلك دعا ربه وقال: " رب إني مسني الشيطان بنصب وعذاب " وقال: قيل

لأيوب عليه السلام بعد ما عافاه الله تعالى: أي شئ أشد ما مر عليك؟ قال: شماتة الأعداء.

22 - قصص الأنبياء - بهذا الاسناد عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أمطر الله على أيوب من السماء فراشا من ذهب، فجعل أيوب يأخذ ما كان خارجا من داره فيدخله داره، فقال جبرئيل عليه السلام: أما تشبع يا أيوب؟ قال: ومن يشبع من فضل ربه.

23 - قصص الأنبياء: بالاسناد عن الصدوق، بإسناده عن وهب بن منبه إن أيوب كان في زمن يعقوب بن إسحاق صلوات الله عليهم وكان صهرا له تحته ابنة يعقوب يقال لها إليا، وكان أبوه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام، وكانت أم أيوب ابنة لوط، وكان لوط جد أيوب صلوات الله عليهما أبا أمه، ولما استحكم البلاء على أيوب من كل وجه صبرت عليه امرأته، فحسد إبليس على ملازمتها بالخدمة، وكانت بنت يعقوب، فقال لها: ألست أخت يوسف الصديق عليه السلام قالت: بلى، قال: فما هذا الجهد؟ وما هذه البلية التي أراكم فيها؟ قالت:

هو الذي فعل بنا ليؤجر نا بفضله علينا، لأنه أعطاه بفضله منعما، ثم أخذه ليبتلينا، فهل رأيت منعما أفضل منه؟ فعلى إعطائه نشكره، وعلى ابتلائه نحمده، فقد جعل لنا الحسنيين كلتيهما، فابتلاه ليرى صبرنا، ولا نجد على الصبر قوة إلا بمعونته وتوفيقه، فله الحمد والمنة ما أولانا وأبلانا، فقال لها: أخطأت خطأ عظيما ليس من ههنا ألح عليكم البلاء، وأدخل عليها شبها دفعتها كلها، وانصرفت إلى أيوب عليه السلام مسرعة وحكت له ما قال اللعين، فقال أيوب: القائل إبليس، لقد حرص على قتلي إني لأقسم بالله لأجلدنك مائة - لم أصغيت إليه - إن شفاني الله. قال وهب: قال ابن عباس: فأحيى الله لهما أولادهما وأموالهما ورد عليه كل شئ لهما بعينه، وأوحى الله تعالى إليه: " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث " فأخذ ضغثا من قضبان دقاق من شجرة يقال لها الثمام فبر به يمينه وضربها ضربة واحدة، وقيل: أخذ عشرة منها فضربها بها عشر مرات، و كان عمر أيوب ثلاثا وسبعين قبل أن يصيبها البلاء فزادها الله مثلها ثلاثا وسبعين سنة أخرى.

بيان: قال البيضاوي: روي أن امرأته ماخير بنت ميشا بن يوسف، أو رحمة بنت إفرائيم بن يوسف.

24 - فقه الرضا (ع): روي أن أيوب عليه السلام لما جهده البلاء قال: لأقعدن مقعد الخصم، فأوحى الله إليه: تكلم، فجثا على الرماد فقال: يا رب إنك تعلم أنه ما عرض لي أمران قط كلاهما لك رضى إلا اخترت أشدهما على بدني، فنودي من غمامة بيضاء بستة آلاف ألف لغة: فلمن المن؟ فوضع الرماد على رأسه وخر ساجدا ينادي: لك المن سيدي و مولاي، فكشف الله ضره.

25 - الحسين بن سعيد أو النوادر: الحسن بن علي الخزاز، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سمعته يقول:

إن أيوب النبي عليه السلام قال: يا رب ما سألتك شيئا من الدنيا قط - وداخله شئ - فأقبلت إليه سحابة حتى نادته: يا أيوب من وفقك لذلك؟ قال: أنت يا رب. تذييل: قال السيد قدس سره في كتاب تنزيه الأنبياء - فإن قيل - فما قولكم في الأمراض والمحن التي لحقت نبي الله أيوب عليه السلام أوليس قد نطق القرآن بأنها كانت جزاء على ذنب في قوله: " إني مسني الشيطان بنصب وعذاب " والعذاب لا يكون إلا جزاء كالعقاب، والآلام الواقعة على سبيل الامتحان لا تسمى عذابا ولا عقابا أوليس قد روى جميع المفسرين أن الله تعالى إنما عاقبه بذلك البلاء لتركه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وقصته مشهورة يطول شرحها:

الجواب: قلنا: أما ظاهر القرآن قليس يدل على أن أيوب عليه السلام عوقب بما نزل به من المضار، وليس في ظاهره شئ مما ظنه السائل لأنه تعالى قال: " واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب " والنصب هو التعب، وفيه لغتان: فتح النون والصاد، وضم النون وتسكين الصاد، والتعب هو المضرة التي لا تختص بها العقاب، وقد تكون على سبيل الاختبار والامتحان، فأما العذاب فهو أيضا يجري

مجرى المضار التي لا يختص إطلاق ذكرها بجهة دون جهة، ولهذا يقال للظالم المبتدي بالظلم: إنه معذب ومضر ومولم، وربما قيل: معاقب على سبيل المجاز، وليس لفظة العذاب بجارية مجرى لفظة العقاب، لان لفظة العقاب يقتضي بظاهرها الجزاء، لأنها من التعقيب والمعاقبة، ولفظة العذاب ليست كذلك، فأما إضافته ذلك إلى الشيطان وإنما ابتلاه الله تعالى به فله وجه صحيح، لأنه لم يضف المرض والسقم إلى الشيطان وإنما أضاف إليه ما كان يستضر من وسوسته ويتعب به من تذكيره له ما كان فيه من النعم و العافية والرخاء، ودعائه له إلى التضجر والتبرم بما هو عليه، ولأنه كان أيضا يوسوس إلى قومه بأن يستفذروه ويتجنبوه لما كان عليه من الأمراض البشعة المنظر ويخرجوه من بينهم، وكل هذا ضرر من جهة اللعين إبليس.

وقد روي أن زوجته عليه السلام كانت تخدم الناس في منازلهم وتصير إليه بما يأكله و يشربه وكان الشيطان يلقي إليهم أن داءه يعدي، ويحسن إليهم تجنب خدمة زوجته من حيث كانت تباشر قروحه وتمس جسده، وهذه مضار لا شبهة فيها، فأما قوله تعالى في سورة الأنبياء: " وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين " فلا ظاهر لها أيضا يقتضي ما ذكروه، لان الضر هو الضرر الذي قد يكون محنة كما يكون عقوبة فأما ما روي في هذا الباب عن جملة المفسرين فمما لا يلتفت إلى مثله، لان هؤلاء لا يزالون يضيفون إلى ربهم تعالى وإلى رسله عليهم السلام كل قبيح، ويقرفونهم بكل عظيم، وفي روايتهم هذه السخيفة ما إذا تأمله المتأمل علم أنه موضوع باطل مصنوع، لأنهم رووا أن الله تعالى سلط إبليس على مال أيوب عليه السلام وغنمه وأهله، فلما أهلكهم ودمر عليهم ورأي صبره وتماسكه قال إبليس لربه: يا رب إن أيوب قد علم أنه ستخلف له ماله و ولده فسلطني على جسده، فقال: قد سلطتك على جسده إلا قلبه وبصره، قال: فأتاه فنفخه من لدن قرنه إلى قدمه فصار قرحة واحدة، فقذف على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين و

أشهرا يختلف الدواب في جسده إلى شرح طويل نصون كتابنا عن ذكر تفصيله، فمن يقبل عقله هذا الجهل والكفر كيف يوثق بروايته؟ ومن لا يعلم أن الله تعالى لا يسلط إبليس على خلقه وأن إبليس لا يقدر على أن يقرح الأجساد ولا أن يفعل الأمراض كيف يعتمد روايته؟ فأما هذه الأمراض النازلة بأيوب عليه السلام فلم يكن إلا اختبارا وامتحانا وتعريضا للثواب بالصبر عليها والعوض العظيم النفيس في مقابلتها، وهذه سنة الله تعالى في أصفيائه وأوليائه، فقد روي عن الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال - وقد سئل أي الناس أشد بلاء؟ - فقال:

الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل من الناس. فظهر من صبره على محنته وتماسكه ما صار إلى الان مثلا حتى روي أنه كان في خلال ذلك كله شاكرا محتسبا ناطقا بماله فيه من المنفعة والفائدة، وأنه ما سمعت له شكوى ولا تفوه بتضجر ولا تبرم، فعوضه الله تعالى مع نعيم الآخرة العظيم الدائم أن رد عليه ماله وأهله وضاعف عددهم في قوله:

" وآتيناه أهله ومثلهم معهم " وفي سورة ص: " ووهبنا له أهله ومثلهم معهم " ثم مسح ما به و شفاه وعافاه، وأمره على ما وردت به الرواية يركض رجله الأرض فظهرت عين اغتسل منها فتساقط ما كان على جسده من الداء، قال الله: " اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب " والركض هو التحريك، ومنه ركضت الدابة. انتهى كلامه أعلى الله مقامه. أقول: لا أعرف وجها لهذا الانكار الفظيع والتشنيع على تلك الرواية، ولا أعرف فرقا بين ما صدر من أشقياء الانس بالنسبة إلى الأنبياء حيث خلاهم الله مع إرادتهم بمقتضى حكمته الكاملة ولم يمنعهم عنها وبين ما نقل من تسليط إبليس في تلك الواقعة، والجواب مشترك، نعم لا يجوز أن يتسلط الشيطان على أديانهم كما دلت عليه الآيات، وأما الأبدان فلم يقم دليل على نفي تسلطه عليها أحيانا لضرب من المصلحة، وكيف لا وهو الذي يغري جميع الأشرار في قتل الأخيار وإضرارهم، وأيضا أي دليل قام على امتناع قدرة إبليس على فعل يوجب تقريح الأجساد وحدوث الأمراض، وأي فرق بين الشياطين والانس في ذلك؟ نعم لو قيل بعدم ثبوت بعض الخصوصيات من جهة الاخبار لأمكن ذلك لكن الحكم بنفيها بمجرد الاستبعاد غير موجه والله يعلم.

تكملة: قال الثعلبي في العرائس: قال وهب وكعب وغيرهما من أهل الكتاب:

كان أيوب النبي عليه السلام رجلا من الروم، وكان رجلا طويلا عظيم الرأس، جعد الشعر، حسن العينين والخلق، قصير العنق، غليظ الساقين والساعدين، وكان مكتوبا على جبهته:

المبتلى الصابر، وهو أيوب بن أموص بن رازخ بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم; وكانت أمه من ولد لوط بن هاران عليه السلام، وكان الله تعالى قد اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا، وكانت له البثنة من أرض الشام كلها سهلها وجبلها بما فيها، وكان له فيها من أصناف المال كله من الإبل والبقر والخيل والغنم والحمر ما لا يكون للرجل أفضل منه في العدة والكثرة، وكان له بها خمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال، وتحمل آلة كل فدان أتان، لكل أتان ولد من اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك، وكان الله تعالى أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء وكان برا تقيا رحيما بالمساكين، يكفل الأرامل والأيتام، ويكرم الضيف، ويبلغ ابن السبيل، وكان شاكرا لأنعم الله تعالى، مؤديا لحق الله تعالى، قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الغرة والغفلة والسهو والتشاغل من أمر الله تعالى بما هو فيه من الدنيا وكان معه ثلاثة قد آمنوا به وصدقوه وعرفوا فضله: رحل من أهل اليمن يقال له اليفن، ورجلان من أهل بلاده يقال لأحدهما بلدد، ولآخر صافن، وكانوا كهولا.

قال وهب: إن لجبرئيل عليه السلام بين يدي الله تعالى مقاما ليس لأحد من الملائكة في القربة والفضيلة، وإن جبرئيل هو الذي يتلقى الكلام، فإذا ذكر الله تعالى عبدا بخير تلقاه جبرئيل، ثم لقاه ميكائيل وحوله الملائكة المقربون حافين من حول العرش، فإذا شاع ذلك في الملائكة المقربين شاعت الصلوات على ذلك العبد من أهل السماوات، فإذا صلت عليه ملائكة السماوات هبطت عليه بالصلوات إلى ملائكة الأرض وكان إبليس لعنه الله لا يحجب عن شئ من السماوات، وكان يقف فيهن حيثما أراد، ومن هناك وصل إلى آدم حين أخرجه من الجنة، فلم يزل على ذلك يصعد في السماوات حتى رفع الله تعالى عيسى بن مريم عليه السلام فحجب من أربع، وكان يصعد في ثلاث فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وآله حجب من الثلاث الباقية فهو وجنوده محجوبون من جميع السماوات إلى يوم القيامة إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب ثاقب، قال: فلما سمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلوات على أيوب عليه السلام وذلك حين ذكره الله تعالى وأثنى عليه فأدركه البغي والحسد فصعد سريعا حتى وقف من السماء موقفا كان يقفه، فقال: يا إلهي نظرت في أمر عبدك أيوب فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ثم لم تجر به بشدة وبلاء و أنا لك زعيم لئن ضربته ببلاء ليكفرن بك ولينسينك، فقال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ماله، فانقض عليه عدو الله حتى وقع إلى الأرض، ثم جمع عفاريت الشياطين وعظماءهم فقال لهم: ماذا عندكم من القوة والمعرفة فإني قد سلطت على مال أيوب وهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال؟ قال عفريت من الشياطين: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من نار وأحرقت كل شئ آتي عليه، فقال له إبليس فأت الإبل ورعاءها، فانطلق يؤم الإبل وذلك حين وضعت رؤوسها وثبتت في مراعيها فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من - نار تنفح منها أرواح السموم لا يدنو منها أحد

إلا احترق، فلم يزل يحرقها ورعاءها حتى أتى على آخرها، فلما فرغ منها تمثل إبليس براعيها ثم انطلق يؤم أيوب حتى وجده قائما يصلي، فقال: يا أيوب، قال: لبيك، قال: هل تدري ما الذي صنع ربك الذي اخترته وعبدته بإبلك ورعائها؟ قال أيوب:

أيها إنها ماله أعارنيه وهو أولى به إذا شاء تركه، وإن شاء نزعه، وقديما ما وطنت نفسي ومالي على الفناء.

فقال إبليس: فإن ربك أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت كلها فترك الناس مبهوتين وقوفا عليها يتعجبون منها، منهم من يقول: ما كان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور، ومنهم من يقول: لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئا لمنع وليه; ومنهم من يقول: بل هو الذي فعل ما فعل يشمت به عدوه ويفجع به صديقه. قال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عريانا خرجت من بطن أمي، وعريانا أعود في التراب، و عريانا أحشر إلى الله تعالى، ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك الله وتجزع حين قبض عاريته، الله أولى بك وبما أعطاك، ولو علم الله فيك أيها العبد خيرا لقبل روحك مع تلك الأرواح، فآجرني فيك وصرت شهيدا، ولكنه علم منك شرا فأخرك الله وخلصك من البلاء كما يخلص الزؤان من القمح الخالص; فرجع إبليس لعنه الله إلى أصحابه خاسئا ذليلا فقال لهم: ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم قلبه؟ قال عفريت من عظمائهم: عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه، قال له إبليس فأت الغنم ورعاءها، فانطلق يؤم الغنم ورعاءها حتى إذا توسطها صاح صوتا تجثمت أمواتا من عند آخرها ومات رعاؤها، ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الرعاء حتى جاء أيوب وهو قائم يصلي فقال له القول الأول ورد عليه أيوب الرد الأول.

ثم إن إبليس رجع إلى أصحابه فقال لهم: ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم

قلب أيوب؟ فقال عفريت من عظمائهم: عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحا عاصفا تنسف كل شئ فآتي عليه حتى لا أبقي منها شيئا، قال له إبليس: فأت الفدادين و الحرث، فانطلق يؤمهم وذلك حين قرنوا الفدادين وأنشؤوا في الحرث وأولادها رتوع فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف فنسفت كل شئ من ذلك حتى كأنه لم يكن، ثم خرج إبليس متمثلا بقهرمان الحرث حتى جاء أيوب وهو قائم يصلي فقال له مثل قوله الأول، ورد عليه أيوب مثل رده الأول، فجعل إبليس يصيب ماله مالا مالا حتى مر على آخره، كلما انتهى إليه هلاك مال من ماله حمد الله وأحسن عليه الثناء ورضي بالقضاء و وطن نفسه للصبر على البلاء حتى لم يبق له مال، فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه بشئ صعد سريعا حتى وقف الموقف الذي كان يقفه فقال: إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته بنفسه وولده فأنت معطيه المال فهل أنت مسلطي على ولده فإنها الفتنة المضلة والمصيبة التي لا يقوم لها قلوب الرجال، ولا يقوى عليها صبرهم؟ فقال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ولده.

فانقض عدو الله حتى جاء بني أيوب عليه السلام وهم في قصرهم، فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يناطح جدره بعضها ببعض ويرميهم بالخشب والجندل حيت إذا مثل بهم كل مثلة رفع بهم القصر وقلبه فصاروا منكبين وانطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه

يسيل دمه ودماغه وأخبره بذلك، وقال: يا أيوب لو رأيت بنيك كيف عذبوا وكيف قلبوا؟ فكانوا منكسين على رؤوسهم يسيل دماؤهم ودماغهم من أنوفهم وأشفارهم وأجوافهم ولو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لتقطع قلبك، فلم يزل يقول هذا ونحوه ويرققه حتى رق أيوب عليه السلام فبكى وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه، فاغتنم إبليس ذلك فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به، ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر فاستغفر وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته، فبدروا إبليس إلى الله تعالى - وهو أعلم - فوقف إبليس خاسئا ذليلا فقال: يا إلهي إنما هون على أيوب خطر المال والولد أنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده فإني لك زعيم لئن ابتليته في جسده لينسينك وليكفرن بك وليجحدن نعمتك، فقال الله عز وجل: انطلق فقد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا على عقله، وكان الله هو أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة ليعظم له الثواب وجعله عبرة للصابرين، وذكرى للعابدين، في كل بلاء نزل ليأنسوا به بالصبر ورجاء الثواب.

فانقض عدو الله تعالى سريعا فوجد أيوب عليه السلام ساجدا فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل الأرض في موضع وجهه، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده، فرهل وخرج به من فرقة إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم، ووقعت فيه حكة لا يملكها، فحك بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها بالفخار

والحجارة الخشنة فلم يزل يحكها حتى نغل لحمه وتقطع وتغير وأنتن، فأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشا، ورفضه خلق الله كلهم غير امرأته وهي رحمة بنت افرائيم بن يوسف ين يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله تعالى وسلامه على نبينا وعليهم، وكانت تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه، فلما رأت الثلاثة من أصحابه وهم يفن وبلدد وصافن ما ابتلاه الله تعالى به اتهموه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه، فلما طال به البلاء انطلقوا إليه وهو في بلائه فبكتوه ولاموه وقالوا له: تب إلى الله عز وجل من الذنب الذي عوقبت به.

قالا: وحضره معهم فتى حديث السن وكان قد آمن به وصدقه فقال لهم: إنكم تكلمتم أيها الكهول وكنتم أحق بالكلام لأسنانكم، ولكن قد تر كتم من القول أحسن من الذي قلتم، ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم، ومن الامر أجمل من الذي أتيتم، وقد كان لأيوب عليه السلام عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم، فهل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم؟ وحرمة من انتهكتم؟ ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم؟ ألم تعلموا أن أيوب نبي الله وخيرته وصفوته من أهل الأرض يومكم هذا؟ ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله تعالى على أنه سخط شيئا من أمره منذ أتاه ما أتاه إلى يومكم هذا، ولا على أنه نزع منه شيئا من الكرامة التي أكرمه بها، ولا أن أيوب فعل غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا، فإن كان البلاء هو الذي أزرى عندكم ووضعه في أنفسكم فقد علمتم أن الله تعالى يبتلي النبيين والشهداء والصالحين، ثم ليس بلاؤه

لأولئك بدليل على سخطه عليهم ولا لهوانه لهم، ولكنها كرامة وخيرة لهم، ولو كان أيوب ليس من الله تعالى بهذه المنزلة إلا أنه أخ آخيتموه على وجه الصحبة لكان لا يجمل يالحليم أن يعذل أخاه عند البلاء، ولا يعيره بالمصيبة، ولا يعيبه بمالا يعلم وهو مكروب حزين، ولكنه يرحمه ويبكي معه ويستغفر له ويحزن لحزنه، ويدل على مراشد أمره، وليس بحكيم ولا رشيد من جهل هذا، فالله الله أيها الكهول وقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم ويكسر قلوبكم، ألم تعلموا أن الله تعالى عبادا أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم، وإنهم لهم الفصحاء والبلغاء والأولياء النبلاء الألباء العالمون بالله وبآياته، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم، واقشعرت جلودهم، وانكسرت قلوبهم وطاشت عقولهم إعظاما لله وإعزازا وإجلالا فإذا استفاقوا استبقوا إلى الله تعالى بالاعمال الزاكية يعدون أنفسهم مع الخاطئين والظالمين وإنهم لأبرار، ومع المقصرين المفرطين وإنهم لاكياس أقوياء ولكنهم لا يستكثرون لله الكثير، ولا يرضون له بالقليل، ولا يدلون عليه بالاعمال، فهم مروعون خاشعون مستكينون. فقال أيوب عليه السلام: إن الله تعالى يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير، فمتى تنبت في القلب يظهر الله تعالى على اللسان، وليست تكون الحكمة من قبل السن والشيبة ولا طول التجربة، وإذا جعل الله تعالى العبد حكيما في الصغر لم تسقط منزلته عند الحكماء وهم يرون من الله تعالى عليه نور الكرامة.

ثم أقبل أيوب عليه السلام على الثلاثة فقال: أتيتموني غضابا، رهبتم قبل أن تسترهبوا،

وبكيتم قبل أن تضربوا، كيف بي لو قلت لكم: تصدقوا عني بأموالكم لعل الله تعالى أن يخلصني؟ وقربوا عني قربانا لعل الله تعالى يتقبله ويرضى عني؟ وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم وظننتم أنكم قد عوفيتم بإحسانكم فهنا لك بغيتم وتعززتم، ولو نظرتم فيما بينكم وبين ربكم ثم صدقتم لوجدتم لكم عيوبا سترها الله تعالى بالعافية التي ألبسكم، وقد كنت فيما خلا والرجال يوقرونني وأنا مسموع كلامي، معروف حقي، منتقم من خصمي، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم، فإنكم كنتم أشد علي من مصيبتي. ثم أعرض عنهم وأقبل على ربه تعالى مستغيثا به متضرعا إليه فقال: رب لأي شئ خلقتني؟ ليتني إذ كرهتني لم تخلقني، يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، وياليتني عرفت الذنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني، لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي فالموت كان أجمل إلي، ألم أكن للغريب دارا؟ وللمسكين قرارا؟ ولليتيم وليا؟ وللأرملة قيما؟ إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فالمن لك، وإن أسأت فبيدك عقوبتي، جعلتني للبلاء غرضا، وللفتنة نصبا، وقد وقع علي بلاء لو سلطته على جبل ضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي؟ إلهي تقطعت أصابعي فإني لأرفع الاكلة من الطعام بيدي جميعا فما تبلغان فمي إلا على الجهد مني، تساقطت لهواتي ولحم رأسي، فما بين أذني من سداد حتى أن أحدهما يرى من الاخر، وإن دماغي ليسيل من فمي، تساقط شعر عيني، فكأنما حرق بالنار وجهي، وحد قتاي متدليتان على خدي، وورم لساني حتى ملا فمي، فما أدخل منه طعاما إلا غصني، وورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي والسفلى ذقني، وتقطعت أمعائي في بطني، فإني لأدخله الطعام فيخرج كما

دخل ما أحسه ولا ينفعني، ذهبت قوه رجلي فكأنهما قربتا ماء لا أطيق حملهما، ذهب المال فصرت أسأل بكفي فيطعمني من كنت أعوله اللقمة الواحدة فيمنها علي ويعيرني، هلك أولادي ولو بقي أحد منهم أعانني على بلائي ونفعني، وقد ملني أهلي، وعقني أرحامي، وتنكرت معارفي، ورغب عني صديقي، وقطعني أصحابي، وجحدت حقوقي، ونسيت صنائعي، أصرخ فلا يصرخونني، وأعتذر فلا يعذرونني، دعوت غلامي فلم يجبني، وتضرعت لامتي فلم ترحمني، وإن قضاءك هو الذي أذلني وأقمأني، وإن سلطانك هو الذي أسقمني وانحل جسمي، ولو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملء فمي بمكان ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يعافيني عند ذلك مما بي، ولكنه ألقاني وتعالى عني فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه، لا نظر إلي فرحمني، ولا دنا مني ولا أدناني فأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي.

فلما قال ذلك أيوب عليه السلام وأصحابه عنده أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب ثم نودي: يا أيوب إن الله عز وجل يقول لك: ها أنا قد دنوت منك ولم أزل منك قريبا فقم فأدل بعذرك، وتكلم ببراءتك، وخاصم عن نفسك، واشدد إزارك، وقم مقام جبار فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي، ولا ينبغي أن يخاصمني إلا من يجعل الزيار في فم الأسد، والسحال في فم العنقاء، واللجام في فم التنين، ويكيل مكيالا من النور، ويزن مثقالا من الريح، ويصر صرة من الشمس، ويرد أمس، لقد منتك نفسك أمرا ما تبلغ بمثل قوتك، ولو كنت إذ منتك ذلك ودعتك إليه تذكرت أي مرام

رام بك أردت أن تخاصمني بعيك؟ أو أردت أن تحاجني بخطابك؟ أم أردت أن تكابرني بضعفك؟ أين أنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها؟ هل علمت بأي مقدرا قدرتها؟ أم كنت معي تمد بأطرافها؟ أم تعلم ما بعد زواياها؟ أم على أي شئ وضعت أكنافها؟ أبطاعتك حمل الماء الأرض؟ أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء؟ لا بعلائق سببت، ولا تحملها دعم من تحتها، هل يبلغ من حكمتك أن تجري نورها؟ أو تسير نجومها؟ أو تختلف بأمرك ليلها ونهارها؟

أين أنت مني يوم سجرت البحار، وأنبعت الأنهار؟ أقدرتك حبست أمواج البحار على حدودها؟ أم قدرتك فتحت الأرحام حين بلغت مدتها؟ أين أنت مني يوم صببت الماء على التراب؟ ونصبت شوامخ الجبال؟ هل لك من ذراع تطيق حملها؟ أم هل تدري كم من مثقال فيها؟ أم أين الماء الذي أنزلت من السماء؟ هل تدري أم تلد أو أب يولده؟ أحكمتك أحصت القطر، وقسمت الأرزاق؟ أم قدرتك تثير السحاب وتجري الماء؟ هل تدري ما أصوات الرعود؟ أم من أي شئ لهب البرق؟ وهل رأيت عمق البحر؟ هل تدري ما بعد الهواء؟ أم هل خزنت أرواح الأموات؟ أم هل تدري أين خزانة الثلج؟ وأين خزانة البرد؟ أم أين جبال البرد؟ أم هل تدري أين خزانة الليل والنهار؟ وأين طريق النور؟ وبأي لغة تتكلم الأشجار؟ وأين خزانة الريح؟ وكيف تحبسه؟ ومن جعل العقول في أجواف الرجال؟ ومن شق الاسماع والابصار؟ ومن ذلت الملائكة لملكه وقهر الجبارين بجبروته؟ وقسم أرزاق الدواب بحكمته؟ من قسم للأسد أرزاقها؟ وعرف الطير معائشها؟ وعطفها على أفراخها؟ من أعتق الوحش من الخدمة؟ و جعل مساكنها البرية؟ لا تستأنس بالأصوات، ولا تهاب المسلطين! أم من حكمتك عطفت أمهاتها عليها حتى أخرجت لها الطعام من بطونها، وآثرتها بالعيش على نفوسها؟

أم من حكمتك تبصر العقاب الصيد البعيد، وأصبح في أماكن القتلى؟ فقال أيوب عليه السلام: قصرت عن هذا الامر الذي تعرض علي، ليت الأرض انشقت لي فذهبت فيها ولم أتكلم بشئ يسخط ربي اجتمع علي البلاء إلهي قد جعلتني لك مثل العدو، وقد كنت تكرمني، وتعرف نصحي، وقد علمت أن كل الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك، وأعظم من هذا لو شئت عملت، لا يعجزك شئ، ولا يخفى عليك خافية، ولا يغيب عنك غائبة، من هذا الذي يظن أن يسر عنك سرا وأنت تعلم ما تخطر على القلوب؟ وإنما تكلمت لتعذرني، وسكت حين سكت لترحمني، كلمة زلت عن لساني فلن أعود، وقد وضعت يدي على فمي، وعضضت على لساني، وألصقت بالتراب خدي ودمست فيه وجهي لصغاري، وسكت كما أسكتتني خطيئتي، فاغفر لي ما قلت فلن أعود لشئ تكرهه مني.

فقال الله تعالى: يا أيوب نفذ فيك علمي، وسبقت رحمتي غضبي، إذا خطئت فقد غفرت لك ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم لتكون لمن خلفك آية، وتكون عبرة لأهل البلاء، وعزا للصابرين، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، فيه شفاء، وقرب عن صحابتك قربانا، واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك. فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل فأذهب الله تعالى عنه كل ما كان به من البلاء، ثم خرج فجلس وأقبلت امرأته فقامت تلتمسه في مضجعه فلم تجده، فقامت مترددة كالواله ثم قالت: يا عبد الله هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ههنا؟ فقال لها: فهل تعرفينه إذا رأيته؟ قالت: نعم، ومالي لا أعرفه، فتبسم وقال: أنا هو، فعرفته بمضحكه

فاعتنقته. وقال ابن عباس: فوالذي نفس عبد الله بيده ما فارقته من عناقه حتى مر بهما كل مال لهما وولد فذلك قوله: " وأيوب إذا نادى ربه أني مسني الضر ".

واختلف العلماء في وقت ندائه ومدة بلائه والسبب الذي قال لأجله " مسني الضر " فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن أيوب نبي الله لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه:

وما ذاك؟ قال: منذ ثمانية عشر سنة لم يرحمه الله عز وجل فيكشف ما به، فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك، فقال أيوب: ما أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فاكفر عنهما، كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق ، قال: وكان يخرج لحاجته، فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ. فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحى إلى أيوب في مكانه: أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، فاستبطأته فتلقته تنظر وأقبل عليها وقد أذهب الله عز وجل ما به من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ قال: إني أنا هو، وكان له أندران: أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله تعالى سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض. ويروى أن الله تعالى أمطر عليه جرادا من ذهب فجعل يحثى منها في ثوبه، فناداه ربه: ألم أغنك عما

أرى؟ قال: بلى يا رب ولكن لاغنى بي عن فضلك ورحمتك، ومن يشبع من نعمك؟

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.