بحارالانوار · كتاب النبوة
باب 9 قصص يعقوب ويوسف على نبينا وآله وعليهما الصلاة والسلام
ج ۱۲، ص ۲۱۵–۲۴۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۵
132 - 133.
آل عمران " 3 " كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التورية قل فأتوا بالتورية فاتلوها إن كنتم صادقين 93.
يوسف " 12 " نحن نقص عليك أحسن القصص " إلى قوله ": وهم يمكرون
3 - 102.
مريم " 19 " وهبنا له إسحاق ويعقوب كلا جعلنا نبيا 49.
تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " إلا ما حرم إسرائيل " أي يعقوب " على نفسه " اختلفوا في ذلك الطعام فقيل: إن يعقوب أخذه وجع العرق الذي يقال له عرق النساء فنذر إن شفاه الله أن يحرم العروق ولحم الإبل وهو أحب الطعام إليه، عن ابن عباس و غيره; وقيل: حرم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدا لله، وسأل الله أن يجيز له فحرم الله تعالى ذلك على ولده; وقيل: حرم زائدة الكبد والكليتين والشحم إلا ما حملته الظهور واختلف في أنه عليه السلام كيف حرم على نفسه؟ فقيل: بالاجتهاد وهو باطل; وقيل: بالنذر; و قيل: بنص ورد عليه; وقيل: حرمه كما يحرم المستظهر في دينه من الزهاد اللذة على نفسه " من قبل أن تنزل التورية " أي كل الطعام كان حلالا لنبي إسرائيل قبل أن تنزل التوراة على موسى، فإنها تضمنت تحريم ما كانت حلالا لبني إسرائيل.
واختلفوا فيما حرم عليهم فقيل: إنه حرم عليهم ما كانوا يحرمونه قبل نزولها اقتداء بأبيهم يعقوب; وقيل: لم يحر مه الله عليهم في التوراة، وإنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم وكفرهم، وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا وصب عليهم رجزا
وهو الموت، وذلك قوله تعالى: " فبظلم من الذين هادوا " الآية. وقيل لم يكن شيئا من ذلك حراما عليهم في التوراة وإنما هو شئ حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم، وأضافوا تحريمه إلى الله فكذبهم الله تعالى، واحتج عليهم بالتوراة، فلم يجسروا على إتيان التوراة لعلمهم بصدق النبي صلى الله عليه وآله وكذبهم، وكان ذلك دليلا ظاهرا على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وآله.
1 - تفسير علي بن إبراهيم: محمد بن جعفر، عن محمد بن أحمد، عن علي بن محمد، عمن حدثه، عن المنقري، عن عمرو بن شمر، عن إسماعيل بن السندي، عن عبد الرحمن بن أسباط القرشي عن جابر بن عبد الله الأنصاري في قول الله: " إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين " قال في تسمية النجوم: هو الطارق وحوبان والذيال وذو الكتفين ووثاب وقابس وعمودان وفيلق ومصبح والصرح والفروغ والضياء والنور.
يعني الشمس والقمر، وكل هذا النجوم محيطة بالسماء.
وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: تأويل هذه الرؤيا إنه سيملك مصر ويدخل عليه أبواه وإخوته، أما الشمس فأم يوسف راحيل، والقمر يعقوب، وأما أحد عشر كوكبا فإخوته، فلما دخلوا عليه سجدوا شكرا لله وحده حين نظروا إليه وكان ذلك السجود لله.
قال علي بن إبراهيم: فحدثني أبي، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام أنه كان من خبر يوسف أنه كان له أحد عشر أخا، وكان له من أمه أخ واحد
يسمى بنيامين، وكان يعقوب إسرائيل الله - ومعنى إسرائيل الله أي خالص الله - ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله، فرأى يوسف هذه الرؤيا وله تسع سنين فقصها على أبيه، فقال يعقوب: " يا نبي لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للانسان عدو مبين " قوله: " فيكيدوا لك كيدا " أي يحتالوا عليك، فقال يعقوب ليوسف: " وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق إن ربك عليم حكيم " وكان يوسف من أحسن الناس وجها، وكان يعقوب يحبه ويؤثره على أولاده، فحسدوه إخوته على ذلك، وقالوا فيما بينهم ما حكى الله عز وجل: " إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة أي جماعة " إن أبانا لفي ضلال مبين " فعمدوا على قتل يوسف فقالوا: نقتله حتى يخلو لنا وجه أبينا فقال لاوي: لا يجوز قتله ولكن نغيبه عن أبينا ونحن نخلو به، فقالوا كما حكى الله عز وجل: " يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون * أرسله معنا غدا يرتع ويلعب " أي يرعى الغنم ويلعب " وإنا له لحافظون " فأجرى الله على لسان يعقوب " إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون " فقالوا كما حكى الله: " لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون " العصبة، عشرة إلى ثلاثة عشر " فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون " أي تخبرهم بما هموا به; وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون " يقول: لا يشعرون إنك أنت يوسف، أتاه جبرئيل فأخبره بذلك. بيان: قال الطبرسي رحمه الله: يعقوب هو إسرائيل الله - ومعناه: عبد الله الخالص - ابن إسحاق نبي الله، ابن إبراهيم خليل الله. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الكريم ابن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وعن ابن عباس أن يوسف رأى في المنام ليلة الجمعة ليلة القدر أحد عشر كوكبا نزلت من السماء فسجدت
له ورأي الشمس والقمر نزلا من السماء فسجدا له، قال: فالشمس والقمر أبواه، والكواكب إخوته الأحد عشر. وقال السدي: الشمس أبوه والقمر خالته، وذلك أن أمه راحيل قد ماتت; وقال ابن عباس: الشمس أمه والقمر أبوه; وقال وهب: كان يوسف رأى و هو ابن سبع سنين أن أحد عشر عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعتها وغلبتها، فوصف ذلك لأبيه فقال له: إياك أن تذكر ذلك لإخوتك. ثم رأى وهو ابن اثنتي عشرة سنة أن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر سجدن له، فقصها على أبيه فقال له: " لا تقصص " الآية; وقيل: إنه كان بين رؤياه وبين مصير أبيه وإخوته إلى مصر أربعون سنة; وقيل: ثمانون سنة.
قوله تعالى: " وكذلك " أي كما أراك هذه الرويا " يجتبيك ربك " أي يصطفيك و يختارك للنبوة " ويعلمك من تأويل الأحاديث " أي من تعبير الرؤيا; قيل: وكان أعبر الناس الرؤيا أو مطلق العلوم والاخبار السالفة والآتية " لقد كان في يوسف وإخوته " كان ليعقوب اثنا عشر ولدا، وقيل: أسماؤهم روبيل وهو أكبرهم، وشمعون ولاوي ويهودا وريالون ويشجر. وأمهم ليا بنت ليان وهي ابنه خالة يعقوب، ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب أختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين وقيل: ابن يامين، وولد له من سريتين
له اسم إحداهما زلفة والأخرى بلهة أربعة بنين: دار ويقنالي وحاد وأشر " ليوسف وأخوه " أي بنيامين " ونحن عصبة " أي جماعة يتعصب بعضنا لبعض، ويعين بعضنا بعضا فنحن أنفع لأبينا " لفي ضلال مبين " أي ذهاب عن طريق الصواب الذي هو التعديل بيننا، أو في خطأ من الرأي في أمور الأولاد والتدبير الدنيوي، إذ نحن أقوم بأموره; وأكثر المفسرين على أن إخوة يوسف كانوا أنبياء، وقال بعضهم: لم يكونوا أنبياء لان الأنبياء لا يقع منهم القبائح. وروى ابن بابويه في كتاب النبوة بإسناده عن ابن بزيع، عن حنان بن سدير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أكان أولاد يعقوب أنبياء؟ فقال: لا، ولكنهم كانوا أسباطا أولاد الأنبياء، ولم يفارقوا الدنيا إلا سعداء تابوا وتذكروا ما صنعوا.
" يخل لكم وجه أبيكم " أي تخلص لكم محبته " قال قائل منهم " أي روبيل; وقيل يهودا; وقيل: لاوي " في غيبت الجب " أي في قعر البئر، واختلف فيه فقيل: هو بئر بيت المقدس، وقيل بأرض الأردن; وقيل: بين مدين ومصر; وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب " أخاف أن يأكله الذئب " قيل: كانت أرضهم مذئبة. وكانت السباع ضارية في ذلك الوقت; وقيل: إن يعقوب عليه السلام رأى في منامه كأن يوسف قد شد عليه عشرة أذؤب ليقتلوه، وإذا ذئب منها يحمي عنه، فكأن الأرض انشقت فدخل فيها يوسف فلم
يخرج إلا بعد ثلاثة أيام، فمن ثم قال هذا، فلقنهم العلة وكانوا لا يدرون; وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا تلقنوا الكذب فتكذبوا، فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الانسان حتى لقنهم أبوهم. وقيل: كنى عنهم بالذئب مساترة عنهم; وقال الحسن: جعل يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان في البلاء إلى أن وصل إليه أبوه ثمانين سنة، ولبث بعد الاجتماع ثلاثا وعشرين سنة، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة; وقيل: كان له يوم القي في الجب عشر سنين; وقيل: اثنا عشر; وقيل: سبع; وقيل: تسع، وجمع بينه وبين أبيه وهو ابن أربعين سنة.
2 - تفسير علي بن إبراهيم: قال علي بن إبراهيم: فقال لاوي: ألقوه في هذا الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين، فأدنوه من رأس الجب فقالوا له: انزع قميصك، فبكى فقال:
يا إخوتي تجردوني؟! فسل واحد منهم عليه السكين فقال: لئن لم تنزعه لأقتلنك، فنزعه فدلوه في اليم وتنحوا عنه، فقال يوسف في الجب: " يا إله إبراهيم و إسحاق ويعقوب ارحم ضعفي وقلة حيلتي وصغري " فنزلت سيارة من أهل مصر فبعثوا
رجلا ليستقي لهم الماء من الجب، فلما أدلى الدلو على يوسف تشبث بالدلو فجروه فنظروا إلى غلام من أحسن الناس وجها فعدوا إلى صاحبهم فقالوا: " يا بشرى هذا غلام " فنخرجه ونبيعه ونجعله بضاعة لنا، فبلغ إخوته فجاؤوا فقالوا: هذا عبد لنا أبق، ثم قالوا ليوسف:
لئن لم تقر بالعبودية لنقتلنك، فقالت السيارة ليوسف: ما تقول؟ قال: أنا عبدهم، فقالت السيارة: فتبيعوه منا؟ قالوا: نعم، فباعوه منهم على أن يحملوه إلى مصر " وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين " قال: الذي بيع بها يوسف ثمانية عشر درهما، وكان عندهم كما قال الله: " وكانوا فيه من الزاهدين ".
أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الرضا عليه السلام في قول الله: " وشروه بثمن بخس دراهم معدودة " قال: كانت عشرين درهما، والبخس: النقص، وهي قيمة كلب الصيد إذا قتل، كان قيمته عشرين درهما. قصص الأنبياء: بالاسناد عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى مثله.
بيان: المشهور بين الأصحاب في كلب الغنم عشرين، وفي كلب الصيد أربعين، أو القيمة فيهما، وسيأتي في كتاب الديات. وقال الطبرسي رحمه الله: قيل: كانت الدراهم عشرين درهما، عن ابن مسعود وابن عباس والسدي، وهو المروي عن علي بن الحسين عليهما السلام، قالوا: وكانوا عشرة فاقتسموها درهمين درهمين; وقيل: كانت اثنين وعشرين درهما، عن مجاهد; وقيل: كانت أربعين درهما، عن عكرمة; وقيل: ثمانية عشر درهما، عن أبي عبد الله عليه السلام; واختلف فيمن باعه فقيل: إن إخوة يوسف باعوه، وكان يهودا منتبذا ينظر إلى يوسف، فلما أخرجوه من البئر أخبر إخوته فأتوا مالكا وباعوه منه، عن ابن عباس ومجاهد وأكثر المفسرين; وقيل: باعه الواجدون بمصر، عن قتادة; وقيل: إن الذين أخرجوه من الجب باعوه من السيارة، عن الأصم; والأصح الأول، وذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره قال: فلم يزل مالك بن زعر وأصحابه يتعرفون من الله الخير في سفرهم ذلك حتى فارقوا يوسف ففقدوا ذلك، قال: وتحرك قلب مالك ليوسف فأتاه فقال: أخبرني من أنت؟
فانتسب له يوسف ولم يكن مالك يعرفه، فقال: أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فالتزمه مالك وبكى، وكان مالك رجلا عاقرا لا يولد له، فقال ليوسف: لو دعوت ربك أن يهب لي ولدا، فدعا يوسف ربه أن يهب له ولدا ويجعلهم ذكورا، فولد له اثنا عشر بطنا في كل بطن غلامان. وقال السيد المرتضى رحمه الله في كتاب تنزيه الأنبياء: فإن قال قائل: كيف صبر يوسف عليه السلام على العبودية ولم ينكرها؟ وكيف يجوز على نبي الصبر على أن يستعبد ويسترق؟ الجواب; قيل له: إن يوسف عليه السلام لم يكن في تلك الحال نبيا على ما قاله كثير من الناس، ولما خاف على نفسه القتل جاز أن يصبر على الاسترقاق، ومن ذهب إلى هذا الوجه يتأول قوله تعالى: " وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون " على أن الوحي لم يكن في تلك الحال، بل كان في غيرها، ويصرف ذلك إلى الحال المستقبلة التي كان فيها نبيا
ووجه آخر: وهو أن الله لا يمتنع أن يكون أمره بكتمان أمره والصبر على مشقة العبودية امتحانا وتشديدا في التكليف، كما امتحن أبويه إبراهيم وإسحاق أحدهما بنمرود والاخر بالذبح.
ووجه آخر: " وهو أنه يجوز أن يكون عليه السلام قد خبرهم بأنه غير عبد وأنكر عليهم ما فعلوه من استرقاقه إلا أنهم لم يسمعوا منه ولا أصغوا إلى قوله وإن لم ينقل ذلك، فليس كل ما جرى في تلك الأزمان قد اتصل بنا .
ووجه آخر: وهو أن قوما قالوا: إنه خاف القتل فكتم أمر نبوته وصبر على العبودية، وهذا جواب فاسد لان النبي لا يجوز أن يكتم ما ارسل به خوفا من القتل لأنه يعلم أن الله تعالى لم يبعثه للأداء إلا وهو عاصم له من القتل حتى يقع الأداء ويسمع الدعوة، وإلا كان نقضا للغرض. انتهى كلامه رحمة الله عليه.
3 - تفسير علي بن إبراهيم: وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " وجاءوا على قميصه بدم كذب " قال: إنهم ذبحوا جديا على قميصه; وقال علي بن إبراهيم: ورجع إخوته وقالوا: نعمد إلى قميصه فنلطخه بالدم فنقول لأبينا: إن الذئب أكله، فلما فعلوا ذلك قال لهم لاوي: يا قوم ألسنا بني يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق نبي الله بن إبراهيم خليل الله؟ أفتظنون أن الله يكتم هذا الخبر عن أنبيائه؟ فقالوا: وما الحيلة؟ قال: نقوم ونغتسل ونصلي جماعة ونتضرع إلى الله تبارك وتعالى أن يكتم ذلك عن أبينا فإنه جواد كريم فقاموا واغتسلوا وكان في سنة إبراهيم وإسحاق ويعقوب أنهم لا يصلون جماعة حتى يبلغوا أحد عشر رجلا فيكون واحد منهم إمام عشرة يصلون خلقه، فقالوا: كيف نصنع و ليس لنا إمام؟ فقال لاوي: نجعل الله إمامنا، فصلوا وبكوا وتضرعوا وقالوا: يا رب اكتم علينا هذا، ثم جاؤوا إلى أبيهم عشاء يبكون ومعهم القميص قد لطخوه بالدم " فقالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق " أي نعدو وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب إلى قوله:
" على ما تصفون " ثم قال يعقوب: ما كان أشد غضب ذلك الذئب على يوسف وأشفقه على قميصه حيث أكل يوسف ولم يمزق قميصه؟! قال: فحملوا يوسف إلى مصر وباعوه من عزيز مصر، فقال العزيز " لامرأته أكرمي مثواه " أي مكانه " عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا " ولم يكن له ولد فأكرموه وربوه، فلما بلغ أشده هوته امرأة العزيز، وكانت لا تنظر إلى يوسف امرأة إلا هوته، ولا رجل إلا أحبه، وكان وجهه مثل القمر ليلة البدر، فراودته امرأة العزيز وهو قوله: " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون " فما زالت تخدعه حتى كان كما قال الله تعالى: " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " فقامت امرأة العزيز وغلقت الأبواب فلما هما رأى يوسف صورة يعقوب في ناحية البيت عاضا على إصبعه يقول:
يا يوسف أنت في السماء مكتوب في النبيين، وتريد أن تكتب في الأرض من الزناة؟! فعلم أنه قد أخطأ وتعدى.
وحدثني أبي، عن بعض رجاله رفعه قال: قال أبو عبد الله: لما همت به وهم بها قامت إلى صنم في بيتها فألقت عليه ملاءة لها، فقال له يوسف: ما تعملين؟ فقالت: القي على هذا الصنم ثوبا لا يرانا فإني أستحيي منه، فقال يوسف: أنت تستحيين من صنم لا يسمع ولا يبصر ولا أستحيي أنا من ربي؟! فوثب وعدا وعدت من خلفه وأدركهما العزيز على هذه الحالة وهو قول الله: " واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب "
فبادرت امرأة العزيز فقالت للعزيز: " ما جزاء من أراد بأهلك سوء إلا أن يسجن أو عذاب أليم " فقال يوسف للعزيز: " هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها " فألهم الله يوسف أن قال للملك: سل هذا الصبي في المهد فإنه يشهد أنها راودتني عن نفسي، فقال العزيز للصبي فأنطق الله الصبي في المهد ليوسف حتى قال: " إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين " فلما رأى العزيز قميص يوسف قد تخرق من دبر قال لامرأته: " إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم " ثم قال ليوسف: " أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين " وشاع الخبر
بمصر وجعلت النساء يتحدثن بحديثها ويعذلنها ويذكرنها وهو قوله: " وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه " فبلغ ذلك امرأة العزيز فبعثت إلى كل امرأة رئيسة فجمعتهن في منزلها وهيأت لهن مجلسا، ودفعت إلى كل امرأة أترجة وسكينا، فقالت: اقطعن، ثم قالت ليوسف: اخرج عليهن، وكان في بيت فخرج يوسف عليهن فلما نظرن إليه اقبلن يقطعن أيديهن وقلن كما حكى الله عز وجل " فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن واعتدت لهن متكأ " أي أترجة " وآتت " وأعطت " كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه " إلى قوله: " إن هذا إلا ملك كريم " فقالت امرأة العزيز: " فذلكن الذي لمتنني فيه " في حبه " ولقد راودته عن نفسه " أي دعوته " فاستعصم " أي امتنع، ثم قالت: " ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن و ليكونا من الصاغرين " فما أمسى يوسف في ذلك البيت حتى بعثت إليه كل امرأة رأته تدعوه إلى نفسها فضجر يوسف في ذلك البيت فقال: " رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن " أي حيلتهن " أصب إليهن " أي أميل إليهن، وأمرت امرأة العزيز بحبسه فحبس في السجن. بيان: قال الطبرسي رحمه الله: يسأل ويقال: كيف قال يوسف: " السجن أحب إلي مما تدعونني إليه " ولا يجوز أن يراد السجن الذي هو المكان، وإن عنى السجن الذي هو المصدر فإن السجن معصية كما أن ما دعونه إليه معصية فلا يجوز أن يريده؟ فالجواب أنه لم يرد المحبة التي هي الإرادة، وإنما أراد أن ذلك أخف علي وأسهل. ووجه
آخر المعنى: لو كان مما أريد لكان إرادتي له أشد. وقيل: إن معناه: توطيني النفس على السجن أحب إلي من توطيني النفس على الزنا.
ثم قال: فإن قيل: ما معنى سؤال يوسف اللطف من الله وهو عالم بأن الله يعلمه لا محاله؟ فالجواب: إنه يجوز أن تتعلق المصلحة بالألطاف عند الدعاء المجدد. ومتى قيل: كيف علم أنه لولا اللطف لركب الفاحشة وإذا وجد اللطف امتنع؟ قلنا: لما وجد في نفسه من الشهوة وعلم أنه لولا لطف الله ارتكب القبيح، وعلم أن الله يعصم أنبياءه بالألطاف وأن من لا يكون له لطف لا يبعثه الله نبيا.
4 - تفسير علي بن إبراهيم: وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين " فالآيات: شهادة الصبي، والقميص المخرق من دبر، واستباقهما الباب حتى سمع مجاذبتها إياه على الباب، فلما عصاها لم تزل مولعة لزوجها حتى حبسه " ودخل معه السجن فتيان " يقول: عبدان للملك: أحدهما خبازه والاخر صاحب الشراب، والذي كذب ولم ير المنام هو الخباز. ايضاح: قال الطبرسي رحمه الله: كان يوسف عليه السلام لما دخل السجن قال لأهله:
إني أعبر الرؤيا، فقال أحد العبدين لصاحبه: هلم فلنجربه، فسألاه من غير أن يكون رأيا شيئا، عن ابن مسعود; وقيل: بل رأيا على صحة وحقيقة ولكنهما كذبا في الانكار عن مجاهد والجبائي; وقيل: إن المصلوب منهما كان كاذبا والاخر صادقا، عن أبي مجاز ورواه علي بن إبراهيم أيضا في تفسيره عنهم عليهم السلام والمعنى: قال أحدهما وهو الساقي: رأيت أصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وعصرتها في كأس الملك فسقيته إياها
وتقديره: أعصر عنب خمر، أي العنب الذي يكون عصيره خمرا، فحذف المضاف، قال الزجاج وابن الأنباري: والعرب تسمي الشئ باسم ما يؤول إليه وإذا وضح المعنى ولم يلتبس، يقولون: فلان يطبخ الاجر ويطبخ الدبس، وإنما يطبخ اللبن والعصير; وقال قوم: إن بعض العرب يسمون العنب خمرا حكى الأصمعي عن المعتمر بن سليمان أنه لقي أعرابيا ومعه عنب فقال له: ما معك؟ قال خمر. وهو قول الضحاك، فيكون معناه إني أعصر عنبا وروي في قراءة عبد الله وأبي جميعا: " إني رأيتني أعصر عنبا " وقال صاحب الطعام: إني رأيت كان فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وأنواع الأطعمة، وسباع الطير تنهش منه وأما تعبير رؤيا الساقي فروي أنه قال: أما العناقيد الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تبقي في السجن ثم يخرجك الملك في اليوم الرابع وتعود إلى ما كنت عليه، وأجرى على مالكه صفة الرب لأنه عبده فأضافه إليه، كما يقال: رب الدار ، ورب الضيعة; وأما صاحب الطعام فروي أنه قال له: بئسما رأيت، أما السلال الثلاث فإنها ثلاثة أيام تبقى في السجن ثم يخرجك الملك فيصلبك فتأكل الطير من رأسك. فقال عند ذلك: ما رأيت شيئا وكنت ألعب، فقال يوسف: " قضي الامر الذي فيه تستفتيان " أي فرغ من الامر الذي تساءلان وتطلبان معرفته، وما قلته لكما فإنه نازل بكما وهو كائن لا محالة، وفي هذا دلالة على أنه كان يقول ذلك على جهة الاخبار عن الغيب بما يوحى إليه لا كما يعبر أحدنا الرؤيا على جهة التأويل انتهى. أقول: لا يخفى أن ظاهر الآيات هو أنهما كانا رأيا في المنام ما ذكره عليه السلام على وجه التعبير. فإن كان ما أورده علي بن إبراهيم خبرا كما فهمه رحمه الله فلتأويله وجه وإلا فلا.
5 - تفسير علي بن إبراهيم: قال علي بن إبراهيم: ووكل الملك بيوسف رجلين يحفظانه، فلما
دخل السجن قالوا له: ما صناعتك؟ قال: أعبر الرؤيا، فرأى أحد الموكلين في نومه كما قال الله عز وجل: " أعصر خمرا " قال يوسف: تخرج من السجن وتصير على شراب الملك وترتفع منزلتك عنده، وقال الآخر: " إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه " ولم يكن رأى ذلك، فقال له يوسف: أنت يقتلك الملك ويصلبك وتأكل الطير من دماغك، فجحد الرجل وقال: إني لم أر ذلك، فقال يوسف كما حكى الله عز وجل: يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الاخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الامر الذي فيه تستفتيان ".
فقال أبو عبد الله عليه السلام في قوله: " إنا نراك من المحسنين " قال: كان يقوم على المريض ويلتمس المحتاج، ويوسع على المحبوس. فلما أراد من رأى في نومه أن يعصر خمرا الخروج من الحبس قال له يوسف: " اذكرني عند ربك " فكان كما قال الله عز وجل:
" فأنساه الشيطان ذكر ربه ". أخبرنا الحسن بن علي، عن أبيه، عن إسماعيل بن عمر، عن شعيب العقرقوفي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن يوسف أتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: يا يوسف إن رب العالمين يقرؤك السلام ويقول لك: من جعلك أحسن خلقه؟ قال: فصاح ووضع خده على الأرض ثم قال: أنت يا رب، ثم قال له: ويقول لك: من حببك إلى أبيك دون إخوتك؟ قال:
فصاح ووضع خده على الأرض وقال: أنت يا رب، قال: ويقول لك: من أخرجك من الجب بعد أن طرحت فيها وأيقنت بالهلكة؟ قال: فصاح ووضع خده على الأرض ثم قال:
أنت يا رب، قال: فإن ربك قد جعل لك عقوبة في استغاثتك بغيره فالبث في السجن بضع سنين، قال: فلما انقضت المدة وأذن الله له في دعاء الفرج وضع خده على الأرض ثم قال: " اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فإني أتوجه إليك بوجه آبائي الصالحين: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب " ففرج الله عنه، قلت:
جعلت فداك أندعو نحن بهذا الدعاء؟ فقال: ادع بمثله: اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فإني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليهم السلام. تفسير العياشي: عنم العقرقوفي مثله. بيان: قال الطبرسي قدس الله روحه بعد نقل أمثال هذه الرواية: والقول في ذلك أن الاستعانة بالعباد في دفع المضار والتخلص من المكاره جائز غير منكر ولا قبيح، بل ربما يجب، وكان نبينا يستعين فيما ينوبه بالمهاجرين والأنصار وغيرهم، ولو كان قبيحا لم يفعله، فلو صحت هذه الروايات فإنما عوتب عليه السلام على ترك عادته الجميلة في الصبر و التوكل على الله سبحانه في كل أموره دون غيره وقتا ما وابتلاء وتشديدا، وإنما كان يكون قبيحا لو ترك التوكل على الله سبحانه واقتصر على غيره، وفي هذا ترغيب في الاعتصام بالله والاستعانة به دون غيره في الشدائد وإن جاز أيضا أن يستعان بغيره انتهى. أقول: ما ذكره رحمه الله من كون هذه الاستعانة جائزة غير محرمة لا ريب فيه; وأما مقايستها باستعانة الرسول صلى الله عليه وآله بالمهاجرين والأنصار فقياس مع الفارق إذ ما كان بأمر الله لابتلاء الخلق وتكليفهم ليس من هذا الباب.
6 - تفسير علي بن إبراهيم: قال علي بن إبراهيم: ثم إن الملك رأى رؤيا فقال لوزرائه: إني رأيت في نومي سبع بقرات ثمان يأكلهن سبع عجاف أي مهازيل، ورأيت سبع سنبلات خضر واخر يابسات; وقرأ أبو عبد الله عليه السلام سبع سنابل خضر، ثم قال: " يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون " فلم يعرفوا تأويل ذلك، فذكر الذي كان
على رأس الملك رؤياه التي رآها وذكر يوسف بعد سبع سنين وهو قوله: " وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة " أي بعد حين " أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون " فجاء إلى يوسف فقال: " أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات " فقال يوسف: " تزرعون سبع سنين دأبا " أي وليا " فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون " أي لا تدوسوه فإنه يفسد في طول سبع سنين، فإذا كان في سنبله لا يفسد " ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن " أي سبع سنين مجاعة شديدة يأكلن ما قدمتم لهن في سبع سنين الماضية. وقال الصادق عليه السلام:
إنما نزل " ما قربتم لهن ".
" ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون " أي يمطرون، وقال أبو عبد الله عليه السلام: قرأ رجل على أمير المؤمنين عليه السلام: " ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون " فقال: ويحك أي شئ يعصرون؟ أيعصر الخمر؟ قال الرجل يا أمير المؤمنين:
كيف أقرؤها؟ فقال: إنما نزلت " عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون " أي يمطرون بعد سني المجاعة، والدليل على ذلك قوله: " وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ". توضيح: قوله تعالى " دأبا " قال البيضاوي: أي على عادتكم المستمرة. وقال الطبرسي رحمه الله: أي فازرعوا سبع سنين متوالية، عن ابن عباس; أي زراعة
متوالية في هذه السنين على عادتكم في الزراعة سائر السنين; وقيل: دأبا أي بجد واجتهاد في الزراعة انتهى . وقوله تعالى: " يأكلن " أي يأكل أهلهن، والاسناد مجازي قال الطبرسي رحمه الله: قرأ جعفر بن محمد عليه السلام " وسبع سنابل " وقرأ أيضا " ما قربتم لهن " وقرأ هو والأعرج وعيسى بن عمر " وفيه يعصرون " بياء مضمومة وصاد مفتوحة، ثم قال في بيان هذه القراءة: يجوز أن يكون من العصرة، والعصر: المنجاة، ويجوز أن يكون من عصرت السحابة ماءها عليهم، ثم ذكر ما أورده علي بن إبراهيم. أقول: لعل المعنى الأول ذكره مع قطع النظر عن الخبر; وقال البيضاوي:
" فيه يغاث الناس " يمطرون من الغيث، أو يغاثون من القحط من الغوث " وفيه يعصرون " ما يعصر كالعنب والزيتون لكثرة الثمار، وقيل: يحلبون الضروع، وقرئ على بناء المفعول من عصره: إذا أنجاه، ويحتمل أن يكون المبني للفاعل منه، أي يغيثهم الله ويغيث بعضهم بعضا، أو من أعصرت السحابة عليهم فعدي بنزع الخافض، أو بتضمينه معنى المطر.
7 - تفسير علي بن إبراهيم: فرجع الرجل إلى الملك فأخبره بما قال يوسف فقال الملك: " ائتوني به فلما جاء الرسول قال ارجع إلى ربك " يعني إلى الملك " فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم " فجمع الملك النسوة فقال لهن: " ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الان حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لم الصادقين * ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين " أي لا أكذب عليه الان كما كذبت عليه من قبل، ثم قالت:
" وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء " أي تأمر بالسوء فقال الملك: " ائتوني به أستخلصه لنفسي " فلما نظر إلى يوسف قال: " إنك اليوم لدينا مكين أمين " سل حاجتك " قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " يعني على الكناديج والأنابير، فجعله عليها وهو قوله: " وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوء منها حيث يشاء " فأمر يوسف أن يبنى كناديج من صخر، وطينها بالكلس، ثم أمر بزروع مصر فحصدت ودفع إلى كل إنسان حصته وترك الباقي في سنبله لم يدسه، فوضعه في الكناديج، ففعل ذلك سبع سنين، فلما جاء سني الجدب كان يخرج السنبل فيبيع بما شاء. بيان: " ما خطبكن " أي ما شأنكن، والخطب: الامر الذي يحق أن يخاطب فيه صاحبه " حاش لله " تنزيه له وتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله " حصحص الحق " أي ثبت واستقر من حصحص البعير. إذا القي مباركه ليناخ، أو ظهر من حص شعره:
إذا استأصله بحيث ظهر بشرة رأسه. قوله: " ذلك ليعلم " إلى قوله: " وما أبرئ نفسي " هذا من كلام يوسف على قول أكثر المفسرين، وقيل: هو من كلام امرأة العزيز كما ذكره علي بن إبراهيم والأول أشهر وأظهر.
وقال الفيروزآبادي: الكندوج: شبه المخزن معرب الكندو. وقال: الأنبار: بيت التاجر ينضد فيه المتاع، الواحد نبر بالكسر. والكلس بالكسر: الصاروج.
8 - تفسير علي بن إبراهيم: وكان بينه وبين أبيه ثمانية عشر يوما، وكان في بادية، وكان الناس من من الآفاق يخرجون إلى مصر ليمتاروا طعاما، وكان يعقوب وولده نزولا في بادية فيه مقل، فأخذ إخوة يوسف من ذلك المقل وحملوه إلى مصر ليمتاروا به طعاما، وكان يوسف يتولى البيع بنفسه، فلما دخل إخوته على يوسف عرفهم ولم يعرفوه كما حكى الله عز وجل: " وهم له منكرون " فلما جهزهم بجهازهم وأعطاهم وأحسن إليهم في الكيل قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن بنو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله الذي ألقاه نمرود في النار فلم يحترق فجعلها الله عليه بردا وسلاما; قال: فما فعل أبوكم؟
قالوا: شيخ ضعيف، قال: فلكم أخ غيركم؟ قالوا: لنا أخ من أبينا لا من امنا، قال: فإذا رجعتم إلي فائتوني به وهو قوله: " ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين * فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون * قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون " ثم قال يوسف لقومه: ردوا هذه البضاعة التي حملوها إلينا اجعلوها فيما بين رحالهم حتى إذا رجعوا إلى منازلهم ورأوها رجعوا إلينا، وهو قوله: " وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون " يعني كي يرجعون " فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون * قال " يعقوب: " هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين * فلما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم " في رحالهم التي حملوها إلى مصر " قالوا يا أبانا ما نبغي " أي ما نريد؟ هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير * قال " يعقوب: " لن
أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما أتوه موثقهم قال " يعقوب: " الله على ما نقول وكيل " فخرجوا وقال لهم يعقوب: " لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغنى عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون * ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون " بيان: قال البيضاوي: " فعرفهم وهم له منكرون " أي عرفهم يوسف ولم يعرفوه لطول العهد ومفارقتهم إياه في سن الحداثة، ونسيانهم إياه، وتوهمهم أنه هلك، وبعد حاله التي رأوه عليها من حاله حين فارقوه، وقلة تأملهم في حلاه من التهيب والاستعظام.
وقال في قوله: " اجعلوا بضاعتهم في رحالهم " إنما فعل ذلك توسيعا وتفضلا عليهم، وترفعا من أن يأخذ ثمن الطعام منهم، وخوفا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به. قوله:
" منع منا الكيل " أي حكم بمنعه بعد هذا إن لم نذهب ببنيامين. قوله: " ما نبغي " أي ماذا نطلب؟ هل من مزيد على ذلك؟ أكرمنا وأحسن مثوانا، وباع منا ورد علينا متاعنا; أو لا نطلب وراء ذلك إحسانا; أولا نبغي في القول ولا نزيد فيما حكينا لك من إحسانه. قوله:
" إلا أن يحاط بكم " أي إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك، أو إلا أن تهلكوا جميعا. قوله " لا تدخلوا من باب واحد " المشهور بين المفسرين أنه إنما قال ذلك لما خاف عليهم من العين; وقيل: لما اشتهروا بمصر بالحسن والجمال وإكرام الملك لهم خاف عليهم حسد الناس; وقيل: لم يأمن عليهم من أن يخافهم الملك فيحبسهم; وقيل: إنه عليه السلام كان عالما بأن ملك مصر ولده يوسف إلا أن الله تعالى لم يأذن له في إظهار ذلك، فلما بعث أبناءه إليه قال: " لا تدخلوا من باب واحد " وكان غرضه أن يصل بنيامين إلى يوسف في وقت الخلوة.
ثم إن العبد لما كان مأمورا بملاحظة الأسباب وعدم الاعتماد عليها والتوكل على الله قال أولا ما يلزمه من الحزم والتدبير، ثم تبرأ عن الاعتماد على الأسباب بقوله: " وما أغنى عنكم من الله من شئ " ثم إنه تعالى صدقه على ما ذكره من عدم الاعتماد على الأسباب بقوله تعالى: " ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم " أي من أبواب متفرقة في البلد " ما كان يغني عنهم " رأي يعقوب واتباعهم له " من الله من شئ " مما قضاه عليهم كما قال يعقوب، فاخذ بنيامين بوجدان الصواع في رحله، وتضاعفت المصيبة على يعقوب " إلا حاجة في نفس يعقوب " استثناء منقطع، أي ولكن حاجة في نفسه، يعني شفقته عليهم وخوفه من أن يعانوا أو غير ذلك مما مر " قضاها " أي أظهرها ووصى بها " وإنه لذو علم لما علمناه " بالوحي ونصب الحجج ولذلك قال: " وما أغنى عنكم من الله من شئ " ولم يغتر بتدبيره " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " أسرار القدر.
9 - تفسير علي بن إبراهيم: فخرجوا وخرج معهم بنيامين، وكان لا يؤاكلهم ولا يجالسهم ولا يكلمهم فلما وافوا مصر دخلوا على يوسف وسلموا فنظر يوسف إلى أخيه فعرفه فجلس منهم بالبعيد، فقال يوسف: أنت أخوهم؟ قال: نعم، قال: فلم لا تجلس معهم؟ قال: لأنهم أخرجوا أخي من أبي وأمي ثم رجعوا ولم يردوه وزعموا أن الذئب أكله فآليت على نفسي أن لا أجتمع معهم على أمر ما دمت حيا ، قال: فهل تزوجت؟ قال: بلى، قال: فولد لك ولد؟ قال:
بلى، قال: كم ولد لك؟ قال: ثلاثة بنين، قال: فما سميتهم؟ قال: سميت واحدا منهم الذئب، وواحدا القميص، وواحدا الدم، قال: وكيف اخترت هذه الأسماء؟
قال: لئلا أنسى أخي، كلما دعوت واحدا من ولدي ذكرت أخي، قال يوسف لهم:
أخرجوا وحبس بنيامين، فلما خرجوا من عنده قال يوسف لأخيه: " أنا أخوك " يوسف " فلا تبتئس بما كانوا يعملون " ثم قال له: أنا أحب أن تكون عندي، فقال: لا يدعوني إخوتي فإن أبي قد أخذ عليهم عهد الله وميثاقه أن يردوني إليه، قال: فأنا أحتال بحيلة فلا تنكر
إذا رأيت شيئا ولا تخبرهم، فقال: لا، فلما جهزهم بجهازهم وأعطاهم وأحسن إليهم قال لبعض قوامه: اجعلوا هذا الصاع في رحل هذا، وكان الصاع الذي يكيلون به من ذهب فجعلوه في رحله من حيث لم يقفوا عليه إخوته، فلما ارتحلوا بعث إليهم يوسف وحبسهم ثم أمر مناديا ينادي: " أيتها العير إنكم لسارقون " فقال إخوة يوسف: " ماذا تفقدون * قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " أي كفيل، فقال إخوة يوسف ليوسف: " تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين قال يوسف " فما جزاؤه إن كنتم كاذبين * قالوا جزاؤه من وجد في رحله " فاحبسه " فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين * فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه " فتشبثوا بأخيه وحبسوه وهو قوله: " كذلك كدنا ليوسف " أي احتلنا له " ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم " فسئل الصادق عليه السلام عن قوله: " أيتها العير إنكم لسارقون " قال: ما سرق وما كذب يوسف، فإنما عنى: سرقتم يوسف عليه السلام من أبيه، وقوله: " أيتها العير " معناه: يا أهل العير، ومثله قولهم لأبيهم: " وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها " يعني أهل القرية وأهل العير، فلما اخرج ليوسف الصاع من رحل أخيه قال إخوته: " إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل: يعنون به يوسف فتغافل يوسف عنهم وهو قوله: " فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم وقال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون " فاجتمعوا إلى يوسف
وجلودهم تقطر دما أصفر فكانوا يجادلونه في حبسه، وكان ولد يعقوب إذا غضبوا خرج من ثيابهم شعر، ويقطر من رؤوسها دم أصفر وهم يقولون له: " يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين " فأطلق عن هذا.
فلما رأى يوسف ذلك " قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده " ولم يقل إلا من سرق متاعنا " إنا إذا لظالمون " فلما أيسوا وأرادوا الانصراف إلى أبيهم قال لهم لاوي بن يعقوب: " ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله " في هذا " ومن قبل ما فرطتم في يوسف " فارجعوا أنتم إلى أبيكم، أما أنا فلا أرجع إليه " حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين " ثم قال لهم: " ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها " أي أهل القرية وأهل العير " وإنا لصادقون " قال: فرجع إخوة يوسف إلى أبيهم، وتخلف يهودا فدخل على يوسف وكلمه حتى ارتفع الكلام بينه وبين يوسف وغضب، وكانت على كتف يهودا شعرة فقامت الشعرة فأقبلت تقذف بالدم، وكان لا يسكن حتى يمسه بعض أولاد يعقوب، قال: فكان بين يدي يوسف ابن له في يده رمانة من ذهب يلعب بها، فلما رأى يوسف أن يهودا قد غضب وقامت الشعرة تقذف بالدم أخذ الرمانة من الصبي ثم دحرجها نحو يهودا وتبعها الصبي ليأخذها فوقعت يده على يد يهودا فذهب غضبه فارتاب يهودا ورجع الصبي بالرمانة إلى يوسف. قال: ثم ارتفع الكلام بينهما حتى غضب يهودا وقامت الشعرة تقذف بالدم فلما رأى ذلك يوسف دحرج الرمانة نحو يهودا وتبعها الصبي ليأخذها فوقعت يده على يهودا فسكن غضبه، وقال:
إن في البيت لمن ولد يعقوب، حتى صنع ذلك ثلاث مرات. بيان: " لا تبتئس " أي لا تحزن، افتعال من البؤس. قال الطبرسي رحمه الله: قيل: إن
السقاية هي المشربة التي كان يشرب منها الملك، ثم جعل صاعا في السنين الشداد القحاط يكال به الطعام; وقيل: كان من ذهب، عن أبي زيد وروي عن أبي عبد الله عليه السلام; وقيل:
كان من فضة، عن ابن عباس والحسن; وقيل: كان من فضة مرصعة بالجواهر، عن عكرمة انتهى.
وأما قوله: " أيتها العير إنكم لسارقون " فالظاهر إنه كان على وجه المصلحة تورية، وكان وجه التورية فيه ما ورد في الاخبار أنه كان غرضه عليه السلام أنكم سرقتم يوسف من أبيه; وقيل: إنما قال ذلك بعض من فقد الصاع من قوم يوسف من غير أمره; وقيل: إن الكلام يجوز أن يكون خارجا مخرج الاستفهام كأنه قال: أئنكم لسارقون؟ فأسقطت الهمزة، والأول هو الموافق لما ورد فيه من الاخبار.
قال الطبرسي رحمه الله: ومتى قيل: كيف جاز ليوسف أن يحزن والده وإخوته بهذا الصنيع ويجعلهم متهمين بالسرقة؟ فالجواب أن الغرض فيه التسبب إلى احتباس أخيه عنده، ويجوز أن يكون ذلك بأمر من الله، وروي أنه أعلم أخاه بذلك ليجعله طريقا إلى التمسك به، وإذا كان إدخال هذا الحزن سببا مؤديا إلى إزالة غموم كثيرة عن الجميع ولا شك أنه يتعلق به المصلحة فقد ثبت جوازه، وأما التعرض للتهمة بالسرقة فغير صحيح فإن وجود السقاية في رحله يحتمل أمورا كثيرة غير السرقة، فعلى هذا من حمله على السرقة مع علمه بأنهم أولاد الأنبياء توجهت اللائمة عليه انتهى. أقول: العمدة في هذا الباب أن بعد ثوبت العصمة بالبراهين القاطعة لا مجال للاعتراض عليهم في أمثال ذلك، ولكل منها وجوه ومحامل يمكن حمله عليها بحيث لا ينافي علو شأنهم.
قوله. " قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه " أي قال إخوة يوسف: جزاء السرقة السارق وهو الانسان الذي وجد المسروق في رحله، ومعناه أن السنة كانت في آل يعقوب أن يستخدم السارق ويسترق على قدر سرقته، وفي دين الملك الضرب والضمان; وقيل: كان يسترق سنة. وقوله: " وكذلك نجزي الظالمين " تأكيد لبيان اطراد هذا الحكم
عندهم; وقيل: إن ذلك جواب يوسف عليه السلام. قوله تعالى: ما كان ليأخذ أخاه " قال الرازي المعنى أنه كان حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق، فما كان يوسف قادرا على حبس أخيه عند نفسه بناء على دين الملك وحكمه إلا أن الله تعالى كاد له وأجرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق وهو معنى قوله: " إلا أن يشاء الله ".
ثم اعلم أنهم اختلفوا في قوله تعالى: " قال كبيرهم " فقيل: هو روبيل وكان كبيرهم في السن; وقيل: شمعون وكان رئيسهم; وقيل: يهودا وكان كبيرهم في العقل; وقيل: لاوي ولعله بنى الكلام أولا على أحد القولين وثانيا على القول الآخر، ويحتمل أن يكون تخلف يهودا ثم لحقهم.
10 - تفسير علي بن إبراهيم: فلما رجعوا إخوة يوسف إلى أبيهم وأخبروه بخبر أخيهم قال يعقوب:
" بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم " ثم " تولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن " يعني عميت من البكاء " فهو كظيم " أي محزون، والأسف: أشد الحزن، وسئل أبو عبد الله عليه السلام ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف؟ قال: حزن سبعين ثكلى بأولادها، وقال: إن يعقوب لم يعرف الاسترجاع فمنها قال: وا أسفاه على يوسف، فقالوا له: " تالله تفتؤ تذكر يوسف " أي لا تفتؤ عن ذكر يوسف " حتى تكون حرضا " أي ميتا " أو تكون من الهالكين " " فقال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون ". تفسير: " بل سولت " أي زينت وسهلت لكم " أنفسكم أمرا " أردتموه وقررتموه
وإلا فما أدرى الملك أن السارق يؤخذ بسرقته " فصبر جميل " فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل " عسى الله أن يأتيني بهم جميعا " بيوسف وبنيامين وأخيهما الذي توقف بمصر " إنه هو العليم " بحالي وحالهم " الحكيم " في تدبيرها " وتولى عنهم " أي أعرض عنهم كراهة لما صادف منهم وقال يا أسفى على يوسف " أي يا أسف تعال فهذا أوانك، والأسف أشد الحزن والحسرة، والألف بدل من ياء المتكلم. قال البيضاوي: وفي الحديث: لم تعط أمة من الأمم " إنا لله وإنا إليه راجعون " عند المصيبة إلا أمة محمد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصاب لم يسترجع وقال: يا أسفا. انتهى. ثم اعلم أنه اختلف في قوله: " وابيضت عيناه من الحزن " كما أن الشيعة اختلفوا في أنه هل يجوز على الأنبياء مثل هذا النقص في الخلقة، قال الشيخ الطبرسي رحمه الله:
فقيل: لا يجوز لان ذلك ينفر; وقيل: يجوز إن لا يكون فيه تنفير ويكون بمنزلة سائر العلل والأمراض انتهى. فمن لا يجوز ذلك يقول: إنه ما عمي ولكنه صار بحيث يدرك إدراكا ضعيفا، أو يؤول بأن المراد أنه غلبه البكاء وعند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء، ومن يجوز ذلك يحملها على ظاهرها، والحق أنه لم يقم دليل على امتناع ذلك حتى نحتاج إلى تأويل الآيات والأخبار الدالة على حصوله، على أنه يحتمل أن يكون على وجه لا يكون نقص فيه وعيب في ظاهر الخلقة، والأنبياء عليهم السلام يبصرون بقلوبهم ما يبصر غيرهم بعينه قال البيضاوي في قوله تعالى: " تالله تفتؤ تذكر يوسف " أي لا تفتؤ ولا تزال تذكره تفجعا عليه، فحذف " لا " حتى تكون حرضا مشفيا على الهلاك، وقيل: الحرض الذي أذابه هم أو مرض " أو تكون من الهالكين " من الميتين " قال إنما أشكوا بثي " أي همي الذي لا أقدر الصبر عليه، من البث بمعنى النشر. انتهى.
أقول: على ما فسر علي بن إبراهيم " الحرض " لعله حمل الهلاك على الهلاك المعنوي بترك الصبر.
11 - تفسير علي بن إبراهيم: حدثني أبي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: أخبرني عن يعقوب حين قال لولده: " اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه " أكان علم أنه حي وقد فارقه منذ عشرين سنة وذهبت عيناه عليه من البكاء، قال: نعم علم أنه حي حتى أنه دعا ربه في السحر أن يهبط عليه ملك الموت، فهبط عليه ملك الموت بأطيب رائحة وأحسن صورة، فقال له: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت، أليس سألت الله أن ينزلني عليك؟ قال: نعم، قال: ما حاجتك يا يعقوب؟ قال له: أخبرني عن الأرواح تقبضها جملة أو تفاريقا؟ قال: تقبضها أعواني متفرقة وتعرض علي مجتمعة، قال يعقوب:
فأسألك بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب هل عرض عليك في الأرواح روح يوسف؟ فقال: لا فعند ذلك علم أنه حي، فقال لولده: " اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " وكتب عزيز مصر إلى يعقوب:
أما بعد فهذا ابنك اشتريته بثمن بخس دراهم وهو يوسف واتخذته عبدا، و هذا ابنك بنيامين قد سرق وأخذته فقد وجدت متاعي عنده واتخذته عبدا. فما ورد على يعقوب شئ كان أشد عليه من ذلك الكتاب، فقال للرسول: مكانك حتى أجيبه، فكتب عليه يعقوب عليه السلام:
بسم الله الرحمن الرحيم: من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، أما بعد فقد فهمت كتابك تذكر فيه أنك اشتريت ابني واتخذته عبدا، وإن البلاء موكل ببني آدم
إن جدي إبراهيم ألقاه نمرود ملك الدنيا في النار فلم يحترق وجعلها الله عليه بردا وسلاما وإن أبي إسحاق أمر الله جدي أن يذبحه بيده فلما أراد أن يذبحه فداه الله بكبش عظيم، وإنه كان لي ولد لم يكن في الدنيا أحد أحب إلي منه وكان قرة عيني وثمرة فؤادي فأخرجوه إخوته ثم رجعوا إلي وزعموا أن الذئب أكله فاحدودب لذلك ظهري، وذهب من كثرة البكاء عليه بصري، وكان له أخ من أمه كنت آنس به فخرج مع إخوته إلى ما قبلك ليمتاروا لنا طعاما فرجعوا إلي وذكروا أنه سرق صواع الملك وقد حبسته، وإنا أهل بيت لا يليق بنا السرق ولا الفاحشة، وأنا أسألك بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب إلا مننت علي به وتقربت إلى الله ورددته إلي.
فلما ورد الكتاب إلى يوسف أخذه ووضعه على وجهه وقبله وبكى بكاء شديدا ثم نظر إلى إخوته فقال لهم: " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون " " فقالوا أئنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق و يصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين " فقالوا له كما حكى الله عز وجل: " لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين * قال لا تثريب عليكم اليوم " أي لا تخليط " يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " قال: فلما ولى الرسول إلى الملك بكتاب يعقوب رفع يعقوب يده إلى السماء فقال: يا حسن الصحبة، يا كريم المعونة، يا خير إله ائتني بروح منك وفرج من عندك " فهبط جبرئيل عليه فقال له: يا يعقوب ألا أعلمك دعوات يرد الله عليك بصرك وابنيك؟
قال: نعم، قال: قل " يامن لم يعلم أحد كيف هو إلا هو، يا من سد السماء بالهواء، و كبس الأرض على الماء، واختار لنفسه أحسن الأسماء، ائتني بروح منك وفرج من عندك " قال: فما انفجر عمود الصبح حتى اتي بالقميص فطرح عليه ورد الله عليه بصره وولده. بيان: قال الطبرسي: التثريب التوبيخ، يقال: ثرب وأثرب، عن ابن الاعرابي.
وقيل: التثريب: اللوم والافساد والتقرير بالذنب، قال أبو عبيدة: وأصله الافساد، وقال تغلب: ثرب فلان على فلان أي عدد عليه ذنوبه; وقال أبو مسلم: هو مأخوذ من الثرب وهو شحم الجوف فكأنه موضع للمبالغة في اللوم والتعنيف والبلوغ بذلك إلى أقصى غاياته. انتهى. أقول: لعل مراده بالتخليط ما يرجع إلى الافساد.
12 - تفسير علي بن إبراهيم: وقال: ولما أمر الملك بحبس يوسف في السجن ألهمه الله تأويل الرؤيا فكان يعبر لأهل السجن، فلما سألاه الفتيان الرؤيا وعبر لهما وقال للذي ظن أنه ناج منهما: اذكرني عند ربك ولم يفزع في تلك الحال إلى الله فأوحى الله إليه: من أراك الرؤيا التي رأيتها؟ قال يوسف: أنت يا رب، قال: فمن حببك إلى أبيك؟ قال: أنت يا رب، قال:
فمن وجه إليك السيارة التي رأيتها؟ قال: أنت يا رب، قال: فمن علمك الدعاء الذي دعوت به حتى جعلت لك من الجب فرجا؟ قال: أنت يا رب، قال: فمن أنطق لسان الصبي بعذرك؟
قال: أنت يا رب، قال: فمن ألهمك تأويل الرؤيا؟ قال: أنت يا رب، قال: فكيف استعنت بغيري ولم تستعن بي؟ وأملت عبدا من عبيدي ليذكرك إلى مخلوق من خلقي وفي قبضتي ولم تفزع إلي؟ البث في السجن بضع سنين. فقال يوسف: أسألك بحق آبائي عليك إلا فرجت عني؟ فأوحى الله إليه: يا يوسف وأي حق لآبائك علي؟ إن كان أبوك آدم خلقته
بيدي ونفخت فيه من روحي وأسكنته جنتي وأمرته أن لا يقرب شجرة منها فعصاني و سألني فتبت عليه، وإن كان أبوك نوح انتجبته من بين خلقي وجعلته رسولا إليهم فلما عصوا ودعاني فاستجبت له وغرقتهم وأنجيته ومن معه في الفلك، وإن كان أبوك إبراهيم اتخذته خليلا وأنجيته من النار وجعلتها عليه بردا وسلاما، وإن كان أبوك يعقوب وهبت له اثني عشرا ولدا فغيبت عنه واحدا فما زال يبكي حتى ذهب بصره وقعد على الطريق يشكوني إلى خلقي، فأي حق لآبائك علي؟ قال: فقال له جبرئيل: قل يا يوسف:
" أسألك بمنك العظيم وإحسانك القديم ولطفك العميم يا رحمن يا رحيم " فقالها فرأى الملك الرؤيا فكان فرجه فيها.
وحدثني أبي، عن العباس بن هلال، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قال السجان ليوسف: إني لأحبك، فقال يوسف: ما أصابني إلا من الحب إن كان خالتي أحبتني سرقتني، وإن كان أبي أحبني فحسدوني إخوتي، وإن كانت امرأة العزيز أحبتني فحبستني، قال: وشكا يوسف في السجن إلى الله فقال: يا رب بماذا استحققت السجن؟
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.