پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب النبوة

باب 9 قصص يعقوب ويوسف على نبينا وآله وعليهما الصلاة والسلام

ج ۱۲، ص ۳۰۵–۳۳۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۴ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۲

فأتوني به، فأتوه به وهو في دار الملك، فقال: أدخلوه وحده، فأدخلوه عليه فضمه يوسف إليه وبكى وقال له: أنا أخوك يوسف فلا تبتئس بما تراني أعمل، واكتم ما أخبرتك به ولا تحزن و لا تخف، ثم أخرجه إليهم وأمر فتيته أن يأخذوا بضاعتهم ويعجلوا لهم الكيل، فإذا فرغوا جعلوا المكيال في رحل ابن ياميل ففعلوا به ذلك، وارتحل القوم مع الرفقة فمضوا فلحقهم يوسف وفتيته فنادوا فيهم: " أيتها العير إنكم لسارقون * قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون * قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم * قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين * قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين * قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه " قال: " فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه " قالوا: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، فقال لهم يوسف: ارتحلوا عن بلادنا، قالوا: يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا وقد أخذ علينا موثقا من الله لنرد به إليه فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين إن فعلت، قال: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، فقال كبيرهم: إني لست أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي، ومضى إخوة يوسف حتى دخلوا على يعقوب فقال لهم: فأين ابن ياميل؟ قالوا: ابن ياميل سرق مكيال الملك فأخذ الملك سرقته فحبس عنده، فاسأل أهل القرية والعير حتى يخبروك بذلك، فاسترجع واستعبر و اشتد حزنه حتى تقوس ظهره.

تفسير العياشي: أبو حمزة، عن أبي بصير عنه ذكر فيه ابن يامين ولم يذكر ابن ياميل.

115 - تفسير العياشي: عن أبان الأحمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما دخل إخوة يوسف عليه السلام وقد جاؤوا بأخيهم معهم وضع لهم الموائد، قال: يمتار كل واحد منكم مع أخيه لامه على الخوان، فجلسوا وبقي أخوه قائما، فقال له: مالك لا تجلس مع إخوتك؟

قال: ليس لي منهم أخ من أمي، قال: فلك أخ من أمك زعم هؤلاء أن الذئب أكله؟

قال: نعم، قال: فاقعد وكل معي، قال: فترك إخوته الاكل قالوا: إنا نريد أمرا ويأبى الله إلا أن يرفع ولد يامين علينا، ثم قال حين فرغوا من جهازهم أمر أن يضع الصاع في رحل أخيه، فلما فصلوا نادى مناد: أيتها العير إنكم لسارقون، قال: فرجعوا فقالوا:

" ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك " إلى قوله: " جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه " يعنون السنة التي تجري فيهم أن يحبسه، فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه، فقالوا: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل.

قال الحسن بن علي الوشاء فسمعت الرضا عليه السلام يقول: يعنون المنطقة، فلما فرغ من غدائه قال: ما بلغ من حزنك على أخيك؟ قال: ولد لي عشرة أولاد فكلهم شققت لهم من اسمه قال: فقال له: ما أراك حزنت عليه حيث اتخذت النساء من بعده؟ قال: أيها العزيز إن لي أبا شيخا كبيرا صالحا فقال: يا بني تزوج لعلك أن تصيب ولدا يثقل الأرض بشهادة أن لا إله إلا الله، قال أبو محمد عبد الله بن محمد: هذا من رواية الرضا عليه السلام.

116 - تفسير العياشي: عن علي بن مهزيار، عن بعض أصحابنا، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وقد كان هيأ لهم طعاما فلما دخلوا إليه قال: ليجلس كل بني أم على مائدة

قال: فجلسوا وبقي ابن يامين قائما، فقال له يوسف: مالك لا تجلس؟ قال له: إنك قلت:

ليجلس كل بني أم على مائدة وليس لي منهم ابن أم، فقال يوسف: أما كان لك ابن أم؟ قال له ابن يامين: بلى، قال يوسف: فما فعل؟ قال: زعم هؤلاء أن الذئب أكله، قال: فما بلغ من حزنك عليه؟ قال: ولد لي أحد عشر ابنا كلهم اشتق له اسما من اسمه، فقال له يوسف: أراك قد عانقت النساء وشممت الولد من بعده! قال له ابن يامين، إن لي أبا صالحا وإنه قال: تزوج لعل الله أن يخرج منك ذرية تثقل الأرض بالتسبيح، فقال له: تعال فاجلس معي على مائدتي، فقال إخوة يوسف: لقد فضل الله يوسف وأخاه حتى أن الملك قد أجلسه معه على مائدته.

117 - تفسير العياشي: عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا خير فيمن لا تقية له ، ولقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون وما سرقوا.

118 - تفسير العياشي: وفي رواية أخرى، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قيل له وأنا عنده: عن سالم بن أبي حفصة يروي عنك أنك تكلم على سبعين وجها لك منها المخرج، فقال: ما يريد سالم مني؟ أيريد أن أجئ بالملائكة؟! فوالله ما جاء بهم النبيون، ولقد قال إبراهيم: إني سقيم والله ما كان سقيما وما كذب، ولقد قال إبراهيم: بل فعله كبيرهم وما فعله كبيرهم وما كذب، ولقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون والله ما كانوا سرقوا وما كذب.

119 - تفسير العياشي: عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: صواع الملك طاسه الذي يشرب فيه *

120 - تفسير العياشي: عن محمد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله:

صواع الملك، قال: كان قدحا من ذهب، وقال: كان صواع يوسف إذ كيل به.

121 - تفسير العياشي: عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر بني يعقوب قال: كانوا إذا غضبوا اشتد غضبهم حتى تقطر جلودهم دما أصفر وهم يقولون: خذ أحدنا

مكانه، يعني جزاؤه، فأخذ الذي وجد الصاع عنده.

122 - تفسير العياشي: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما استيأس إخوة يوسف من أخيهم قال لهم يهودا، وكان أكبرهم: " لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين " قال: ورجع إلى يوسف يكلمه في أخيه فكلمه حتى ارتفع الكلام بينهما حتى غضب يهودا، وكان إذا غضب قامت شعرة في كتفه وخرج منها الدم، قال: وكان بين يدي يوسف ابن له صغير معه رمانة من ذهب وكان الصي يلعب بها، قال:

فأخذها يوسف من الصبي فدحرجها نحو يهودا، قال: وحبا الصبي ليأخذها فمس يهودا فسكن يهودا، ثم عاد إلى يوسف فكلمه في أخيه حتى ارتفع الكلام بينهما حتى غضب يهودا وقامت الشعرة وسال منها الدم، فأخذ يوسف الرمانة من الصبي فدحرجها نحو يهودا، وحبا الصبي نحو يهودا فسكن يهودا، فقال يهودا: إن في البيت معنا لبعض ولد يعقوب، قال: فعند ذلك قال لهم يوسف: " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ".

وفي رواية هشام بن سالم عنه عليه السلام قال: لما أخذ يوسف أخاه اجتمع عليه إخوته فقالوا له: خذ أحدنا مكانه وجلودهم تقطر دما أصفر، وهم يقولون: خذ أحدنا مكانه، قال:

فلما أن أبى عليهم وأخرجوا من عنده قال لهم يهودا: قد علمتم ما فعلتم بيوسف، فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين، قال: فرجعوا إلى أبيهم وتخلف يهودا، قال: فدخل على يوسف فكلمه في أخيه حتى ارتفع الكلام بينه و بينه وغضب، وكان على كتفه شعرة إذا غضب قامت الشعرة فلا تزال تقذف بالدم حتى يمسه بعض ولد يعقوب، قال: فكان بين يدي يوسف ابن له صغير في يده رمانة من ذهب يلعب بها، فلما رآه يوسف قد غضب وقامت الشعرة تقذف بالدم أخذ الرمانة من يدي الصبي ثم دحرجها نحو يهودا وابتغى الصبي ليأخذها فوقعت يده على يهودا، قال: فذهب غضبه، قال: فارتاب يهودا ورجع الصبي بالرمانة إلى يوسف، ثم ارتفع الكلام بينهما حتى

غضب وقامت الشعرة فجعلت تقذف بالدم، فلما رأى يوسف دحرج الرمانة نحو يهودا و اتبعها الصبي ليأخذها فوقعت يده على يهودا فسكن غضبه قال: فقال يهودا: إن في البيت لمن ولد يعقوب حتى صنع ذلك ثلاث مرات. بيان: قال الطبرسي رحمه الله " فلن أبرح الأرض " أي لا أزال بهذه الأرض ولا أزول عنها وهي أرض مصر " حتى يأذن لي أبي " في البراح والرجوع إليه " أو يحكم الله لي " بالخروج وترك أخي هنا; وقيل: بالموت; وقيل: بما يكون عذرا لنا عند أبينا، عن أبي مسلم; وقيل: بالسيف حتى أحارب من حبس أخي، عن الجبائي انتهى. وقال الفيروزآبادي: حبا الرجل: مشى على يديه وبطنه، والصبي حبوا كسهو:

مشى على استه انتهى.

ويظهر من الخبر الأولى أنه عليه السلام أظهر الامر ليهودا قبل رجوع إخوته وفيه مخالفة ما لسائر الاخبار.

123 - تفسير العياشي: عن جابر قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: رحمك الله ما الصبر الجميل؟

فقال: كان صبر ليس فيه شكوى إلى الناس إن إبراهيم بعث يعقوب إلى راهب من الرهبان عابد من العباد في حاجة، فلما رآه الراهب حسبه إبراهيم فوثب إليه فاعتنقه، ثم قال:

مرحبا بخليل الرحمن، قال يعقوب: إني لست بإبراهيم، ولكني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فقال له الراهب: فما بلغ بك ما أرى من الكبر؟ قال: الهم والحزن، فما جاوز صغير الباب حتى أوحى الله إليه: أن يا يعقوب شكوتني إلى العباد؟ فخر ساجدا عند عتبة الباب يقول: رب لا أعود، فأوحى الله إليه إني قد غفرتها لك فلا تعودن إلى مثلها.

فما شكا شيئا مما أصابه من نوائب الدنيا إلا أنه قال يوما: " إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ".

أقول: رواه السيد ابن طاوس في كتاب سعد السعود من تفسير ابن عقدة الحافظ، عن عثمان بن عيسى، عن المفضل، عن جابر مثله. بيان: بعث إبراهيم يعقوب عليه السلام بعد كبر يعقوب غريب، ولعله كان بعد فوت إبراهيم وكان البعث على سبيل الوصية، وفي بعض النسخ: " إن الله بعث " وهو الصواب.

وقوله: (صغير الباب) لعله من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الباب الصغير، أي باب البيت دون باب الدار. ورواه في كتاب التمحيص عن جابر، وفيه: فما جاز عتبة الباب.

124 - تفسير العياشي: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال له بعض أصحابنا:

ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف؟ قال: حزن سبعين ثكلى حرى.

125 - وبهذا الاسناد عنه قال: قيل له: كيف تحزن يعقوب على يوسف وقد أخبره جبرئيل أنه لم يمت وأنه سيرجع إليه؟ فقال: إنه نسي ذلك. بيان: لعل المراد أنه لشدة حبه له كان محزونا على مفارقته حتى كأنه نسي ذلك.

126 - تفسير العياشي: عن محمد بن سهل البحراني ، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: البكاؤون خمسة: آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد وعلي بن الحسين صلوات الله عليهم أما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره وحتى قيل له: تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين.

127 - تفسير العياشي: عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن يعقوب أتى ملكا بناحيتكم يسأله الحاجة، فقال له الملك: أنت إبراهيم؟ قال: لا، قال: وأنت إسحاق ابن إبراهيم؟ قال: لا، قال: فمن أنت، قال: أنا يعقوب بن إسحاق، قال: فما بلغ بك ما أرى مع حداثة السن؟ قال: الحزن على يوسف، قال: لقد بلغ بك الحزن يا يعقوب كل مبلغ، فقال: إنا معشر الأنبياء أسرع شئ البلاء إلينا، ثم الأمثل فالأمثل من

الناس، فقضى حاجته فلما جاوز بابه هبط عليه جبرئيل فقال له: يا يعقوب ربك يقرؤك السلام ويقول لك: شكوتني إلى الناس؟! فعفر وجهه في التراب، وقال: يا رب زلة أفلنيها فلا أعود بعد هذا أبدا، ثم عاد إليه جبرئيل فقال: يا يعقوب ارفع رأسك، ربك يقرؤك السلام ويقول لك: قد أقلتك فلا تعود تشكوني إلى خلقي، فما رئي ناطقا بكلمة مما كان فيه حتى أتاه بنوه فصرف وجهه إلى الحائط وقال: " إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ".

128 - وفي حديث آخر عنه: جاء يعقوب إلى نمرود في حاجة فلما دخل عليه وكان أشبه الناس بإبراهيم قال له: أنت إبراهيم خليل الرحمن؟ قال. لا الحديث. 129 - تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام عاد إلى الحديث الأول قال:

واشتد حزنه - يعني يعقوب - حتى تقوس ظهره، وأدبرت الدنيا عن يعقوب وولده حتى احتاجوا حاجة شديدة وفنيت ميرهم، فعند ذلك قال يعقوب لولده: " اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " فخرج منهم نفر وبعث معهم بضاعة يسيرة وكتب معهم كتابا إلى عزيز مصر يعطفه على نفسه وولده، وأوصى ولده أن يبدوا بدفع كتابه قبل البضاعة فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم إلى عزيز مصر ومظهر العدل وموفي الكيل من يعقوب

ابن إسحاق بن إبراهيم خليل الله صاحب نمرود الذي جمع لإبراهيم الحطب والنار ليحرقه بها فجعل الله عليه بردا وسلاما وأنجاه منها، أخبرك أيها العزيز أنا أهل بيت قديم لم يزل البلاء إلينا سريعا من الله ليبلونا بذلك عند السراء والضراء، وأن مصائب تتابعت علي منذ عشرين سنة، أولها أنه كان لي ابن سميته يوسف، وكان سروري من بين ولدي، و قره عيني، وثمرة فؤادي، وإن إخوته من غير أمه سألوني أن أبعثه معهم يرتع ويلعب فبعثته معهم بكرة، وإنهم جاؤوني عشاء يبكون وجاؤوني على قميصه بدم كذب فزعموا أن الذئب أكله، فاشتد لفقده حزني، وكثر على فراقه بكائي حتى ابيضت عيناي من الحزن، وإنه كان له أخ من خالته وكنت به معجبا وعليه رفيقا، وكان لي أنيسا، و كنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري فيسكن بعض ما أجد في صدري، وإن إخوته ذكروا لي أنك أيها العزيز سألتهم عنه وأمرتهم أن يأتوك به وإن لم يأتوك به منعتهم الميرة لنا من القمح من مصر فبعثته معهم ليتماروا لنا قمحا فرجعوا إلي فليس هو معهم، و ذكروا أنه سرق مكيال الملك، ونحن أهل بيت لا نسرق، وقد حبسته وفجعتني به، وقد اشتد لفراقه حزني حتى تقوس لذلك ظهري، وعظمت به مصيبتي مع مصائب متتابعات علي، فمن علي بتخلية سبيله وإطلاقه من محبسه وطيب لنا القمح، واسمح لنا في السعر، وعجل سراح آل يعقوب.

فلما مضى ولد يعقوب من عنده نحو مصر بكتابه نزل جبرئيل على يعقوب فقال له:

يا يعقوب إن ربك يقول لك: من ابتلاك بمصائبك التي كتبت بها إلى عزيز مصر؟ قال يعقوب: أنت بلوتني بها عقوبة منك وأدبا لي، قال الله: فهل كان يقدر على صرفها عنك أحد غيري؟ قال يعقوب: اللهم لا، قال: أفما استحييت مني حين شكوت مصائبك إلى غيري ولم تستغث بي وتشكو ما بك إلي؟! فقال يعقوب: أستغفرك يا إلهي وأتوب إليك وأشكو بثي وحزني إليك، فقال لله تبارك وتعالى: قد بلغت بك يا يعقوب وبولدك الخاطئين

الغاية في أدبي، ولو كنت يا يعقوب شكوت مصائبك إلي عند نزولها بك واستغفرت وتبت إلي من ذنبك لصرفتها عنك بعد تقديري إياها عليك، ولكن الشيطان أنساك ذكري فصرت إلى القنوط من رحمتي، وأنا الله الجواد الكريم، أحب عبادي المستغفرين التائبين الراغبين إلى فيما عندي; يا يعقوب أنا راد إليك يوسف وأخاه، ومعيد إليك ما ذهب من مالك ولحمك ودمك، وراد إليك بصرك، ويقوم لك ظهرك، فطب نفسا، وقر عينا، و إن الذي فعلته بك كان أدبا مني لك فاقبل أدبي.

ومضى ولد يعقوب بكتابه نحو مصر حتى دخلوا على يوسف في دار المملكة فقالوا:

يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا بأخينا ابن يامين، وهذا كتاب أبينا يعقوب إليك في أمره يسألك أن تمن به عليه، قال:

فأخذ يوسف كتاب يعقوب فقبله ووضعه على عينيه وبكى وانتحب حتى بلت دموعه القميص الذي عليه، ثم أقبل عليهم فقال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف من قبل وأخيه من بعد؟ قالوا: أإنك لانت يوسف؟ قال: أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا، وقالوا: تالله لقد آثرك الله علينا فلا تفضحنا ولا تعاقبنا اليوم واغفر لنا، قال: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم.

وفي رواية أخرى عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام نحوه.

130 - تفسير العياشي: عن عمرو بن عثمان، عن بعض أصحابنا قال: لما قال إخوة يوسف:

" يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر " قال: قال يوسف: لا صبر على ضر آل يعقوب، فقال عند ذلك: " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه " الآية.

131 - تفسير العياشي: عن أحمد بن محمد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن قوله:

" وجئنا ببضاعة مزجاة " قال: المقل. وفي هذه الرواية: " وجئنا ببضاعة مزجئة " قال: كانت المقل، وكانت بلادهم بلاد المقل وهي البضاعة. بيان: قال البيضاوي: مزجاة: رديئة، أو قليلة ترد وتدفع رغبة عنها، من أزجيته:

إذا دفعته; وقيل: كانت دراهم زيوفا; وقيل: صوفا وسمنا; وقيل: صنوبر وحبة الخضراء; وقيل الاقط و سويق المقل; انتهى. وفي رواية أخرى لعله عليه السلام قرأ " مزجاة " بتشديد الجيم، أو مزجية بكسر الجيم وتشديد الياء، ولم ينقل في القراءة الشاذة غير القراءة المشهورة.

132 - تفسير العياشي: عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا رفعه قال: كتب يعقوب النبي إلى يوسف: من يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله الرحمن إلى عزيز مصر:

أما بعد فإنا أهل بيت لم يزل البلاء سريعا إلينا، ابتلي إبراهيم جدي فالقي في النار، ثم ابتلي أبي إسحاق بالذبح، فكان لي ابن وكان قرة عيني وكنت أسر به فابتليت بأن أكله الذئب فذهب بصري حزنا عليه من البكاء، وكان له أخ وكنت أسر به بعده فاخذته في سرق، وإنا أهل بيت لم نسرق قط ولا نعرف بالسرق، فإن رأيت أن تمن علي به فعلت، قال: فلما أتى يوسف بالكتاب فتحه وقرأه فصاح ثم قام فدخل منزله فقرأ وبكى ثم غسل وجهه ثم خرج إلى إخوته ثم عاد فقرأه فصاح وبكى، ثم قام فدخل منزله فقرأه وبكى ثم غسل وجهه وعاد إلي إخوته، فقال: " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون " وأعطاهم قميصه وهو قميص إبراهيم، وكان يعقوب بالرملة، فلما فصلوا بالقميص من مصر قال يعقوب: " إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون * قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم ".

133 - تفسير العياشي: عن مفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس رجل من ولد فاطمة يموت ولا يخرج من الدنيا حتى يقر للامام بإمامته كما أقر ولد يعقوب ليوسف حين قالوا: " تالله لقد آثرك الله علينا ".

134 - الخصال، علل الشرائع، عيون أخبار الرضا (ع): في أسئلة الشامي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه عليه السلام قال: يوم الأربعاء ادخل يوسف السجن.

135 - تفسير العياشي : عن محمد بن إسماعيل رفعه بإسناد له قال: إن يعقوب وجد ريح قميص يوسف من مسيرة عشرة ليال، وكان يعقوب ببيت المقدس ويوسف بمصر، وهو القميص الذي نزل على إبراهيم من الجنة، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب، ودفعه يعقوب إلى يوسف عليهم السلام.

136 - تفسير العياشي: عن نشيط بن صالح البجلي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أكان إخوة يوسف أنبياء؟ قال: لا ولا بررة أتقياء، وكيف وهم يقولون لأبيهم يعقوب: " تالله إنك لفي ضلالك القديم "؟ تفسير العياشي: عن نشيط، عن رجل مثله.

137 - تفسير العياشي: عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن بني يعقوب بعد ما صنعوا بيوسف أذنبوا فكانوا أنبياء؟! بيان: استفهام على الانكار.

138 - تفسير العياشي: عن مقرن، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كتب عزيز مصر إلى يعقوب:

أما بعد فهذا ابنك يوسف اشتريته بثمن بخس دراهم معدودة واتخذته عبدا، وهذا ابنك ابن يامين أخذته قد سرق واتخذته عبدا، قال: فما ورد على يعقوب شئ أشد عليه من ذلك الكتاب فقال للرسول: مكانك حتى أجيبه؟ فكتب إليه يعقوب: أما بعد فقد فهمت كتابك أنك أخذت ابني بثمن بخس واتخذته عبدا، وأنك اتخذت ابني ابن يامين وقد سرق فاتخذته عبدا، فإنا أهل بيت لا نسرق، ولكنا أهل بيت نبتلي، وقد ابتلى أبونا إبراهيم بالنار فوقاه الله، وابتلى أبونا إسحاق بالذبح فوقاه الله، وإني قد ابتليت بذهاب بصري وذهاب ابني وعسى الله أن يأتيني بهم جميعا.

قال: فلما ولى الرسول عنه رفع يده إلى السماء ثم قال: " يا حسن الصحبة يا كريم المعونة يا خيرا كله ائتني بروح منك وفرج من عندك " قال: فهبط عليه جبرئيل فقال:

يا يعقوب ألا أعلمك دعوات يرد الله عليك بها بصرك ويرد عليك ابنيك؟ فقال: بلى، فقال:

قل: " يا من لا يعلم أحد كيف هو وحيث هو وقدرته إلا هو، يامن سد الهواء بالسماء، و كبس الأرض على الماء، واختار لنفسه أحسن الأسماء ائتني بروح منك وفرج من عندك " فما انفجر عمود الصبح حتى اتي بالقميص فطرح على وجهه فرد الله عليه بصره ورد عليه ولده.

139 - دعوات الراوندي عن أبي جعفر عليه السلام أن يعقوب عليه السلام كان أشتد به الحزن ورفع يده إلى السماء وقال: يا حسن الصحبة إلى آخر الخبر. 140: تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام عاد إلى الحديث الأول الذي قطعناه قال: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، اذهبوا بقميصي هذا الذي بلته دموع عيني فألقوه على وجه أبي يرتد بصيرا لو قد شم بريحي، وأتوني بأهلكم أجمعين، وردهم إلى يعقوب في ذلك اليوم وجهزهم بجميع ما يحتاجون إليه، فلما فصلت عيرهم من مصر وجد يعقوب ريح يوسف، فقال لمن بحضرته من ولده: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون، قال: وأقبل ولده يحثون السير بالقميص فرحا وسرورا بما رأوا من حال يوسف والملك الذي أعطاه الله والعز الذي صاروا إليه في سلطان يوسف، وكان مسيرهم من مصر إلى بدو يعقوب تسعه أيام، فلما أن جاء البشير ألقى القميص على وجهه فارتد بصيرا وقال لهم: ما فعل ابن ياميل؟ قالوا: خلفناه عند أخيه صالحا، قال: فحمد الله يعقوب عند ذلك وسجد لربه سجدة الشكر ورجع إليه بصره وتقوم له ظهره، وقال لولده: تحملوا إلى يوسف في يومكم هذا بأجمعكم، فساروا إلى يوسف ومعهم يعقوب وخالة يوسف ياميل،

فأحثوا السير فرحا وسرورا فساروا تسعة أيام إلى مصر.

141 - تفسير العياشي: عن محمد بن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله:

" سوف أستغفر لكم ربي " فقال: أخرهم إلى السحر، قال: يا رب إنما ذنبهم فيما بيني و بينهم، فأوحى الله إليه: إني قد غفرت لهم.

142 - تفسير العياشي: عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " سوف أستغفر لكم ربي " قال: أخرهم إلى السحر ليلة الجمعة.

143 - تفسير العياشي: عن أبي بصير في تتمة الخبر الأول عن أبي جعفر عليه السلام قال:

فصاروا تسعة أيام إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف في دار الملك اعتنق أباه فقبله وبكى ورفعه ورفع خالته على سرير الملك، ثم دخل منزله فادهن واكتحل ولبس ثياب العز والملك، ثم خرج إليهم فلما رأوه سجدوا جميعا له إعظاما له وشكرا لله، فعند ذلك قال:

" يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل " إلى قوله: " بيني وبين إخوتي " قال: ولم يكن يوسف في تلك العشرين السنة يدهن ولا يكتحل ولا يتطيب ولا يضحك ولا يمس النساء حتى جمع الله ليعقوب عليه السلام شمله وجمع بينه وبين يعقوب وإخوته. بيان: قال الرازي: اختلفوا في مقدار المدة بين هذا الوقت وبين وقت الرؤيا، فقبل:

ثمانون سنة; وقيل: سبعون; وقيل: أربعون سنة، وهو قول الأكثرين، ولذلك يقولون:

إن تأويل الرؤيا ربما صحت بعد أربعين سنة; وقيل: ثمانية عشر سنة; وعن الحسن أنه القي في الجب ابن سبع عشرة سنة وبقي في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة، ثم

وصل إلى أبيه وأقاربه وعاش بعد ذلك ثلاثة وعشرين سنة، فكان عمره مائة وعشرين سنة والله أعلم بالحقائق.

144 - تفسير العياشي: عن الحسن بن أسباط قال: سألت أبا الحسن عليه السلام في كم دخل يعقوب من ولده على يوسف؟ قال: في أحد عشر ابنا له، فقيل له: أسباط؟ قال: نعم.

وسألته عن يوسف وأخيه أكان أخاه لأمه أم ابن خالته؟ فقال: ابن خالته. بيان: هذا الخبر يدل على أن بنيامن لم يكن من أم يوسف بل من خالته، وإنما دعاه أخا من أمه مجازا كما تجوز في قوله: " ورفع أبويه " وهو قول جماعة من المفسرين والمؤرخين.

145 - تفسير العياشي: عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " ورفع أبويه على العرش " قال: العرش: السرير، وفي قوله: " وخروا له سجدا " قال: كان سجودهم ذلك عبادة لله.

146 - تفسير العياشي: عن محمد بن بهروز، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إن يعقوب قال ليوسف حيث التقيا: أخبرني يا بني كيف صنع بك؟ فقال له يوسف: انطلق بي فأقعدت على رأس الجب فقيل لي: انزع القميص، فقلت لهم: إني أسألك بوجه أبي الصديق يعقوب أن لا تبدوا عورتي ولا تسلبوني قميصي، قال: فأخرج علي فلان السكين; فغشي على يعقوب، فلما أفاق قال له يعقوب: حدثني كيف صنع بك؟ فقال له يوسف: إني أطالب يا أبتاه لما كففت، فكف.

147 - تفسير العياشي: عن إسحاق بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن الله بعث إلى يوسف وهو في السجن: يا ابن يعقوب ما أسكنك مع الحطائين؟ قال: جرمي، قال:

فاعترف بجرمه فاخرج، فاعترف بمجلسه منها مجلس الرجل من أهله، فقال له: ادع بهذا الدعاء: " يا كبير كل كبير يا من لا شريك له ولا وزير، يا خالق الشمس والقمر المنير

يا عصمة المضطر الضرير، يا قاصم كل جبار عنيد، يا مغني البائس الفقير، يا جابر العظم الكسير، يا مطلق المكبل الأسير، أسألك بحق محمد وآل محمد أن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا وترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب " قال: فلما أصبح دعاه الملك فخلي سبيله وذلك قوله: " وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن "

148 - تفسير العياشي: عن عباس بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله جالس في أهل بيته إذ قال: أحب يوسف أن يستوثق لنفسه، قال: فقيل: بماذا يا رسول الله؟ قال: لما عزل له عزيز مصر عن مصر لبس ثوبين جديدين - أو قال: لطيفين - وخرج إلى فلاة من الأرض فصلى ركعات، فلما فرغ رفع يده إلى السماء فقال: " رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة " قال: فهبط إليه جبرئيل فقال له: يا يوسف ما حاجتك؟ فقال: " رب توفني مسلما وألحقني بالصالحين " فقال أبو عبد الله عليه السلام: خشي الفتن. أقول: ذكر السيد في سعد السعود نقلا عن ترجمة التوراة أن إخوة يوسف باعوه بعشرين مثقالا من فضة، وأن عمره كان عشرين سنة، وأن عمر يعقوب كان مائة وسبعا و أربعين سنة، وأن يوسف بكى على أبيه سبعة أيام، وناح المقربون عليه سبعين يوما، و أن عمر يوسف كان مائة وعشرين سنة، ثم قال: وذكر محمد بن خالد البرقي في كتاب المبتدأ أن عمره يوم باعوه كان ثلاثة عشر سنة.

أقول: وجدت في كتاب الفهرست لأبي غالب الزراري ما هذا لفظه: أبو حمزة البطائني اسمه سالم روي عنه أن صاع يوسف كان يصوت بصوت حسن: واحد واثنان.

تذنيب في حل ما يورد من الاشكال على ما مر من الآيات والاخبار وفيه فصول:

الأول فيما يتعلق بأحوال يعقوب ولنذكر هنا بعض ما أورده السيد قدس الله روحه في كتاب تنزيه الأنبياء.

قال: فإن قيل: فما معنى تفضيل يعقوب ليوسف عليه السلام على إخوته في البر والتقريب والمحبة حتى أوقع ذلك التحاسد بينهم وبينه وأفضى إلى الحال المكروهة التي نطق بها القرآن حتى قالوا على ما حكاه الله تعالى عنهم: " ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين " فنسبوه إلى الضلال والخطاء؟ وليس لكم أن تقولوا: إن يعقوب عليه السلام لم يعلم بذلك من حالهم قبل أن يكون منه التفضيل ليوسف عليه السلام لان ذلك لابد من أن يكون معلوما من حيث كان في طباع البشر التنافس والتحاسد.

الجواب: قيل له: ليس فيما نطق به القرآن ما يدل على أن يعقوب فضله بشئ من فعله، لان المحبة التي هي ميل الطباع ليست مما يكتسبه الانسان ويختاره، وإنما ذلك موقوف على فعل الله تعالى فيه، ولهذا يكون للرجل عدة أولاد فيحب أحدهم دون غيره، وربما كان المحبوب أدونهم في الجمال والكمال، وقد قال الله تعالى: " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم " وإنما أراد ما بيناه من ميل النفس الذي لا يمكن الانسان أن يعدل فيه بين نسائه، لان ما عدا ذلك من البر والعطاء والتقريب وما أشبهه يستطيع الانسان أن يعدل فيه بين النساء.

فإن قيل : فكأنكم نفيتم عن يعقوب عليه السلام القبيح والاستفساد وأضفتموها إلى الله فما الجواب عن المسألة على هذا الوجه؟ قلنا عنها جوابان: أحدها أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى علم أن إخوة يوسف سيكون بينهم ذلك التحاسد والفعل القبيح على كل حال وإن لم يفضل يوسف في محبة أبيه له.

والجواب الاخر أن يكون ذلك جاريا مجرى التمكين والتكليف الشاق، لان هؤلاء الاخوة متى امتنعوا من حسد أخيهم والبغي عليه والاضرار به وهو غير مفضل عليهم ولا مقدم لا يستحقون من الثواب ما يستحقونه إذا امتنعوا من ذلك مع التقديم والتفضيل فأراد الله تعالى منهم أن يمتنعوا على هذا الوجه الشاق، وإذا كان مكلفا على هذا الوجه فلا استفساد في تمييله طباع أبيهم إلى محبة يوسف عليه السلام لان بذلك ينتظم هذا التكليف ويجري هذا الباب مجرى خلق إبليس مع علمه تعالى بضلال من ضل عند خلقه ممن لو لم يخلقه لم يكن ضالا، ومجرى زيادة الشهوة فيمن يعلم تعالى أنه عند هذه الزيادة يفعل قبيحا لولاها لم يفعله.

ووجه آخر في الجواب عن أصل المسألة وهو أنه يجوز أن يكون يعقوب عليه السلام كان مفضلا ليوسف عليه السلام في العطاء والتقريب والترحيب والبر الذي وصل إليه من جهته، وليس ذلك بقبيح لأنه لا يمتنع أن يكون يعقوب عليه السلام لم يعلم أن ذلك يؤدي إلى ما أدى إليه، ويجوز أن يكون رأى من سيرة إخوته وسدادهم وجميل ظاهرهم ما غلب على ظنه أنهم لا يحسدونه وإن فضله عليهم، فإن الحسد وإن كان كثيرا ما يكون في الطباع فإن كثيرا من الناس يتنزهون عنه ويتجنبونه، ويظهر من أحوالهم أمارات يظن معها بهم ما ذكرناه، وليس التفضيل لبعض الأولاد على بعض في العطاء محاباة؟ لان لمحاباة هي مفاعلة من الحباء، ومعناها أن تحبو غيرك ليحبوك، وهذا خارج عن معنى التفضيل بالبر الذي لا يقصد به إلى ما ذكرناه، فأما قولهم: " إن أبانا لفي ضلال مبين " فلم يريدوا به الضلال عن الدين ، وإنما أرادوا الذهاب عن التسوية بينهم في العطية، لأنهم رأوا أن ذلك أصوب في تدبيرهم، وأصل الضلال هو العدول، وكل من عدل عن شئ وذهب عنه فقد ضل، ويجوز أيضا أن يريدوا بذلك الضلال عن الدين، لأنهم خبروا عن اعتقادهم، وقد يجوز أن يعتقدوا في الصواب الخطاء.

فإن قيل: كيف يجوز أن يقع من إخوة يوسف هذا الخطاء العظيم والفعل القبيح

وقد كانوا أنبياء؟ فإن قلتم: لم يكونوا أنبياء في الحال قيل لكم: وأي منفعة في ذلك لكم وأنتم تذهبون إلى أن الأنبياء لا يواقعون القبائح قبل النبوة ولا بعدها؟ قلنا:

لم يقم الحجة بأن إخوة يوسف الذين فعلوا به ما فعلوه كانوا أنبياء في حال من الأحوال، وإذا لم يقم بذلك الحجة جاز على هؤلاء الاخوة من فعل القبيح ما يجوز على كل مكلف لم تقم حجة بعصمته، وليس لاحد أن يقول: كيف تدفعون نبوتهم والظاهر أن الأسباط من بني يعقوب كانوا أنبياء؟ لأنه لا يمتنع أن يكون الأسباط الذين كانوا أنبياء غير هؤلاء الاخوة الذين فعلوا بيوسف ما قصه الله تعالى عنهم، وليس في ظاهر الكتاب أن جميع إخوة يوسف وسائر أسباط يعقوب كادوا يوسف عليه السلام بما حكاه الله تعالى من الكيد، وقد قيل: إن هؤلاء الاخوة في تلك الحال لم يكونوا بلغوا الحلم ولا توجه إليهم التكليف، وقد يقع ممن قارب البلوغ من الغلمان مثل هذه الأفعال، وقد يلزمهم بعض العتاب واللوم، فإن ثبت هذا الوجه سقطت المسألة أيضا مع تسليم أن هؤلاء الاخوة كانوا أنبياء في المستقبل انتهى كلامه رحمه الله. أقول: الأظهر في الجواب هو ما أومئ إليه من أن التفضيل بين الأولاد في العطاء والمحبة والاكرام إذا كان لأمر ديني ولفضيلة واقعية لم يدل دليل على كونه مرجوحا، بل دلت الأخبار المعتبرة على رجحانه كما سيأتي في بابه، فعلى هذا لا حرج في تفضيل يعقوب يوسف مع علمه بأنه سيكون من الأنبياء والصديقين عليهم، ولا يوجب العلم بحسد الاخوة ترك أمر راجح ديني يقتضيه العقل والشرع، وأما خطأ الاخوة فقد عرفت بما مر من الاخبار أنهم لم يكونوا من الأنبياء، وذهب كثير من العامة أيضا إلى ذلك، فلا يستبعد منهم صدور الذنب، ولكن دلت الآية ظاهرا والاخبار صريحا على أنهم فارقوا الدنيا تائبين مغفورين كما عرفت.

ثم قال قدس الله روحه: مسألة: فإن قال: فلم أرسل يعقوب عليه السلام يوسف مع إخوته مع خوفه عليه منهم، وقوله: " أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون " وهل هذا إلا تغرير به ومخاطرة؟

الجواب: قيل له: ليس يمتنع أن يكون يعقوب لما رأى من بنيه ما رأى من الايمان والعهود والاجتهاد في الحفظ والرعاية لأخيهم ظن مع ذلك السلامة، وغلب النجاة بعد أن كان خائفا مغلبا لغير السلامة، وقوي في نفسه أن يرسله معهم إشفاقه من إيقاع الوحشة والعداوة بينهم، لأنه إذا لم يرسله مع الطلب منهم والحرص علموا أن سبب ذلك هو التهمة لهم والخوف من ناحيتهم واستوحشوا منه ومن يوسف عليه السلام وانضاف هذا الداعي إلى ما ظنه من السلامة والنجاة فأرسله. مسألة: فإن قال: فما معنى قولهم ليعقوب عليه السلام: " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " وكيف يجوز أن ينسبوه إلى أنه لا يصدق الصادق ويكذبه؟

الجواب: إنهم لما علموا على مرور الأيام شدة تهمة أبيهم لهم وخوفه على أخيهم منهم لما كان يظهر منهم من أمارات الحسد والنفاسة أيقنوا بأنه يكذبهم فيما أخبروا به من أكل الذئب أخاهم فقالوا له: إنك لا تصدقنا في هذا الخبر لما سبق إلى قلبك من تهمتنا وإن كنا صادقين، وقد يفعل مثل ذلك المخادع المماكر إذا أراد أن يوقع في قلب من يخبره بالشئ ليصدقه فيقول له: أنا أعلم أنك لا تصدقني في كذا وكذا وإن كنت صادقا، وهذا بين.

مسألة: فإن قال: فلم أسرف يعقوب عليه السلام في الحزن والتهلك وترك التماسك حتى ابيضت عيناه من البكاء؟ ومن شأن الأنبياء التجلد والتصبر وتحمل الأثقال و لهذه الحالة ما عظمت منازلهم وارتفعت درجاتهم. الجواب: قيل له: إن يعقوب عليه السلام بلي وامتحن في ابنه بما لم يمتحن به أحد

قبله، لان الله تعالى رزقه من يوسف أحسن الناس وأجملهم وأكملهم علما وفضلا وأدبا و عفافا، ثم أصيب به أعجب مصيبة وأطرفها، لأنه لم يمرض بين يديه مرضا يؤول إلى الموت فيسليه عنه تمريضه له ثم يئس منه بالموت، بل فقده فقدا لا يقطع معه على الهلاك فييأس ولا يجد أمارة على حياته وسلامته فيرجو ويطمع، فكان متردد الفكر بين يأس وطمع وهذا أغلظ ما يكون على الانسان وأنكى لقلبه، وقد يرد على الانسان من الحزن ما لا يملك رده ولا يقوى على دفعه، ولهذا لم يكن أحد منهيا عن مجرد الحزن والبكاء، وإنما نهي عن اللطم والنوح وأن يطلق لسانه بما سخط ربه، وقد بكى نبينا صلى الله عليه وآله على ابنه إبراهيم عند وفاته وقال: " العين تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول ما يسخط الرب " وهو عليه الصلاة والسلام القدوة في جميع الآداب والفضائل; على أن يعقوب عليه السلام إنما أبدى من حزنه يسيرا من كثير، وكان ما يخبه ويتصبر عليه ويغالبه أكثر وأوسع مما أظهره، وبعد فإن التجلد على المصائب وكظم الحزن من المندوب إليه، وليس بواجب لازم، وقد يعدل الأنبياء عليهم السلام عن كثير من المندوبات. انتهى كلامه رفع الله مقامه. أقول: قد حققنا في بعض كتبنا أن محبة المقربين لأولادهم وأقربائهم وأحبائهم ليست من جهة الدواعي النفسانية والشهوات البشرية، بل تجردوا عن جميع ذلك، و أخلصوا حبهم وودهم وإرادتهم لله، فهم ما يحبون سوى الله تعالى، وحبهم لغيره تعالى إنما يرجع إلى حبهم له، ولذا لم يحب يعقوب عليه السلام من سائر أولاده مثل ما أحب يوسف عليه السلام وهم لجهلهم بسبب حبه له نسبوه إلى الضلال وقالوا: نحن عصبة ونحن أحق بأن نكون محبوبين له، لأنا أقوياء على تمشية ما يريده من أمور الدنيا، ففرط حبه ليوسف إنما كان لحب الله تعالى له واصطفائه إياه، ومحبوب المحبوب محبوب، فإفراطه في حب يوسف لا ينافي خلوص حبه لربه، ولا يخل بعلو قدره ومنزلته عند سيده، وسيأتي الكلام

في ذلك على وجه أبسط في محله، وفيما أو ردته كفاية لأولي الألباب.

ثم قال رحمه الله:

مسألة: فإن قال: كيف لم يتسل يعقوب عليه السلام ويخفف عنه الحزن ما تحققه من رؤيا ابنه يوسف ورؤيا الأنبياء لا تكون إلا صادقة؟

الجواب: قيل له: عن ذلك جوابان: أحدهما أن يوسف عليه السلام رأى تلك الرؤيا وهو صبي غير نبي ولا موحى إليه، فلا وجه في تلك الحال للقطع على صدقها وصحتها. و الاخر: إن أكثر ما في هذا الباب أن يكون يعقوب عليه السلام قاطعا على بقاء ابنه وأن الامر سيؤول فيه إلى ما تضمنته الرؤيا، وهذا لا يوجب نفي الحزن والجزع، لأنا نعلم أن طول المفارقة واستمرار الغيبة تقتضيان الحزن مع القطع على أن المفارق باق يجوز أن يؤول حاله إلى القدوم، وقد جزع الأنبياء عليهم السلام ومن جرى مجراهم من المؤمنين المطهرين من مفارقة أولادهم وأحبائهم مع ثقتهم بالالتقاء بهم في الآخرة والحصول معهم في الجنة، والوجه في ذلك ما ذكرناه. انتهى كلامه رحمه الله. الفصل الثاني في تأويل قوله تعالى: " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " ولنذكر هنا ما أورده الرازي في تفسيره في هذا المقام فإن اعتراف الخصم أجدى لاتمام المرام:

قال: اعلم أن هذه الآية من المهمات التي يجب الاعتناء بالبحث عنها، وفي هذه الآية مسائل.

المسألة الأولى في أنه عليه السلام هل صدر عنه ذنب أم لا؟ وفي هذه المسألة قولان:

أحدهما أن يوسف عليه السلام هم بالفاحشة، قال الواحدي في كتاب البسيط: قال المفسرون الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم: هم يوسف أيضا بهذه المرأة هما صحيحا، وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة عنه. قال أبو جعفر الباقر بإسناده عن علي إنه قال: طمعت فيه وطمع فيها، وكان طمعه

فيها أنه هم أن يحل التكة. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: حل الهميان وجلس منها مجلس الخائن، وعنه أيضا أنها استلقت له وقعد هو بين رجليها ينزع ثيابه.

ثم إن الواحدي طول في كلمات عديمة الفائدة في هذا الباب، وما ذكر آية يحتج بها، أو حديثا صحيحا يعول عليه في تصحيح هذه المقالة، ولما أمعن في الكلمات العارية عن الفائدة روى أن يوسف لما قال: " ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب " قال له جبرئيل: ولا حين هممت يا يوسف؟ فقال يوسف عند ذلك: " وما أبرئ نفسي " ثم قال: والذين أثبتوا هذا العمل ليوسف كانوا أعرف بحقوق الأنبياء وارتفاع منازلهم عند الله من الذين نفوا لهم عنه! فهذا خلاصة كلامه في هذا الباب.

والقول الثاني أن يوسف عليه السلام كان بريئا من العمل الباطل والهم المحرم، وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين وبه نقول وعنه نذب.

واعلم أن الدلائل الدالة على وجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام كثيرة استقصيناها في سورة البقرة في قصة آدم عليه السلام فلا نعيدها إلا أنا نزيد ههنا وجوها:

فالحجة الأولى: إن الزنا من منكرات الكبائر، والخيانة من معرض الأمانة من منكرات الذنوب، وأيضا مقابلة الاحسان العظيم الدائم بالإساءة الموجبة للفضيحة الباقية والعار الشديد من منكرات الذنوب، وأيضا الصبي إذا تربى في حجر إنسان وبقي مكفي المؤونة مصون العرض من أول صباه إلى زمان شبابه وكمال قوته فإقدام هذا الصبي على

إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم من منكرات الاعمال.

إذا ثبت هذا فنقول: إن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربعة، ومثل هذه المعصية لو نسبت إلى أفسق خلق الله وأبعدهم عن كل خير لأستنكف منه، فكيف يجوز إسناده إلى الرسول المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة؟

الثاني أنه تعالى قال في عين هذه الواقعة: " كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء " وذلك يدل على أن ماهية السوء وماهيه الفحشاء مصروفة عنه، ولا شك أن المعصية التي نسبوها إليه أعظم أنواع السوء وأفحش أقسام الفحشاء، فكيف يليق برب العالمين أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئا من السوء والفحشاء مع أنه كان قد أتى بأعظم أنواع السوء والفحشاء؟!

وأيضا فالآية تدل على قولنا من وجه آخر: وذلك لأنا نقول: هب إن هذه الآية لا تدل على نفي هذه المعصية عنه إلا أنه لاشك أنها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ ولا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم المدائح والاثنية عقيب أن يحكي عنه ذلك الذنب العظيم، فإن مثاله ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب وأفحش الاعمال ثم يذكره بالمدح العظيم والثناء البالغ عقيبه، فإن ذلك يستنكر جدا فكذا ههنا.

الثالث: أن الأنبياء متى صدرت عنهم زلة أو هفوة استعظموا ذلك واتبعوها بإظهار الندامة والتوبة والتواضع، ولو كان يوسف أقدم ههنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة والاستغفار، ولو أتى بالتوبة لحكى الله عنه إتيانه بها كما في سائر المواضع، وحيث لم يوجد شئ من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب ولا معصية.

الرابع: أن كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف عليه السلام عن المعصية.

واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة: يوسف، وتلك المرأة، وزوجها، والنسوة، والشهود، ورب العالمين شهد ببراءته عن الذنب، وإبليس أيضا أقر ببراءته عن المعصية،

وإذا كان الامر كذلك فحينئذ لم يبق للمسلم توقف في هذا الباب. أما بيان أن يوسف عليه السلام ادعى البراءة عن الذنب فهو قوله عليه السلام: " هي راودتني عن نفسي " وقوله عليه السلام " رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه " وأما بيان أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة: " ولقد راودته عن نفسه فاستعصم " وأيضا قالت: " الان حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين " وأما بيان أن زوج المرأة أقر بذلك فهو قوله: " إنه من كيد كن إن كيد كن عظيم * يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك " وأما النسوة فلقولهن : " امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين " وقولهن: " حاش لله ما علمنا عليه من سوء " وأما الشهود فقوله تعالى:

" وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل " إلى آخر الآية; وأما شهادة الله بذلك فقوله:

" وكذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين " فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات: أولها قوله: " لنصرف عنه السوء " واللام للتأكيد والمبالغة والثاني قوله: " الفحشاء " أي كذلك لنصرف عنه الفحشاء، والثالث قوله: " إنه من عبادنا " مع أنه تعالى قال: " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " الرابع قوله: " المخلصين " وفيه قراءتان: تارة باسم الفاعل، وتارة باسم المفعول، فوروده باسم الفاعل دل على كونه آتيا بالطاعات والقربات مع صفة الاخلاص، ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه واصطفاه لحضرته، وعلى كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزها مما أضافوه إليه، وأما بيان أن إبليس أقر ب طهارته فلانه قال: " فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم

المخلصين " فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى: " إنه من عبادنا المخلصين " وكان هذا إقرارا من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريق الهدى، وعند هذا نقول: هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام هذه الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله على طهارته، وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته، ولعلهم يقولون: كنا في أول الأمر تلامذة إبليس إلا أنا تخرجنا وزدنا عليه في السفاهة كما قال الحروري:

وكنت فتى من جند إبليس فارتقى * بي الامر صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن بعده * طرائق فسق ليس يحسنها بعدي فثبت بهذه الدلائل أن يوسف عليه السلام برئ عما يقوله هؤلاء الجهال.

وإذا عرفت هذا فنقول: الكلام على ظاهر هذه الآية يقع في مقامين: المقام الأول أن نقول: لا نسلم أن يوسف عليه السلام هم بها، والدليل عليه أنه تعالى قال: " وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " وجواب لولا ههنا مقدم وهو كما يقال: قد كنت من الهالكين لولا أخلصك، وطعن الزجاج في هذا الجواب من وجهين:

الأول: أن تقدم جواب لولا شاذ وغير موجود في الكلام الفصيح. الثاني: أن لولا يجاب باللام فلو كان الامر على ما ذكرتم لقال: ولقد همت به ولهم بها، وذكر غير الزجاج سؤالا ثالثا وهو أنه لو لم يوجد الهم لما بقي لقوله: " لولا أن رأى برهان ربه " فائدة.

واعلم أن ما ذكره الزجاج بعيد لأنا نسلم أن تأخير جواب لولا حسن جائز إلا أن جوازه لا يمنع من جواز تقديم هذا الجواب، وكيف ونقل عن سيبويه أنه قال:

إنهم يقدمون الأهم، والذي هم بشأنه أعنى، فكان الامر في جواز التقديم والتأخير مربوطا بشدة الاهتمام، فأما تعيين بعض الألفاظ بالمنع فذلك ما لا يليق بالحكمة، وأيضا ذكر جواب لولا باللام جائز، أما هذا لا يدل على أن ذكره بغير اللام لا يجوز، لأنا نذكر آية أخرى تدل على فساد قول الزجاج في هذين السؤالين وهو قوله تعالى: " إن كادت لتبدي

به لولا أن ربطنا على قلبها ".

وأما السؤال الثالث وهو أنه لو لم يوجد الهم لم يبق لقوله: " لولا أن رأى برهان ربه " فائدة، فنقول: بل فيه أعظم الفوائد وهو بيان أن ترك الهم بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعدم قدرته عليهن، بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، ثم نقول: الذي يدل على أن جواب لولا ما ذكرناه أن لولا يستدعي جوابا وهذا المذكور يصلح جوابا له فوجب الحكم بكونه جوابا له.

لا يقال: إنا نضمر له جوابا وترك الجواب كثير في القرآن، فنقول: لا نزاع أنه كثير في القرآن إلا أن الأصل أن لا يكون محذوفا، وأيضا فالجواب إنما يحسن تركه وحذفه إذا حصل في الملفوظ ما يدل على تعينه، فههنا بتقدير أن يكون الجواب محذوفا فليس في اللفظ ما يدل على تعيين ذلك الجواب، فإن ههنا أنواعا من الاضمارات يحسن إضمار كل واحد منها، وليس إضمار بعضها أولى من إضمار الباقي فظهر الفرق.

المقام الثاني في الكلام على هذه الآية أن نقول: سلمنا أن الهم قد حصل، إلا أنا نقول: إن قوله: " وهم بها " لا يمكن حمله على ظاهره، لان تعليق الهم بذات المرأة محال، لان الهم من جنس القصد، والقصد لا يتعلق بالذوات الباقية، فثبت أنه لابد من إضمار فعل مخصوص يجعل متعلق ذلك الهم، وذلك الفعل غير مذكور، فهم زعموا أن ذلك المضمر هو إيقاع الفاحشة، ونحن نضمر شيئا آخر يغاير ما ذكروه، وبيانه من وجوه:

الأول: المراد أنه عليه السلام هم بدفعها عن نفسه ومنعها من ذلك القبيح لان الهم هو القصد فوجب أن يحمل في حق كل واحد على القصد الذي يليق به، فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة والتنعم والتمتع، واللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته وإلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقال: هممت بفلان أي بضربه ودفعه.

فإن قالوا: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله: " لولا أن رأى برهان ربه " فائدة قلنا: بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين: الأول أنه تعالى أعلم يوسف عليه السلام أنه

لوهم بدفعها لقتلته، أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله، فأعلمه تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صونا للنفس عن الهلاك. والثاني أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به فكان يتمزق ثوبه من قدام، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الجاني، ولو كان ثوبه متمزقا من خلف لكانت المرأة هي الجانية، فالله تعالى أعلمه هذا المعنى فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه، بل ولى هاربا عنها حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية.

الوجه الثاني في الجواب: أن نفسر الهم بالشهوة، وهذا مستعمل في اللغة الشائعة يقول القائل فيما لا يشتهيه : ما يهمني هذا; وفيما يشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي، فسمى الله تعالى شهوة يوسف هما، فمعنى الآية: ولقد اشتهته واشتهاها ولولا أن رأى برهان ربه لدخل ذلك العمل في الوجود.

الثالث: أن نفسر الهم بحديث النفس، وذلك لأن المرأة الفائقة في الحسن والجمال إذا تزينت وتهيأت للرجل الشاب القوي فلابد وأن يقع هناك بين الشهوة والحكمة وبين النفس والعقل مجاذبات ومنازعات، فتارة تقوى داعية الطبيعة والشهوة، وتارة تقوى داعية العقل والحكمة، فالهم عبارة عن جواذب الطبيعة، ورؤية البرهان عبارة عن جواذب العبودية، ومثاله أن الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف إذا رأى الجلاب المبرد بالثلج فإن طبيعته تحمله على شربه إلا أن دينه وهداه يمنعه منه، فهذا لا يدل على حصول الذنب، بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة في القيام بلوازم العبودية أكمل، فقد ظهر بحمد الله صحة القول الذي ذهبنا إليه، ولم يبق في يد الواحدي إلا مجرد التصلف وتعديد أسماء المفسرين، ولو كان قد ذكر في تقرير ذلك شبهة لأجبنا عنها إلا أنه ما زاد على الرواية عن بعض المفسرين.

واعلم أن بعض الحشوية روى عن النبي صلى الله عليه أنه قال: ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، فقلت: لاولى أن لا يقبل مثل هذه الأخبار، فقال - على طريق الاستنكار -:

فإن لم نقبله لزمنا تكذيب الرواة، فقلت له: يا مسكين إن قبلناه لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم، وإن رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة، ولا شك أن صون إبراهيم عليه السلام عن الكذب أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب، إذا عرفت هذا الأصل فنقول للواحدي: ومن الذين يضمن لنا أن الذين نقلوا هذا القول عن هؤلاء المفسرين كانوا صادقين أم كاذبين؟!

المسألة الثانية في أن المراد بذلك البرهان ما هو؟ أما المحققون المثبتون للعصمة فقد فسروا رؤية البرهان بوجوه:

الأول: أنه حجة الله تعالى في تحريم الزنا، والعلم بما على الزاني من العقاب.

والثاني: أن الله تعالى طهر نفوس الأنبياء عن الأخلاق الذميمة، بل نقول: إنه تعالى طهر نفوس المتصلين بهم عنها، كما قال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " فالمراد برؤية البرهان هو حصول تلك الأخلاق وتذكير الأحوال الرادعة لهم عن الاقدام على المنكرات.

الثالث: أنه رأى مكتوبا في سقف البيت: " ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة و مقتا وساء سبيلا ".

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.