بحارالانوار · المجلد الثالث
باب 24 النار أعاذنا الله وسائر المؤمنين من لهبها وحميمها
ج ۸، ص ۳۲۲–۳۲۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۵ از ۵
بيان: الفضح والشدخ: الكسر. والخياس لعله جمع الخيس بالكسر وهو الشجر الملتف، أو هو تصحيف الجبال. قوله عليه السلام: فلا يخطئانه أي لا تقع ضربتهما على غيره، وفي بعض النسخ: (فلا يخبطانه) من قولهم: خبطت الرجل: إذا أنعمت عليه من غير معرفة بينكما. وقال في القاموس: كسف حاله: ساءت وفلان نكس طرفه. ورجل كاسف البال: سئ الحال. قوله عليه السلام: فيرحل قفاه يقال: رحلت البعير: إذا شددت على ظهره الرحل، والظاهر: (فيركل) والركل: الضرب بالرجل. وعجزة الشئ: مؤخره.
قوله عليه السلام: مما أعقبتا أي أورثتا من العقوبة بسبب التقصير في طاعة الله، أو من قولهم:
عقبت الرجل: إذا بغيته بشر. والعضوض: البئر البعيدة القعر. والسوخاء: الأرض التي تسيخ فيها الرجل أي ترسب، ولعله إن صحت النسخة هنا كناية عن زلق الاقدام إلى أسفل. والفتر بالكسر: ما بين طرف الابهام والمشيرة. والدلم بالضم جمع الادلم
وهو الشديد السواد. والخطاف كل حديدة حجناء وجمعه خطاطيف. وكان في النسخة تصحيفات تركناها كما وجدناها.
100 - أقول: قال سيد الساجدين صلوات الله عليه في الصحيفة الكاملة فيما كان يدعون عليه السلام بعد صلاة الليل: اللهم إني أعوذ بك من نار تغلظت بها على من عصاك، وتوعدت بها من صدف عن رضاك، ومن نار نورها ظلمة، وهينها أليم، وبعيدها قريب، ومن نار يأكل بعضها بعض، ويصول بعضها على بعض، ومن نار تذر العظام رميما، وتسقي أهلها حميما، ومن نار لا تبقي على من تضرع إليها، ولا ترحم من استعطفها، ولا تقدر على التخفيف عمن خشع لها واستسلم إليها، تلقي سكانها بأحر ما لديها من أليم النكال، وشديد الوبال، وأعوذ بك من عقاربها الفاغرة أفواهها، وحياتها الصالقة بأنيابها، وشرابها الذي يقطع أمعاء وأفئدة سكانها وينزع قلوبهم، وأستهديك لما باعد منها وأخر عنها، الدعاء.
101 - نهج البلاغة: من عهد له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر: واحذروا نارا قعرها بعيد، و حرها شديد، وعذابها جديد، دار ليس فيها رحمة، ولا تسمع فيها دعوة، ولا تفرج فيها كربة.
102 - العقائد: اعتقادنا في النار أنها دار الهوان، ودار الانتقام من أهل الكفر و العصيان، ولا يخلد فيها إلا أهل الكفر والشرك، فأما المذنبون من أهل التوحيد فإنهم يخرجون منها بالرحمة التي تدركهم والشفاعة التي تنالهم.
وروي أنه لا يصيب أحدا من أهل التوحيد ألم في النار إذا دخلوها، وإنما يصيبهم الآلام عند الخروج منها، فتكون تلك الآلام جزاء بما كسبت أيديهم وما الله بظلام للعبيد. وأهل النار هم المساكين حقا لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا، وإن استطعموا اطعموا
من الزقوم، وإن استغاثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا، ينادون من مكان بعيد: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون، فيمسك الجواب عنهم أحيانا ثم قيل لهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، ونادوا: يا مالك ليقض علينا ربك، قال: إنكم ماكثون.
وروي أنه يأمر الله عز وجل برجال إلى النار فيقول لمالك: قل للنار لا تحرقي لهم أقداما فقد كانوا يمشون إلى المساجد، ولا تحرقي لهم أيديا فقد كانوا يرفعونها إلي بالدعاء ولا تحرقي لهم ألسنة فقد كانوا يكثرون تلاوة القرآن، ولا تحرقي لهم وجوها فقد كانوا يسبغون الوضوء، فيقول مالك: يا أشقياء فما كان حالكم؟ فيقولون:
كنا نعمل لغير الله، فقيل لنا: خذوا ثوابكم ممن عملتم له. " ص
90 - 91 " بيان: أقول: قال الشيخ المفيد رفع الله درجته: وأما النار فهي دار من جهل الله سبحانه، وقد يدخلها بعض من عرفه بمعصية الله تعالى، غير أنه لا يخلد فيها بل يخرج منها إلى النعيم، المقيم، وليس يخلد فيها إلا الكافرون. وقال تعالى: " فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلها إلا الأشقى الذي كذب وتولى " يريد بالصلي هنا الخلود فيها.
وقال تعالى: " إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا " وقال: " إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم " الآيتان، وكل آية تتضمن ذكر الخلود في النار فإنما هي في الكفار دون أهل المعرفة بالله تعالى بدلائل العقول، والكتاب المسطور، والخبر الظاهر المشهور، والاجماع السابق لأهل البدع من أصحاب الوعيد، ثم قال رحمه الله: وليس يجوز أن يعرف الله تعالى من هو كافر به، ولا يجهله من هو به مؤمن، وكل كافر على أصولنا فهو جاهل بالله، ومن خالف أصول الايمان من المصلين إلى قبلة الاسلام فهو عندنا جاهل بالله، وإن أظهر القول بتوحيده، كما أن الكافر برسول الله صلى الله عليه وآله جاهل بالله
وإن كان فيهم من يعترف بتوحيد الله تعالى ويتظاهر بما يوهم المستضعفين أنه معرفة بالله تعالى، وقد قال الله تعالى: " ومن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا " فأخرج بذلك المؤمن عن أحكام الكافرين، وقال تعالى: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " الآية، فنفى عمن كفر بنبي الله الايمان، ولم يثبت له مع الشك فيه المعرفة بالله على حال، وقال تعالى: " وقاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " إلى قوله: صاغرون " فنفى الايمان عن اليهود والنصارى وحكم عليهم بالكفر والضلال.
أقول: سيأتي بعض ما يتعلق بالجنة والنار في احتجاج الرضا عليه السلام على سليمان المروزي، وقد مضى بعضها في باب صفة المحشر، وباب جنة الدنيا ونارها تتميم: أقول: بعد اتضاح الحق لديك فيما ورد في الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة من أحوال الجنة والنار وخصوصياتهما فلنشر إلى بعض ما قاله في ذلك الفرقة المخالفة للدين من الحكماء والمتفلسفين لتعرف معاندتهم للحق المبين، ومعارضتهم لشرائع المرسلين.
قال شارح المقاصد في تقرير مذهب الحكماء في الجنة والنار والثواب والعقاب:
أما القائلون بعالم فيقولون بالجنة والنار وسائر ما ورد به الشرع من التفاصيل، ولكن في عالم المثل، لا من جنس المحسوسات المحضة على ما تقول به الاسلاميون وأما الأكثرون فيجعلون ذلك من قبيل اللذات والآلام العقلية، وذلك أن النفوس البشرية سواء جعلت أزلية كما هو رأي أفلاطون، أولا كما هو رأي أرسطو فهي أبدية عندهم لا تفنى بخراب البدن، بل تبقى ملتذة بكمالاتها، مبتهجة بإدراكاتها، وذلك سعادتها وثوابها وجنانها على اختلاف المراتب وبتفاوت الأحوال، أو متألمة بفقد الكمالات وفساد الاعتقادات، وذلك شقاوتها وعقابها ونيرانها على مالها من اختلاف التفاصيل، وإنما لم يتنبه لذلك في هذا العالم لاستغراقها في تدبير
البدن وانغماسها في كدورات عالم الطبيعة، وبالجملة لما بها من العلائق والعوائق الزائلة بمفارقة البدن فما ورد في لسان الشرع من تفاصيل الثواب والعقاب وما يتعلق بذلك من السمعيات فهي مجازات وعبارات عن تفاصيل أحوالها في السعادة والشقاوة واختلاف أحوالها في اللذات والآلام والتدرج مما لها من دركات الشقاوة إلى درجات السعادة، فإن الشقاوة السرمدية إنما هي بالجهل المركب الراسخ والشرارة المضادة للملكة الفاضلة لا الجهل البسيط، والأخلاق الخالية عن غايتي الفضل والشرارة فإن شقاوتها منقطعة، بل ربما لا يقتضي الشقاوة أصلا.
وتفصيل ذلك أن فوات كمالات النفس يكون إما لأمر عدمي كنقصان غريزة العقل، أو وجودي كوجود الأمور المضادة للكمالات، وهي إما راسخة أو غير راسخة، وكل واحد من الأقسام الثلاثة إما أن يكون بحسب القوة النظرية أو العملية، يصير ستة، فالذي بحسب نقصان الغريزة في القوتين معا فهو غير مجبول بعد الموت ولا عذاب بسببه أصلا، والذي بسبب مضاد راسخ في القوة النظرية كالجهل المركب الذي صار صورة للنفس غير مفارقة عنه فهو غير مجبول أيضا لكن عذابه دائم، وأما الثلاثة الباقية أعني النظرية الغير الراسخة كاعتقادات العوام والمقلدة والعملية الراسخة وغير الراسخة كالأخلاق والملكات الرديئة المستحكمة وغير المستحكمة فيزول بعد الموت لعدم رسوخها، أو لكونها هيئات مستفادة من الافعال والأمزجة فتزول بزوالها، لكنها تختلف في شدة الرداءة وضعفها، وفي سرعة الزوال وبطئه، فيختلف العذاب بها في الكم والكيف بحسب الاختلافين، وهذا إذا عرفت النفس أن لها كمالا فانيا، إما لاكتسابها ما يضاد الكامل، أو لاشتغالها بما يصرفها عن اكتساب الكمال، أو لتكاسلها في اقتناء الكمال، وعدم اشتغالها بشئ من العلوم، وأما النفوس السليمة الخالية عن الكمال وعما يضاده وعن الشوق إلى الكمال ففي سعة من رحمة الله، خارجة من البدن إلى سعادة تليق بها، غير متألمة بما يتأذى به الأشقياء إلا أنه ذهب بعض الفلاسفة إلا أنها لا تجوز أن تكون معطلة عن الادراك، فلابد أن تتعلق بأجسام اخر لما أنها لا تدرك إلا بآلات جسمانية، وحينئذ إما أن تصير مبادئ صور لها و
يكون نفوسا لها وهذا هو القول بالتناسخ، وإما أن لا تصير وهذا هو الذي مال إليه ابن سينا والفارابي من أنها تتعلق بأجرام سماوية لاعلى أن يكون نفوسا لها مدبرة لأمورها، بل على أن يستعملها لامكان التخيل، ثم تتخيل، الصور التي كانت معتقدة عندها وفي وهمها فيشاهد الخيرات الأخروية على حسب ما يخيلها، قالوا: ويجوز أن يكون هذا الجرم متولدا من الهواء والأدخنة من غير أن يقارن مزاجا يقتضي فيضان نفس إنسانية.
ثم إن الحكماء وإن لم يثبتوا المعاد الجسماني والثواب والعقاب المحسوسين فلم ينكروها غاية الانكار بل جعلوها من الممكنات لا على وجه إعادة المعدوم، وجوزوا حمل الآيات الواردة فيها على ظواهرها، وصرحوا بأن ليس مخالفا للأصول الحكمية والقواعد الفلسفية، ولا مستبعد الوقوع في الحكمة الإلهية، لان للتبشير والانذار نفعا ظاهرا في أمر نظام المعاش وصلاح المعاد، ثم الايفاء بذلك التبشير والانذار بثواب المطيع وعقاب العاصي تأكيد لذلك وموجب لازدياد النفع فيكون خيرا بالقياس إلى الأكثرين، وإن كان ضرا في حق المعذب، فيكون من جملة الخير الكثير الذي يلزمه شر قليل، بمنزلة قطع العضو لصلاح البدن انتهى.
ونحوا من ذلك ذكر الشيخ ابن سينا في رسالة المبدء والمعاد ولم يذكر هذا التجويز، وإنما جوزه في الشفاء خوفا من الديانين في زمانه، ولا يخفى على من راجع كلامهم وتتبع أصولهم أن جلها لا يطابق ما ورد في شرائع الأنبياء، وإنما يمضغون ببعض أصول الشرائع وضروريات الملل على ألسنتهم في كل زمان حذرا من القتل والتكفير من مؤمني أهل زمانهم، فهم يؤمنون بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم كافرون ولعمري من قال: بأن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، وكل حادث مسبوق بمادة، وما ثبت قدمه امتنع عدمه، وبأن العقول والأفلاك وهيولى العناصر قديمة، وأن الأنواع المتوالدة كلها قديمة وأنه لا يجوز إعادة المعدوم، وأن الأفلاك متطابقة، ولا تكون العنصريات فوق الأفلاك، وأمثال ذلك كيف يؤمن بما أتت به الشرائع ونطقت به الآيات وتواترت به الروايات من اختيار الواجب وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما
يريد، وحدوث العالم، وحدوث آدم، والحشر الجسماني، وكون الجنة في السماء مشتملة على الحور والقصور والأبنية والمساكن والأشجار والأنهار، وأن السماوات تنشق وتطوى، والكواكب تنتثر وتتساقط بل تفنى، وأن الملائكة أجسام ملئت منهم السماوات ينزلون ويعرجون، وأن النبي صلى الله عليه وآله قد عرج إلى السماء وكذا عيسى وإدريس عليهما السلام، وكذا كثير من معجزات الأنبياء والأوصياء عليهم السلام من شق القمر وإحياء الأموات ورد الشمس وطلوعها من مغربها وكسوف الشمس في غير زمانه وخسوف القمر في غير أوانه، وأمثال ذلك؟ ومن أنصف ورجع إلى كلامهم علم أنهم لا يعاملون أصحاب الشرائع إلا كمعاملة المستهزئ بهم، أو من جعل الأنبياء عليهم السلام كأرباب الحيل و المعميات الذين لا يأتون بشئ يفهمه الناس، بل يلبسون عليهم في مدة بعثتهم، أعاذنا الله وسائر المؤمنين عن تسويلاتهم وشبههم، وسنكتب إن شاء الله في ذلك كتابا مفردا والله الموفق.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.