بحارالانوار · المجلد الثالث
باب 24 النار أعاذنا الله وسائر المؤمنين من لهبها وحميمها
ج ۸، ص ۲۴۷–۲۷۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۵
معناه: قياما على الركب، وذلك لضيق المكان بهم لا يمكنهم أن يجلسوا " ثم لننزعن من كل شيعة " أي لنستخرجن من كل جماعة " أيهم أشد على الرحمن عتيا " أي الأعتى فالأعتى منهم، قال قتادة: لننزعن من أهل كل دين قادتهم ورؤسهم في الشر، والعتي ههنا مصدر كالعتو وهو التمرد في العصيان، وقيل: نبدء بالأكبر جرما فالأكبر، عن مجاهد وأبي الأحوص " ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا " أي نحن أعلم بالذين هم أولى بشدة العذاب " وإن منكم إلا واردها " أي ما منكم واحد إلا واردها، والهاء راجعة إلى جهنم، فاختلف العلماء في معنى الورود على قولين: أحدهما أن ورودها هو الوصول إليها والاشراف عليها لا الدخول فيها، كقوله تعالى: " ولما ورد ماء مدين " وقوله سبحانه: " فأرسلوا واردهم " وقال الزجاج: والحجة القاطعة في ذلك قوله سبحانه: " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها
مبعدون * لا يسمعون حسيسها " فهذا يدل على أن أهل الحسنى لا يدخلون النار، قالوا: فمعناه أنهم واردون حول جهنم للمحاسبة، ويدل عليه قوله: " ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا " ثم يدخل النار من هو أهلها، وقال بعضهم: إن معناه أنهم واردون عرصة القيامة التي تجمع كل بر وفاجر.
والآخر أن ورودها دخولها بدلالة قوله: " فأوردهم النار " وقوله: " أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها " وهو قول ابن عباس وجابر وأكثر المفسرين ويدل عليه قوله: " ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا " ولم يقل: وندخل الظالمين، وإنما يقال: نذر ونترك للشئ الذي قد حصل في مكانه، ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: إنه للمشركين خاصة، ويكون قوله: " وإن منكم " المراد به إن منهم " وروي في الشواذ عن ابن عباس أنه قرأ: " وإن منهم " وقال الأكثرون أنه خطاب لجميع المكلفين فلا يبقى مؤمن ولا فاجر إلا ويدخلها، فيكون بردا وسلاما على المؤمنين، وعذابا لازما للكافرين، قال السدي: سألت مرة الهمداني عن هذه الآية فحدثني أن عبد الله بن مسعود حدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يرد الناس النار ثم يصدرون بأعمالهم، فأولهم كلمع البرق، ثم كمر الريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب، ثم كشد الرجل، ثم كمشيه وروى أبو صالح غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد، عن أبي سمينة قال: اختلفنا في الورود، فقال قوم: لا يدخلها مؤمن، وقال آخرون: يدخلونها جميعا ثم ينجى الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فسألته فأومأ بإصبعه إلى اذنيه فقال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا يدخلها، تكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى أن للنار - أو قال لجهنم - ضجيجا من بردها ثم ينجى الذين اتقوا.
وروي مرفوعا عن يعلى بن منبه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يقول النار للمؤمنين يوم القيامة: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن معنى الآية فقال: إن الله تعالى يجعل النار كالسمن الجامد، ويجتمع عليها الخلق، ثم ينادي المنادي: أن خذي أصحابك وذري أصحابي، فوالذي نفسي بيده لهي أعرف بأصحابها من الوالدة بولدها.
وروي عن الحسن أنه رأى رجلا يضحك فقال: هل علمت أنك وارد النار؟
فقال: نعم، قال: وهل علمت أنك خارج منها؟ قال: لا، قال: ففيم هذا الضحك؟ وكان الحسن لم ير ضاحكا قط حتى مات. وقيل: إن الفائدة في ذلك ما روي في بعض الأخبار أن الله تعالى لا يدخل أحدا الجنة حتى يطلعه على النار وما فيها من العذاب ليعلم تمام فضل الله عليه وكمال لطفه وإحسانه إليه فيزداد لذلك فرحا وسرورا بالجنة ونعيمها، ولا يدخل أحدا النار حتى يطلعه على الجنة وما فيها من أنواع النعيم والثواب ليكون ذلك زيادة عقوبة له وحسرة على ما فاته من الجنة ونعيمها. وقال مجاهد: الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: " وإن منكم إلا واردها " فعلى هذا من حم من المؤمنين فقد وردها.
وقد ورد في الخبر أن الحمى من قيح جهنم. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله عاد مريضا فقال: ابشر إن الله يقول: الحمى هي ناري، أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا ليكون حظه من النار.
" كان على ربك حتما مقضيا " أي كائنا واقعا لا محالة، قد قضى بأنه يكون " ثم ننجي الذين التقوا " الشرك وصدقوا، عن ابن عباس " ونذر الظالمين " أي ونقر المشركين والكفار على حالهم " فيها جثيا " أي باركين على ركبهم، وقيل: جماعات، وقيل:
إن المراد بالظالمين كل ظالم وعاص.
وقال البيضاوي في قوله تعالى: " وإن منكم إلا واردها ": إلا واصلها وحاضر دونها يمر، بها المؤمنون وهي خامدة، وتنهار بغيرهم. وعن جابر أنه عليه السلام سئل عنه فقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار؟
فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة. وأما قوله تعالى: " أولئك عنها مبعدون " فالمراد من عذابها، وقيل: ورودها الجواز على الصراط فإنه محدود عليها.
وقال الطبرسي رحمه الله في قوله: " إنه من يأت ربه مجرما " قال ابن عباس في رواية الضحاك : المجرم: الكافر، وفي رواية عطاء يعني الذي أجرم وفعل مثل ما فعل فرعون " فإن له نار جهنم لا يموت فيها " فيستريح من العذاب " ولا يحيى " حياة فيها راحة، بل هو معاقب بأنواع العقاب.
وفي قوله تعالى: " إنكم وما تعبدون من دون الله " يعني الأوثان " حصب جهنم " أي وقودها، عن ابن عباس، وقيل: حطبها، وأصل الحصب: الرمي، فالمراد أنهم يرمون فيها كما يرمى بالحصى، ويسأل على هذا فيقال: إن عيسى عليه السلام عبد، والملائكة قد عبدوا والجواب أنهم لا يدخلون في الآية لان (ما) لما لا يعقل، ولان الخطاب لأهل مكة وإنما كانوا يعبدون الأصنام.
فإن قيل: وأي فائدة في إدخال الأصنام النار؟ قيل: يعذب بها المشركون الذين عبدوها فتكون زيادة في حسرتهم وغمهم، ويجوز أن يرمى بها في النار توبيخا للكفار حيث عبدوها وهي جماد لا تضر ولا تنفع، وقيل: إن المراد بقوله: " وما تعبدون من دون الله " الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة غير الله فأطاعوهم، فكأنهم عبدوهم، كما قال: " يا أبت لا تعبد الشيطان ".
" أنتم لها واردون " خطاب للكفار، أي أنتم في جهنم داخلون، وقيل: إن معنى لها إليها " لو كان هؤلاء " الأصنام والشياطين " آلهة " كما تزعمون " ما وردوها " أي ما دخلوا النار " وكل " من العابد والمعبود " فيها خالدون لهم فيها زفير " أي صوت كصوت الحمار، وهو شدة تنفسهم في النار عند إحراقها لهم " وهم فيها لا يسمعون " أي لا يسمعون ما يسرهم ولا ما ينتفعون به، وإنما يسمعون صوت المعذبين وصوت الملائكة الذين يعذبونهم ويسمعون ما يسوؤهم، وقيل: يجعلون في توابيت من نار فلا يسمعون شيئا ولا يرى أحد منهم أن في النار أحدا يعذب غيره، عن ابن مسعود، قالوا: ولما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن الزبعرى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد ألست تزعم أن عزيرا رجل صالح، وأن عيسى رجل صالح، وأن مريم امرأة صالحة؟ قال: بلى، قال: فإن هؤلاء يعبدون من دون الله فهم في النار؟! فأنزل الله تعالى : " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى " أي الموعدة
بالجنة، وقيل: الحسنى: السعادة أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها " أي يكونون بحيث لا يسمعون صوتها الذي يحس " وهم فيما اشتهت أنفسهم " من نعيم الجنة وملاذها " خالدون " أي دائمون، ويقال: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى عيسى وعزيز ومريم، والملائكة الذين عبدوا من دون الله وهم كارهون استثناهم الله من جملة ما يعبدون من دون الله، وقيل إن الآية عامة في كل من سبقت له الموعدة بالسعادة.
وفي قوله تعالى: فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار " قال ابن عباس: حين صاروا إلى جهنم البسوا مقطعات النيران، وهي الثياب القصار، وقيل: يجعل لهم ثياب نحاس من نار وهي أشد ما يكون حرا عن سعيد بن جبير، وقيل: إن النار تحيط بهم كإحاطة الثياب التي يلبسونها " يصب من فوق رؤوسهم الحميم " أي الماء المغلي فيذيب ما في بطونهم من الشحوم ويتساقط الجلود، وفي خبر مرفوع أنه يصب على رؤسهم الحميم فينفذ إلى أجوافهم فيسلت ما فيها " يصهر به ما في بطونهم والجلود " أي يذاب وينضج بذلك الحميم ما فيها من الأمعاء وتذاب به الجلود، والصهر: الإذابة " ولهم مقامع من حديد " قال الليث: المقمعة: شبه الجرز من الحديد يضرب بها الرأس وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله: " ولهم مقامع من حديد ": لو وضع مقمع من حديد في الأرض ثم اجتمع عليه الثقلان ما أقلوه من الأرض.
وقال الحسن: إن النار ترميهم بلهبها حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع
فهووا فيها سبعين خريفا، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفير لهبها فلا يستقرون ساعة فذلك قوله: " كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها " أي كلما حاولوا الخروج من النار لما يلحقهم من الغم والكرب الذي يأخذ بأنفاسهم حين ليس لها مخرج ردوا إليها بالمقامع " وذوقوا عذاب الحريق " أي ويقال لهم: ذوقوا عذاب النار التي تحرقكم، والحريق الاسم من الاحتراق.
وفي قوله: " بإلحاد " الالحاد: العدول عن القصد. وفي قوله: " معاجزين " أي مغالبين، وقيل: مقدرين أنهم يسبقوننا، وقيل: ظانين أن يعجزوا الله، أي يفوتوه ولن يعجزوه، وفي قوله: " تلفح وجوههم النار " أي تصيب وجوههم لفح النار ولهبها واللفح والنفح بمعنى، إلا أن اللفح أشد تأثيرا وأعظم من النفح " وهم فيها كالحون " أي عابسون، عن ابن عباس، وقيل: هو أن تتقلص شفاههم وتبدو أسنانهم كالرؤوس المشوية عن الحسن " ألم تكن آياتي تتلى عليكم " أي ويقال لهم: ألم يكن القرآن يقرء عليكم، وقيل: ألم تكن حججي وبيناتي وأدلتي تقرء عليكم في دار الدنيا " فكنتم بها تكذبون * قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا " أي شقاوتنا، وهي المضرة اللاحقة في العاقبة، والمعنى: استعلت علينا سيئاتنا التي أوجبت لنا الشقاوة " و كنا قوما ضالين " أي ذاهبين عن الحق " ربنا أخرجنا منها " من النار " فإن عدنا " لما تكره من الكفر والتكذيب والمعاصي " فإنا ظالمون " لأنفسنا، قال الحسن:
هذا آخر كلام يتكلم به أهل النار، ثم بعد ذلك يكون لهم شهيق كشهيق الحمار " قال اخسؤا فيها " أي ابعدوا بعد الكلب في النار، وهذه اللفظة زجر للكلاب، وإذا قيل ذلك للانسان يكون للإهانة المستحقة للعقوبة " ولا تكلمون " وهذه مبالغة للاذلال والإهانة وإظهار الغضب عليهم، وقيل: معناه: ولا تكلموني في رفع العذاب فإني لا أرفعه عنكم " إنه كان فريق من عبادي " وهم الأنبياء والمؤمنون " يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين " أي يدعون هذه الدعوات في الدنيا طلبا لما عندي من الثواب " فاتخذتموهم " أنتم يا معشر الكفار " سخريا " أي كنتم تهزؤون بهم، وقيل: معناه: تستعبدونهم وتصرفونهم في أعمالكم وحوائجكم كرها بغير أجر " حتى أنسوكم ذكري " أي نسيتم ذكري لاشتغالكم بالسخرية منهم،
فنسب الانساء إلى عباده المؤمنين وإن لم يفعلوا؟ لما كانوا السبب في ذلك " وكنتم منهم تضحكون * إني جزيتهم اليوم بما صبروا " أي بصبرهم على أذاكم وسخريتكم " إنهم هم الفائزون " أي الظافرون بما أرادوا والناجون في الآخرة " قال " أي قال الله تعالى للكفار يوم البعث، وهو سؤال توبيخ وتبكيت لمنكري البعث " كم لبثتم في الأرض " أي في القبور " عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم " لأنهم لم يشعروا بطول لبثهم و مكثهم لكونهم أمواتا، وقيل: إنه سؤال لهم عن مدة حياتهم في الدنيا، فقالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، استقلوا حياتهم في الدنيا لطول لبثهم ومكثهم في النار، عن الحسن، قال: ولم يكن ذلك كذبا منهم، لأنهم أخبروا بما عندهم، وقيل: إن المراد به يوما أو بعض يوم من أيام الآخرة، وقال ابن عباس: أنساهم الله قدر لبثهم فيرون أنهم لم يلبثوا إلا يوما أو بعض يوم لعظم ما هم بصدده من العذاب " فسئل العادين " يعني الملائكة، لأنهم يحصون أعمال العباد، وقيل: يعني الحساب لأنهم يعدون الشهور والسنين " قال " الله تعالى " إن لبثتم إلا قليلا " لان مكثكم في الدنيا أو في القبور و إن طال فإن منتهاه قليل بالإضافة إلى طول مكثكم في عذاب جهنم " لو أنكم كنتم تعلمون " صحة ما أخبرناكم به، وقيل: معناه: لو كنتم تعلمون قصر أعماركم في الدنيا وطول مكثكم في الآخرة في العذاب لما اشتغلتم بالكفر والمعاصي.
وفي قوله سبحانه: " وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا " أي نارا تتلظى، ثم وصف ذلك السعير فقال: " إذا رأتهم من مكان بعيد " أي من مسيرة مائة عام، عن السدي والكلبي، وقال أبو عبد الله عليه السلام: من مسيرة سنة، ونسب الرؤية إلى النار وإنما يرونها هم؟ لان ذلك أبلغ، كأنها تراهم رؤية الغضبان الذي يزفر غيظا، وذلك قوله:
" سمعوا لها تغيظا وزفيرا " وتغيظها: تقطعها عند شدة اضطرابها، وزفيرها صوتها عند شدة التهابها كالتهاب الرجل المغتاظ، والتغيظ لا يسمع وإنما يعلم بدلالة الحال عليه، وقيل: معناه: سمعوا لها صوت تغيظ وغليان، قال عبيد بن عمير: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا خر لوجهه. وقيل: التغيظ للنار والزفير لأهلها كأنه يقول. رأوا للنار تغيظا، وسمعوا لأهلها زفيرا " وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا "
معناه: وإذا ألقوا من النار في مكان ضيق يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح، عن أكثر المفسرين.
وفي الحديث عنه عليه السلام في هذه الآية: والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط " مقرنين " أي مصفدين، قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقيل: قرنوا مع الشيطان في السلاسل والاغلال، عن الجبائي " دعوا هنالك ثبورا " أي دعوا بالويل والهلاك على أنفسهم، كما يقول القائل: وا ثبوراه أي وا هلاكاه، وقيل: وا انصرافاه عن طاعة الله فتجيبهم الملائكة: " لا تدعو ا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا " أي لا تدعوا ويلا واحدا وادعوا ويلا كثيرا، أي لا ينفعكم هذا وإن كثر منكم، قال الزجاج: معناه: هلاككم أكبر من أن تدعوا مرة واحدة.
وفي قوله تعالى: " الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم " أي يسحبون على وجوههم إلى النار وهم كفار مكة، وذلك لأنهم قالوا: لمحمد وأصحابه هم شر خلق الله، فأنزل الله سبحانه: " أولئك شر مكانا " أي منزلا ومصيرا " وأضل سبيلا " أي دينا وطريقا من المؤمنين. وروى أنس قال: إن رجلا قال: يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة.
وفي قوله تعالى: " إن عذابها كان غراما " أي لازما ملحا دائما غير مفارق.
وفي قوله: " يلق أثاما " أي عقوبة وجزاء لما فعل، وقيل: إن أثاما اسم واد في جهنم، عن ابن عمر وقتادة ومجاهد وعكرمة. وفي قوله تعالى: " يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " يعني أن العذاب وإن لم يأتهم في الدنيا فإن جهنم محيطة بهم، أي جامعة لهم وهم معذبون فيها لا محالة " يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم " يعني أن العذاب يحيط بهم، لا أنه يصل إلى موضع منهم دون موضع، فلا يبقى جزء منهم إلا وهو معذب في النار، عن الحسن، وهو كقوله:
" لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ونقول ذوقوا ما كنتم تعملون " أي جزاء أعمالكم.
وفي قوله: " إلى عذاب غليظ " أي إلى عذاب يغلظ عليهم ويصعب. وفي قوله سبحانه: " ولكن حق القول مني " أي الخبر والوعيد " لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " أي من كلا الصنفين بكفرهم بالله سبحانه وجحدهم وحدانيته، ثم يقال لهم: " فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا " أي بما فعلتم فعل من نسي لقاء جزاء هذا اليوم، فتركتم ما أمركم الله به وعصيتموه، والنسيان: الترك " إنا نسيناكم " أي فعلنا معكم فعل من نسيكم من ثوابه، أي ترككم من نعيمه جزاء على ترككم طاعتنا.
وفي قوله تعالى: " من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر " العذاب الأكبر عذاب جهنم، وأما العذاب الأدنى ففي الدنيا، وقيل: هو عذاب القبر، وروي أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام، والأكثر في الرواية عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أن العذاب الأدنى الدابة والدجال.
وفي قوله تعالى: " يوم تقلب وجوههم في النار " التقليب: تصريف الشئ في الجهات، ومعناه: تقلب وجوه هؤلاء السائلين عن الساعة وأشباههم من الكفار، فتسود وتصفر وتصير كالحة بعد أن لم تكن، وقيل: معناه: تنقل وجوههم من جهة إلى جهة في النار، فيكون أبلغ فيما يصل إليها من العذاب، يقولون متمنين متأسفين:
" يا ليتنا أطعنا الله " فيما أمرنا به ونهانا عنه " وأطعنا الرسولا " فيما دعانا إليه " ربنا آتهم ضعفين من العذاب " بضلالهم في نفوسهم، وإضلالهم إيانا، أي عذبهم مثلي ما تعذب به غيرهم " والعنهم لعنا كبيرا " مرة بعد أخرى، وزدهم غضبا إلى غضبك.
وفي قوله: " لا يقضى عليهم " بالموت " فيموتوا " فيستريحوا " ولا يخفف عنهم من عذابها " أي ولا يسهل عليهم عذاب النار " كذلك " أي ومثل هذا العذاب، ونظيره " نجزي كل كفور " وجاحد كثير الكفران، مكذب لأنبياء الله " وهم يصطرخون فيها " أي يتصايحون بالاستغاثة " يقولون ربنا أخرجنا " من عذاب النار " نعمل صالحا " أي نؤمن بدل الكفر، ونطيع بدل المعصية، والمعنى: ردنا إلى الدنيا لنعمل بالطاعات التي تأمرنا بها " غير الذي كنا نعمل " فوبخهم الله تعالى فقال: " أولم نعمركم ما
يتذكر فيه من تذكر " أي ألم نعطكم من العمر مقدار ما يمكن أن يتفكر ويعتبر و ينظر في أمور دينه، وعواقب حاله من يريد أن يتفكر ويتذكر؟.
واختلف في هذا المقدار فقيل: هو ستون سنة وهو المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة. وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، وقيل: هو أربعون سنة، عن ابن عباس و مسروق، وقيل: هو توبيخ لابن ثمانية عشر سنة، عن وهب وقتادة، وروي ذلك عن الصادق عليه السلام " وجاءكم النذير " أي المخوف من عذاب الله وهو محمد صلى الله عليه وآله، وقيل: القرآن، وقيل: الشيب.
وفي قوله تعالى: " أم شجرة الزقوم " الزقوم ثمر شجرة منكرة جدا، من قولهم تزقم هذا الطعام: إذا تناوله على تكره ومشقة شديدة، وقيل: الزقوم: شجرة في النار يقتاتها أهل النار، لها ثمرة مره خشنة اللمس، منتنة الريح، وقيل: أنها معروفة من شجر الدنيا تعرفها العرب، وقيل: إنها لا تعرفها، فقد روي: أن قريشا لما سمعت هذه الآية قالت: ما نعرف هذه الشجرة، قال ابن الزبعرى: الزقوم بكلام البربر:
التمر والزبد، وفي رواية بلغة اليمن، فقال أبو جهل لجاريته: يا جارية زقمينا، فأتته الجارية بتمر وزبد، فقال لأصحابه: تزقموا بهذا الذي يخوفكم به محمد، فيزعم أن النار تنبت الشجر، والنار تحرق الشجر! فأنزل الله سبحانه: " إنا جعلناها فتنة للظالمين " أي خبرة لهم افتتنوا بها وكذبوا بكونها فصارت فتنة لهم، وقيل المراد بالفتنة العذاب من قوله: " يوم هم على النار يفتنون " أي يعذبون " إنها " أي الزقوم " شجرة تخرج في أصل الجحيم " اي في قعر جهنم، وأغصانها ترفع إلى دركاتها، عن الحسن، ولا يبعد أن يخلق الله سبحانه بكمال قدرته في النار من جنس النار، أو من جوهر لا تأكله النار ولا تحرقه، كما أنها لا تحرق السلاسل والاغلال، وكما لا تحرق حياتها وعقاربها، وكذلك الضريع وما أشبه ذلك " طلعها كأنه رؤوس
الشياطين " يسأل عن هذا فيقال: كيف شبه طلع هذه الشجرة برؤوس الشياطين وهي لا تعرف، وإنما يشبه الشئ بما يعرف؟ وأجيب عنه بثلاثة أجوبة: أحدها أن رؤوس الشياطين ثمرة يقال لها: أستن، قال الأصمعي: يقال له الصورم. وثانيها أن الشيطان جنس من الحيات فشبه سبحانه طلع تلك الشجرة برؤوس تلك الحيات.
وثالثها أن قبح صور الشياطين متصور في النفوس، ولذلك يقولون لما يستقبحونه جدا:
كأنه شيطان، فشبه سبحانه طلع هذه الشجرة بما استقرت شناعته في قلوب الناس، وهذا قول ابن عباس ومحمد بن كعب، وقال الجبائي: إن الله تعالى يشوه خلق الشياطين في النار حتى أنه لو رآه راء من العباد لاستوحش منهم، فلذلك شبه برؤوسهم.
" فإنهم لآكلون منها " يعني أن أهل النار ليأكلون من ثمرة تلك الشجرة " فمالؤن منها البطون " أي يملؤون بطونهم منها لشدة ما يلحقهم من ألم الجوع، وقد روي أن الله تعالى يجوعهم حتى ينسوا عذاب النار من شدة الجوع، فيصرخون إلى مالك فيحملهم إلى تلك الشجرة وفيهم أبو جهل فيأكلون منها فتغلي بطونهم كغلي الحميم، فيستسقون فيسقون شربة من الماء الحار الذي بلغ نهايته في الحرارة، فإذا قربوها من وجوههم شوت وجوههم، فذلك قوله: " يشوي الوجوه " فإذا وصل إلى بطونهم صهر ما في بطونهم، كما قال سبحانه: " يصهر به ما في بطونهم والجلود " فذلك شرابهم وطعامهم " ثم إن لهم عليها " زيادة على شجرة الزقوم " لشوبا من حميم " أي خلطا ومزاجا من ماء حار يمزج ذلك الطعام بهذا الشراب، وقيل: إنهم يكرهون على ذلك عقوبة لهم " ثم إن مرجعهم " بعد أكل الزقوم وشراب الحميم " لألى الجحيم " وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه وهو خارج من الجحيم، كما تورد الإبل إلى الماء ثم يوردون إلى الجحيم، ويدل على ذلك قوله: " يطوفون بينها وبين حميم آن " و الجحيم النار الموقدة، والمعنى أن الزقوم والحميم طعامهم وشرابهم، والجحيم المسعرة منقلبهم ومآبهم.
وفي قوله سبحانه: " هذا فليذوقوه حميم وغساق " أي هذا حميم وغساق فليذوقوه، وقيل: معناه: هذا الجزاء للطاغين فليذوقوه، وأطلق عليه لفظ الذوق لان الذائق يدرك الطعم بعد طلبه فهو أشد إحساسا به، والحميم: الماء الحار، والغساق: البارد الزمهرير، عن ابن مسعود وابن عباس، فالمعنى أنهم يعذبون بحار الشراب الذي انتهت حرارته، و ببارده الذي انتهت برودته، فببرده يحرق كما يحرق النار، وقيل: إن الغساق:
عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذات حمة من وحية وعقرب، وقيل: هو ما يسيل من دموعهم يسقونه مع الحميم، وقيل: هو القيح الذي يسيل منهم، يجمع ويسقونه، وقيل:
هو عذاب لا يعلمه إلا الله " وآخر " أي وضروب اخر " من شكله " أي من جنس هذا العذاب " أزواج " أي ألوان وأنواع متشابهة في الشدة لا نوع واحد " هذا فوج مقتحم معكم " أي يقال لهم: هذا فوج وهم قادة أهل الضلالة إذا دخلوا النار، ثم يدخل الاتباع، فتقول الخزنة للقادة: " هذا فوج " أي قطع من الناس وهم الاتباع " مقتحم معكم " في النار دخلوها كما دخلتم، عن ابن عباس، وقيل: يعني بالأول أولاد إبليس وبالفوج الثاني بني آدم، أي يقال لبني إبليس بأمر الله: هذا جمع من بني آدم مقتحم معكم يدخلون النار وعذابها وأنتم معهم، عن الحسن " لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار " أي لا اتسعت لهم أماكنهم، لأنهم لازموا النار، فيكون المعنى على القول الأول أن القادة والرؤساء يقولون للاتباع: لا مرحبا بهؤلاء، إنهم يدخلون النار مثلنا، فلا فرج لنا في مشاركتهم إيانا، فتقول الاتباع لهم: " بل أنتم لا مرحبا بكم " أي لا نلتم رحبا وسعة " أنتم قدمتموه لنا " أي حملتمونا على الكفر الذي أوجب لنا هذا العذاب ودعوتمونا إليه، وأما على القول الثاني فإن أولاد إبليس يقولون:
لا مرحبا بهؤلاء قد ضاقت أماكنهم إذ كانت النار مملوءة منا فليس لنا منهم إلا الضيق والشدة، وهذا كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: أن النار تضيق عليهم كضيق الزج بالرمح.
" قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم " أي تقول بنو آدم: لا كرامة لكم أنتم شرعتموه لنا وزينتموه في نفوسنا " فبئس القرار " الذي استقررنا عليه " قالوا ربنا من قدم لنا
هذا " أي يدعون عليهم بهذا إذا حصلوا في نار جهنم، أي من سبب لنا هذا العذاب و دعانا إلى ما استوجبنا به ذلك " فزده عذابا ضعفا " أي مثلا مضاعفا إلى ما يستحقه من النار، أحد الضعفين لكفرهم بالله، والضعف الآخر لدعائهم إيانا إلى الكفر " وقالوا مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار " أي يقولون ذلك حين ينظرون في النار فلا يرون من كان يخالفهم فيها معهم وهم المؤمنون، عن الكلبي، وقيل:
نزلت في أبي جهل والوليد بن المغيرة وذويهما، يقولون: مالنا لا نرى عمارا وخبابا و صهيبا وبلالا الذين كنا نعدهم في الدنيا من جملة الذين يفعلون الشر والقبيح ولا يفعلون الخير، عن مجاهد. وروى العياشي بالاسناد عن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: أهل النار يقولون: مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار، يعنونكم لا يرونكم في النار، لا يرون والله أحدا منكم في النار.
" اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار " معناه أنهم يقولون لما لم يروهم في النار: اتخذناهم هزوا في الدنيا فأخطأنا، أم عدلت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم معنا في النار " إن ذلك لحق " أي ما ذكر قبل هذا لحق، أي كائن لا محالة. ثم بين ما هو فقال: " تخاصم أهل النار " يعني تخاصم الاتباع والقادة، أو مجادلة أهل النار بعضهم لبعض على ما أخبر عنهم.
وفي قوله تعالى: " قل إن الخاسرين " في الحقيقة هم " الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة " فلا ينتفعون بأنفسهم، ولا يجدون في النار أهلا كما كان لهم في الدنيا أهل، فقد فاتتهم المنفعة بأنفسهم وأهليهم، وقيل: خسروا أنفسهم بأن قذفوها بين أطباق الجحيم، وخسروا أهليهم الذين أعدوا لهم في جنة النعيم، عن الحسن.
قال ابن عباس: إن الله تعالى جعل لكل إنسان في الجنة منزلا وأهلا، فمن عمل بطاعته كان له ذلك، ومن عصاه فصار إلى النار، ودفع منزله وأهله إلى من أطاع فذلك قوله: " أولئك هم الوارثون ".
" ألا ذلك هو الخسران المبين " أي الظاهر الذي لا يخفى " لهم من فوقهم ظلل من النار " أي سرادقات وأطباق من النار ودخانها نعوذ بالله منها " ومن تحتهم ظلل "
أي فرش ومهد منها، وقيل: إنما سمي ما تحتهم ظللا لأنها ظلل لمن تحتهم، إذ النار أدراك وهم بين أطباقها، وقيل: إنما أجري اسم الظلل على قطع النار على سبيل التوسع والمجاز، لأنها في مقابلة ما لأهل الجنة من الظلل، والمراد أن النار تحيط بجوانبهم.
وفي قوله: " أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار " اختلف في تقديره فقيل: معناه: أفمن وجب عليه وعيد الله بالعقاب أفأنت تخلصه من النار؟
فاكتفى بذكر من في النار عن الضمير العائد إلى المبتدأ، وقيل: تقديره: أفأنت تنقذ من في النار منهم؟ واتي بالاستفهام مرتين توكيدا للتنبيه على المعنى، وقال ابن الأنباري: الوقف على قوله: " كلمة العذاب " والتقدير: كمن وجبت له الجنة، ثم يبتدئ " أفأنت تنقذ " وأراد بكلمة العذاب قوله: " لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ". وفي قوله تعالى: " أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة " تقديره: أفحال من يدفع عذاب الله بوجهه يوم القيامة كحال من يأتي آمنا لا يمسه النار، وإنما قال: " بوجهه " لان الوجه أعز أعضاء الانسان؟ وقيل: معناه: أم من يلقى منكوسا، فأول عضو منه مسته النار وجهه، ومعنى يتقي يتوقى " وقيل للظالمين " يقوله خزنة النار.
وفي قوله: " إن الذين كفروا ينادون " أي تناديهم الملائكة يوم القيامة:
" لمقت الله أكبر " المقت أشد العداوة والبغض، والمعنى أنهم لما رأوا أعمالهم ونظروا في كتابهم وادخلوا النار مقتوا أنفسهم لسوء صنيعهم، فنودوا: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الايمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم، وقيل: إنهم لما تركوا الايمان وصاروا إلى الكفر فقد مقتوا أنفسهم أعظم المقت، ثم حكى سبحانه عن الكفار الذين تقدم وصفهم بعد حصولهم في النار بأنهم قالوا: " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " اختلف في معناه على وجوه: أحدها أن الإماتة الأولى
في الدنيا بعد الحياة، والثانية في القبر قبل البعث، والاحياء الأولى في القبر للمسألة والثانية في الحشر.
وثانيها: أن الإماتة الأولى حال كونهم نطفا، فأحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة الثانية، ثم أحياهم للبعث، فهاتان حياتان ومماتان.
وثالثها: أن الحياة الأولى في الدنيا، والثانية في القبر، ولم يرد الحياة يوم القيامة، والموتة الأولى في الدنيا، والثانية في القبر " فاعترفنا بذنوبنا " التي اقترفناها في الدنيا " فهل إلى خروج من سبيل " هذا تلطف منهم في الاستدعاء، أي هل بعد الاعتراف سبيل إلى الخروج؟ وقيل: إنهم سألوا الرجوع إلى الدنيا، أي هل من خروج من النار إلى الدنيا لنعمل بطاعتك؟ " ذلكم " أي ذلك العذاب الذي حل بكم " بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم " أي إذا قيل: لا إله إلا الله، قلتم: أجعل الآلهة إلها واحدا؟ وجحدتم ذلك " وإن يشرك به تؤمنوا " أي وإن يشرك به معبود آخر من الأصنام والأوثان تصدقوا.
وفي قوله تعالى: " وإذا يتحاجون في النار " أي واذكر يا محمد لقومك الوقت الذي يتحاج فيه أهل النار في النار، ويتخاصم الرؤساء والاتباع " فيقول الضعفاء " وهم الاتباع " للذين استكبروا " وهم الرؤساء " إنا كنا لكم " معاشر الرؤساء " تبعا " وكنا نمتثل أمركم ونجيبكم إلى ما تدعوننا إليه " فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار " لأنه يلزم الرئيس الدفع عن أتباعه المنقادين لامره " قال الذين استكبروا إنا كل فيها " أي نحن وأنتم في النار " إن الله قد حكم بين العباد " بذلك، بأن لا يتحمل أحد عن أحد، وإنه يعاقب من أشرك به وعبد معه غيره لا محالة " وقال الذين في النار " من الاتباع والمتبوعين " لخزنة جهنم " لخزنة جهنم " وهم الذين يتولون عذاب أهل النار من الملائكة الموكلين بهم " ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب " يقولون ذلك لأنهم لا طاقة لهم على شدة العذاب ولشدة جزعهم، لا أنهم يطمعون في التخفيف، لان معارفهم ضرورية يعلمون أن عقابهم لا ينقطع ولا يخفف عنهم " قالوا " أي الخزنة " أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات " أي بالحجج والدلالات على صحة التوحيد
والنبوة، أي فكفرتم وعاندتم حتى استحققتم هذا العذاب " قالوا بلى " جاءتنا الرسل والبينات فكذبناهم وجحدنا نبوتهم " قالوا فادعوا " أي قالت الخزنة: فادعوا أنتم فإنا لا ندعو إلا بإذن الله ولم يؤذن لنا فيه، وقيل: إنما قالوا ذلك استخفافا بهم، وقيل : معناه: فادعوا بالويل والثبور " وما دعاء الكافرين إلا في ضلال " أي في ضياع، لأنه لا ينفع.
وفي قوله: " يسحبون في الحميم " أي يجرون في الماء الحار الذي قد انتهت حرارته " ثم في النار يسجرون " أي ثم يقذفون في النار، وقيل: أي ثم يصيرون وقود النار " ثم قيل لهم " أي لهؤلاء الكفار إذا دخلوا النار على وجه التوبيخ " أين ما كنتم تشركون من دون الله " من أصنامكم " قالوا ضلوا عنا " أي ضاعوا وهلكوا فلا نراهم ولا نقدر عليهم، ثم يستدركون فيقولون: " بل لم نكن ندعو من قبل شيئا " أي شيئا يستحق العبادة ولا ما ننتفع بعبادته، وقيل: لم نكن ندعو شيئا ينفع ويضر ويسمع ويبصر، وهذا كما يقال لكل ما لا يغني شيئا: هذا ليس بشئ، وقيل: معناه: ضاعت عبادتنا لهم فلم نكن نصنع شيئا إذ عبدناها، كما يقول المتحسر: ما فعلت شيئا " كذلك يضل الله الكافرين " أي كما أضل أعمال هؤلاء وأبطل ما كانوا يأملونه كذلك يفعل بجميع من يتدين بالكفر فلا ينتفعون بشئ من أعمالهم، وقيل: " يضل الله أعمالهم " أي يبطلها، وقيل: يضلهم عن طريق الجنة والثواب كما أضلهم عما اتخذوه إلها بأن صرفهم عن الطمع في نيل منفعة من جهتها " ذلكم " العذاب الذي نزل بكم " بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون " أي تأشرون وتبطرون.
وفي قوله تعالى: " أسوء الذي كانوا يعملون " أي نجازيهم بأقبح الجزاء على أقبح معاصيهم وهو الكفر والشرك، وخص الأسوأ بالذكر للمبالغة في الزجر، وقيل:
معناه: لنجزينهم بأسوأ أعمالهم وهي المعاصي دون غيرها مما لا يستحق به العذاب.
" وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس " يعنون إبليس الأبالسة، وقابيل بن آدم أول من أبدع الكفر والضلال والمعصية، روي ذلك عن علي عليه السلام، وقيل: كل من دعى إلى الضلال والكفر من الجن والإنس، والمراد باللذين جنس
الجن والإنس " نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين " تمنوا لشدة عدواتهم لهم بما أضلوهم أن يجعلوهم تحت أقدامهم في الدرك الأسفل من النار، وقيل: أي ندوسهما ونطؤهما بأقدامنا إذلالا لهما ليكونا من الأذلين، قال ابن عباس: ليكونا أشد عذابا منا.
وفي قوله تعالى: " لا يفتر عنهم العذاب " أي لا يخفف عنهم " وهم فيه مبلسون " آئسون من كل خير " ونادوا يا مالك " أي يدعون خازن جهنم فيقولون: " يا مالك ليقض علينا ربك " أي ليمتنا ربك حتى نتخلص ونستريح من هذا العذاب " قال " أي فيقول مالك مجيبا لهم: " إنكم ماكثون " أي لابثون دائمون في العذاب قال ابن عباس والسدي: إنما يجيبهم مالك بذلك بعد ألف سنة، وقال ابن عمر: بعد أربعين عاما " لقد جئناكم " أي يقول الله تعالى: لقد أرسلنا إليكم الرسل " بالحق " أي جاءكم رسلنا بالحق، وأضافه إلى نفسه لأنه كان بأمره، وقيل: هو قول مالك، و إنما قال: قد جئناكم؟ لأنه من الملائكة وهم من جنس الرسل " ولكن أكثركم " معاشر الخلق " للحق كارهون " لأنكم ألفتم الباطل فكرهتم مفارقته.
وفي قوله تعالى: " طعام الأثيم " أي الآثم وهو أبو جهل، وروي أن أبا جهل أتى بتمر وزبد فجمع بينهما وأكل وقال: هذا هو الزقوم الذي يخوفنا محمد به، نحن نتزقمه، أي نملا أفواهنا به، فقال سبحانه: " كالمهل " وهو المذاب من النحاس أو الرصاص أو الذهب أو الفضة، وقيل: هو دردي الزيت " يغلي في البطون كغلي الحميم " أي إذا حصلت في أجواف أهل النار تغلي كغلي الماء الحار الشديد الحرارة، قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يكون المعنى: يغلي المهل في البطون، لان المهل إنما ذكر للتشبيه به في الذوب، ألا ترى أن المهل لا يغلي في البطون، وإنما يغلي ما يشبه به " خذوه " أي يقال للزبانية: " خذوه " بالاثم " فاعتلوه " أي زعزعوه وادفعوه بعنف، وقيل: معناه: جروا على وجهه " إلى سواء الجحيم " أي إلى وسط النار " ثم
صبوا فوق رأسه " قال مقاتل: إن خازن النار يمر به على رأسه فيذهب رأسه عن دماغه، ثم يصب فيه " من عذاب الحميم " وهو الماء الذي قد انتهى حره، ويقول له:
" ذق إنك أنت العزيز الكريم " وذلك أنه كان يقول: أنا أعز أهل الوادي وأكرمهم، فيقول له الملك: ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم في زعمك وفيما كنت تقوله، وقيل:
إنه على معنى النقيض، فكأنه قيل: إنك أنت الذليل المهين، إلا أنه قيل على هذا الوجه للاستخفاف به، وقيل: معناه إنك أنت العزيز في قومك الكريم عليهم فما أغنى عنك ذلك " إن هذا ما كنتم به تمترون " أي ثم يقال لهم: إن العذاب ما كنتم تشكون فيه في الدنيا.
وفي قوله تعالى: " من ورائهم جهنم " أي من وراء ما هم فيه من التعزز بالمال والدنيا جهنم " ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا " أي لا يغني عنهم ما حصلوه وجمعوه من المال والولد شيئا من عذاب الله " ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء " من الآلهة التي عبدوها لتكون شفعاءهم عند الله " هذا هدى " أي هذا القرآن الذي تلوناه والحديث الذي ذكرناه دلالة موصلة إلى الفرق بين الحق والباطل. والرجز: العذاب.
وفي قوله: " ويوم يعرض الذين كفروا على النار " يعني يوم القيامة، أي يدخلون النار، كما يقال: عرض فلان على السوط، وقيل: معناه عرض عليهم النار قبل أن يدخلوها ليروا أهوالها " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا " أي فيقال لهم: آثرتم طيباتكم ولذاتكم في الدنيا على طيبات الجنة " واستمتعتم بها " أي انتفعتم بها منهمكين فيها، وقيل: هي الطيبات من الرزق، يقول: أنفقتموها في شهواتكم وفي ملاذ الدنيا، ولم تنفقوها في مرضات الله " فاليوم تجزون عذاب الهون " أي العذاب الذي فيه الذل والخزي والهوان " بما كنتم تستكبرون في الأرض " أي باستكباركم عن الانقياد للحق في الدنيا " وبما كنتم تفسقون " أي وبخروجكم عن طاعة الله إلى معاصيه.
وفي قوله: " ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق " أي يقال لهم على وجه الاحتجاج عليهم: أليس هذا الذي جوزيتم به حق لا ظلم فيه؟ " قالوا " أي فيقولون: " بلى وربنا " اعترفوا بذلك وحلفوا عليه بعد ما كانوا منكرين " قال
فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون " أي بكفركم في الدنيا وإنكاركم.
وفي قوله سبحانه: " وقال قرينه " يعني الملك الشهيد عليه، عن الحسن، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وقيل: قرينه الذي قيض له من الشيطان، وقيل:
قرينه من الانس " هذا ما لدي عتيد " إن كان المراد به الملك فمعناه: هذا حسابه حاضر لدي في هذا الكتاب، أي يقول لربه: كنت وكلتني، به فما كتبت من عمله حاضر عندي، وإن كان المراد به الشيطان أو القرين من الانس فالمعنى: هذا العذاب حاضر عندي معد لي بسبب سيئاتي " ألقيا في جهنم كفار عنيد " هذا خطاب لخازن النار، والعرب تأمر الواحد والقوم بما تأمر به الاثنين، ألا ترى في الشعر أكثر شئ قيلا:
(يا صاحبي ويا خليلي) وقيل: إنما ثني ليدل على التكثير، كأنه قال: ألق ألق، فثني الضمير ليدل على تكرير الفعل، وقيل: خطاب للملكين الموكلين به وهما السائق والشهيد.
وروى أبو القاسم الحسكاني بالاسناد عن الأعمش أنه قال: حدثنا أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى لي ولعلي: ألقيا في النار من أبغضكما، وأدخلا الجنة من أحبكما، وذلك قوله: ألقيا في جهنم كل كفار عنيد " والعنيد: الذاهب عن الحق وسبيل الرشد.
" مناع للخير " الذي أمر الله به من بذل المال في وجوهه " معتد " ظالم متجاوز يتعدى حدود الله " مريب " أي شاك في الله وفيما جاء من عند الله، وقيل متهم يفعل ما يرتاب بفعله ويظن به غير الجميل، وقيل: إنها نزلت في وليد بن المغيرة حين استشاره بنو أخيه في الاسلام فمنعهم. فيكون المراد بالخير الاسلام " الذي جعل مع الله إلها آخر " من الأصنام والأوثان " فألقياه في العذاب الشديد " هذا تأكيد للأول، فكأنه قال: افعلا ما أمرتكما به فإنه مستحق لذلك " قال قرينه " أي شيطانه الذي أغواه، عن ابن عباس وغيره، وإنما سمى قرينه؟ لأنه يقرن به في العذاب، وقيل: قرينه من الانس وهم علماء السوء والمبتدعون " ربنا ما أطغيته " أي ما أضللته وما أوقعته في الطغيان باستكراه " ولكن كان في ضلال " من الايمان " بعيد " أي ولكنه طغى باختياره السوء
" قال " أي فيقول الله لهم: " لا تختصموا لدي " أي لا يخاصم بعضكم بعضا عندي " وقد قدمت إليكم بالوعيد " في دار التكليف فلم تنزجروا وخالفتم أمري " ما يبدل القول لدي " المعنى أن الذي قدمته لكم في دار الدنيا من أني أعاقب من جحدني وكذب رسلي وخالف أمري لا يبدل بغيره، ولا يكون خلافه " وما أنا بظلام للعبيد " أي لست بظالم أحدا في عقابي لمن استحقه، بل هو الظالم لنفسه بارتكابه المعاصي التي استحق بها ذلك " يوم نقول لجهنم هل امتلأت " متعلق بقوله: " ما يبدل القول " أو بتقدير اذكر " وتقول " جهنم " هل من مزيد " قال أنس: طلبت الزيادة، وقال مجاهد: المعنى معنى الكفاية، أي لم يبق مزيد لامتلائها، ويدل على هذا القول قوله: " لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين " وقيل في الوجه الأول: إن هذا القول منها كان قبل دخول جميع أهل النار فيها، ويجوز أن تكون تطلب الزيادة على أن يزاد في سعتها، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قيل له يوم فتح مكة: ألا تنزل دارك؟ فقال صلى الله عليه وآله: وهل ترك لنا عقيل من دار؟ لأنه باع دور بني هاشم لما خرجوا إلى المدينة، فعلى هذا يكون المعنى: وهل بقي زيادة؟.
فأما الوجه في كلام جهنم فقيل فيه وجوه: أحدها: أنه خرج مخرج المثل، أي أن جهنم من سعتها وعظمها بمنزلة الناطقة التي إذا قيل لها: هل امتلأت؟ تقول:
لم أمتل وبقي في سعة كثيرة.
وثانيها: أن الله سبحانه يخلق لجهنم آلة الكلام فتتكلم، وهذا غير منكر لان من أنطق الأيدي والجوارح والجلود قادر على أن ينطق جهنم.
وثالثها: أنه خطاب لخزنة جهنم على وجه التقرير لهم: هل امتلأت جهنم؟
فيقولون: بلى لم يبق موضع لمزيد، ليعلم الخلق صدق وعده، عن الحسن، قال: معناه:
مامن مزيد، أي لا مزيد.
وفي قوله تعالى: " يوم يدعون " أي يدفعون " إلى نار جهنم دعا " أي دفعا بعنف وجفوة، قال مقاتل: هو أن تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون إلى جهنم دفعا على وجوههم، حتى إذا دنوا قال لهم خزنتها: " هذه النار التي
كنتم بها تكذبون " في الدنيا، ثم وبخهم لما عاينوا ما كانوا يكذبون به وهو قوله:
" أفسحر هذا " الذي ترون " أم أنتم لا تبصرون " وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا صلى الله عليه وآله إلى السحر وإلى أنه يغطي على الابصار بالسحر، فلما شاهدوا ما وعدوا به من العذاب وبخوا بهذا، ثم يقال لهم: " اصلوها " قاسوا شدتها " فاصبروا " على العذاب " أو لا تصبروا " عليه " سواء عليكم " الصبر والجزع " إنما تجزون ما كنتم تعملون " في الدنيا من المعاصي بكفركم وتكذيبكم الرسول.
وفي قوله تعالى: " إن المجرمين في ضلال وسعر " أي في ذهاب عن وجه النجاة وطريق الجنة، وفي نار مسعرة، وقيل: أي في هلاك وذهاب عن الحق " وسعر " أي عناء وعذاب " يوم يسحبون " أي يجرون " في النار على وجوههم " يعني أن هذا العذاب يكون لهم في يوم يجرهم الملائكة فيه على وجوههم في النار، ويقال لهم: " ذوقوا مس سقر " أي إصابتها إياهم بعذابها وحرها، وهو كقولهم: " وجدت مس الحمى " وسقر.
جهنم، وقيل: هو باب من أبوابها.
وفي قوله تعالى: " فيؤخذ بالنواصي والاقدام " فتأخذهم الزبانية فتجمع بين نواصيهم وأقدامهم بالغل، ثم يسحبون في النار ويقذفون فيها، عن الحسن، وقيل:
تأخذهم الزبانية بنواصيهم وبأقدامهم فيسوقونهم إلى النار: " هذه جهنم " أي ويقال لهم: " هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون " الكافرون في الدنيا قذ أظهرها الله تعالى حتى زالت الشكوك فادخلوها، ويمكن أنه لما أخبر الله تعالى أنهم يؤخذون بالنواصي والاقدام ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله: " هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون " أي مشركون من قومك وسيردونها فليهن عليك أمرهم " يطوفون بينها وبين حميم آن " أي يطوفون مرة بين الجحيم ومرة بين الحميم، والجحيم: النار، والحميم: الشراب، وقيل:
معناه أنهم يعذبون بالنار مرة ويجرعون من الحميم يصب عليهم ليس لهم من العذاب أبدا فرج، عن ابن عباس، والآني: الذي انتهت حرارته، وقيل: الآني: الحاضر.
وفي قوله تعالى: " في سموم وحميم " أي في ريح حارة تدخل مسامهم وخروقهم، وفي ماء مغلي حار انتهت حرارته " وظل من يحموم " أي دخان أسود شديد السواد
عن ابن عباس وغيره، وقيل: اليحموم: جبل في جهنم يستغيث أهل النار إلى ظله، ثم نعت ذلك الظل فقال: " لا بارد ولا كريم " أي لا بارد المنزل، ولا كريم المنظر، وقيل: لا بارد يستراح إليه لأنه دخان جهنم، ولا كريم فيشتهى مثله، وقيل: ولا كريم أي لا منفعة فيه بوجه من الوجوه، والعرب إذا أرادت نفي صفة الحمد عن الشئ نفت عنه الكرم، وقال الفراء: العرب تجعل الكريم تابعا لكل شئ نفت عنه وصفا تنوى به الذم، تقول: ما هو بسمين ولا كريم، وما هذه الدار بواسعة ولا كريمة.
ثم ذكر سبحانه أعمالهم التي أوجبت لهم هذا فقال: " إنهم كانوا قبل ذلك مترفين " أي كانوا في الدنيا متنعمين، عن ابن عباس " وكانوا يصرون على الحنث العظيم " أي الذنب العظيم، والاصرار أن يقيم عليه فلا يقلع عنه، وقيل: الحنث العظيم: الشرك، وقيل: كانوا يحلفون لا يبعث الله من يموت، وأن الأصنام أنداد الله.
قوله: " فشاربون شرب الهيم " أي كشرب الهيم، وهي الإبل التي أصابها الهيام وهو شدة العطش، فلا تزال تشرب الماء حتى تموت، وقيل: هي الأرض الرملة التي لا تروي بالماء " هذا نزلهم يوم الدين " النزل: الامر الذي ينزل عليه صاحبه، والمعنى:
هذا طعامهم وشرابهم يوم الجزاء في جهنم.
وفي قوله تعالى: " قوا أنفسكم وأهليكم نارا " أي قوا أنفسكم النار بالصبر على طاعة الله وعن معصيته، وعن اتباع الشهوات، وأهليكم بدعائهم إلى طاعة الله، و تعليمهم الفرائض، ونهيهم عن القبائح، وحثهم على أفعال الخير " عليها ملائكة غلاظ شداد " أي غلاظ القلوب لا يرحمون أهل النار، أقوياء، يعني الزبانية التسعة عشر و أعوانها " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " في هذا دلالة على أن الملائكة الموكلين بالنار معصومون عن القبائح لا يخالفون الله في أوامره ونواهيه. ثم حكى سبحانه ما يقال للكفار يوم القيامة فقال: " يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم " وذلك أنهم إذا عذبوا يأخذون في الاعتذار فلا يلتفت إلى معاذيرهم ويقال لهم: لا تعتذروا فهذا جزاء فعلكم.
وفي قوله: " وأعتدنا لهم " أي للشياطين " عذاب السعير " عذاب النار المسعرة
المشعلة " إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا " أي إذا طرح الكفار في النار سمعوا للنار صوتا فظيعا مثل صوت القدر عند غليانها وفورانها، فيعظم بسماع ذلك عذابهم لما يرد على قلوبهم من هوله " وهي تفور " أي تغلي بهم كغلي المرجل " تكاد تميز " أي تتقطع وتتمزق من الغيظ أي شدة الغضب، سمى سبحانه شدة التهاب النار غيظا على الكفار؟ لان المغتاظ هو المتقطع مما يجد من الألم الباعث على الايقاع بغيره، فحال جهنم كحال المتغيظ " كلما القي فيها " أي كلما طرح في النار " فوج " من الكفار " سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير " أي يقول لهم الملائكة الموكلون بالنار على وجه التبكيت لهم في صيغة الاستفهام: ألم يجئكم مخوف من جهة الله سبحانه يخوفكم عذاب هذه النار؟ " قالوا بلى قد جائنا نذير " أي مخوف فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ " أي لم نقبل منه، بل قلنا ما نزل الله شيئا مما تدعونا إليه وتحذرونا منه، فتقول لهم الملائكة: " إن أنتم إلا في ضلال كبير " أي لستم اليوم إلا في عذاب عظيم، وقيل: معناه: قلنا للرسل: ما أنتم إلا في ضلال، أي ذهاب عن الصواب. كبير في قولكم: أنزل الله علينا كتابا " وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل " من النذر ما جاؤونا به ودعونا إليه وعملنا بذلك " ما كنا في أصحاب السعير " قال الزجاج: لو كنا نسمع سمع من يعي ويفكر ونعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار " فاعترفوا بذنبهم " في ذلك الوقت الذي لا ينفعهم فيه الاقرار والاعتراف " فسحقا لأصحاب السعير " هذا دعاء عليهم، أي أسحقهم الله وأبعدهم من النجاة سحقا.
وفي قوله: " وأما القاسطون " العادلون عن طريق الحق والدين " فكانوا " في علم الله وحكمه " لجهنم حطبا " يلقون فيها فتحرقهم كما تحرق النار الحطب، أو يكون معناه: فسيكونون لجهنم حطبا توقد بهم كما توقد النار بالحطب.
وفي قولة: " يسلكه عذابا صعدا " أي يدخله عذابا شاقا شديدا متصعدا في العظم، وإنما قال: يسلكه؟ لأنه تقدم ذكر الطريقة، وقيل: معناه عذابا ذا صعد، أي ذا مشقة. وفي قوله تعالى: " إن لدنيا أنكالا " أي عندنا في الآخرة قيودا عظاما
لا تفك أبدا، وقيل: أغلالا " وجحيما " وهو اسم من أسماء جهنم، وقيل: يعني ونارا عظيمة، ولا تسمى القليلة به " وطعاما ذا غصة " أي ذا شوك يأخذ الحلق فلا يدخل ولا يخرج، عن ابن عباس، وقيل: طعاما يأخذ بالحلقوم لخشونته وشدة تكرهه، وقيل: يعني الزقوم والضريع وروي عن حمران بن أعين عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله سمع قارئا يقرء هذا فصعق. " وعذابا أليما " أي عقابا موجعا مؤلما.
وفي قوله: " سأرهقه صعودا " أي سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة فيه، وقيل:
صعود جبل في جهنم من نار يؤخذ بارتقائه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وكذلك رجله في خبر مرفوع، وقيل: هو جبل من صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها حتى إذا بلغ أعلاها احدر إلى أسفلها، ثم يكلف أيضا أن يصعدها فذلك دأبه أبدا، يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد، فيصعدها في أربعين سنة عن الكلبي.
وفي قوله: " سأصليه سقر " أي سأدخله جهنم وألزمه إياها، وقيل: سقر:
دركة من دركات جهنم؟ وقيل: باب من أبوابها " وما أدريك " أيها السامع " ما سقر " في شدتها وهولها وضيقها " لا تبقي ولا تذر " أي لا تبقي لهم لحما إلا أكلته، ولا تذرهم إذا أعيدوا خلقا جديدا، وقيل: لا تبقي شيئا إلا أحرقته، ولا تذر أي لا إبقاء عليهم بل يبلغ مجهودهم في أنواع العذاب " لواحة للبشر " أي مغيرة للجلود، وقيل: لافحة للجلود حتى تدعها أشد سواد من الليل " عليها تسعة عشر " من الملائكة، هم خزنتها: مالك ومعه ثمانية عشر، أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالصياصي، يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، تسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر، نزعت منهم الرحمة، يرفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم، وقيل: معناه: على سقر تسعة عشر ملكا فهم خزان سقر، وللنار ودركاتها الاخر خزان آخرون، وقيل: إنما خصوا بهذا العدد ليوافق الخبر لما جاء به الأنبياء قبله وما كان في الكتب المتقدمة، ويكون في ذلك مصلحة للمكلفين، وقال: بعضهم في تخصيص هذا العدد: إن تسعة عشر يجمع أكثر القليل
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.