پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

30 - باب ان العمل جزء الايمان، وأن الايمان مبثوث

ج ۶۶، ص ۱۲۶–۱۴۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۵ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۶

القرآن، وترك الكبائر التي أوعد الله عليها النار، وعلى هذا المعنى اطلق الكافر على تارك الصلاة وتارك الزكاة وأشباههم، وورد لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن، وثمرة هذا الايمان عدم استحقاق الاذلال والإهانة والعذاب في الدنيا والآخرة.

الثالث العقائد المذكورة مع فعل جميع الواجبات، وترك جميع المحرمات وثمرته اللحوق بالمقربين والحشر مع الصديقين، وتضاعف المثوبات، و رفع الدرجات.

الرابع ما ذكر مع ضم فعل المندوبات، وترك المكروهات، بل المباحات كما ورد في أخبار صفات المؤمن، وبهذا المعنى يختص بالأنبياء والأوصياء كما ورد في الأخبار الكثيرة تفسير المؤمنين في الآيات بالأئمة الطاهرين عليهم السلام.

وقد ورد في تفسير قوله سبحانه " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " أن جميع معاصي الله بل التوسل بغيره تعالى داخلة في الشرك المذكور في هذه الآية، وثمرة هذا الايمان أنه يؤمن على الله فيجيز أمانه وأنه لا يرد الله دعوته وسائر ما ورد في درجاتهم عليهم السلام ومنازلهم عند الله تعالى.

وأما الاسلام فيطلق غالبا على التكلم بالشهادتين، والاقرار الظاهري، وإن لم يقترن بالاذعان القلبي ولا بالاقرار بالولاية، كما عرفت سابقا، وثمرته إنما تظهر في الدنيا من حقن دمه وماله، وجواز نكاحه واستحقاقه الميراث، وسائر الأحكام الظاهرة للمسلمين، وليس له في الآخرة من خلاق، وقد يطلق على كل

من معاني الايمان حتى المعنى الأخير، فيكون بمعنى الاستسلام والانقياد التام ثم إن الآيات والأخبار الدالة على دخول الأعمال في الايمان يحتمل وجوها الأول أن يحمل على ظواهرها، ويقال إن العمل داخل في حقيقة الايمان على بعض المعاني، الثاني أن يكون الايمان أصل العقايد، لكن يكون تسميتها إيمانا مشروطة بالاعمال، الثالث أن يقال بزيادة الايمان وتفاوته شدة وضعفا و تكون الأعمال كثرة وقلة كاشفة عن حصول كل مرتبة من تلك المراتب، فإنه لا شك أن لشدة اليقين مدخلا في كثرة الأعمال الصالحة وترك المناهي، وقد بسطنا الكلام في ذلك قليلا في كتاب عين الحياة، وسيتضح لك بعض ما ذكرنا في تضاعيف الاخبار الآتية، ولنذكر هنا بعض ما ذكره أصحابنا في حقيقة الايمان والاسلام، ومعانيهما وشرائطهما.

قال المحقق الطوسي قدس سره القدوسي في قواعد العقائد : المسألة الخامسة فيما به يحصل استحقاق الثواب والعقاب قالوا: الاسلام أعم في الحكم من الايمان، وهما في الحقيقة شئ واحد أما كونه أعم فلان من أقر بالشهادتين كان حكمه حكم المسلمين " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " وأما كون الاسلام في الحقيقة هو الايمان فلقوله تعالى: " إن الدين عند الله الاسلام " واختلفوا في معناه، فقال بعض السلف: الايمان إقرار باللسان، وتصديق بالقلب وعمل صالح بالجوارح، وقالت المعتزلة: أصول الايمان خمسة: التوحيد، والعدل والاقرار بالنبوة، وبالوعد والوعيد، والقيام بالامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقال الشيعة: أصول الايمان ثلاثة: التصديق بوحدانية الله تعالى في ذاته والعدل في أفعاله، والتصديق بنبوة الأنبياء. والتصديق بامامة الأئمة المعصومين والتصديق بالأحكام التي يعلم يقينا أنه صلى الله عليه وآله حكم بها، دون ما فيه الخلاف والاستتار.

والكفر يقابل الايمان، والذنب يقابل العمل الصالح، وينقسم إلى كبائر

وصغائر، ويستحق المؤمن بالاجماع الخلود في الجنة، ويستحق الكافر الخلود في العذاب، وصاحب الكبيرة عند الخوارج كافر لأنهم جعلوا العمل الصالح جزءا من الايمان، وعند غيرهم خارج فاسق، والمؤمن عند المعتزلة والوعيدية لا يكون فاسقا وجعلوا الفاسق الذي لا يكون كافرا منزلة بين المنزلتين الايمان والكفر، وهو عندهم يكون في النار خالدا، وعند غيرهم المؤمن قد يكون فاسقا وقد لا يكون، وتكون عاقبة الامر على التقديرين الخلود في الجنة.

وقال - ره - في التجريد: الايمان التصديق بالقلب واللسان ولا يكفي الأول لقوله تعالى: " واستيقنتها أنفسهم " ونحوه ولا الثاني لقوله تعالى: " قل لم تؤمنوا " والكفر عدم الايمان إما مع الضد أو بدونه، والفسق الخروج عن طاعة الله تعالى مع الايمان به، والنفاق إظهار الايمان به وإخفاء الكفر، والفاسق مؤمن لوجود حده فيه.

وقال العلامة نور الله ضريحه في الشرح: اختلف الناس في الايمان على وجوه كثيرة وليس هنا موضع ذكرها، والذي اختاره المصنف رضوان الله أنه عبارة عن التصديق بالقلب واللسان معا ولا يكفي أحدهما فيه، أما التصديق القلبي فإنه غير كاف لقوله تعالى " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم " و قوله تعالى: " فلما جائهم ما عرفوا كفروا به " فأثبت لهم المعرفة والكفر وأما التصديق اللساني فإنه غير كاف أيضا لقوله تعالى " قالت الاعراب آمنا " الآية ولا شك في أن أولئك الاعراب صدقوا بألسنتهم.

وقال - ره -: الكفر في اللغة هو التغطية وفي العرف الشرعي هو عدم الايمان إما مع الضد بأن يعتقد فساد ما هو شرط في الايمان، أو بدون الضد كالشاك الخالي من الاعتقاد الصحيح والباطل، والفسق لغة الخروج مطلقا وفي الشرع عبارة عن الخروج عن طاعة الله تعالى فيما دون الكفر، والنفاق في اللغة هو إظهار خلاف الباطن، وفي الشرع إظهار الايمان وإبطان الكفر.

واختلف الناس في الفاسق فقالت المعتزلة: إن الفاسق لا مؤمن ولا كافر وأثبتوا له منزلة بين المنزلتين، وقال الحسن البصري: إنه منافق، وقالت الزيدية: إنه كافر نعمة، وقالت الخوارج إنه كافر، والحق ما ذهب إليه المصنف وهو مذهب الإمامية والمرجئة وأصحاب الحديث وجماعة الأشعرية، أنه مؤمن والدليل عليه أن حد المؤمن وهو المصدق بقلبه ولسانه في جميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله موجود فيه فيكون مؤمنا انتهى.

وقال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب المسائل: اتفقت الامامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة والاقرار لا يخرج بذلك عن الاسلام، وأنه مسلم وإن كان فاسقا بما معه من الكبائر والآثام، ووافقهم على هذا القول المرجئة كافة وأصحاب الحديث قاطبة، ونفر من الزيدية، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعموا أن مرتكب الكبائر ممن ذكرناه فاسق ليس بمؤمن ولا مسلم.

وقال قدس سره: اتفقت الامامية على أن الاسلام غير الايمان وأن كل مؤمن فهو مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، وأن الفرق بين هذين المعنيين في الدين كما كان في اللسان، ووافقهم على هذا القول المرجئة وأصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة على عدم الفرق بينهما.

وقال الشهيد الثاني قدس سره في رسالة حقائق الايمان: اعلم أن الايمان لغة التصديق كما نص عليه أهلها، وهو إفعال من الامن بمعنى سكون النفس واطمئنانها لعدم ما يوجب الخوف لها وحينئذ فكان حقيقة " آمن به " سكنت نفسه واطمأنت، بسبب قبول قوله، وامتثال أمره. فتكون الباء للسببية، ويحتمل أن يكون بمعنى أمنه التكذيب والمخالفة كما ذكره بعضهم، فتكون الباء فيه زائدة والأول أولى كما لا يخفى وأوفق لمعنى التصديق، وهو يتعدى باللام كقوله تعالى " وما أنت بمؤمن لنا " و " فآمن له لوط " وبالباء كقوله تعالى " آمنا بما أنزلت "

وأما التصديق فقد قيل إنه القبول والاذعان بالقلب، كما ذكره أهل الميزان ويمكن أن يقال معناه قبول الخبر أعم من أن يكون بالجنان أو باللسان ويدل عليه قوله تعالى " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا " فأخبروا عن أنفسهم بالايمان - وهم من أهل اللسان - مع أن الواقع منهم هو الاعتراف باللسان دون الجنان، لنفيه عنهم بقوله تعالى " قل لم تؤمنوا " وإثبات الاعتراف بقوله تعالى " ولكن قولوا أسلمنا " الدال على كونه إقرارا بالشهادتين وقد سموه إيمانا بحسب عرفهم، والذي نفاه الله عنهم إنما هو الايمان في عرف الشرع.

وأما الايمان الشرعي فقد اختلف في بيان حقيقته العبارات بسبب اختلاف الاعتبارات، وبيان ذلك أن الايمان شرعا إما أن يكون من أفعال القلوب فقط، أو من أفعال الجوارح فقد، أو منهما معا.

فإن كان الأول فهو التصديق بالقلب فقط، وهو مذهب الأشاعرة، وجمع من متقدمي الامامية ومتأخريهم، ومنهم المحقق الطوسي رحمه الله في فصوله، لكن اختلفوا في معنى التصديق، فقال أصحابنا: هو العلم، وقال الأشعرية هو التصديق النفساني وعنوا به أنه عبارة عن ربط القلب على ما علم من إخبار المخبر، فهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق، ولذا يثاب عليه بخلاف العلم والمعرفة، فإنها ربما تحصل بلا كسب كما في الضروريات وقد ذكر حاصل ذلك بعض المحققين فقال:

التصديق هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر حتى لو وقع ذلك في القلب من غير اختيار لم يكن تصديقا، وإن كان معرفة، وسنبين إنشاء الله تعالى قصور ذلك.

وإن كان الثاني فإما أن يكون عبارة عن التلفظ بالشهادتين فقط، وهو مذهب الكرامية، أو عن جميع أفعال الجوارح من الطاعات بأسرها، فرضا ونفلا وهو مذهب الخوارج، وقدماء المعتزلة والعلاف والقاضي عبد الجبار، أو عن جميعها من الواجبات وترك المحظورات دون النوافل، وهو مذهب أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم وأكثر معتزلة البصرة.

وإن كان الثالث فهو إما أن يكون عبارة عن أفعال القلوب مع جميع أفعال الجوارح من الطاعات، وهو قول المحدثين وجمع من السلف كابن مجاهد وغيره فإنهم قالوا إن الايمان تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، أو يكون عبارة عن التصديق مع كلمتي الشهادة، ونسب إلى طائفة منهم أبو حنيفة، أو يكون عبارة عن التصديق بالقلب مع الاقرار باللسان وهو مذهب المحقق نصير الدين الطوسي رحمه الله في تجريده فهذه سبعة مذاهب ذكرت في الشرح الجديد للتجريد وغيره.

واعلم أن مفهوم الايمان على المذهب الأول يكون تخصيصا للمعنى اللغوي وأما على المذاهب الباقية فهو منقول، والتخصيص خير من النقل، وهنا بحث وهو أن القائلين بأن الايمان عبارة عن فعل الطاعات كقدماء المعتزلة والعلاف والخوارج لا ريب أنهم يوجبون اعتقاد مسائل الأصول وحينئذ فما الفرق بينهم وبين القائلين بأنه عبارة عن أفعال القلوب والجوارح ويمكن الجواب بأن اعتقاد المعارف شرط عند الأولين وشطر عند الآخرين.

ثم قال: اعلم أن المحقق الطوسي رحمه الله ذكر في قواعد العقائد أن أصول الايمان عند الشيعة ثلاثة ثم ذكر ما نقلنا عنه سابقا، ثم قال ذكر في الشرح الجديد للتجريد أن الايمان في الشرع عند الأشاعرة هو التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة فتفصيلا فيما علم تفصيلا، وإجمالا فيما علم إجمالا، فهو في الشرع تصديق خاص انتهى فهؤلاء اتفقوا على أن حقيقة الايمان هي التصديق فقط، وإن اختلفوا في مقدار المصدق به، والكلام هيهنا في مقامين: الأول في أن التصديق الذي هو الايمان المراد به اليقيني الجازم الثابت، كما يظهر من كلام من حكينا عنه، والثاني في أن الأعمال ليست جزءا من حقيقة الايمان الحقيقي، بل هي جزؤ من الايمان الكمالي.

أما الدليل على الأول فآيات بينات منها قوله تعالى " إن الظن لا يغني من الحق شيئا " والايمان حق بالنص والاجماع، فلا يكفي في حصوله وتحققه

الظن، ومنها " إن يتبعون إلا الظن " " إن هم إلا يظنون " " إن بعض الظن إثم " فهذه قد اشتركت في التوبيخ على اتباع الظن، والايمان لا يوبخ من حصل له بالاجماع، فلا يكون ظنا، ومنها قوله تعالى " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا " فنفى عنهم الريب، فيكون الثابت هو اليقين، وفي العرف يطلق عدم الريب على اليقين، ومن السنة المطهرة قوله صلى الله عليه وآله " يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك " والثبات هو الجزم والمطابقة، وفيه منع لم لا يجوز أن يكون طلبه عليه السلام لأنه الفرد الأكمل.

ومن الدلائل أيضا الاجماع حيث ادعى بعضهم أنه يجب معرفة الله تعالى التي لا يتحقق الايمان إلا بها بالدليل إجماعا من العلماء كافة، والدليل ما أفاد العلم، والظن لا يفيده، وفي صحة دعوى الاجماع بحث لوقوع الخلاف في جواز التقليد في المعارف الأصولية كما سنذكره إن شاء الله تعالى.

واعلم أن جميع ما ذكرنا من الأدلة لا يفيد شئ منه العلم بأن الجزم والثبات معتبر في التصديق الذي هو الايمان، إنما يفيد الظن باعتبارهما، لان الآيات قابلة للتأويل، وغيرها كذلك، مع كونها من الآحاد.

ثم قال رفع الله درجته: اعلم أن العلماء أطبقوا على وجوب معرفة الله بالنظر، وأنها لا تحصل بالتقليد إلا من شذ منهم كعبد الله بن الحسن العنبري والحشوية، والتعليمية، حيث ذهبوا إلى جواز التقليد في العقائد الأصولية كوجود الصانع، وما يجب له ويمتنع، والنبوة والعدل وغيرها، بل ذهب بعضهم إلى وجوبه، لكن اختلف القائلون بوجوب المعرفة أنه عقلي أو سمعي فالامامية والمعتزلة على الأول، والأشعرية على الثاني، ولا غرض لنا هنا ببيان ذلك، بل ببيان أصل الوجوب المتفق عليه.

ثم استدل بوجوب شكر المنعم عقلا، وشكره على وجه يليق بكمال ذاته

يتوقف على معرفته، وهي لا تحصل بالظنيات كالتقليد وغيره لاحتمال كذب المخبر، وخطأ الامارة، فلابد من النظر المفيد للعلم، ثم قال: وهذا الدليل إنما يستقيم على قاعدة الحسن والقبح، والأشاعرة ينكرون ذلك، لكن كما يدل على وجوب المعرفة بالدليل، يدل أيضا على كون الوجوب عقليا، واعترض أيضا بأنه مبني على وجوب مالا يتم الواجب المطلق إلا به، وفيه أيضا منوع للأشاعرة.

ومن ذلك أن الأمة أجمعت على وجوب المعرفة، والتقليد وما في حكمه لا يوجب العلم إن أوجبه لزم اجتماع الضدين في مثل تقليد من يعتقد حدوث العالم ويعتقد قدمه، وقد اعترض على هذا بمنع الاجماع كيف والمخالف معروف بل عورض بوقوع الاجماع على خلافه، وذلك لتقرير النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه العوام على إيمانهم، وهم الأكثرون في كل عصر، مع عدم الاستفسار عن الدلائل الدالة على الصانع وصفاته، مع أنهم كانوا لا يعلمونها، وإنما كانوا مقرين باللسان ومقلدين في المعارف، ولو كانت المعرفة واجبة لما جاز تقريرهم على ذلك مع الحكم بايمانهم، وأجيب عن هذا بأنهم كانوا يعلمون الأدلة إجمالا كدليل الاعرابي حيث قال " البعرة تدل على البعير، وأثر الاقدام على المسير، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، لا تدلان على اللطيف الخبير "؟ فلذا أقروا ولم يسألوا عن اعتقاداتهم أو أنهم كان يقبل منهم ذلك للتمرين، ثم يبين لهم ما يجب عليهم من المعارف بعد حين.

ومن ذلك الاجماع على أنه لا يجوز تقليد غير المحق وإنما يعلم المحق من غيره بالنظر في أن ما يقوله حق أم لا؟ وحينئذ فلا يجوز له التقليد إلا بعد النظر والاستدلال وإذا صار مستدلا امتنع كونه مقلدا، فامتنع التقليد في المعارف الإلهية، ونقض ذلك بلزوم مثله في الشرعيات، فإنه لا يجوز تقليد المفتي إلا إذا كانت فتياه عن دليل شرعي، فان اكتفي في الاطلاع على ذلك بالظن وإن كان مخطئا في نفس الامر لحط ذلك عنه فليجز مثله في مسائل الأصول، وأجيب بالفرق بأن الخطأ

في مسائل الأصول يقتضي الكفر، بخلافه في الفروع، فساغ في الثانية ما لم يسغ في الأولى.

احتج من أوجب التقليد في مسائل الأصول بأن العلم بالله تعالى غير ممكن لان المكلف به إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره، وحال امتناع كونه عالما بأمره، يمتنع كونه مأمورا من قبله، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق، وإن كان عالما به، استحال أيضا أمره بالعلم به لاستحالة تحصيل الحاصل، والجواب عن ذلك على قواعد الامامية والمعتزلة ظاهر، فان وجوب النظر والمعرفة عندهم عقلي لا سمعي نعم يلزم ذلك على قواعد الأشاعرة إذ الوجوب عندهم سمعي.

أقول: ويجاب أيضا معارضة بأن هذا الدليل كما يدل على امتناع العلم بالمعارف الأصولية، يدل على امتناع التقليد فيها أيضا، فينسد باب المعرفة بالله تعالى، فكل من يرجع إليه في التقليد لابد وأن يكون عالما بالمسائل الأصولية، ليصح تقليده، ثم يجري الدليل فيه، فيقال: علم هذا الشخص بالله تعالى غير ممكن، لأنه حين كلف به إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره بالمقدمات وكل ما أجابوا به فهو جوابنا، ولا مخلص لهم إلا أن يعترفوا بأن وجوب المعرفة عقلي فيبطل ما ادعوه من أن العلم بالله تعالى غير ممكن أو سمعي فكذلك.

فان قيل: ربما يحصل العلم لبعض الناس بتصفية النفس أو إلهامه إلى غير ذلك، فيقلده الباقون، قلنا هذا أيضا يبطل قولكم إن العلم بالله تعالى غير ممكن، نعم ما ذكروه يصلح أن يكون دليلا على امتناع المعرفة بما يسمع، فيكون حجة على الأشاعرة، لا دليلا على وجوب التقليد.

واحتجوا أيضا بأن النهي عن النظر قد ورد في قوله تعالى " ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا " والنظر يفتح باب الجدال فيحرم، ولأنه عليه السلام رأى الصحابة يتكلمون في مسألة القدر فنهاهم عن الكلام فيها، وقال: إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا، ولقوله عليه السلام: عليكم بدين العجائز، والمراد ترك النظر فلو كان

واجبا لم يكن منهيا عنه، وأجيب عن الأول بأن المراد الجدال بالباطل كما في قوله تعالى " وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق " لا الجدال بالحق لقوله تعالى " وجادلهم بالتي هي أحسن " فالامر بذلك يدل على أن الجدال مطلقا ليس منهيا عنه، وعن الثاني بأن نهيهم عن الكلام في مسألة القدر على تقدير تسليمه لا يدل على النهي عن مطلق النظر، بل عنه في مسألة القدر، كيف وقد ورد الانكار على تارك النظر في قوله تعالى " أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله " وقد أثنى على فاعله في قوله " ويتفكرون في خلق السماوات والأرض " على أن نهيهم عن الخوض في القدر لعله لكونه أمرا غيبيا وبحرا عميقا كما أشار إليه علي عليه السلام بقوله " بحر عميق فلا تلجه " بل كان مراد النبي صلى الله عليه وآله التفويض في مثل ذلك إلى الله تعالى لان ذلك ليس من الأصول التي يجب اعتقادها، والبحث عنها مفصلة.

وهيهنا جواب آخر عنهما معا، وهو أن النهي في الآية والحديث مع قطع النظر عما ذكرناه إنما يدل على النهي عن الجدال الذي لا يكون إلا عن متعدد بخلاف النظر فإنه يكون من واحد، فهو نصب الدليل على غير المدعى، وعن الثالث بالمنع من صحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله فان بعضهم ذكر أنه من مصنوعات سفيان الثوري فإنه روي أن عمر بن عبد الله المعتزلي قال: إن بين الكفر والايمان منزلة بين المنزلتين، فقالت عجوز: قال الله تعالى " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن " فلم يجعل من عباده إلا الكافر والمؤمن، فسمع سفيان كلامها فقال:

عليكم بدين العجائز، على أنه لو سلم فالمراد به التفويض إلى الله تعالى في قضائه وحكمه والانقياد له في أمره ونهيه.

واحتج من جوز التقليد بأنه لو وجب النظر في المعارف الإلهية لوجد من الصحابة، إذ هم أولى به من غيرهم، لكنه لم يوجد وإلا لنقل كما نقل عنهم النظر والمناظرة في المسائل الفقهية، فحيث لم ينقل لم يقع، فلم يجب.

وأجيب بالتزام كونهم أولى به، لكنهم نظروا وإلا لزم نسبتهم إلى الجهل بمعرفة الله تعالى، وكون الواحد منا أفضل منهم، وهو باطل إجماعا ، إذا كانوا عالمين، وليس بالضرورة، فهو بالنظر والاستدلال، وأما أنه لم ينقل النظر والمناظرة، فلاتفاقهم على العقائد الحقة لوضوح الامر عندهم، حيث كانوا ينقلون عقائدهم عمن لا ينطق عن الهوى فلم يحتاجوا إلى كثرة البحث والنظر، بخلاف الاخلاف بعدهم، فإنهم لما كثرت شبه الضالين، واختلفت أنظار طالبي اليقين، لتفاوت أذهانهم في إصابة الحق احتاجوا إلى النظر والمناظرة، ليدفعوا بذلك شبه المضلين، ويقفوا على اليقين، أما مسائل الفروع لما كانت أمورا ظنية اجتهادية خفية لكثرة تعارض الامارات فيها وقع بينهم الخلاف فيها، والمناظرة والتخطئة لبعضهم من بعض فلذا نقل.

واحتجوا أيضا بأن النظر مظنة الوقوع في الشبهات، والتورط في الضلالات، بخلاف التقليد فإنه أبعد عن ذلك، وأقرب إلى السلامة، فيكون أولى، ولان الأصول أغمض أدلة من الفروع وأخفى، فإذا جاز التقليد في الأسهل، جاز في الأصعب، بطريق أولى، ولأنهما سواء في التكليف بهما فإذا جاز في الفروع فليجز في الأصول.

وأجيب عن الأول بأن اعتقاد المعتقد إن كان عن تقليد لزم إما التسلسل أو الانتهاء إلى من يعتقد عن نظر، لانتفاء الضرورة، فيلزم ما ذكرتم من المحذور مع زيادة، وهي احتمال كذب المخبر، بخلاف الناظر مع نفسه، فإنه لا يكابر نفسه فيما أدى إليه نظره، على أنه لو اتفق الانتهاء إلى من اتفق له العلم بغير النظر كتصفية الباطن كما ذهب إليه بعضهم، أو بالالهام، أو بخلق العلم فيه ضرورة، فهو إنما يكون لافراد نادرة، لأنه على خلاف العادة فلا يتيسر لكل أحد الوصول إليه مشافهة، بل بالوسائط فيكثر احتمال الكذب، بخلاف الناظر فإنه لا يكابر نفسه

ولأنه أقرب إلى الوقوع على الصواب، وأما الجواب عن العلاوة فلانه لما كان الطريق إلى العمل بالفروع إنما هو النقل، ساغ لنا التقليد فيها، ولم يقدح احتمال كذب المخبر، وإلا لا نسد باب العلم والعمل بها، بخلاف الاعتقاديات فان الطريق إليها بالنظر ميسر.

ثم قال رحمه الله بعد إطالة الكلام في الجواب عن حجة الخصام: وأما المقام الثاني وهو أن الأعمال ليست جزءا من الايمان ولا نفسه، فالدليل عليه من الكتاب العزيز والسنة المطهرة والاجماع، أما الكتاب فمن قوله تعالى " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات " فان العطف يقتضي المغايرة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، فلو كان عمل الصالحات جزءا من الايمان أو نفسه، لزم خلو العطف عن الفائدة، لكونه تكرارا، ورد بأن الصالحات جمع معرف يشمل الفرض والنفل، والقائل بكون الطاعات جزءا من الايمان يريد بها فعل الواجبات واجتناب المحرمات وحينئذ فيصح العطف لحصول المغايرة المفيد لعموم المعطوف، فلم يدخل كله في المعطوف عليه نعم يصلح دليلا على إبطال مذهب القائلين بكون المندوب داخلا في حقيقة الايمان كالخوارج.

ومنه قوله تعالى " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن " أي حالة إيمانه وهذا يقتضي المغايرة، ومنه قوله تعالى " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " فإنه أثبت الايمان لمن ارتكب بعض المعاصي، فلا يكون ترك المنهيات جزءا من الايمان، ومنه قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " فان أمرهم بالتقوى الذي لا تحصل إلا بفعل الطاعات، والانزجار عن المنهيات مع وصفهم بالايمان يدل على عدم حصول التقوى لهم، وإلا لكان أمرا بتحصيل

الحاصل، ومنه الآيات الدالة على كون القلب محلا للايمان، من دون ضميمة شئ آخر كقوله تعالى " أولئك كتب في قلوبهم الايمان " ولو كان الاقرار أو غيره من الأعمال نفس الايمان أو جزءه لما كان القلب محل جميعه، وقوله تعالى " ولما يدخل الايمان في قلوبكم " وقوله تعالى " وقلبه مطمئن بالايمان ".

وكذا آيات الطبع والختم تشعر بأن محل الايمان القلب كقوله تعالى:

" أولئك الذين طبع الله على قلوبهم " [وطبع الله على قلوبهم] " فهم لا يؤمنون " " وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله ".

وأما السنة فكقوله صلى الله عليه وآله: يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله سأل جبرئيل عن الايمان فقال: أن تؤمن بالله ورسله، واليوم الآخر.

وأما الاجماع فهو أن الأمة أجمعت على أن الايمان شرط لسائر العبادات والشئ لا يكون شرطا لنفسه، فلا يكون الايمان هو العبادات.

وأما أهل الثاني وهم الكرامية فقد استدلوا على مذهبهم بأن النبي صلى الله عليه وآله والصحابة كانوا يكتفون في الخروج عن الكفر بكلمتي الشهادتين، فتكون هي الايمان، إذ لا واسطة بين الكفر والايمان. لان الكفر عدم الايمان، ولقوله تعالى " فمنكم كافر ومنكم مؤمن " وبقوله صلى الله عليه وآله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وبعثه صلى الله عليه وآله لأسامة، حين قتل من تكلم بالشهادتين:

هلا شققت قلبه أو هل شققت قلبه، على بعض النسخ، يريد بذلك الانكار عليه حيث لم يكتف بالشهادتين منه والجواب عن الأول أن الخروج عن الكفر بكلمة الشهادة إن أرادوا به الخروج في نفس الامر بحيث يصير مؤمنا عند الله سبحانه بمجرد ذلك، من دون تصديق فهو ممنوع، لم لا يجوز أن يكون اكتفاؤهم بذلك للترغيب في الاسلام لا للحكم بالايمان؟

وإن أرادوا به الخروج بحسب الظاهر، فهو مسلم لكن لا ينفعهم، إذ الكلام فيما يتحقق به الايمان عند الله تعالى بحيث يصير المتصف به مؤمنا في نفس الامر، لا فيما يتحقق به الاسلام في ظاهر الشرع، حيث لا يمكن الاطلاع على الباطن، ألا ترى أنهم كانوا يحكمون بكفر من ظهر منه النفاق، بعد الحكم باسلامه، ولو كان مؤمنا في نفس الامر لما جاز ذلك، وأما نفي الواسطة فهو مستقيم على أخذ الحكم في نفس الامر، فان حال المكلف في نفس الامر لا يخلو عن أحدهما، وأما جعل لا إله إلا الله غاية للقتال فلا يدل على أكثر من كونه للترغيب في الاسلام أيضا بسبب حقن الدماء، على أن النبي صلى الله عليه وآله ربما لا يطلع على بواطن الناس، فكيف يؤمر بالقتال على مالا يطلع عليه.

وأما أهل الثالث، وهم قدماء المعتزلة، القائلون بأنه جميع الطاعات فرضا ونفلا، فمن أمتن دلائلهم على ذلك قوله تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة " والمشار إليه بذلك هو جميع ما حصر بإلا وما عطف عليه، والدين هو الاسلام لقوله تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " والاسلام هو الايمان لقوله تعالى " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه " ولا ريب أن الايمان مقبول من مبتغيه للنص والاجماع، فيكون إسلاما، فيكون دينا، فيعتبر فيه الطاعات كما دلت عليه الآيات.

والجواب المنع من اتحاد الدينين في الآيتين، فلا يتكرر الوسط، ولو سلم اتحادهما فلا نسلم أن الايمان هو الاسلام، ليكون هو الدين فيعتبر فيه الطاعات لم لا يجوز أن يكون الايمان شرطا للاسلام أو جزءا منه أو بالعكس، وشرط الشئ وجزؤه يقبل مع كونه غيره، ولا يلزم من ذلك أن يكون الايمان هو الدين بل شرطه أو جزؤه، على أنا لو قطعنا النظر عن جميع ذلك فالآية الكريمة إنما تدل على أن من ابتغى وطلب غير دين الاسلام دينا له، فلن يقبل منه ذلك المطلوب، ولم تدل على أن من صدق بما أوجبه الشارع عليه، لكنه ترك فعل بعض الطاعات غير مستحل أنه طالب لغير دين الاسلام، إذ ترك الفعل يجتمع مع طلبه، لعدم المنافاة بينهما، فإن الشخص قد يكون طالبا للطاعة مريدا لها لكنه تركها إهمالا وتقصيرا ولا يخرج بذلك عن ابتغائهما.

واستدلوا أيضا بقوله تعالى: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " أي صلاتكم إلى بيت المقدس، واعترض عليه بأنه لم لا يجوز أن يكون المراد به تصديقكم بتلك الصلاة، سلمنا ذلك لكن لا دلالة لهم في الآية، وذلك لأنهم زعموا أن الايمان جميع الطاعات، والصلاة إنما هي جزؤ من الطاعات، وجزؤا الشئ لا يكون ذلك الشئ.

وأما أهل الرابع، وهم القائلون بكونه عبارة عن جميع الواجبات وترك المحظورات، دون النوافل، فقد يستدل لهم بقوله تعالى: " إنما يتقبل الله من المتقين " والتقوى لا يتحقق إلا بفعل المأمور به، وترك المنهي عنه، فلا يكون التصديق مقبولا ما لم يحصل التقوى، وبما روي أن الزاني لا يزني وهو مؤمن، وبقوله عليه السلام: لا إيمان لمن لا أمانة له، وبقوله تعالى: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " وقد لا يحكم بما أنزل الله أو يحكم بما لم

ينزل الله مصدقا، فلو تحقق الايمان بالتصديق لزم اجتماع الكفر والايمان في محل واحد، وهو محال لتقابلهما بالعدم والملكة.

والجواب عن الأول أنه يجوز أن يكون المراد - والله أعلم - الأعمال الندبية، على أنا نقول: إن ظاهر الآية الكريمة متروك، فإنها تدل ظاهرا على أن من أخلص في جميع أفعاله وكان قد سبق منه معصية واحدة لم يثب عليها ويكون جميع أعمال الطاعات اللاحقة غير مقبولة، والقول بذلك مع بعده عن حكمة الله تعالى من أفظع الفظايع، فلا يكون مرادا بل المراد - والله أعلم - أن من عمل عملا إنما يكون مقبولا إذا كان متقيا فيه، بأن يكون مخلصا فيه لله تعالى وحينئذ فلا دلالة لهم في الآية الكريمة مع أنا لو تنزلنا عن ذلك وقلنا بدلالتها على عدم قبول التصديق من دون التقوى، فلا يحصل بذلك مدعاهم الذي هو كون الايمان عبارة عن جميع الواجبات - الخ -، ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الايمان عبارة عما ذكرتم مع التصديق بالمعارف الأصولية، وعدم قبول الجزء إنما هو لعدم قبول الكل.

وأما الحديث الأول على تقدير تسليمه، فيمكن حمله على المبالغة في الزجر أو تخصيصه بمن استحل، ودليل التخصيص في أحاديث اخر أو على نفي الكمال في الايمان، وكذا الحديث الثاني وأما الاستدلال بالآية فقد تعارض بقوله تعالى:

" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " والفاسق مؤمن على المذهب الحق، وبين المنزلتين على غيره، ويمكن أن يقال الفسق لا ينافي الكفر إذ الكافر فاسق لغة، وإن كان في العرف يباينه، لكنه لم يتحقق كونه عرف الشارع، بل المعلوم كونه لأهل الشرع والأصول، فلا تعارض حينئذ.

أقول: والحق في الجواب أن المراد - والله أعلم - ومن لم يحكم بما أنزل أي بما علم قطعا أن الله سبحانه أنزله فان العدول عنه إلى غيره مستحلا أو الوقوف عنه كذلك لا ريب في كونه كفرا لأنه إنكار لما علم ثبوته ضرورة، فلا يكون

التصديق حاصلا، وحينئذ فلا دلالة فيها على أن من ارتكب معصية غير مستحل أو مستحلا مع كون تحريمها لم يعلم من الدين ضرورة، يكون كافرا، وإنما ارتكبنا هذا الاضمار في الآية لما دل عليه النص والاجماع من أن الحاكم لو أخطأ في حكمه لم يكفر، مع أنه يصدق عليه أنه لم يحكم بما أنزل الله.

واعلم أنه قد ظهر من هذا الجواب وجه آخر للجمع بين الآيتين، ورفع التعارض بين ظاهرهما، بأن يراد من إحداهما ما ذكرناه في الجواب، ومن الأخرى ومن لم يحكم غير مستحل مع علمه بالتحريم فهو فاسق، والحاصل أنه يقال لهم:

إن أردتم بالطاعات والتروك ما علم ثبوته من الدين ضرورة، فنحن نقول بموجب ذلك، لكن لا يلزم منه مدعاكم، لجواز كون الحكم بكفره إما لجحده ما علم من الدين ضرورة، فيكون قد أخل بما هو شرط الايمان، وهو عدم الجحد على ما قدمناه، أو لكون المذكورات جزء الايمان على ما ذهب إليه بعضهم، وإن أردتم الأعم فلا دلالة لكم فيها أيضا وهو ظاهر.

وأما أهل الخامس القائلون بأنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، فيستدل لهم بما استدل به أهل التصديق مع ما استدل به أهل الأعمال ومن أضاف الاقرار باللسان إلى الجنان، وقد علمت تزييف ما سوى الأول وسيجئ إنشاء الله تعالى تزييف أدلة من أضاف الاقرار، فلم يبق لمذهبهم قرار.

نعم في أحاديث أهل البيت عليهم السلام ما يشهد لهم، وقد ذكر في الكافي وغيره منها جملة فمنها ما رواه عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت مع عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله عليه السلام أسأله عن الايمان ما هو؟ إلى آخر الخبر ومنها ما رواه عن عجلان أبي صالح قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أوقفني على حدود الايمان الخبر ومنها عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن الايمان الخبر.

ثم قال قدس سره: واعلم أن هذه الأحاديث منها ما سنده غير نقي كالأول فان في سنده عبد الرحيم وهو مجهول مع كونه مكاتبة، وأما الثاني فان سنده وإن كان جيدا إلا أن دلالته غير صريحة فان كون المذكورات حدود الايمان لا يقتضي كونها نفس حقيقته إذ حد الشئ نهايته وما لا يجوز تجاوزه فان تجاوزه خرج عنه، ونحن نقول بموجب ذلك، فان من تجاوز هذه المذكورات بأن تركها جاحدا لا ريب في خروجه عن الايمان، لكن لعل ذلك لكونها شروطا للايمان لا لكونها نفسه، وأما الثالث فان دلالته وإن كانت جيدة إلا أن في سنده إرسالا مع كون العلا مشتركا بين المقبول والمجهول، وبالجملة فهذه الرواية معارضة بما هو أمتن منها دلالة وقد تقدم ذلك، فليراجع، نعم لا ريب في كونها مؤيدة لما قالوه.

وأما أهل السادس القائلون بأنه التصديق مع كلمتي الشهادة، ففيما مر من الأحاديث ما يصلح شاهدا لهم، وكذا ما ذكره الكرامية مع ما ذكره أهل التصديق يصلح شاهدا لهم، وقد عرفت ما في الأولين، فلا نعيده.

وأما السابع فإنه مذهب جماعة من المتأخرين منهم المحقق الطوسي - ره - في تجريده فإنه اعتبر في حقيقة الايمان مع التصديق الاقرار باللسان، قال: ولا يكفي الأول لقوله تعالى " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم " أثبت للكفار الاستيقان النفسي، وهو التصديق القلبي فلو كان الايمان هو التصديق القلبي فقط لزم اجتماع الكفر والايمان، وهو باطل لتقابلهما تقابل العدم والملكة، ولا الثاني يعني الاقرار باللسان لقوله تعالى " قالت الاعراب آمنا " الآية ولقوله تعالى:

" ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين " فأثبت لهم تعالى في الآيتين التصديق باللسان، ونفى عنهم الايمان.

أقول: الاستدلال على عدم الاكتفاء بالثاني مسلم موجه، وكذا على عدم الاكتفاء بالأول أما على اعتبار الاقرار ففيه بحث، فان الدليل أخص من المدعى

إذ المدعى أن الايمان لا يتحقق إلا بالتصديق مع الاقرار، وبدون ذلك يتحقق الكفر، والآية الكريمة إنما دلت على ثبوت الكفر لمن جحد أي أنكر الآيات مع علمه بحقيتها، وبينهما واسطة، فان من حصل له التصديق اليقيني في أول الأمر ، ولم يكن تلفظ بكلمات الايمان، لا يقال إنه منكر ولا جاحد وحينئذ فلا يلزم اجتماع الكفر والايمان في مثل هذه الصورة مع أنه غير مقر ولا تارك للاقرار جحدا كما هو المفروض، هذا إن قصد بالآية الدلالة على اعتبار الاقرار أيضا، و إلا لكان اعتبار الاقرار دعوى مجردة، وقد علمت ما عليه.

وأما دلالة الآية الكريمة على كفره في صورة جحده واستيقانه، فنقول بموجبه لكن ليس لعدم إقراره فقط بل لأنه ضم إنكارا إلى استيقان، وبالجملة فهو من جملة العلامات على الحكم بالكفر، كما جعل الاستخفاف بالشارع أو الشرع ووطئ المصحف علامة على الحكم بالكفر، مع أنه قد يكون مصدقا كما سبقت الإشارة إليه، نعم غاية ما يلزم أن يكون إقرار المصدق شرطا لحكمنا بايمانه ظاهرا، و أما قبل ذلك وبعد التصديق فهو مؤمن عند الله تعالى إذا لم يكن تركه للاقرار عن جحد، على أنه يلزمه قدس سره أن من حصل له التصديق بالمعارف الإلهية ثم عرض له الموت فجأة قبل الاقرار يموت كافرا ويستحق العذاب الدائم مع اعتقاده وحدة الصانع وحقية ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله ولا أظن أن مثل هذا المحقق يلتزم ذلك.

والحاصل أنه إن أراد رحمه الله أن كون الانسان مؤمنا عند الله سبحانه، كما هو ظاهر كلامه، لا يتحقق إلا بمجموع الامرين، فالواسطة والالتزام لا زمان عليه وإن أراد أن كونه مؤمنا في ظاهر الشرع لا يتحقق إلا بالامرين معا، فالنزاع لفظي فان من اكتفى فيه بالتصديق يريد به كونه مؤمنا عند الله تعالى فقط، وأما عند الناس فلابد في العلم بذلك من الاقرار ونحوه.

واعلم أنه استدل بعضهم على هذا المذهب أيضا بأنا نعلم بالضرورة أن الايمان في اللغة هو التصديق، والدلائل عليه كثيرة، فإما أن يكون في الشرع

كذلك أو يكون منقولا عن معناه في اللغة، والثاني باطل لان أكثر الألفاظ تكرارا في القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وآله لفظ الايمان، فلو كان منقولا عن معناه اللغوي لوجب أن يكون حاله كحال سائر العبادات الظاهرة في وجوب العلم به، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه باق على وضع اللغة.

إذا ثبت هذه فنقول: ذلك التصديق إما أن يكون هو التصديق القلبي أو اللساني، أو مجموعهما، والأول باطل لقوله تعالى " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به " فأثبت لهم المعرفة مع أنه حكم بكفرهم، ولو كان مجرد المعرفة إيمانا لما صح ذلك، وأيضا قوله تعالى " فلما جائتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا " ولا يصح أن يكون جحدهم لها بقلوبهم حيث أثبت لهم الاستيقان بها، فلابد أن يكون بألسنتهم حيث لم يقروا بها وإذا كان الجحد باللسان موجبا للكفر كان الاقرار به مع التصديق القلبي موجبا للايمان، فيكون الاقرار من محققات الايمان، وأيضا قوله تعالى حكاية عن موسى على نبينا وآله وعليه السلام إذ يقول لفرعون " لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض " فأثبت كونه عالما بأن الله تعالى هو الذي أنزل الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام فلو كان مجرد العلم هو الايمان لكان فرعون مؤمنا وهو باطل بنص القرآن العزيز، وإجماع الأنبياء عليهم السلام من لدن موسى عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وأيضا قوله تعالى " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ومعنى ذلك والله أعلم أنهم يجحدون ذلك بألسنتهم ولا يكذبونك بقلوبهم أي يعلمون نبوتك، ولا يستقيم أن يكون المعنى لا يكذبونك بألسنتهم لمنافاة يجحدون

بألسنتهم له، فيلزم أن يكونوا كذبوا بألسنتهم ولم يكذبوا بها، وبطلانه ظاهر فيجب تنزيه القرآن العزيز عنه.

ولك أن تقول: لم لا يجوز أن يكون المعنى لا يكذبونك بألسنتهم ولكن يجحدون نبوتك بقلوبهم كما أخبر الله تعالى عن المنافقين في سورتهم حيث قالوا:

" نشهد إنك لرسول الله " وكذبهم الله تعالى حيث شهد سبحانه وتعالى بكذبهم فقال " والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " والمراد في شهادتهم أي فيما تضمنته من أنها عن صميم القلب وخلوص الاعتقاد كما ذكره جماعة من المفسرين حيث لم توافق عقيدتهم فقد علم من ذلك أنهم لم يكذبوه بألسنتهم، بل شهدوا له بها ولكنهم جحدوا ذلك بقلوبهم حيث كذبهم الله تعالى في شهادتهم. والجواب، التكذيب لهم ورد على نفس شهادتهم التي هي باللسان، لا على نفس عقيدتهم، وبالجملة فهذا لا يصلح نظيرا لما نحن فيه، على أن معنى الجحد كما قرروه هو الانكار باللسان، مع تصديق القلب، وما ذكر من الاحتمال عكس هذا المعنى.

ثم قال: والثاني باطل أما أولا فبالاتفاق من الامامية وأما ثانيا فلقوله تعالى: " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " ولا شك أنهم كانوا صدقوا بألسنتهم، وحيث لم يكن كافيا نفى الله تعالى عنهم الايمان مع تحصله وقوله تعالى " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين " فأثبت لهم الاقرار والتصديق باللسان ونفى إيمانهم فثبت بذلك أن الايمان هو التصديق مع الاقرار.

ثم قال: لا يقال: لو كان الاقرار باللسان جزء الايمان للزم كفر الساكت لأنا نقول لو كان الايمان هو العلم أي التصديق لكان النائم غير مؤمن، لكن لما كان النوم لا يخرجه عن كونه مؤمنا بالاجماع مع كونه أولى بأن يخرج النائم عن

الايمان، لأنه لا يبقى معه معنى من الايمان بخلاف الساكت فإنه قد بقي معه معنى منه، وهو العلم، لم يكن السكوت مخرجا بطريق أولى، نعم لو كان الخروج عن التصديق والاقرار أو عن أحدهما على جهة الانكار والجحد لخرج بذلك عن الايمان ولذلك قلنا إن الايمان هو التصديق بالقلب، والاقرار باللسان أو ما في حكمهما انتهى محصل ما ذكره.

أقول: قوله: إن النائم ينتفي عنه العلم أي التصديق غير مسلم، وإنما المنفي شعوره بذلك العلم، وهو غير العلم، فالتصديق حينئذ باق لكونه من الكيفيات النفسية فلا يزيله النوم وحينئذ فلا يلزم من عدم الحكم بانتفاء الايمان عن النائم عدم الحكم بانتفائه عن الساكت بطريق أولى، نعم الحكم بعدم انتفائه عن الساكت على مذهب من جعل الاقرار جزءا إما للزوم الحرج العظيم بدوام الاقرار في كل وقت، أو أن يكون المراد من كون الاقرار جزءا للايمان الاقرار في الجملة، أو في وقت ما مع البقاء عليه، فلا ينافيه السكوت المجرد، وإنما ينافيه مع الجحد لعدم بقاء الاقرار حينئذ.

وأقول: الذي ذكره من الدليل على عدم النقل لا يدل وحده على كون الاقرار جزءا، وهو ظاهر، بل قصد به الدلالة على بطلان ما عدا مذهب أهل التصديق.

ثم استدل على بطلان مذهب التصديق بما ذكره من الآيات الدالة على اعتبار الاقرار في الايمان، فيكون الايمان الشرعي تخصيصا للغوي كما هو عند أهل التصديق، وهذا جيد لكن دلالة الآيات على اعتبار الاقرار ممنوعة، وقد بينا ذلك سابقا أن تكفيرهم إنما كان لجحدهم الاقرار، وهو أخص من عدم الاقرار، فتكفيرهم بالجحد لا يستلزم تكفيرهم بمطلق عدم الاقرار، ليكون الاقرار معتبرا، نعم اللازم من الآيات اعتبار عدم الجحد مع التصديق، وهو أعم من الاقرار، واعتبار الأعم لا يستلزم اعتبار الأخص وهو ظاهر.

وهذا جواب عن استدلاله بجميع الآيات، ونزيد في الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى في الحكاية عن موسى عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام:

" لقد علمت ما أنزل هؤلاء " الآية أنه يجوز أن يكون نسب إلى فرعون العلم على طريق الملاطفة والملاءمة، حيث كان مأمورا عليه السلام بذلك بقوله " فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " وهذا شائع في الاستعمال كما يقال في المحاورات كثيرا " وأنت خبير بأنه كذا وكذا " مع أن المخاطب بذلك قد لا يكون عارفا بذلك المعنى أصلا، بل قد لا يكون هناك مخاطب أصلا كما يقع في المؤلفات كثيرا، وعلى هذا فلا تدل الآية على ثبوت العلم لفرعون، ولو سلم ثبوته كان الحكم بكفره للجحد، لا لعدم الاقرار مطلقا كما سبق بيانه.

واعلم أن المحقق الطوسي قدس سره اختار في فصوله الاكتفاء بالتصديق القلبي في تحقق الايمان، فكأنه رحمه الله لحظ ما ذكرناه، وقد استدل له بعض الشارحين بقوله تعالى " أولئك كتب في قلوبهم الايمان " وبقوله تعالى " ولما يدخل الايمان في قلوبكم " فيكون حقيقة فيه، فلو اطلق على غيره لزم الاشتراك أو المجاز، وهما خلاف الأصل، والاقرار باللسان كاشف عنه، والأعمال الصالحة ثمراته.

أقول: الذي ظهر مما قررناه أن الايمان هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله وحكمته، وبالنبوة وبكل ما علم بالضرورة مجئ النبي صلى الله عليه وآله به مع الاقرار بذلك، وعلى هذا أكثر المسلمين بل ادعى بعضهم إجماعهم على ذلك، والتصديق بامامة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام وبامام الزمان وهذا عند الإمامية.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.