بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
30 - باب ان العمل جزء الايمان، وأن الايمان مبثوث
ج ۶۶، ص ۱۷–۴۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۵
آل عمران: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين.
فاطر: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه.
تفسير: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " أي صلاتكم كما سيأتي واستدل به على أن العمل جزء الايمان، وقال البيضاوي: أي ثباتكم على الايمان وقيل:
إيمانكم بالقبلة المنسوخة أو صلاتكم إليها، لما روي أنه عليه السلام لما وجه إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات يا رسول الله قبل التحويل من إخواننا؟ فنزلت " ولكن البر من آمن " أي بر من آمن، أو المراد بالبر البار، ومقابلة الايمان بالاعمال تدل على المغايرة، وآخرها حيث قال: " أولئك الذين صدقوا " أي في دعوى الايمان أو فيما التزموه وتمسكوا به، يومئ إلى الجزئية أو الاشتراط، والآيات الدالة على الطرفين كثيرة مفرقة على الأبواب وسنتكلم عليها إنشاء الله. وقوله
سبحانه " ومن كفر " يدل على دخول الأعمال في الايمان، حيث عد ترك الحج كفرا، وإن أوله بعضهم بحمله على جحد فرض الحج أو حمل الكفر على كفران النعمة، فان ترك المأمور به كفران لنعمة الامر.
" إليه يصعد الكلم الطيب " قيل: المراد به العقائد الحقة، وقيل: كلمة التوحيد وقيل: كل قول حسن، والصعود كناية عن القبول من صاحبه والإثابة عليه " والعمل الصالح يرفعه " يحتمل وجهين أحدهما إرجاع المرفوع إلى العمل، والمنصوب إلى الكلم أي العمل الصالح يوجب رفع العقائد وصحتها أو كمالها وقبولها، و ثانيهما العكس أي العقائد الحقه شرائط لصحة الأعمال، وعلى الوجه الأول يناسب الباب، وقد يقال: المرفوع راجع إلى الله والمنصوب إلى العمل 1 - كنز الكراجكي: عن أحمد بن محمد بن شاذان، عن أبيه، عن محمد بن الحسن ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن زياد، عن المفضل بن عمر، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ملعون ملعون من قال: الايمان قول بلا عمل.
2 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد ابن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قيل لأمير المؤمنين:
من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله كان مؤمنا؟ قال: فأين فرائض الله قال: وسمعته يقول: كان علي عليه السلام يقول: لو كان الايمان كلاما لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام، قال: وقلت لأبي جعفر عليه السلام: إن عندنا قوما يقولون: إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله فهو مؤمن، قال: فلم يضربون الحدود؟ ولم يقطع أيديهم؟ وما خلق الله عز وجل خلقا أكرم على الله عز وجل من مؤمن لان الملائكة خدام المؤمنين، وإن جوار الله للمؤمنين، وإن الجنة للمؤمنين وإن الحوار العين للمؤمنين، ثم قال: فما بال من جحد الفرائض كان كافرا بيان: قوله عليه السلام " فأين فرائض الله " أقول حاصله أن الايمان الذي هو سبب لرفع الدرجات، والتخلص من العقوبات في الدنيا والآخرة، ليس محض العقائد
وإلا لم يفرض الله الفرائض، ولم يتوعد على المعاصي، وأيضا ما ورد في الآيات و الاخبار من كرامة المؤمنين، ودرجاتهم ومنازلهم، ينافي إجراء الحدود عليهم، و إذلالهم وإهانتهم، فلابد من خروجهم عن الايمان حين استحقاقهم تلك العقوبات قوله " فما بال من جحد " لعل المعنى أنه لو كان الايمان محض التكلم بالشهادتين أو الاعتقاد بهما كما تزعمون، لم يكن جحد الفرائض موجبا للكفر، مع أنكم توافقوننا في ذلك، لورود الاخبار فيه، فلم لا تقولون بعدم إيمان تاركي الفرائض و مرتكبي الكبائر أيضا مع ورود الأخبار الكثيرة فيها أيضا ، وقيل: المراد بجحد الفرائض تركها عمدا من غير عذر، فإنه يؤذن بالاستخفاف والجحد.
قال الشهيد الثاني رفع الله درجته في بيان حقيقة الكفر: عرفه جماعة بأنه عدم الايمان عما من شأنه أن يكون مؤمنا، سواء كان ذلك العدم بضد أولا بضد فبالضد كأن يعتقد عدم الأصول التي بمعرفتها يتحقق الايمان، أو عدم شئ منها وبغير الضد كالخالي من الاعتقادين أي اعتقاد ما به يتحقق الايمان، واعتقاد عدمه، وذلك كالشاك أو الخالي بالكلية كالذي لم يقرع سمعه شئ من الأمور التي يتحقق الايمان بها، ويمكن إدخال الشاك في القسم الأول إذ الضد يخطر بباله، وإلا لما صار شاكا.
واعترض عليه بأن الكفر قد يتحقق مع التصديق بالأصول المعتبرة في الايمان كما إذا ألقى إنسان المصحف في القاذورات عامدا أو وطئه كذلك، أو ترك الاقرار باللسان جحدا وحينئذ فينتقض حد الايمان منعا وحد الكفر جمعا.
وأجيب تارة بأنا لا نسلم بقاء التصديق لفاعل ذلك. ولو سلمنا يجوز أن يكون الشارع جعل وقوع شئ من ذلك علامة وأمارة على تكذيب فاعل ذلك، و عدم تصديقه، فيحكم بكفره عند صدور ذلك منه، وهذا كما جعل الاقرار باللسان علامة على الحكم بالايمان، مع أنه قد يكون كافرا في نفس الامر، وتارة بأنه يجوز أن يكون الشارع حكم بكفره ظاهرا عند صدور شئ من ذلك حسما لمادة جرأة المكلفين على انتهاك حرماته، وتعدي حدوده، وإن كان التصديق في نفس
الامر حاصلا، وغاية ما يلزم من ذلك جواز الحكم بكون شخص واحد مؤمنا و كافرا، وهذا لا محذور فيه، لأنا نحكم بكفره ظاهرا وإمكان إيمانه باطنا فالموضوع مختلف فلم يتحقق اجتماع المتقابلين، ليكون محالا، ونظير ذلك ما ذكرناه من دلالة الاقرار على الايمان، فيحكم به مع جواز كونه كافرا في نفس الامر.
وأقول أيضا: إن النقض المذكور لا يرد على جامعية تعريف الكفر وذلك لأنه قد تبين أن العدم المأخوذ فيه أعم من أن يكون بالضد أو غيره، وما ذكر من موارد النقض داخل في غير الضد كما لا يخفى وحينئذ فجامعيته سالمة لصدقه على الموارد المذكورة، والناقض والمجيب غفلا عن ذلك.
ويمكن الجواب عن مانعية تعريف الايمان أيضا بأن نقول: من عرف الايمان بالتصديق المذكور، جعل عدم الاتيان بشئ من موارد النقض شرطا في اعتبار ذلك التصديق شرعا، وتحقق حقيقة الايمان، والحاصل أنا لما وجدنا الشارع حكم بايمان المصدق، وحكم بكفر من ارتكب شيئا من الأمور المذكورة مطلقا، علمنا أن ذلك التصديق إنما يعتبر في نظر الشارع إذا كان مجردا عن ارتكاب شئ من موارد النقض وأمثالها. الموجبة للكفر، فكان عدم الأمور المذكورة شرطا في حصول الايمان، ولا ريب أن المشروط عدم عند عدم شرطه، وشروط المعرف التي يتوقف عليها وجود ماهيته ملحوظة في التعريف، وإن لم يصرح بها فيه، للعلم باعتبارها عقلا لما تقرر في بداهة العقول أنه بدون العلة لا يوجب المعلول، والشرط من أجزاء العلة كما صرحوا به في بحثها، والكل لا يوجد بدون جزئه وهذا الجواب واللذان قبله، لم نجدها لغيرنا بل هي من هبات الواهب تعالى وتقدس، ولم نعدم لذلك مثلا وإن لم نكن له أهلا انتهى كلامه قدس سره.
وأقول: هذه التكلفات إنما يحتاج إليها إذا جعل الايمان نفس العقائد ولم يدخل فيها الأعمال، ومع القول بدخول الأعمال لا حاجة إليها مع أن هذا التحقيق يهدم ما أسسه سابقا إذ يجري هذه الوجوه في سائر الأعمال والتروك التي نفي كونها داخلة في الايمان، وما ذكره عليه السلام في آخر الحديث من الالتزام على
المخالفين يومي إلى هذا التحقيق فتأمل.
3 - الكافي: عن العدة، عن أحمد البرقي، ومحمد بن يحيى، عن ابن عيسى جميعا عن محمد البرقي، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن عبد الله بن الحسن عن الحسن بن هارون قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا " قال يسأل السمع عما سمع، والبصر عما نظر إليه والفؤاد عما عقد عليه.
4 - الكافي: عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان أو غيره، عن العلا، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الايمان فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، والاقرار بما جاء من عند الله، وما استقر في القلوب من التصديق بذلك، قال: قلت: الشهادة أليست عملا؟ قال بلى، قلت: العمل من الايمان؟ قال: نعم الايمان لا يكون إلا بعمل، والعمل منه، ولا يثبت الايمان إلا بعمل.
بيان: " شهادة أن لا إله إلا الله " أي التكلم بكلمة التوحيد، والاقرار به ظاهرا وإنما اكتفي بها عن الاقرار بالرسالة، لتلازمهما، أو هو داخل في قوله " والاقرار بما جاء من عند الله " والضمير في " جاء " راجع إلى الموصول أي الاقرار بكل ما أرسله الله من نبي أو كتاب أو حكم، ما علم تفصيلا، وما لم يعلم إجمالا، وكل ذلك الاقرار الظاهري، وقوله " ما استقر في القلوب " الاقرار القلبي بجميع ذلك وهذا أحد معاني الايمان كما ستعرف. ولا يدخل فيه أعمال الجوارح، سوى الاقرار الظاهري بما صدق به قلبا.
ولما كان عند السائل أن الايمان محض العلوم والعقائد، ولا يدخل فيه الأعمال، استبعد كون الشهادة التي هي من عمل الجوارح من الايمان، فأجاب عليه السلام بأن العمل جزء الايمان " ولا يثبت الايمان " أي لا يتحقق واقعا أو لا يثبت
الايمان عند الناس، إلا بالاقرار والشهادة التي هي عمل الجوارح، أو لا يستقر الايمان إلا بأعمال الجوارح، فان التصديق الذي لم يكن معه عمل يزول ولا يبقى.
5 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الايمان، فقال، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال: قلت: أليس هذا عمل؟ قال: بلى، قلت: فالعمل من الايمان قال: لا يثبت له الايمان إلا بالعمل، والعمل منه.
بيان: " أليس هذا عمل " كذا في النسخ بالرفع، ولعله من النساخ ويمكن أن يقدر فيه ضمير الشأن أو يكون مبنيا على لغة بني تميم، حيث ذهبوا إلى أن " ليس " إذا انتقض نفيه يحمل على ما في الاهمال، والنفي هنا منتقض بالاستفهام الانكاري قوله عليه السلام " لا يثبت له الايمان " الضمير راجع إلى المؤمن المدلول عليه بالايمان.
6 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أيها العالم أخبرني أي الأعمال أفضل عند الله؟ قال: مالا يقبل الله شيئا إلا به، قلت: وما هو؟ قال: الايمان بالله الذي لا إله إلا هو أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظا، قال:
قلت: ألا تخبرني عن الايمان؟ أقول هو وعمل أم قول بلا عمل؟ فقال: الايمان عمل كله، والقول بعض ذلك العمل بفرض من الله بين في كتابه، واضح نوره ثابتة حجته، يشهد له به الكتاب، ويدعوه إليه، قال: قلت: صفه لي جعلت فداك حتى أفهمه قال: الايمان حالات، ودرجات، وطبقات، ومنازل: فمنه التام المنتهى تمامه، ومنه الناقص البين نقصانه، ومنه الراجح الزائد رجحانه.
قلت: إن الايمان ليتم وينقص ويزيد؟ قال: نعم، قلت: كيف ذلك؟ قال:
لان الله تبارك وتعالى فرض الايمان على جوارح ابن آدم، وقسمه عليها، وفرقه
فيها، فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الايمان بغير ما وكلت به أختها فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره، ومنها عيناه اللتان يبصر بهما، وأذناه اللتان يسمع بهما، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباه من قبله، و لسانه الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه، فليس من هذه جارحة إلا وقد وكلت من الايمان بغير ما وكلت به أختها بفرض من الله تبارك وتعالى اسمه، ينطق به الكتاب لها، ويشهد به عليها.
ففرض على القلب غير ما فرض على السمع، وفرض على السمع غير ما فرض على العينين، وفرض على العينين غير ما فرض على اللسان، وفرض على اللسان غير ما فرض على اليدين وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه.
فأما ما فرض على القلب من الايمان فالاقرار والمعرفة والعقد والرضا و التسليم بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، و أن محمدا عبده ورسوله صلوات الله عليه وآله، والاقرار بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب، فذلك ما فرض الله على القلب من الاقرار والمعرفة وهو عمله وهو قول الله عز وجل " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا " وقال " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " وقال " الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " وقال " إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " فذلك ما فرض الله عز وجل على القلب من الاقرار والمعرفة وهو عمله وهو رأس الايمان.
وفرض الله تعالى على اللسان القول والتعبير عن القلب بما عقد عليه وأقر به قال الله تبارك وتعالى اسمه " وقولوا للناس حسنا " وقال " قولوا آمنا بالله وما انزل إلينا وما انزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون " فهذا ما فرض الله تعالى على اللسان وهو عمله.
وفرض على السمع أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرم الله، وأن يعرض عما لا يحل له مما نهى الله عز وجل عنه، والاصغاء إلى ما أسخط الله عز وجل فقال في ذلك " وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزئ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره " ثم استثنى الله عز وجل موضع النسيان فقال: " وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " وقال " فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب " وقال عز وجل " قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون " وقال " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم " و قال " وإذا مروا باللغو مروا كراما " فهذا ما فرض الله على السمع من الايمان أن لا يصغي إلى مالا يحل له وهو عمله، وهو من الايمان.
وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرم الله عليه، وأن يعرض عما نهى الله عنه مما لا يحل له وهو عمله، وهو من الايمان، فقال الله تبارك وتعالى " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم " فنهاهم من أن ينظروا إلى
عوراتهم، وأن ينظر المرء إلى فرج أخيه، ويحفظ فرجه من أن ينظر إليه، وقال " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن " من أن ينظر إحداهن إلى فرج أختها، وتحفظ فرجها من أن ينظر إليها، وقال: كل شئ في القرآن من حفظ الفرج، فهو من الزنا إلا هذه الآية فإنها من النظر.
ثم نظم ما فرض على القلب واللسان والسمع والبصر في آية أخرى فقال:
" وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم يعني بالجلود الفروج والأفخاذ، وقال " ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا " فهذا ما فرض الله على العينين من غض البصر عما حرم الله وهو عملهما، وهو من الايمان.
وفرض الله على اليدين أن لا يبطش بهما إلى ما حرم الله وأن يبطش بهما إلى ما أمر الله عز وجل، وفرض عليهما من الصدقة وصلة الرحم والجهاد في سبيل الله والطهور للصلوات فقال: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين " وقال " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فاما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها " فهذا ما فرض الله على اليدين
لان الضرب من علاجهما.
وفرض على الرجلين أن لا يمشي بهما إلى شئ من معاصي الله، وفرض عليهما المشي إلى ما يرضي الله عز وجل فقال: " ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا " وقال " واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير " وقال فيما شهدت الأيدي والأرجل على أنفسهما وعلى أربابهما من تضييعهما لما أمر الله عز وجل به وفرضه عليهما " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " فهذا أيضا مما فرض الله على اليدين وعلى الرجلين، وهو عملهما، وهو من الايمان.
وفرض على الوجه السجود له بالليل والنهار في مواقيت الصلاة فقال " يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون " فهذه فريضة جامعة على الوجه واليدين والرجلين، وقال في موضع آخر " وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ".
وقال فيما فرض على الجوارح من الطهور والصلاة بها، وذلك أن الله عز وجل لما صرف نبيه صلى الله عليه وآله إلى الكعبة عن البيت المقدس فأنزل الله عز وجل " وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم " فسمى الصلاة إيمانا، فمن لقي الله عز وجل حافظا لجوارحه، موفيا كل جارحة من جوارحه ما فرض الله عز وجل عليها لقي الله تعالى مستكملا لايمانه، وهو من أهل الجنة. ومن خان في شئ منها، أو تعدى ما أمر الله عز وجل فيها، لقي الله عز وجل ناقص الايمان.
قلت: قد فهمت نقصان الايمان وتمامه فمن أين جاءت زيادته، فقال: قول الله عز وجل " وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم
رجسا إلى رجسهم وقال " نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى " ولو كان كله واحدا لا زيادة فيه ولا نقصان، لم يكن لاحد منهم فضل على الاخر. ولاستوت النعم فيه، ولاستوى الناس. وبطل التفضيل ولكن بتمام الايمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الايمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله وبالنقصان دخل المفرطون النار.
قال: قلت له: إن للايمان درجات ومنازل، ويتفاضل المؤمنون فيها عند الله؟
قال: نعم، قلت: صفه لي رحمك الله حتى أفهمه، قال: إن الله سبق بين المؤمنين كما يسبق بين الخيل يوم الرهان، ثم فضلهم على درجاتهم في السبق إليه، فجعل كل امرء منهم على درجة سبقه، لا ينقصه فيها من حقه، ولا يتقدم مسبوق سابقا ولا مفضول فاضلا، تفاضل بذلك أوائل هذه الأمة وأواخرها، ولو لم يكن للسابق إلى الايمان فضل على المسبوق، إذن للحق آخر هذه الأمة أولها، نعم ولتقدموهم إذا لم يكن لمن سبق إلى الايمان الفضل على من أبطأ عنه، ولكن بدرجات الايمان قدم الله السابقين، وبالابطاء عن الايمان أخر الله المقصرين لأنا نجد من المؤمنين من الآخرين من هو أكثر عملا من الأولين، وأكثرهم صلاة وصوما وحجا وزكاة وجهادا وإنفاقا، ولو لم يكن سوابق يفضل بها المؤمنون بعضهم بعضا عند الله، لكان الآخرون بكثرة العمل مقدمين على الأولين ولكن أبى الله عز وجل أن يدرك آخر درجات الايمان أولها ويقدم فيها من أخر الله، أو يؤخر فيها من قدم الله. قلت:
أخبرني عما ندب الله عز وجل المؤمنين إليه إلى الاستباق فقال: قول الله عز وجل " سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله " وقال: " السابقون السابقون أولئك المقربون " وقال " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان رضي
الله عنهم ورضوا عنه " فبدأ بالمهاجرين الأولين على درجة سبقهم، ثم ثنى بالأنصار، ثم ثلث بالتابعين لهم باحسان، فوضع كل قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده.
ثم ذكر ما فضل الله عز وجل به أولياءه بعضهم على بعض، فقال عز وجل: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات " إلى آخر الآية، وقال: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض " وقال " انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا " وقال " هم درجات عند الله " وقال " ويؤت كل ذي فضل فضله " وقال " الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله " وقال " وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة " وقال " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا " وقال " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " وقال " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح " وقال " وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله " وقال " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " فهذا ذكر درجات الايمان ومنازله عند الله عز وجل تبيين: اعلم أن العياشي ذكر في التفسير أكثر أجزاء هذا الخبر متفرقا
ولما كان ما في الكافي أجمع وأصح اكتفينا به، وفي الكافي أيضا كان فرقة على بابين فجمعتهما لاتصالهما معنى، واتصال سندهما، ورواه الشيخ الجليل جعفر ابن محمد بن قولويه، عن سعد بن عبد الله باسناده، عن الصادق عليه السلام، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه فيما ذكر من أنواع آيات القرآن بأدنى تفاوت، وسيأتي مثله برواية النعماني أيضا عن أمير المؤمنين عليه السلام فهذا المضمون مستفيض مؤيد بأخبار أخر أيضا.
قوله عليه السلام " الايمان بالله " هو مبتدأ و " أعلى " خبره، ويحتمل أن يكون المراد به جميع العقائد الايمانية اكتفى بذكر أشرفها وأعظمها للزومها لسائرها مع أن كون التوحيد أشرف لا ينافي وجوب البقية، واشتراطه بها والسنا الضوء وبالمد الرفعة، والحظ النصيب والمراد بالقول التصديق القلبي أو هو مع الاقرار اللساني بالعقائد الايمانية وقيل: هو الذي يعبر عنه بالكلام النفسي، وقد يستدل بقوله: " عمل كله " على أن التصديق المكلف به ليس محض العلم إذ هو من قبيل الانفعال بل هو فعل قلبي.
قال شارح المقاصد: والمذهب أنه غير العلم والمعرفة، لان من الكفار من كان يعرف الحق ولا يصدق به عنادا واستكبارا قال الله تعالى: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون " وقال: " وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون " وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام لفرعون: " ولقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض " فاحتيج إلى الفرق بين العلم بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وهو معرفته، وبين التصديق، ليصح كون الأول حاصلا للمعاندين دون الثاني، وكون الثاني إيمانا دون الأول، فاقتصر بعضهم على أن ضد التصديق هو الانكار والتكذيب، وضد المعرفة النكارة والجهالة، وإليه أشار الغزالي حيث فسر التصديق بالتسليم، فإنه لا يكون مع الانكار والاستكبار، بخلاف
العلم والمعرفة.
وفصل بعضهم زيادة التفصيل، وقال: التصديق عبارة عن ربط القلب بما علم من إخبار المخبر، وهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق، ولهذا يؤجر ويثاب عليه بل يجعل رأس العبادات، بخلاف المعرفة، فإنها ربما تحصل بلا كسب كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر، وحققه بعض المتأخرين زيادة تحقيق فقال: المعتبر في الايمان هو التصديق الاختياري، ومعناه نسبة التصديق إلى المتكلم اختيارا وبهذا القيد يمتاز عن التصديق المنطقي المقابل للتصور فإنه قد يخلو عن الاختيار، كما إذا ادعى النبي النبوة وأظهر المعجزة فوقع في القلب صدقه ضرورة، من غير أن ينسب إليه اختيارا، فإنه لا يقال في اللغة أنه صدقه فلا يكون إيمانا شرعيا، كيف؟ والتصديق مأمور به، فيكون فعلا اختياريا زائدا على العلم، لكونه كيفية نفسانية أو انفعالا وهو حصول المعنى في القلب، والفعل القلبي ليس كذلك، بل هو إيقاع النسبة اختيارا الذي هو كلام النفس ويسمى عقد القلب، فالسوفسطائي عالم بوجود النهار، وكذا بعض الكفار بنبوة النبي صلى الله عليه وآله لكنهم ليسوا بمصدقين لأنهم لا يحكمون اختيارا بل ينكرون.
وكلام هذا القائل، متردد يميل تارة إلى أن التصديق المعتبر في الايمان نوع من التصديق المنطقي، لكونه مقيدا بالاختيار، وكون التصديق العلمي أعم لا فرق بينهما إلا بلزوم الاختيار وعدمه، وتارة إلى أنه ليس من جنس العلم أصلا لكونه فعلا اختياريا وكون العلم كيفية أو انفعالا وعلى هذا الأخير أصر بعض المعتنبن بتحقيق الايمان، وجزم بأن التسليم الذي فسر به الغزالي التصديق ليس من جنس العلم، بل أمر وراءه معناه " كردن دادن، وكرويدن، وحق دانستن مر آنرا كه حق دانسته باشى ".
ويؤيده ما ذكره إمام الحرمين أن التصديق على التحقيق كلام النفس لكن لا يثبت كلام النفس إلا مع العلم، ونحن نقول: لا شك أن التصديق المعتبر في الايمان هو ما يعبر عنه في الفارسية " بگرويدن، وباور كردن، وراست گوى دانستن " إذا
أضيف إلى الحاكم " وراست دانستن، وحق دانستن " إذا أضيف إلى الحكم، ولا يكفي مجرد العلم والمعرفة الخالي عن هذا المعنى، ثم أطال الكلام في ذلك وآل تحقيقه إلى أنه ليس شئ وراء العلم والمعرفة.
وقال المحقق الدواني في شرح العقائد: اعلم أنه لو فسر التصديق المعتبر في الايمان بما هو أحد قسمي العلم، فلابد من اعتبار قيد أخن ليخرج الكفر العنادي وقد عبر عنه بعض المتأخرين بالتسليم والانقياد، وجعله ركنا من الايمان و الأقرب أن يفسر التصديق بالتسليم الباطني والانقياد القلبي، ويقرب منه ما قيل:
إن التصديق أن تنسب باختيارك الصدق إلى أحد وهو يحوم حول ذلك وإن لم يصب المنحر انتهى.
وأقول: الحق أن إثبات معنى آخر غير العلم والمعرفة مشكل، وكون بعض أفراده حاصلا بغير اختيار لا ينافي التكليف به لمن لم يحصل له ذلك، وترتب الثواب على ما حصل بغير الاختيار إما تفضل أو هو على الثبات عليه وإظهاره و العمل بمقتضاه، والكلام النفسي الذي ذكروه ليس وراء التصور والتصديق شيئا نعم المعنى الذي نفهمه ههنا زائدا على العلم هو العزم على إظهار ما اعتقده، أو على عدم إنكاره ظاهرا بغير ضرورة تدعو إليه ويمكن عده من لوازم الايمان أو شرائطه كما يومئ إليه بعض الآيات والاخبار، والعلم لو سلم أنه من قبيل الانفعال فعده عملا على سبيل التوسع باعتبار أسبابه ومباديه.
قوله عليه السلام " بفرض " الباء للسببية، وضميرا " نوره وحجته " راجعان إلى الفرض، وكذا ضميرا " به وإليه " راجعان إليه، وضمير " له " إلى العامل وقيل:
إلى كونه عملا، وقيل إلى الله والأول أظهر، ومن أرجع ضمير به إلى الفرض وضمير له إلى كونه عملا لو عكس كان أنسب، وضمير يدعوه المستتر راجع إلى الكتاب، والبارز إلى العامل، وقيل: الظاهر أن " يشهد ويدعوه " حال عن فرض، و أن ضمير " له وإليه " راجع إلى الله، وضمير به والبارز في يدعوه للفرض والمراد بدعاء الكتاب ذلك الفرض إليه سبحانه نسبته إليه وبيانه أنه منه، ويحتمل أن يكون
حالا عن الايمان، وأن يكون ضمير له ويدعوه راجعا إليه وضمير به وإليه للعمل أي يشهد الكتاب للايمان بأنه عمل، ويدعو الكتاب الايمان إلى أنه عمل انتهى ولا يخفى بعدهما وفي تفسير العياشي: يشهد له بها الكتاب ويدعو إليه، فضمير بها راجع إلى الحجة وقوله " واضح " و " ثابتة " نعتان للفرض.
" للايمان حالات " كأنه إشارة إلى الحالات الثلاث الآتية أي التام والناقص والراجح، والدرجات مراتب الرجحان فإنها كثيرة بحسب الكمية والكيفية والطبقات مراتب النقصان، والمنازل ما يلزم تلك الدرجات والطبقات من القرب إليه سبحانه والبعد عنه، والمثوبات والعقوبات المترتبة عليها.
وقيل: إشارة إلى أن للايمان مراتب متكثرة، وهي حالات الانسان باعتبار قيامها به، ودرجات باعتبار ترقيه من بعضها إلى بعض، وطبقات باعتبار تفاوت مراتبها في نفسها وكون بعضها فوق بعض، ومنازل باعتبار أن الانسان ينزل فيها ويأوي إليها.
" فمنه التام " وهو إيمان الأنبياء والأوصياء عليهم السلام لاشتماله على جميع أجزاء الايمان من فعل الفرائض وترك الكبائر وإن تفاوتت بانضمام سائر المكملات من المستحبات وترك المكروهات زيادة ونقصانا أو المراد بالتام المنتهى تمامه درجة النبي صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام " ومنه الناقص البين نقصانة " وهو أقل مراتب الايمان الذي بعده الكفر، ومنه الراجح، وفيه أفراد غير متناهية باعتبار التفاوت في الكمية والكيفية.
ثم إنه يحتمل الكلام وجهين: أحدهما أن يكون الايمان المشتمل على فعل الفرائض وترك الكبائر حاصلا في الجميع لعدم صدق الايمان بدون ذلك، ويكون الدرجات والمنازل باعتبار تلك الأعمال ونقصها، وانضمام فعل سائر الواجبات وترك سائر المحرمات، وفعل المندوبات وترك المكروهات بل المباحات، والاتصاف بالأخلاق السنية والملكات العلية، وثانيهما أن يكون القدر المشترك حصول
الايمان في الجملة، والكامل ما يكون مشتملا على جميع الأجزاء وهو الايمان حقيقة والناقص التام ما لم يكن فيه سوى العقائد الحقة، والدرجات المتوسطة تختلف باعتبار كثرة أجزاء الايمان وقلتها، فالمؤمن حقيقة هو الفرد الأول و إطلاقه على البواقي على التوسع لانتفاء الكل بانتفاء أحد الاجزاء، ولكل منهما شواهد لفظا ومعنى، فتأمل، فلما عسر فهمه على السائل لألفته بمصطلحات المتكلمين أعاد السؤال لمزيد التوضيح.
قوله عليه السلام " به يعقل ويفقه ويفهم " قيل: العقل العلم بالقضايا الضرورية، و الفقه ترتيبها لانتاج القضايا النظرية، والفهم العلم بالنتيجة أقول: ويحتمل أن يكون العقل معرفة الأصول العقلية، والفقه العلم بالأحكام الشرعية، والفهم معرفة سائر الأمور المتعلقة بالمعاش وغيره، والمراد بالقلب النفس الناطقة سميت به لتعلقها أولا بالروح الحيواني المنبعث منه، أو القلب الصنوبري من حيث تعلق النفس به، وقيل: محل الادراك هذا الشكل الصنوبري عملا بظواهر الآيات والاخبار، وسيأتي تحقيقه في محله إنشاء الله.
قال الراغب في المفردات: قال بعض الحكماء حيث ما ذكر الله القلب فإشارة إلى العقل والعلم، نحو " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " وحيث ما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك وإلى سائر القوى من الشهوة والهوى والغضب و نحوها، وقوله " رب اشرح لي صدري " فسؤال لاصلاح قواه، وكذا قوله " ويشف صدور قوم مؤمنين " إشارة إلى إشفائهم، وقوله " ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " أي العقول التي هي مندرجة بين سائر القوى وليست بمهتدية والله أعلم بذلك وقال قلب الانسان قيل سمي به لكثرة تقلبه، ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة وسائر ذلك فقوله
" وبلغت القلوب الحناجر " أي الأرواح " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " أي علم وفهم، وكذلك " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه " وقوله " وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون " وقوله " ولتطمئن به قلوبكم " أي تثبت به شجاعتكم ويزول خوفكم، وعلى عكسه " وقذف في قلوبهم الرعب " وقوله " هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين " وقوله " وقلوبهم شتى " أي متفرقة، وقوله " ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " قيل: العقل، وقيل الروح فأما العقل فلا يصح عليه ذلك ومجازه مجاز قوله " تجري من تحتها الأنهار " والأنهار لا تجري وإنما يجري الماء الذي فيه انتهى.
والورود: حضور الماء للشرب والصدر والصدور: الانصراف عنه، وهذا مثل في أنها لا تفعل شيئا إلا بأمره كما يقال في الفارسية لا يشرب الماء إلا بأمره وإذنه، والبطش: تناول الشئ بصولة وقوة، والباه في بعض النسخ بدون الهمزة وفي بعضها بها، قال الجوهري: الباه مثل الجاه لغة في الباءة، وهو الجماع " ينطق به " الجملة نعت للفرض، وضمير " به " في الموضعين للفرض، وضميرا " لها وعليها " للجارحة، واللام للانتفاع، وعلى للاضرار وإرجاع ضمير " به " إلى الايمان كما قيل يقتضي خلو الجملة عن العائد وإرجاع ضمير لها هنا إلى الجارحة يؤيد إرجاع ضمير له سابقا إلى العامل.
قوله " فالاقرار " أي الاقرار القلبي لان الكلام في فعل القلب، وإن احتمل أن يكون المراد الاقرار اللساني لأنه إخبار عن القلب، لكن ذكره بعد ذلك في عمل اللسان ربما يأبى عن ذلك، وإن احتمل توجيهه، والمعطوفات عليه على
الأول عطف تفسير له وكأنها إشارة إلى مراتب اليقين والايمان القلبي، فان أقل مراتبه الاذعان القلبي، ولو عن تقليد أو دليل خطابي، والمعرفة ما كان عن برهان قطعي، والعقد هو العزم على الاقرار اللساني، وما يتبعه ويلزمه عن العمل بالأركان والرضا هو عدم إنكار قضاء الله وأوامره ونواهيه، وأن لا يثقل عليه شئ من ذلك لمخالفته لهوى نفسه، والتسليم هو الانقياد التام للرسول فيما يأتي به لا سيما ما ذكر في أمر أوصيائه وما يحكم به بينهم كما قال تعالى: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ".
فظهر أن الاقرار بالولاية أيضا داخل في ذلك بل جميع ما جاء به النبي وقوله " بأن لا إله " متعلق بالاقرار، لان ما ذكر بعده تفسير ومكمل له، والصاحبة الزوجة، والاقرار عطف على الاقرار، والمراد الاقرار بسائر أنبياء الله وكتبه.
والمستتر في جاء راجع إلى الموصول، وما قيل: إن قوله " بأن لا إله إلا الله " الخ متعلق بالاقرار والمعرفة والعقد، وقوله " والاقرار بما جاء من عند الله " معطوف على أن لا إله، فيكون الأولان بيانا للأخيرين، والأخير بيانا للأول فلا يخفى ما فيه من أنواع الفساد.
وقال المحدث الاسترآبادي - ره -: المعرفة جاء في كلامهم لمعان أحدها التصور مطلقا، وهو المراد من قولهم على الله التعريف والبيان أي ذكر المدعى والتنبيه عليها إذ لا يجب خلق الاذعان كما يفهم من باب الشك وغير ذلك من الأبواب وثانيها الاذعان القلبي وهو المراد من قولهم أقروا بالشهادتين ولم يدخل معرفة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله في قلوبهم، وثالثها عقد القضية الاجمالية مثل، نعم وبلى وهذا العقد ليس من باب التصور ولا من باب التصديق، ورابعها العلم الشامل للتصور والتصديق، وهو المراد من قولهم العلم والجهل من صنع الله في القلوب انتهى وفيه ما فيه.
والآية الأولى من سورة النحل " من كفر بالله من بعد إيمانه " قيل بدل من الذين لا يؤمنون، وما بينهما اعتراض، أو من أولئك أو من الكاذبون، أو مبتدأ خبره محذوف دل عليه قوله " فعليهم غضب " ويجوز أن ينتصب بالذم وأن تكون من شرطية محذوفة الجواب " إلا من أكره " على الافتراء أو كلمة الكفر، استثناء متصل لان الكفر لغة يعم القول والعقد كالايمان كذا ذكره البيضاوي والظاهر أنه منقطع " وقلبه مطمئن بالايمان " لم يتغير عقيدته " ولكن من شرح بالكفر صدرا " أي اعتقده وطاب به نفسا " فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم " وقد ورد في أخبار كثيرة من طرق الخاصة والعامة أنها نزلت في عمار بن ياسر حيث أكرهه وأبويه ياسرا وسمية كفار مكة على الارتداد، فأبى أبواه فقتلوهما ، وهما أول قتيلين في الاسلام وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها، فقيل: يا رسول الله إن عمارا كفر، فقال: كلا إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الايمان بلجمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكي فجعل النبي صلى الله عليه وآله يمسح عينيه، وقال: مالك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت، وعن الصادق عليه السلام: فأنزل الله فيه " إلا من أكره " الآية فقال له النبي صلى الله عليه وآله عندها: يا عمار إن عادوا فعد، فقد أنزل الله عذرك، وأمرك أن تعود إن عادوا، وبالجملة الآية تدل على أن بعض أجزاء الايمان متعلق بالقلب، وإن استدل القوم بها على أن الايمان ليس إلا التصديق القلبي والآية الثانية " الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله " قيل أي انسابه واعتمادا عليه، ورجاء منه، أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته، أو بذكر دلائله الدالة على وجوده ووحدانيته أو بكلامه يعني القرآن الذي هو أقوى المعجزات " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " أي تسكن إليه، وقال في المجمع: معناه الذين اعترفوا بتوحيد الله على جميع صفاته وبنبوة نبيه وقبول ما جاء به من عند الله، وتسكن قلوبهم بذكر الله، وتأنس إليه، والذكر حضور المعنى للنفس، وقد يسمى العلم ذكرا، والقول الذي فيه المعنى الحاضر للنفس أيضا
يسمى ذكرا " ألا بذكر الله " الخ هذا حث للعباد على تسكين القلب إلى ما وعد الله به من النعيم والثواب انتهى وكأن استدلاله عليه السلام بالآية مبني على أن المراد بذكر الله العقائد الايمانية، والدلائل المفضية إليها إذ بها تطمئن القلب من الشك والاضطراب ويؤيده قوله في الآية السابقة " وقلبه مطمئن بالايمان ".
قوله " الذين آمنوا بأفواههم " كأنه نقل لمضمون الآية إن لم يكن من النساخ أو الرواة، وفي المائدة هكذا: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " وفي رواية النعماني " الذين قالوا آمنا بأفواههم " وهو أظهر.
قوله سبحانه " إن تبدوا ما في أنفسكم " قال الطبرسي رحمه الله: أي تظهروها وتعلنوها من الطاعة والمعصية، أو العقائد " أو تخفوه " أي تكتموه " يحاسبكم به الله " أي يعلم الله ذلك فيجازيكم عليه، وقيل: معناه إن تظهروا الشهادة أو تكتموها وأن الله يعلم ذلك ويجازيكم به عن ابن عباس وجماعة، وقيل: إنها عامة في الاحكام التي تقدم ذكرها في السورة، خوفهم الله تعالى من العمل بخلافها.
وقال قوم: إن هذه الآية منسوخة بقوله " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " ورووا في ذلك خبرا ضعيفا، وهذا لا يصح لان تكليف ما ليس في الوسع غير جائز، فكيف ينسخ وإنما المراد بالآية ما يتناوله الأمر والنهي من الاعتقادات والإرادات وغير ذلك مما هو مستور عنا، وأما مالا يدخل في التكليف من الوساوس والهواجس مما لا يمكن التحفظ عنه من الخواطر فخارج عنه لدلالة العقل، و لقوله عليه السلام " يعفى لهذه الأمة عن نسيانها وما حدثت به أنفسها " وعلى هذا يجوز أن تكون الآية الثانية بينت الأولى وأزالت توهم من صرف ذلك إلى غير وجه المراد، وظن أن ما يخطر بالبال أو تتحدث به النفس مما لا يتعلق بالتكليف، فان الله يؤاخذ به، والامر بخلاف ذلك " فيغفر لمن يشاء " منهم رحمة وتفضلا " ويعذب من
يشاء " منهم ممن استحق العقاب عدلا " والله على كل شئ قدير " من المغفرة والعذاب عن ابن عباس.
ولفظ الآية عام في جميع الأشياء والقول فيما يخطر بالبال من المعاصي أن الله سبحانه لا يؤاخذ به وإنما يؤاخذ بما يعزم الانسان ويعقد قلبه عليه، مع إمكان التحفظ عنه، فيصير من أفعال القلب فيجازيه به كما يجازيه على أفعال الجوارح و إنما يجازيه جزاء العزم لا جزاء عين تلك المعصية، لأنه لم يباشرها وهذا بخلاف العزم على الطاعة، فان العازم على فعل الطاعة يجازى على عزمه ذلك جزاء تلك الطاعة كما جاء في الاخبار أن المنتظر للصلاة في الصلاة ما دام ينتظرها، وهذا من لطائف نعم الله على عباده انتهى.
والظاهر من الأخبار الكثيرة التي يأتي بعضها في هذا الكتاب عدم مؤاخذة هذه الأمة على الخواطر والعزم على المعاصي، فيمكن تخصيص هذه الآية بالعقائد كما هو ظاهر هذه الرواية، وإن أمكن أن تكون نية المعصية والعزم عليها معصية يغفرها الله للمؤمنين، فالمراد بقوله " لمن يشاء " المؤمنون ويؤيده ما ذكره المحقق الطوسي وغيره أن إرادة القبيح قبيحة فتأمل ويظهر من بعض الأخبار أن هذه الآية منسوخة وقد خففها الله عن هذه الأمة كما روى الديلمي في إرشاد القلوب باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام في خبر طويل في معراج النبي صلى الله عليه وآله قال: ثم عرج به حتى انتهى إلى ساق العرش وناجاه بما ذكره الله عز وجل في كتابه قال تعالى " لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " وكانت هذه الآية قد عرضت على سائر الأمم من لدن آدم إلى بعث محمد صلى الله عليه وآله فأبوا جميعا أن يقبلوها من ثقلها وقبلها محمد صلى الله عليه وآله فلما رأى الله عز وجل منه ومن أمته القبول، خفف عنه ثقلها فقال الله عز وجل " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه " ثم إن الله عز وجل تكرم على محمد وأشفق على أمته من تشديد الآية التي قبلها هو وأمته فأجاب عن نفسه وأمته
فقال " والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله " فقال الله عز وجل: لهم المغفرة والجنة إذا فعلوا ذلك، فقال النبي " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " يعني المرجع في الآخرة، فأجابه قد فعلت ذلك بتائبي أمتك قد أوجبت لهم المغفرة ثم قال الله تعالى: أما إذا قبلتها أنت وأمتك وقد كانت عرضت من قبل على الأنبياء والأمم فلم يقبلوها فحق علي أن أرفعها عن أمتك فقال الله تعالى " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت " من خير " و عليها ما اكتسبت " من شر، ألهم الله عز وجل نبيه أن قال " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " فقال الله سبحانه: أعطيتك لكرامتك إلى آخر الخبر.
وأما المخالفون فهم اختلفوا في ذلك قال الرازي في تفسير هذه الآية: يروى عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر و عبد الرحمان بن عوف ومعاذ وناس إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله كلفنا من العمل مالا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه وإنه لذنب فقال النبي صلى الله عليه وآله فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا، فقولوا سمعنا و أطعنا، فقالوا سمعنا وأطعنا واشتد ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولا فأنزل الله تعالى " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " فنسخت هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو تكلموا به.
واعلم أن محل البحث في هذه الآية أن قوله " إن تبدوا " الخ يتناول حديث النفس والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب، ولا يتمكن من دفعها، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف مالا يطاق، والعلماء أجابوا عنه من وجوه:
الأول أن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين فمنها ما يوطن الانسان نفسه عليه والعزم على إدخاله في الوجود، ومنها ما لا يكون كذلك، بل يكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الانسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن نفسه، فالقسم الأول يكون مؤاخذا به، والثاني لا يكون مؤاخذا به، ألا ترى إلى قوله تعالى:
" لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " وقال في آخر هذه السورة: " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " وقال: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة " هذا هو الجواب المعتمد.
الوجه الثاني أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل فإنه في محل العفو وقوله " وإن تبدوا " إلى آخرها فالمراد منه أن يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهرا أو على سبيل الخفية، وأما ما يوجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتصل بالعمل، فكل ذلك في محل العفو، وهذا الجواب ضعيف لان أكثر المؤاخذات إنما يكون بأفعال القلوب، ألا ترى أن اعتقاد الكفر والبدع ليس إلا من أعمال القلوب، وأعظم أنواع العقاب مرتب عليه أيضا، وأفعال الجوارح إذا خلت من أعمال القلوب، لا يترتب عليها عقاب، كأفعال النائم والساهي فثبت ضعف هذا الجواب.
والوجه الثالث أنه تعالى يؤاخذ بها ومؤاخذتها من الغموم في الدنيا وروى في ذلك خبرا عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وآله.
الوجه الرابع أنه تعالى قال: " يحاسبكم به الله " ولم يقل يؤاخذكم به الله وقد ذكرنا في معنى كونه حسيبا ومحاسبا وجوها منها كونه عالما بها، فرجع المعنى إلى كونه تعالى عالما بالضمائر والسرائر، وروي عن ابن عباس أنه تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم، فالمؤمن يخبره ويعفو عنه، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من التكذيب والذنب.
الوجه الخامس أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية " فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " فيكون الغفران نصيبا لمن كان كارها لورود تلك الخواطر، والعذاب لمن كان مصرا عليها مستحسنا لها.
الوجه السادس قال بعضهم: المراد بهذه الآية كتمان الشهادة، وهو ضعيف وإن كان واردا عقيبه.
الوجه السابع ما مر أنها منسوخة بقوله " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " وهذا أيضا ضعيف لوجوه أحدها أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا إنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالاحتزار عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها وذلك باطل، لان التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة، ولذلك قال صلى الله عليه وآله:
بعثت بالحنيفية السمحة السهلة، والثاني أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر، وقد بينا أنها لا تدل على ذلك، الثالث أن نسخ الخبر لا يجوز وإنما يجوز نسخ الأوامر والنواهي، واختلفوا في أن الخبر هل ينسخ أم لا انتهى.
وقال أبو المعين النسفي: قال أهل السنة والجماعة : العبد مؤاخذ بما عقد بقلبه نحو الزنا واللواطة وغير ذلك أما إذا خطر بباله ولم يقصد فلا يؤاخذ به، وقال بعضهم: لا يؤاخذ في الصورتين جميعا، وحجتهم قوله صلى الله عليه وآله " عفي عن أمتي ما خطر ببالهم ما لم يتكلموا ويفعلوا " وحجتنا قوله تعالى " وإن تبدوا ما في أنفسكم " الآية فثبت أنه مؤاخذ بقصده، وما ذكرتم من الحديث فمحمول على ما خطر بباله ولم يقصد أما إذا قصد فلا انتهى.
" وهو رأس الايمان " كأن التشبيه بالرأس باعتبار أن بانتفائه ينتفي الايمان رأسا كما أن بانتفاء الرأس لا تبقى الحياة ويفسد جميع البدن، قوله عليه السلام " القول " أي ما يجب التكلم به من الأقوال كاظهار الحق، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر والقراءة والأذكار في الصلاة وأمثالها، فيكون قوله " والتعبير " تخصيصا بعد التعميم، لمزيد الاهتمام.
" وقولوا للناس حسنا " قال البيضاوي: أي قولا حسنا وسماه حسنا للمبالغة، وقرأ حمزة ويعقوب والكسائي حسنا بفتحتين انتهى أقول: في بعض الأخبار عن الصادق عليه السلام أنه قال: يعني قولوا محمد رسول الله وفي رواية أخرى عنه عليه السلام
نزلت في اليهود، ثم نسخت بقوله " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله " الآية وفي بعض الروايات أنه حسن المعاشرة والقول الجميل، وفي بعضها أنه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأن التعميم أولى فيناسب التعميم في القول أولا، ويؤيده ما سيأتي نقلا من تفسير النعماني.
ثم إن الآية الثانية ليست في المصاحف هكذا ففي سورة البقرة " قولوا آمنا بالله وما انزل إلينا وما انزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط " وفي سورة العنكبوت " وقولوا آمنا بالذي انزل إلينا وانزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون " فالظاهر أن التغيير من النساخ أو نقل الآيتين بالمعنى وفي النعماني موافق للأولى، ولعله كان في الخبر الآيتان فأسقطوا عجز الأولى و صدر الثانية، والتنزه الاجتناب " وأن يعرض " عطف " على أن يتنزه " والاصغاء عطف على الموصول في قوله " عما لا يحل ".
" وقد نزل عليكم في الكتاب " هذه الآية في سورة النساء وفي تفسير علي ابن إبراهيم أن آيات الله هم الأئمة عليهم السلام، وروى العياشي في تفسيرها إذا سمعت الرجل يجحد الحق ويكذب به ويقع في أهله فقم من عنده ولا تقاعده قال الراغب والخوض الشروع الماء والمرور فيه، ويستعار في الأمور وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذ الشروع فيه، وتتمة الآية " إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا " والاستثناء في سورة الأنعام حيث قال:
" وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان " الآية ويحتمل أن يكون قوله تعالى " وقد نزل عليكم في
الكتاب " إشارة إلى ما نزل في سورة الأنعام، فهذه الآية كالتفسير لتلك الآية، فذكره عليه السلام آية النساء، لبيان أن الخوض في الآيات المذكور في الانعام هو الكفر والاستهزاء بها، وإلا كان المناسب ذكر الآية المتصلة بالاستثناء فتفطن، وروى العياشي عن الباقر عليه السلام في هذه الآية قال: الكلام في الله والجدال في القرآن وقال منه القصاص " وإما ينسينك الشيطان " أي النهي " فلا تقعد بعد الذكرى " أي بعد أن تذكره " مع القوم الظالمين " أي معهم، فوضع الظاهر موضعه تنبيها على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والاستعظام، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس في مجلس يسب فيه إمام أو يغتاب فيه مسلم، إن الله تعالى يقول في كتابه " وإذا رأيت " الآية.
ثم إن الخطاب في الآية إما خطاب عام أو الخطاب ظاهرا للرسول والمراد به الأمة لان النسيان لا يجوز عليه صلى الله عليه وآله لا سيما إذا كان من الشيطان، فان من جوز السهو والنسيان عليه صلى الله عليه وآله كالصدوق إنما جوز الاسهاء من الله تعالى للمصلحة لا من الشيطان " فبشر عبادي " الإضافة للتشريف، وأحسن القول: ما فيه رضا الله أو أشد رضاه، وما هو أشق على النفس، وهذه كلمة جامعة يندرج فيها القول في أصول الدين وفروعه، والاصلاح بين الناس، والتمييز بين الحق والباطل وإيثار الأفضل فالأفضل، وفي رواية: هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمع لا يزيد فيه ولا ينقص منه.
" أولئك الذين هديهم الله " لدينه " وأولئك هم أولوا الألباب " أي العقول السليمة عن منازعة الهوى والوهم والعادات " وعبادي " في النسخ باثبات الياء موافقا لرواية أبي عمرو برواية موسى حيث قرأ في الوصل بفتح الياء وفي
الوقف باسكانها، وقرأ الباقون باسقاط الياء والاكتفاء بالكسرة.
" الذين هم في صلاتهم خاشعون " قيل: أي خائفون من الله متذللون له يلزمون أبصارهم مساجدهم، وفي تفسير علي بن إبراهيم غضك بصرك في صلاتك، و إقبالك علينا. وسيأتي تفسيره في كتاب الصلاة إنشاء الله " والذين هم عن اللغو معرضون " قيل " اللغو " مالا يعنيهم من قول أو فعل وفي تفسير علي بن إبراهيم يعني عن الغناء والملاهي وفي إرشاد المفيد عن أمير المؤمنين عليه السلام كل قول ليس فيه ذكر فهو لغو، وفي المجمع عن الصادق عليه السلام قال أن يتقول الرجل عليك بالباطل أو يأتيك بما ليس فيك فتعرض عنه لله، قال وفي رواية أخرى أنه الغناء والملاهي، وفي الاعتقادات عنه عليه السلام أنه سئل عن القصاص أيحل الاستماع لهم فقال: لا.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.