پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الخامس عشر

30 - باب ان العمل جزء الايمان، وأن الايمان مبثوث

ج ۶۶، ص ۹۹–۱۲۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۴ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۶

" حيث استحلوا الحيتان " أي استحلوا صيدها أو أكلها أو حبسها أيضا، وقوله " يوم السبت " ظرف لكل من " احتبسوها " و " أكلوها " أو لاستحلوا، أيضا أي استحلوا أولا حبسها يوم السبت، ثم استحلوا صيدها وأكلها فيه، وقيل: يوم السبت ظرف لاحتبسوها لا لأكلوها أي احتبسوها يوم السبت في مضيق بسد الطريق عليها ثم اصطادوها يوم الأحد وأكلوها، فعلوا ذلك حيلة ولم تنفعهم، لان احتباسها فيه هتك لحرمته، فخرجوا بذلك من الايمان إلى الكفر، ولذلك غضب الله عليهم من غير أن يشركوا بالرحمان، وأن يشكوا في رسالة موسى وما جاء به، ولذلك لم يصطادوا يوم السبت، فعلم أن الايمان ليس مجرد التصديق، بل هو مع العمل لان المؤمن لا يغضب ولا يدخل النار، وفيه شئ لان استحلالهم الحيتان ينافي ظاهرا عدم شكهم بما جاء به موسى، ويمكن دفعه بأن ما جاء به موسى تحريم الحيتان يوم السبت وهم استحلوها يوم الأحد، ولحق بهم ما لحق بسبب احتباسهم يوم السبت انتهى.

وأقول: قد عرفت معنى الاستحلال، وهو معنى شائع في المحاورات فلا يرد ما أورده، وأما الجواب الذي ذكره فهو أيضا لا يسمن ولا يغنى من جوع، لان الاحتباس إذا لم يكن منهيا عنه، فكيف عذبوا عليه، وإن كان داخلا فيما نهوا عنه عاد الاشكال، مع أن ظاهر أكثر الروايات المعتبرة أنهم بعد تلك الحيلة تعدى أكثرهم إلى الصيد والاكل يوم السبت فاعتزلت طائفة منهم فلم يمسخوا وبقيت طائفة منهم فمسخوا أيضا، لتركهم النهي عن المنكر، وإن اختلف المفسرون

في ذلك.

قال في مجمع البيان: اختلف في أنهم كيف اصطادوا؟ فقيل: إنهم ألقوا الشبكة في الماء يوم السبت حتى كان يقع فيها السمك، ثم كانوا لا يخرجون الشبكة من الماء إلى يوم الأحد، وهذا السبب محظور، وفي رواية ابن عباس اتخذوا الحياض فكانوا يسوقون الحيتان إليها، ولا يمكنها الخروج منها، فيأخذونها يوم الأحد ، وقيل: إنهم اصطادوها وتناولوها باليد يوم السبت عن الحسن.

" ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت " قال البيضاوي: السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت، وأصله القطع، أمروا أن يجردوه للعبادة، فاعتدى فيه ناس منهم في زمن داود عليه السلام واشتغلوا بالصيد وذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على الساحل يقال لها: أيلة، وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه، وإذا مضى تفرقت، فحفروا حياضا و شرعوا إليها الجداول، وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد " فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " جامعين بين صورة القردة والخسوء، وهو الصغار والطرد، قال مجاهد: ما مسخت صورهم ولكن قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله " كمثل الحمار يحمل أسفارا " وقوله: " كونوا " ليس بأمر، إذ لا قدرة لهم عليه، وإنما المراد به سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراد بهم انتهى.

قوله عليه السلام: " فهدمت " أي الشرعة والمنهاج أيضا لكونه بمعنى الطريق يجوز فيه التأنيث، ويمكن أن يقرأ على بناء المجهول باضمار السنة في السبت، و قوله " أن يعظموه " بدل اشتمال للضمير، و " عامة " عطف على السبت " سبيل عيسى " أي شرائعه المختصة به، قوله عليه السلام " وإن كان الذي جاء به النبيون " أي هدمت

شريعة عيسى عامة ما كانوا عليه، وإن كان الذي جاء به النبيون من التوحيد وسائر الأصول باقيا لم يتغير، أو المعنى أدخله الله النار وإن كان منه الاقرار بما جاء به النبيون وهو التوحيد ونفي الشرك، وقوله " أن لا يشركوا " عطف بيان أو بدل للموصول، وعلى الوجهين يحتمل كون كان تامة وناقصة، وقيل: الموصول اسم كان وأن لا يشركوا خبره، وله أيضا وجه وإن كان بعيدا.

قوله عليه السلام: " عشر سنين " أقول: هذا مخالف لما مر في تاريخ النبي صلى الله عليه وآله ولما هو المشهور من أنه صلى الله عليه وآله أقام بعد البعثة بمكة ثلاث عشرة سنة فقيل: هو مبني على إسقاط الكسور بين العددين وهو بعيد في مثل هذا الكسر والذي سنح لي أنه مبني على ما يظهر من الاخبار أنه لما نزل " وأنذر عشيرتك الأقربين " وكان أول بعثته دعا بني عبد المطلب وأظهر لهم رسالته، ودعاهم إلى بيعته، والايمان به، فلم يؤمن به إلا علي عليه السلام ثم خديجة رضي الله عنها، ثم جعفر رضي الله عنه، وكان على ذلك ثلاث سنين حتى نزل " فاصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين " فدعا الناس إلى الاسلام فلذا لم يعد عليه السلام تلك الثلاث سنين من أيام البعثة لأنها لم تكن بعثة عامة مؤكدة، وقد مرت الأخبار في المجلد الثالث في ذلك ويحتمل أن يكون مبنيا على إسقاط سني الهجرة إلى شعب أبي طالب أو إسقاط الثلاث سنين بعد وفاة أبي طالب رضي الله عنه لعدم تمكنه في هاتين المدتين من التبليغ كما ينبغي، لكنهما بعيدان، والأظهر ما ذكرنا أولا.

قوله عليه السلام: " يشهد أن لا إله إلا الله " الظاهر أن المراد به الشهادة القلبية بالتوحيد والرسالة وما يلزمهما فقط، أو مع الاقرار باللسان أو عدم الانكار الظاهري لا مجرد الاقرار باللسان، بقرينة قوله " وهو إيمان التصديق " وقد عرفت أن الايمان الظاهري فقط لا ينفع في الآخرة وإن احتمل التعميم ويكون قوله " إلا من أشرك بالرحمن " أي قلبا استثناء منه فيرجع إلى ما ذكرنا أولا، وعلى الأول

يكون الاستثناء منقطعا، وعلى التقديرين يكون المراد بقوله " وهو إيمان التصديق " أنه الايمان بمعنى التصديق فقط، ولا يدخل فيه الأعمال لا شرطا ولا شطرا، وإن كانت سببا لكماله، بخلاف الايمان بعد الهجرة، فان الأعمال قد دخلت فيه على أحد الوجهين، وذلك لأنهم لم يكلفوا بعد إلا بالشهادتين فحسب، وإنما نهوا عن أشياء نهي أدب وعظة وتخفيف، ثم نسخ ذلك بالتغليظ في الكبائر، والتواعد عليها، ولم يكن التغليظ والتواعد يومئذ إلا في الشرك خاصة، فلما جاء التغليظ والايعاد بالنار في الكبائر ثبت الكفر والعذاب بالمخالفة فيها.

" وتصديق ذلك " أي دليل ما ذكرنا من التفاوت في التكاليف، ومعنى الايمان قبل الهجرة وبعدها، وقال الفاضل الاسترآبادي: بيان لأول الواجبات على المكلفين، وأن تكاليف الله تعالى ينزل على التدريج، وفي كتاب الأطعمة من تهذيب الأحكام أحاديث صريحة في التدريج في التكاليف انتهى.

ولنذكر تفسير الآيات التي أسقطت اختصارا إما من الإمام عليه السلام أو من الراوي قال تعالى قبل تلك الآيات: " لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا " ثم قال: " وقضى ربك " قيل أي أمر أمرا مقطوعا به " أن لا تعبدوا إلا إياه " لان غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الانعام، " وبالوالدين إحسانا " أي بأن تحسنوا أو أحسنوا بالوالدين إحسانا لأنهما السبب الظاهر للوجود والتعيش " إما يبلغن " " إما " إن الشرطية، زيدت عليها ما للتأكيد " عندك الكبر " في كنفك وكفالتك " أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف " إن أضجراك " ولا تنهرهما " أي ولا تزجرهما إن ضرباك " وقل لهما قولا كريما " أي حسنا جميلا " واخفض لهما جناح الذل " أي تذلل لهما وتواضع " من الرحمة " أي من فرط رحمتك عليهما " وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " جزاء لرحمتهما علي وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري.

" ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا "

عن الصادق عليه السلام الأوابون التوابون المتعبدون " وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا " وهو صرف المال فيما لا ينبغي وإنفاقه على وجه الاسراف " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين " أي أمثالهم " وكان الشيطان لربه كفورا " أي مبالغا في الكفر " وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا * ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما " أي فتصير ملوما عند الله وعند الناس بالاسراف وسوء التدبير " محسورا " أي نادما أو منقطعا بك لا شئ عندك " إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر " أي يوسعه ويضيقه بمشيته التابعة للحكمة " إنه كان بعباده خبيرا بصيرا " يعلم سرهم وعلانيتهم.

قوله " أدب وعظة " أي كلما ذكر في تلك الآيات سوى صدر الأولى وهو قوله " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه " تأديب وموعظة، وهذا مبني على أن قوله " وبالوالدين " بتقدير " وأحسنوا " عطفا على جملة " قضى ربك " لان فيها تأكيدا وتهديدا في الجملة ويحتمل أن يكون المراد جميعها، لكن وقع التهديد على الشرك فيما مر وفيما سيأتي من الآيات كقوله " ولا تجعل مع الله إلها آخر ".

فان قيل: قوله " وآت ذي القربى حقه " إلى قوله " كفورا " فيه وعيد و تهديد، قلنا ليس محض كونهم إخوان الشياطين تهديدا ووعيدا صريحا بالنار، بل قيل قوله " كانوا " يدل على أن في أواخر شرائع ساير أولي العزم كانت كذلك فلا يدل صريحا على أن في تلك الشريعة أيضا كذلك، والاجتراح الاكتساب .

" ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق " قيل أي مخافة الفاقة وقتلهم أولادهم وأدهم بناتهم مخافة الفقر فنهاهم عنه، وضمن لهم أرزاقهم فقال " نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا " أي ذنبا كبيرا لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع والخطأ الاثم، يقال خطا خطأ كأثم إثما، وقرأ ابن عامر خطأ بالتحريك، وهو اسم من أخطأ يضاد الثواب، وقيل لغة فيه كمثل ومثل وحذر وحذر، وقرأ ابن كثير

خطأ بالمد والكسر، وهو إما لغة أو مصدر خاطأ وقرئ خطأ بالفتح والمد وخطا بحذف الهمزة مفتوحا ومكسورا، وعلى التقادير ليس فيه تصريح بكونه ذنبا ولا ترتب العقوبة عليه.

" ولا تقربوا الزنا " بالقصد وإتيان المقدمات فضلا أن تباشروه " إنه كان فاحشة " فعلة ظاهرة القبح زائدته " وساء سبيلا " أي وبئس طريقا طريقه، وهو الغصب على الابضاع المؤدي إلى قطع الأنساب وهيج الفتن " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " قيل أي إلا بإحدى ثلاث خصال: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان وقتل مؤمن معصوم عمدا " ومن قتل مظلوما " غير مستوجب للقتل " فقد جعلنا لوليه " للذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث " سلطانا " أي تسلطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل " فلا يسرف " أي القاتل في القتل بأن يقتل من لا يحق قتله، فان العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك أو الولي بالمثلة أو قتل غير القاتل " إنه كان منصورا " علة النهي على الاستيناف، والضمير إما للمقتول، فإنه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله، وفي الآخرة بالثواب، وإما لوليه فان الله نصره حيث أوجب القصاص له، و أمر الولاة بمعونته، وإما للذي يقتله الولي إسرافا بايجاب القصاص والتعزير، و الوزر على المسرف.

" ولا تقربوا مال اليتيم " فضلا أن تتصرفوا فيه " إلا بالتي هي أحسن " أي إلا بالطريقة التي هي أحسن " حتى يبلغ أشده " غاية لجواز التصرف الذي يدل عليه الاستثناء " وأوفوا بالعهد " بما عاهدكم الله من تكاليفه، أوما عاهدتموه و غيره " إن العهد كان مسؤولا " مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو مسؤولا عنه يسأل الناكث ويعاتب عليه، أو يسأل العهد لم نكثت تبكيتا للناكث كما يقال للموؤدة " بأي ذنب قتلت " ويجوز أن يراد أن صاحب العهد كان مسؤولا " وأوفوا الكيل إذا كلتم " ولا تبخسوا فيه " وزنوا بالقسطاس المستقيم " بالميزان السوي وهو رومي عرب وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف " ذلك خير

وأحسن تأويلا " أي وأحسن عاقبة، تفعيل من آل إذا رجع.

" ولا تقف " ولا تتبع " ما ليس لك به علم " ما لم يتعلق به علمك، تقليدا أو رجما بالغيب، قيل: واحتج به من منع من اتباع الظن، وجوابه أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند سواء كان قطعا أو ظنا واستعماله بهذا المعنى شائع، وقيل: إنه مخصوص بالعقائد، وقيل: بالرمي وشهادة الزور " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك " أي كل هذه الأعضاء فأجراها مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها، هذا وإن أولاء وإن غلب على العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لذا، وهو يعم القبيلين جاء لغيرهم، كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام " كان عنه مسؤولا " في ثلاثتها ضمير كل، أي كان كل واحد منها مسؤولا عن نفسه، يعني عما فعل به صاحبه، ويجوز أن يكون الضمير في " عنه " لمصدر " ولا تقف " أو لصاحب السمع والبصر. وقيل " مسؤولا " مسند إلى " عنه " كقوله " غير المغضوب عليهم " والمعنى يسأل صاحبه عنه، وهو خطأ لان الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم، وقيل: المراد بسؤال الجوارح إما سؤال نفسها، أو سؤال أصحابها، كما يظهر من " أولئك " أو جعلت بمنزلة ذوي العقول، أو هم ذوو العقول مع الله تعالى.

" ولا تمش في الأرض مرحا " أي ذا مرح وهو الاختيال، وفي القاموس المرح شدة الفرح والنشاط " إنك لن تخرق الأرض " لن تجعل فيها خرقا بشدة وطأتك " ولن تبلغ الجبال طولا " بتطاولك ومد عنقك، وهوتهكم بالمختال، وتعليل للنهي بأن الاختيال حماقة مجردة لا تعود بجدوى ليس في التذلل " كل ذلك كان سيئه " قيل: يعني المنهي عنه، فان المذكور مأمورات ومناهي، وقرأ الحجازيان والبصريان " سيئة " على أنها خبر كان، والاسم ضمير " كل " و " ذلك " إشارة إلى

ما نهي عنه خاصة، وعلى هذا قوله " عند ربك مكروها " بدل من سيئة أو صفة لها محمولة على المعنى.

" ذلك " إشارة إلى الاحكام المتقدمة " مما أوحى إليك ربك من الحكمة " التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به " ولا تجعل مع الله إلها آخر " كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الامر ومنتهاه، ورأس الحكمة وملاكها " ملوما " تلوم نفسك " مدحورا " مطرودا مبعدا من رحمة الله.

وأقول: هذا شروع في ذكر الآيات التي نزلت بمكة مشتملة على الوعيد بالنار والتهديد في الشرك ونحوه، بخلاف ما ورد في غيره مما مضى، فان كونه " خطأ كبيرا " و " فاحشة " و " مسؤولا " و " مسؤولا عنه " و " مكروها " ليس في شئ منها تصريح بالعذاب والنكال الأخروي، ولا يحتاج إلى ما يتكلف بأن " كان خطأ " و " كان فاحشة " و " كان مسؤولا " و " كان عنه مسؤولا " و " كان سيئة عند ربك مكروها " محمولة على أنها كانت في أواخر الأمم السابقة كذلك، وستصير في هذه الأمة أيضا بعد ذلك كذلك فإنه في غاية البعد، وزيادة " كان " في هذه المقامات كثيرة في الذكر الحميد، كقوله " وكان ربك قديرا " و " كان غفورا رحيما " بل الوجه ما ذكرنا فتفطن.

" نارا تلظى " أي تتلهب " لا يصليها " أي لا يلزمها مقاسيا شدتها " إلا الأشقى " قيل: أي إلا الكافر، فان الفاسق وإن دخلها لم يلزمها، ولكن سماه " أشقى " ووصفه بقوله " الذي كذب وتولى " أي كذب بالحق وأعرض عن الطاعة كذا ذكره البيضاوي وقال في قوله تعالى بعد ذلك " وسيجنبها الأتقى ":

أي الذي اتقى الشرك والمعاصي فإنه لا يدخلها فضلا أن يدخلها ويصلاها، ومفهوم ذلك أن من اتقى الشرك دون المعصية لا يجنبها ولا يلزم ذلك صليها فلا يخالف الحصر السابق انتهى.

وقال الطبرسي رحمه الله " لا يصليها " أي لا يدخل تلك النار ولا يلزمها " إلا

الأشقى " وهو الكافر بالله " الذي كذب " بآيات الله ورسله " وتولى " أي أعرض عن الايمان " وسيجنبها " أي سيجنب النار ويجعل منها على جانب " الأتقى " المبالغ في التقوى " الذي يؤتي ماله " أي ينفقه في سبيل الله " يتزكى " أي يكون عند الله زكيا لا يطلب بذلك رئاء ولا سمعة.

قال القاضي قوله: " لا يصليها " الآية لا يدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلا الكافر على ما تقوله الخوارج وبعض المرجئة، وذلك لأنه نكر النار المذكورة ولم يعرفها فالمراد بذلك أن نارا من جملة النيران لا يصليها إلا من هذه حاله، والنيران دركات على ما بينه سبحانه في سورة النساء في شأن المنافقين فمن أين عرف أن غير هذه النار لا يصليها قوم آخرون، وبعد فان الظاهر من الآية يوجب أن لا يدخل النار إلا من كذب وتولى وجمع بين الامرين، فلابد للقوم من القول بخلافه لأنهم يوجبون النار لمن يتولى عن كثير من الواجبات وإن لم يكذب، وقيل: إن الأتقى والأشقى المراد بهما التقي والشقي انتهى.

ثم اعلم أنه عليه السلام استدل بالآيات الأول على أن وعيد النار في مكة إنما كان على الكفار، لأنه سبحانه حصر الصلي بالنار على الأشقى الذي كذب الرسول وتولى عن قبول قوله في التوحيد أو الأعم، ومن كذب الرسول وأعرض عما جاء به كافر مشرك، فظهر أنه لم يكن يومئذ يستحق النار غير المشركين والكفار من الفساق، وإليه أشار عليه السلام بقوله " فهذا مشرك " وهذا وجه حسن واستدلال متين، لكن كيف يستقيم على هذا الآيات التالية وهي قوله " وسيجنبها الأتقى " الخ فإنها تدل على أن غير الأتقى لا يجنب النار.

ويمكن الجواب عنه بوجوه:

الأول أن المضارع في قوله تعالى: " لا يصليها " للحال، واستعمل الصلي في

سببه مجازا أي الحكم في الحال قبل الهجرة أنه لا يدخلها إلا المشرك وفي قوله:

" سيجنبها " للاستقبال القريب إخبارا عن التكاليف المدنية، بعد دخول الأعمال في الايمان، فلا تنافي بينهما، وتكون الآيات جمع دالة على الحكمين صريحا.

الثاني أن يقال إن الآيات التالية نزلت بالمدينة كما روى في تفسير علي بن إبراهيم إنها نزلت في أبي الدحداح بالمدينة لكن ظاهر الرواية أن الآيات الأول أيضا نزلت بالمدينة، الثالث أن يقال إن الآيات الأخيرة وإن كانت دالة على عدم تجنب الفساق النار، لكنها دلالة ضعيفة بالمفهوم، فما يدل صريحا على دخول النار إنما هو في الكفار، وما يدل على حكم الفجار فليس فيه وعيد صريح، و تهديد عظيم، بل يدل دلالة ضعيفة على عدم الحكم بأنهم لا يدخلونها، لا سيما مع الحصر المتقدم، ولعل السر في هذا الاجمال عدم اجترائهم على المعاصي.

" وأما من أوتي كتابه وراء ظهره " أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره قيل: يغل يمناه إلى عنقه ويجعل يسراه وراء ظهره " فسوف يدعوا ثبورا " أي يتمنى الثبور، ويقول: وا ثبوراه، وهو الهلاك " ويصلى سعيرا " أي نارا مسعرة " إنه كان في أهله " أي في الدنيا " مسرورا " بطرا بالمال والجاه فارغا عن ذكر الآخرة " إنه ظن أن لن يحور " أي لن يرجع بعد أن يموت " بلى " يرجع " إن ربه كان به بصيرا " أي عالما بأعماله، فلا يهمله بل يرجعه ويجازيه، " فهذا مشرك " لأنه أنكر البعث وإنكاره كفر، أو كان لا ينكره حينئذ إلا المشركون.

" كلما القي فيها فوج " أي جماعة من الكفرة " سألهم خزنتها " أي خزنة جهنم " ألم يأتكم نذير " يخوفكم هذا العذاب؟ وهو توبيخ وتبكيت " قالوا بلى قد جائنا نذير فكذبنا " أي الرسل وأفرطنا في التكذيب حتى نفينا الانزال رأسا وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال، حيث قالوا بعد ذلك " إن أنتم إلا في ضلال كبير " فهؤلاء مشركون لتكذيبهم بكتب الله ورسله.

" وأما إن كان من المكذبين " بالبعث والرسل وآيات الله " الضالين " عن الهدى الذاهبين عن الصواب والحق " فنزل من حميم " أي فنزلهم الذي أعد لهم من الطعام والشراب من حميم جهنم " وتصلية جحيم " أي إدخال نار عظيمة، فهؤلاء مشركون، للتصريح بأنهم كانوا من المكذبين الضالين.

" وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول " لما رأى من قبح العمل وسوء العاقبة " يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه " الهاء فيهما وفيما بعدهما للسكت: تثبت في الوقف وتسقط في الوصل ، وقالوا استحب الوقف لثباتها في الامام ولذلك قرئ باثباتها في الوصل " يا ليتها " أي يا ليت الموتة التي متها " كانت القاضية " أي القاطعة لامري فلم ابعث بعدها، أو يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي، أو يا ليت حياة الدنيا كانت الموتة ولم أخلق حيا " ما أغنى عني ماليه " أي مالي من المال والتبع أو " ما " نفي والمفعول محذوف أو استفهام إنكار مفعول لاغنى، وبعد ذلك " هلك عني سلطانيه " أي ملكي وتسلطي على الناس أو حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا " خذوه " يقوله الله لخزنة جهنم " فغلوه ثم الجحيم صلوه " أي ثم لا تصلوه إلا الجحيم وهي النار العظمى لأنه كان يتعظم على الناس " ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه " أي فأدخلوه فيها بأن تلقوه على جسده " إنه كان لا يؤمن بالله العظيم " فدل على أن هذا الوعيد بالنار لمن لا يؤمن بالله من الكفار فهذا مشرك.

قوله " في طسم " أي في الشعراء " وبرزت الجحيم للغاوين " فيرونها مكشوفة ويتحسرون على أنهم المسوقون إليها " وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله " أي أين آلهتكم الذين تزعمون أنهم شفعاؤكم " هل ينصرونكم " بدفع العذاب عنكم " أو ينتصرون " بدفعه عن أنفسهم، لأنهم وآلهتهم يدخلون النار كما

قال " فكبكبوا فيها هم والغاوون " أي الألهة وعبدتهم " والكبكبة " تكرير الكب لتكرير معناه، كأن من القي في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها " وجنود إبليس " قيل متبعوه من عتاة الثقلين أو شياطينه " أجمعون " تأكيد للجنود إن جعل مبتدءا خبره ما بعده، أو للضمير وما عطف عليه وكذا الضمير المنفصل، و ما يعود إليه في قوله " قالوا وهم فيها يختصمون * تالله إن كنا لفي ضلال مبين " على أن الله ينطق الأصنام فتخاصم العبدة ويؤيده الخطاب في قوله " إذ نسويكم برب العالمين " أي في استحقاق العبادة، ويجوز أن تكون الضمائر للعبدة كما في قالوا، والخطاب للمبالغة في التحسر والندامة، والمعنى أنهم مع تخاصمهم في مبدأ ضلالهم معترفون بانهماكهم في الضلالة متحسرون عليها. كذا ذكره البيضاوي في تفسير تلك الآيات فقوله عليه السلام " يعني المشركين " هو خبر لقوله " قوله " بحذف العائد أي يعني به، والمعنى أن المراد بالمجرمين المشركون الذين اتبعتهم هؤلاء القائلون على شركهم، وكلاهما من أمة محمد صلى الله عليه وآله " وتصديق ذلك " أي تصديق أن المراد بهم المشركون من هذه الأمة أن الله تعالى ذكر بعد تلك الآيات أحوال المشركين وعبدة الأوثان، من كل أمة، ولم يدخل فيهم اليهود والنصارى فالظاهر أن يكون المراد هنا أيضا طائفة مخصوصة وليس هم اليهود والنصارى لقوله تعالى سابقا " فكبكبوا فيها هم والغاوون " لدلالته على أن معبوديهم في النار، فلم يبق إلا أن يكونوا من هذه الأمة أو يكتفى بالوجه الأول، ويقال لما كان الظاهر من الآيات اللاحقة اختصاص الكلام بعبدة الأوثان فالظاهر هنا أيضا أن يكون المراد به من هو من جنسهم، ولم يبق من الأمم المشهورة الذين تعرض الله لذكرهم في القرآن إلا هذه الأمة، فهم المرادون به.

وقوله: " كذبت قبلهم قوم نوح " كأنه نقل بالمعنى، لان تلك الآيات

في سورة الشعراء، وليس فيها " قبلهم "، وإنما هو في ص والمؤمن ويحتمل أن يكون في مصحفهم عليهم السلام هكذا، هذا ما خطر بالبال، وقيل: لعل المراد أن القائلين بهذا القول أعني قولهم " وما أضلنا إلا المجرمون " هم مشركوا قوم نبينا صلى الله عليه وآله الذين اتبعوا آباءهم المكذبين للأنبياء، بدليل أن الله سبحانه ذكر عقيب ذلك في مقام التفصيل المكذبين للأنبياء طائفة بعد طائفة وليس المراد بهم أحدا من اليهود والنصارى الذين صدقوا نبيهم، وإنما أشركوا من جهة أخرى وإن كان الفريقان يدخلان النار أيضا، فقوله " سيدخل الله " استدراك لدفع توهم عدم دخولهما النار، وعدم دخول غيرهما ممن أساء العمل انتهى.

قوله عليه السلام " ليس هم اليهود " تأكيد لقوله " ليس فيهم " أو المراد بالأول أنه ليس في القائلين والمجرمين، وبالثاني أنه ليس في هؤلاء المكذبين من الأمم السابقة، وقيل الأول نفي للتشريك والثاني نفي للاختصاص والأوسط أظهر، و " قولهم " مبتدأ " إذ دعونا إلى سبيلهم ذلك " من كلامه عليه السلام ذكره تفسيرا للآية، و " قول الله " خبر للمبتدأ، ويحتمل أن يكون ذلك مبتدءا ثانيا إشارة إلى قولهم و " قول الله " خبره، والمجموع خبرا للمبتدأ الأول، وحاصله أن القولين حكايتان عن قصة واحدة، وقيل: حين ظرف لقول الله مجازا من قبيل وضع الدال موضع المدلول.

ثم اعلم أن الآيات في سورة الأعراف هكذا " حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين * قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن و الانس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت اخريهم لاوليهم ربنا هؤلاء أضلونا فاتهم عذابا ضعفا من النار * قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون * وقالت أوليهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون " فظهر أن قوله " وقالت أوليهم لأخراهم " من سهو النساخ

أو الرواة، وأن قوله " كلما دخلت " مقدم على السابق في الترتيب، فالواو في قوله " وقوله " بمعنى " مع " مع أنه لا يدل على الترتيب.

" كلما دخلت أمة " أي في النار " لعنت أختها " التي ضلت بالاقتداء بها " حتى إذا اداركوا فيها " أصل " اداركوا " " تداركوا " فادغم ومعناه تلاحقوا أي لحق آخرهم أولهم في النار " قالت اخريهم " دخولا ومنزلة وهم الاتباع " لاوليهم " أي لأجل أوليهم إذ الخطاب مع الله لا معهم " ربنا هؤلاء أضلونا " أي سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم " فآتهم عذابا ضعفا من النار " أي مضاعفا لأنهم ضلوا وأضلوا " قال لكل ضعف " أما القادة فبكفرهم وتضليلهم، وأما الاتباع فبكفرهم وتقليدهم " ولكن لا تعلمون " ما لكم أو ما لكل فريق " وقالت أوليهم لأخراهم: فما كان لكم علينا من فضل " عطفوا كلامهم على جواب الله لأخراهم وبنوه عليه أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا وأنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب " فذوقوا العذاب " من قول القادة أو من قول الفريقين.

" أن يحج بعضا " بضم الحاء أي يغلبه بالحجة في القاموس: الحج الغلبة بالحجة، وفي المصباح حاجه محاجة فحجه بحجة من باب قتل إذا غلبه في الحجة وقال: فلج فلوجا من باب قعد ظفر بما طلب، وفلج بحجته أثبتها، وأفلج الله حجته أظهرها وقال: أفلت الطائر وغيره إفلاتا تخلص وأفلته أنا إذا أطلقته وخلصته يستعمل لازما ومتعديا، وفلت فلتا من باب ضرب لغة وفلته يستعمل أيضا لازما و متعديا وانفلت خرج بسرعة.

" وليس بأوان بلوى ولا اختبار " يعني أنهم يطمعون في غير مطمع، فان الاحتجاج وطلب الدليل إنما ينفع في دار التكليف والاختبار لا في دار الجزاء بعد ظهور الامر ودخول النار " ولا حين نجاة " أي ليس هذا الزمان حين نجاة يمكن التخلص من العذاب بالتوبة وغيرها.

وفي بعض النسخ " ولات حين نجاة " مقتبسا من قوله تعالى " ولات حين مناص "

قال البيضاوي: أي ليس الحين حين مناص " ولا " هي المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب وثم وخصت بلزوم الأحيان، وحذف أحد المعمولين، وقيل: هي النافية للجنس أي ولا حين مناص لهم، وقيل: للفعل والنصب باضماره أي ولا أرى حين مناص، وقيل إن التاء مزيدة على حين لاتصالها به في الامام انتهى.

" والآيات " أي تلك الآيات المتقدمة " ولا يدخل الله " الجملة حالية أي نزلت تلك الآيات في حال كان الحكم فيها أن لا يدخل الله النار إلا مشركا، قوله عليه السلام " فلما أذن الله " قال المحدث الاسترآبادي: تصريح بأن مصداق الاسلام في مكة أقل من مصداقه في المدينة انتهى، وعد الشهادتين واحدة لتلازمهما وكأن الولاية أيضا داخلة فيهما كما عرفت، وعدم التصريح للتقية، أو أنه عليه السلام استدل بهذا الخبر المشهور بين العامة إلزاما عليهم، وكان ذكر العبادات الأربع وتخصيصها لكونها أهم الفرائض، أو لأنها صرحت بها في القرآن واكدت عليها دون غيرها أو أنه بني عليها أولا ثم زيد سائر الفرائض.

" ومن يقتل مؤمنا متعمدا " استدل به من قال بخلود أصحاب الكبائر في النار وأول بوجوه:

الأول: أن المراد بالمتعمد من قتله لايمانه كما ورد في أخبار كثيرة فيكون كافرا، الثاني أن المراد بالخلود المكث الطويل، الثالث أن المراد أن هذا جزاؤه إن جازاه لكنه سبحانه لا يجازيه كما ورد في بعض أخبارنا، الرابع أن المراد بالمتعمد المستحل، الخامس أنه يفعل فعلا يستحق به دخول النار، و استدل عليه السلام على عدم إيمانه بأن الله لعنه ولا يلعن مؤمنا لقوله تعالى " إن الله لعن الكافرين " وكأنه عليه السلام استدل بمفهوم الوصف فيدل على حجيته، ويمكن أن يكون لخصوص سياق الآية أيضا مدخل فيه.

" وكيف يكون في المشية " أي كيف يكون أمر القاتل في مشية الله إن شاء

عذبه، وإن شاء غفر له " و " الحال أنه " قد ألحق به بعد أن جزاه جهنم الغضب واللعنة " المختصين بالكفار.

أقول: كونه في المشية إما مبني على ما ذكره أكثر المتكلمين من أن خلف الوعد قبيح وعلى الله محال، وأما خلف الوعيد فهو حسن ويجوز على الله تعالى وليس بكذب، قال الطبرسي قدس سره: وروى عاصم بن أبي النجود عن ابن عباس في قوله " فجزاؤه جهنم " قال هي جزاؤه فان شاء عذبه، وإن شاء غفر له وروي عن أبي صالح وبكر بن عبد الله وغيره أنه كما يقول الانسان لمن يزجره عن أمر إن فعلت فجزاؤك القتل والضرب، ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا انتهى.

أو إشارة إلى قوله تعالى " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " فيدل على أن ما دون الشرك مما يغفره الله لمن يشاء، والقتل داخل في ذلك، فيكون داخلا في المشية كما قال في مجمع البيان: قال جماعة من التابعين: الآية اللينة وهي " إن الله لا يغفر أن يشرك به " الآية نزلت بعد الشديدة وهي " ومن يقتل مؤمنا متعمدا " الآية وعلى الأول فكان جوابه مبني على أن آية القتل ليست مشتملة على الوعيد فقط، بل على أنه ممن غضب الله عليه ولعنه فإذا دخل الجنة من غير توبة، أو غيرها مما يكفره يكون كذبا ولم يكن مغضوبا ولا ملعونا مبعدا من رحمة الله، وعلى الثاني مبني على وجهين: الأول: أن القتل المذكور داخل في الشرك والكفر حيث لعنه الله ولا يلعن إلا الكافر، والثاني أنه لا يكون داخلا فيمن يشاء مغفرته حيث أخبر بأنه مغضوب وملعون، وهذا صريح في عدم المغفرة، والوجوه كأنها متقاربة " وقد بين ذلك " المشار إليه آية الأحزاب أي " إن الله لعن الكافرين ".

" وأنزل " أي في سورة النساء أيضا " من أكله " بدل اشتمال لمال اليتيم

" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " قال في المجمع: أي ينتفعون بأموال اليتامى ويأخذونها ظلما بغير حق، ولم يرد به قصر الحكم على الاكل، وإنما خص لأنه معظم منافع المال المقصودة " إنما يأكلون في بطونهم نارا " قيل فيه وجهان: أحدهما أن النار تلتهب من أفواههم وأسماعهم وآنافهم يوم القيامة ليعلم أهل الموقف أنهم آكلة أموال اليتامى، عن السدى وروي عن الباقر عليه السلام أنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يبعث ناس من قبورهم يوم القيامة تأجج أفواههم نارا فقيل له: يا رسول الله من هؤلاء؟ فقرأ هذه الآية، والاخر أنه ذكر ذلك على وجه المثل من حيث أن من فعل ذلك يصير إلى جهنم فيمتلئ بالنار أجوافهم عقابا على أكلهم مال اليتيم " وسيصلون سعيرا " أي يلزمون النار المسعرة للاحراق، وإنما ذكر البطون تأكيدا كما يقال نظرت بعيني، وقلت بلساني، وأخذت بيدي، و مشيت برجلي انتهى.

و " أنزل في الكيل " فان قيل سورة المطففين من السور المكية والغرض هنا بيان التكاليف المتجددة بالمدينة، قلنا: لا عبرة بما ذكره المفسرون في ذلك مع أنهم اختلفوا في هذه السورة قال في مجمع البيان: مكية وقال المعدل مدنية عن الحسن والضحاك وعكرمة، قال: وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثماني آيات منها " هي إن الذين أجرموا " إلى آخر السورة انتهى فالخبر يؤيد قول هؤلاء الجماعة، ويؤيده ما رواه في مجمع البيان في سبب نزول صدر السورة عن عكرمة، عن ابن عباس أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله عز وجل " ويل للمطففين " فأحسنوا الكيل بعد ذلك، وروي عن السدى أنه صلى الله عليه وآله قدم المدينة وبها رجل يقال له أبو جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فنزلت الآيات ويؤنسه أن الطبرسي رحمه الله ذكرها

في ترتيب نزول السور آخر السور المكية فيمكن أن يكون نزولها بعد الهجرة وقبل نزول المدينة.

وفي القاموس الويل حلول الشر و " ويل " كلمة عذاب، وواد في جهنم أو بئر أو باب لها انتهى واستدل عليه السلام بأن الويل لم يطلق في القرآن إلا للكافرين كقوله " فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " " وويل للكافرين من عذاب شديد " " فويل للذين ظلموا من عذاب يوم عظيم " " ويل لكل همزة لمزة " " يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا " " يا ويلنا إنا كنا طاغين " وفي المجمع " ويل للمطففين " هم الذين ينقصون المكيال و الميزان، ويبخسون الناس حقوقهم في الكيل والوزن، قال الزجاج وإنما قيل له مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشئ اليسير الطفيف.

و " أنزل في العهد " أي في سورة آل عمران وهي مدنية " إن الذين يشترون بعهد الله " لعل المراد بالعهد هنا على ظاهر سياق الحديث ما عاهدوا الله عليه فخالفوه وباليمين الايمان التي يحلفون بها على المستقبل ثم يخالفونها، ويحتمل شموله لليمين الغموس الكاذبة ويحتمل أن يكون العهد شاملا للبيعة، وما عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله ثم نقضوه، وقال الراغب: العهد حفظ الشئ ومراعاته حالا بعد حال، وسمي الموثق الذي يلزم مراعاته عهدا، قال عز وجل: " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا " أي أوفوا بحفظ الايمان، وعهد فلان إلى فلان أي ألقى العهد إليه وأوصاه بحفظه، قال عز وجل: " ولقد عهدنا إلى آدم " وعهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به بكتا به وبسنة

رسله، وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها انتهى.

وأما ما ذكره المفسرون في تلك الآية فقال الطبرسي قدس سره: نزلت في جماعة من أحبار اليهود كتموا ما في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وآله وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا تفوتهم الرئاسة، وما كان لهم على أتباعهم، عن عكرمة وقيل: نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له في أرض قام ليحلف عند رسول الله صلى الله عليه وآله فلما نزلت الآية نكل الأشعث واعترف بالحق عن ابن جريج وقيل: نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعته عن مجاهد والشعبي ثم قال: " إن الذين يشترون بعهد الله " أي يستبدلون بأمر الله سبحانه ما يلزمهم الوفاء به، وقيل: معناه إن الذين يحصلون بنكث عهد الله ونقضه " وأيمانهم " أي وبالايمان الكاذبة " ثمنا قليلا " أي عوضا نزرا لأنه قليل في جنب ما يفوتهم من الثواب، ويحصل لهم من العقاب، وقيل: العهد ما أوجبه الله تعالى على الانسان من الطاعة والكف عن المعصية وقيل: هو ما في عقل الانسان من الزجر عن الباطل والانقياد للحق " أولئك لأخلاق لهم " أي لا نصيب وافر لهم في نعيم الآخرة " ولا يكلمهم الله " أي بما يسرهم أولا يكلمهم أصلا وتكون المحاسبة بكلام الملائكة استهانة لهم " ولا ينظر إليهم يوم القيامة " أي لا يعطف عليهم ولا يرحمهم كما يقول القائل للغير: انظر إلي! يريد ارحمني " ولا يزكيهم " أي لا يطهرهم، وقيل: لا ينزلهم منزلة الأزكياء، وقيل لا يطهرهم من دنس الذنوب والأوزار بالمغفرة، بل يعاقبهم وقيل: لا يحكم بأنهم أزكياء ولا يسميهم بذلك. بل يحكم بأنهم كفرة فجرة " ولهم عذاب أليم " مؤلم موجع انتهى.

وقال البيضاوي: أي يستبدلون بما عاهدوا عليه من الايمان بالرسول والوفاء بالأمانات " وبأيمانهم " وبما حلفوا به من قولهم: والله لنؤمنن به ولننصرنه، " ثمنا

قليلا " متاع الدنيا " ولا يكلمهم الله " الظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم لقوله " ولا ينظر إليهم يوم القيامة " فان من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه، والالتفات نحوه، كما أن من اعتد بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه " ولا يزكيهم " ولا يثني عليهم انتهى وظاهر الخبر أن ناقض العهد واليمين.

لا يدخل الجنة أصلا فيمكن حمله على الاستحلال أو على أنه لا يدخل الجنة ابتداء وحمله على المشركين والكافرين كما هو ظاهر المفسرين ينافي سياق الحديث ويمكن حمله على أنهم لا يستحقون دخول الجنة، ولا يلزم على الله ذلك، لعدم الوعد إلا أن يدخلهم الجنة بفضله.

" وأنزل بالمدينة " أي في سورة النور وهي مدنية " الزاني لا ينكح " قال في مجمع البيان: اختلف في تفسيره على وجوه أحدها أن يكون المراد بالنكاح العقد ونزلت الآية على سبب، وهو أن رجلا من المسلمين استأذن النبي صلى الله عليه وآله في أن يتزوج أم مهزول، وهي امرأة كانت تسافح ولها راية على بابها تعرف بها، فنزلت الآية عن ابن عباس وغيره، والمراد بالآية النهي وإن كان ظاهره الخبر، وثانيها أن النكاح ههنا الجماع، والمعنى أنهما اشتركا في الزنا فهي مثله، فيكون نظير قوله " الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات " في أنه خرج مخرج الأغلب الأعم، وثالثها أن هذا الحكم كان في كل زان وزانية ثم نسخ بقوله وأنكحوا الأيامى منكم الآية عن سعيد بن المسيب وجماعة، ورابعها أن المراد به العقد وذلك الحكم ثابت فيمن زنا بامرأة فإنه لا يجوز له أن يتزوج بها، روي ذلك عن جماعة من الصحابة، وإنما قرن الله سبحانه بين الزاني والمشرك تعظيما لأمر الزنا وتفخيما لشأنه، ولا يجوز أن تكون هذه الآية خبرا لأنا نجد الزاني يتزوج غير زانية ولكن المراد هنا الحكم في كل زان، أو النهي، سواء كان المراد بالنكاح الوطي أو العقد، وحقيقة النكاح في اللغة الوطي " وحرم ذلك على المؤمنين " أي حرم

نكاح الزانيات أو حرم الزنا على المؤمنين، فلا يتزوج بهن ولا يطأهن إلا زان أو مشرك انتهى.

ثم المشهور بين الأصحاب كراهة نكاح المشهورات بالزنا وذهب الشيخان وجماعة إلى اشتراط التوبة في الحل سواء زنا بها من أراد نكاحها أو غيره للآية المتقدمة، وبعض الأخبار، وأجيب عن الآية تارة بأن المراد بالنكاح الوطي وأخرى بأنها منسوخة بقوله تعالى " وأنكحوا الأيامى منكم " وبقوله " فانكحوا ما طاب لكم " أو قوله " وأحل لكم ما وراء ذلكم " وفي الأول أنه خلاف الظاهر، فإنه إن أريد الوطي لم يظهر للكلام فائدة ظاهرة، وفي الثاني أنه خلاف الأصل، مع أن الظاهر من " طاب " حل ومن " وراء ذلكم " سائر أصناف النساء ولا ينافيه عروض الحرمة لعروض زنا ونحوه.

والظاهر أنه عليه السلام استدل بالآية على أن الله تعالى أخرج الزناة والزواني في هذه الآية من عداد المؤمنين، حيث قابل بين المؤمنين وبينهما إذ الظاهر من سياق الآية أن المراد أنه لا يليق نكاح الزاني إلا بزانية أو مشركة، ولا نكاح الزانية إلا بزان أو مشرك وأما المؤمن فإنه لا يليق به هذا الفعل وهو محرم عليه إما بمعناه أو بمعنى الكراهة الشديدة أو بمعنى المحرومية كما في قوله سبحانه " وحرمنا عليه المراضع فظهر أنه لم يسمهما بالايمان، لما عرفت من المقابلة مع أنه جمع بينهما وبين المشرك والمشركة، ففيه أيضا إيماء بعدم إيمانهما.

وهذا وجه حسن خطر بالبال للآية والخبر معا، فان حمل الآية على وجه آخر لا يستقيم ظاهرا فإنه إذا حمل النكاح على الوطي، فالكلام إما في قوة النهي أو الخبر، فعلى الأول المعنى النهي عن أن يطأ الزاني سوى الزانية والمشركة، وجواز وطيه لهما وفيه مالا يخفى، وكذا العكس، وعلى الثاني يكون كذبا إن أراد

بالوطي غير الزنا أو الأعم، وإن أريد به الزنا كان الكلام خاليا عن الفائدة، و إذا حمل على العقد فلو كان في قوة النهي كان مفادها النهي عن أن ينكح الزاني سوى الزانية والمشركة، وتجويز نكاحه إياهما، وتجويز نكاح الزانية بالزاني والمشرك ولم يقل به أحد، ولو كان خبرا لزم الكذب، فلابد من حمل الآية على ما ذكرنا فيتضح استدلاله عليه السلام غاية الوضوح، ويظهر منه عدم تمام الاستدلال بها على تحريم نكاحهما، نعم قوله سبحانه " وحرم ذلك " فيه دلالة على التحريم إن لم نحمله على معنى الحرمان، وحمله على الكراهة الشديدة، مع وجود المعارض غير بعيد، مع أنه يحتمل أن يكون " ذلك " إشارة إلى الزنا بكون الجملة حالية أو تعليلية.

قوله عليه السلام " ليس يمتري " الامتراء الشك، والجملة إلى قوله " أنه قال " معترضة، وضمير " فيه " راجع إلى الرسول، وقوله " أنه قال " بدل اشتمال للضمير، وقوله " لا يزني " مفعول " قال " أولا والاعتراض لبيان أن الخبر معلوم متواتر بين الفريقين، وكأن المراد بقوله " حين يزني وحين يسرق " حين يصر عليهما ولم يتب، ولا فساد في مفارقة الايمان بالمعنى الذي ذكرناه، حيث اشتمل على الفرائض وترك الكبائر عنه، وبها يستحق العذاب في الجملة، لا الخلود في النار، ومن لم يقل بذلك أوله بتأويلات بعيدة.

قال في النهاية في الحديث " لا يزني الزاني وهو مؤمن " قيل معناه النهي وإن كان في صورة الخبر، والأصل حذف الياء من يزني أي " لا يزن المؤمن ولا يسرق ولا يشرب " فان هذه الأفعال لا يليق بالمؤمن، وقيل: هو وعيد يقصد به الردع كقوله " لا إيمان لمن لا أمانة له " و " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " وقيل: معناه لا يزني وهو كامل الايمان، وقيل: معناه أن الهوى يغطي الايمان فصاحب الهوى لا يرى إلا هواه ولا ينظر إلى إيمانه الناهي له عن ارتكاب الفاحشة فكأن الايمان في تلك الحالة قد انعدم، وقال ابن عباس: الايمان نزه فإذا أذنب العبد فارقه، ومنه الحديث الاخر إذا زنى الرجل خرج منه الايمان فوق رأسه كالظلة

فإذا أقلع رجع إليه الايمان وكل هذا محمول على المجاز ونفي الكمال، دون الحقيقة في رفع الايمان وإبطاله انتهى.

وقيل: إنه ليس بمؤمن إذا كان مستحلا، وقيل: ليس بمؤمن من العقاب وقيل: المقصود نفي المدح أي لا يقال له مؤمن بل يقال: زان أو سارق، وقيل: إنه لنفي البصيرة أي ليس هو ذا بصيرة، وقال ابن عباس: أي ليس ذا نور، وقيل: أي ليس بمستحضر الايمان، وقيل: أي ليس بعاقل، لان المعصية مع استحضار العقوبة مرجوحة، والحكم بالمرجوح بخلاف العقول ، وقيل: المقصود نفي الحياء والحياء شعبة من الايمان، أي ليس بمستحي من الله سبحانه، ولا يخفى ما في أكثر هذه الوجوه من البعد والركاكة.

" وأنزل بالمدينة " أي في سورة النور أيضا " والذين يرمون المحصنات " أي يقذفون العفائف من النساء بالزنا " ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " أي بأربعة عدول يشهدون أنهم رأوهن يفعلن ما رموهن به من الزنا " فاجلدوهم ثمانين جلدة " خبر الذين بتأويل " ولا تقبلوا لهم شهادة " خبر ثان، وتنكير شهادة للعموم أي في أي أمر من الأمور كان " أبدا " تأكيد للعموم أي ما لم يتب " وأولئك هم الفاسقون " أي هم في أعلا مراتب الفسق حتى كأنه لا فاسق غيرهم، فقد عبر عنهم باسم الإشارة وعرف الخبر وأتى بضمير الفصل مبالغة في ادعاء حصر الفسق فيهم، وقصره عليهم، قيل: ويمكن أن يكون حالا أو اعتراضا يجري مجرى التعليل لعدم قبول الشهادة " إلا الذين تابوا " عن القذف وندموا ورجعوا بالتدارك " من بعد ذلك " أي من بعد إقامة الحد وقيل: من بعد الرمي، " وأصلحوا " سرائرهم وأعمالهم فاستقاموا على مقتضى التوبة، قالوا: ومنه الاستسلام للحد، والاستحلال من المقذوف، والعزم على عدم العود إلى ذلك، وعلى ترك جميع المناهي على قول، وفي المجمع: ومن شرط توبة القاذف أن يكذب نفسه فيما قاله، فإن لم يفعل ذلك لم يجز قبول شهادته

" فان الله غفور رحيم " علة للاستثناء.

قوله عليه السلام " فبرأه الله " الظاهر أنه عليه السلام استدل على عدم وصفهم بالايمان بوصفهم بالفسق، لان في عرف القرآن الفسق لازم للكفر، ولم يطلق فيه الفاسق إلا على الكافر كقوله تعالى " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا " فقابل بين الايمان والفسق فدل على أن الفاسق ليس بمؤمن، وقال " إن المنافقين هم الفاسقون " فحصر الفاسق في المنافق فجعله الله منافقا، " وجعله من أولياء إبليس " حيث أطلق الفسق عليهما، وأيضا إذا نظرت في الآيات الكريمة وسبرتها لم تر الفاسق اطلق فيها إلا على الكافر، قال الراغب: فسق فلان خرج من حد الشرع وذلك من قولهم فسق الرطب إذا خرج عن قشره، وهو أعم من الكفر، والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تعورف فيما كان كثيرا وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به، ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه وإذا قيل للكافر الأصلي: فاسق، فلانه أخل بحكم ما ألزمه العقل، واقتضاه الفطرة قال عز وجل " ففسق عن أمر ربه " " ففسقوا فيها فحق عليها القول " " وأكثرهم الفاسقون " و " أولئك هم الفاسقون " " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " وقال " ومن يكفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " وقال تعالى " وأما الذين فسقوا فمأواهم النار " " والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون " " والله لا يهدي القوم الفاسقين " " إن المنافقين هم الفاسقون " " وكذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون " انتهى ".

و " جعله " أي الرامي " المحصنات " أي العفائف " الغافلات " مما قذفن به " المؤمنات " بالله ورسوله وما جاء به " لعنوا في الدنيا والآخرة " بما طعنوا فيهن " ولهم عذاب عظيم " لعظم ذنوبهم " يوم تشهد عليهم " ظرف لما في " لهم " من معنى الاستقرار لا للعذاب " ألسنتهم وأيديهم " يعترفون بها بانطاق الله إياها بغير اختيارهم أو بظهور آثاره عليها، قوله عليه السلام " وليست تشهد " يدل على أن شهادة الجوارح إنما هي للكفار كما ذكره جماعة من المفسرين، وذكره الشيخ البهائي رحمه الله في الأربعين.

قوله عليه السلام " فيعطى كتابه بيمينه " أي فيقرؤه ومن تنطق جوارحه يختم على فيه لقوله تعالى " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم " أو لان سياق آيات شهادة الجوارح تدل على غاية الغضب، والآيات النازلة في المؤمنين مشتملة على نهاية اللطف كقوله سبحانه " يوم ندعو كل أناس بامامهم فمن أوتي " أي من المدعوين " كتابه بيمينه " أي كتاب عمله " فأولئك يقرؤن كتابهم " ابتهاجا بما يرون فيه " ولا يظلمون فتيلا " أي ولا ينقصون من أجورهم أدنى شئ، والفتيل المفتول وسمي ما يكون في شق النواة فتيلا لكونه على هيئته، وقيل: هو ما تفتله بين أصابعك من خيط أو وسخ، ويضرب به المثل في الشئ الحقير.

ثم اعلم أن هذا المضمون وقع في مواضع من القرآن المجيد: أولها في بني إسرائيل " فمن أوتي كتابه بيمينه " إلى آخر ما في الحديث، وثانيها في الحاقة " فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه " وثالثها في الانشقاق " فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا " وما في الحديث لا يوافق شيئا منها وإن كان بالأول أنسب، فكأنه من تصحيف النساخ أو كان في قرائتهم عليهم السلام هكذا، أو نقل بالمعنى جمعا بين الآيات.

" وسورة النور أنزلت " كأن هذا جواب عن اعتراض مقدر، وهو أنه لما

أنزل الله في سورة النساء مرتين " أن الله لا يغفر إن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " وهي تدل على عدم ترتب العذاب على غير الشرك، فيمكن كونها ناسخة للآيات الدالة على عقوبات أصحاب الكبائر، وعدم كونهم من المؤمنين.

فأجاب عليه السلام بعد التنزل عن عدم المخالفة بين هذه الآية، وتلك الآيات لان تجويز المغفرة لمن شاء الله لا ينافي استحقاقهم للعذاب والعقاب، وخروجهم عن الايمان بأحد معانيه، بأن أكثر ما أوردنا من الآيات واستدللنا بها إنما هي في سورة النور، وهي نزلت بعد سورة النساء، فكيف تكون آية النساء ناسخة لها فلو احتاج التوفيق إلى القول بالنسخ لكان الامر بعكس ما قلتم، مع أنه لا قائل بالفصل ثم استدل عليه السلام على ذلك بأن الله تعالى قال في سورة النساء: " أو يجعل الله لهن سبيلا " والسبيل هو الذي ذكره من الحد في سورة النور ويحتمل أن يكون الغرض إفادة دليل آخر على ما سبق من نزول الاحكام مدرجا ونسخ الأشد للأضعف، لكن الأول أظهر.

" واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم " ذهب الأكثر إلى أن المراد بالفاحشة الزنا، وقيل: هي المساحقة " فاستشهدوا عليهن أربعة منكم " الخطاب للأئمة والحكام، بطلب أربعة رجال من المسلمين شهودا عليهن، وقيل: الخطاب للأزواج " فان شهدوا " أي الأربعة " فأمسكوهن " أي فاحبسوهن " في البيوت حتى يتوفاهن " أي يدركهن الموت، قيل أريد به صيانتهن عن مثل فعلهن، والأكثر على أنه على وجه الحد على الزنا.

قالوا: كان في بدو الاسلام إن فجرت المرأة وقام عليها أربعة شهود حبست في البيت أبدا حتى تموت، ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين، والجلد في البكرين " أو يجعل الله لهن سبيلا " أي ببيان الحكم كما مر، وقيل: بالتوبة أو بالنكاح المغني عن السفاح، وقالوا: لما نزل قوله تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا "

قال النبي صلى الله عليه وآله: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " سورة " أي هذه سورة أو فيما أوحينا إليك سورة " أنزلناها " صفة " وفرضناها " أي فرضنا ما فيها من الاحكام " لعلكم تذكرون " فتتقون الحرام " الزانية والزاني " قيل: أي فيما فرضنا أو أنزلنا حكمهما وهو الجلد، ويجوز أن يرفعا بالابتداء والخبر " فاجلدوا " إلى قوله " رأفة " أي رحمة " في دين الله " أي في طاعته وإقامة حده فتعطلوه، أو تسامحوا فيه " إن كنتم تؤمنون " فان الايمان يقتضي الجد في طاعة الله.

ثم اعلم أن عدم ذكر الولاية في هذا الخبر مع أنه الغرض الأصلي منه لنوع من التقية لأنه عليه السلام ذكره إلزاما عليهم حيث أنكروا كون الولاية جزءا من الايمان.

تذييل نفعه جليل اعلم أن الذي ظهر لنا من مجموع الآيات المتضافرة، والاخبار المتكاثرة الواردة في الايمان والاسلام وحقائقهما وشرائطهما أن لكل منهما إطلاقات كثيرة في الكتاب والسنة، ولكل منها فوائد وثمرات تترتب عليه.

فالأول من معاني الايمان مجموع العقائد الحقة والأصول الخمسة والثمرة المترتبة عليه في الدنيا الأمان من القتل، ونهب الأموال، والإهانة، إلا أن يأتي بقتل أو فاحشة يوجب القتل أو الحد أو التعزير، وفي الآخرة صحة أعماله واستحقاق الثواب عليها في الجملة، وعدم الخلود في النار، واستحقاق العفو والشفاعة، ويدخل في الكفر المقابل لهذا الايمان من سوى الفرقة الناجية الامامية من فرق الاسلام وغيرهم، فإنهم مخلدون في النار، سوى المستضعفين منهم كما سيأتي.

الثاني الاعتقادات المذكورة مع الاتيان بالفرائض التي ظهر وجوبها من

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.