بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
30 - باب ان العمل جزء الايمان، وأن الايمان مبثوث
ج ۶۶، ص ۷۰–۹۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۵
بيان: قوله " برا " يمكن أن يقرأ بضم الباء وكسرها " على إضافة " أي ضيافة والمعنى كان عنده أضياف كثيرون قوله " ما سرقته منه " كأن المعنى ما أخفيته منه ولم أذكره له، والآن أذكره، وكأنه سماه سرقة إشارة إلى أنه لما كان قابلا لسماع هذا الحديث ولم أذكره له فكأني سرقته منه، ويمكن أن
يقرأ " ما سر " على بناء المفعول من السرور " قنه " بكسر القاف وتشديد النون أي عبده، والضمير لابن الفرات " منه " أي من استماعه ويمكن أن يقرأ سر على بناء الفاعل أيضا أي يسر القن المرسل إليه بسببه، والأصوب أنه من السرقة والمعنى ما سرقت هذا الشعر منه، لان الشعر تضمن افتقاره إلى الشكر والحديث دل عليه.
قوله " شكراك " كأن التثنية باعتبار النعمتين، وإفراد الخبر باعتبار كل واحد أو الشكري مصدر كذكري وإن لم يرد في كتب اللغة، وعلى الأول يحتمل أن يكون المراد مطلق التكرير كلبيك ، وفي بعض النسخ " شكريك " بالياء أي شكري لك " معقود بأيماني " أي ألزمته على نفسي بالايمان كقوله تعالى " بما عقدتم الايمان " هذا على فتح همزة الايمان، وكان كسرها أنسب بالحديث الذي سرقه منه " حكم " بالتحريك أي حاكم أو محكم، ويحتمل الضم، والفم هنا بالتشديد في القاموس الفم مثلثة أصله فوه وقد تشدد الميم مثلثة، وقوله " حدثت الخ " إشارة إلى الحديث المروي عنه قبل هذا الخبر، وكان الأظهر " ما تقدمه ".
26 - معاني الأخبار: عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن ابن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس الايمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن الايمان ما خلص في القلب وصدقه الأعمال.
بيان: " بالتحلي " أي بأن يتزين به ظاهرا من غير يقين بالقلب " ولا بالتمني " بأن يتمنى النجاة بمحض العقائد من غير عمل.
27 - معاني الأخبار: عن أبيه، عن محمد العطار، عن سهل، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن الحسن بن زياد العطار، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنهم يقولون لنا: أمؤمنون أنتم؟ فنقول: نعم فيقولون: أليس المؤمنون في الجنة؟ فنقول: بلى فيقولون: أفأنتم في الجنة؟ فإذا نظرنا إلى أنفسنا ضعفنا وانكسرنا عن الجواب، قال:
فقال عليه السلام: إذا قالوا لكم: أمؤمنون أنتم؟ فقولوا: نعم إنشاء الله، قال: قلت: فإنهم يقولون إنما استثنيتم لأنكم شكاك، قال: فقولوا لهم: والله ما نحن بشكاك، و لكن استثنينا كما قال الله عز وجل " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين " وهو يعلم أنهم يدخلونه أولا، وقد سمى الله عز وجل المؤمنين بالعمل الصالح مؤمنين ولم يسم من ركب الكبائر وما وعد الله عز وجل عليه النار في قرآن ولا أثر، ولا نسميهم بالايمان بعد ذلك الفعل.
بيان: قوله " بالايمان " متعلق بقوله " لم يسم " و " لا نسميهم " معا على التنازع.
28 - التوحيد: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن أبي نجران، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحيم القصير، قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله عليه السلام أسأله عن الايمان ما هو؟ فكتب: الايمان هو إقرار باللسان، وعقد بالقلب، وعمل بالأركان. فالايمان بعضه من بعض، وقد يكون العبد مسلما قبل أن يكون مؤمنا ولا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما فالاسلام قبل الايمان، وهو يشارك الايمان، فإذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عز وجل عنها كان خارجا من الايمان، و ساقطا عنه اسم الايمان، وثابتا عليه اسم الاسلام، فان تاب واستغفر عاد إلى الايمان ولم يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال: إذا قال للحلال هذا حرام، و للحرام هذا حلال، ودان بذلك، فعندها يكون خارجا من الايمان والاسلام إلى الكفر، وكان بمنزلة رجل دخل الحرم ثم دخل الكعبة، فأحدث في الكعبة حدثا فاخرج عن الكعبة وعن الحرم، فضربت عنقه، وصار إلى النار. الخبر.
29 - تفسير النعماني: بالاسناد الآتي في كتاب القرآن عن أمير المؤمنين عليه السلام: قال: وأما الايمان والكفر والشرك وزيادته ونقصانه، فالايمان بالله
تعالى هو أعلى الأعمال درجة وأشرفها منزلة، وأسناها حظا. فقيل له: الايمان قول وعمل أم قول بلا عمل؟ فقال: الايمان تصديق بالجنان، وإقرار باللسان وعمل بالأركان، وهو عمل كله، ومنه التام، ومنه الكامل تمامه، ومنه الناقص البين نقصانه، ومنه الزائد البين زيادته، إن الله تعالى ما فرض الايمان على جارحة من جوارح الانسان إلا وقد وكلت بغير ما وكلت به الأخرى، فمنها قلبه الذي يعقل به، ويفقه ويفهم، ويحل ويعقد ويريد، وهو أمير البدن وإمام الجسد الذي لا تورد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره ونهيه، ومنها لسانه الذي ينطق به، ومنها أذناه اللتان يسمع بهما، ومنها عيناه اللتان يبصر بهما ومنها يداه اللتان يبطش بهما، ومنها رجلاه اللتان يسعى بهما، ومنها فرجه الذي الباه من قبله، ومنها رأسه الذي فيه وجهه، وليس جارحة من جوارحه إلا وهي مخصوصة بفرضه.
وفرض على القلب غير ما فرض على السمع، وفرض على السمع غير ما فرض على البصر، وفرض على البصر غير ما فرض على اليدين، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه، وفرض على الوجه غير ما فرض على اللسان.
فأما ما فرض على القلب من الايمان، فالاقرار والمعرفة والعقد عليه والرضا بما فرضه عليه، والتسليم لامره، والذكر والتفكر، والانقياد إلى كل ما جاء عن الله عز وجل في كتابه مع حصول المعجز، فيجب عليه اعتقاده وأن يظهر مثل ما أبطن إلا للضرورة كقوله سبحانه " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان " وقوله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " وقال سبحانه " الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " وقوله تعالى " ألا
بذكر الله تطمئن القلوب " وقوله سبحانه " ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا " وقوله تعالى " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " وقال عز وجل: " فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " ومثل هذا كثير في كتاب الله تعالى وهو رأس الايمان.
وأما ما فرضه على اللسان في معنى التعبير لما عقد به القلب وأقر به فقوله تعالى: " قولوا آمنا بالله وما انزل إلينا وما انزل إلى إبراهيم وإسماعيل و إسحاق ويعقوب " الآية وقوله سبحانه " قولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة " وقوله سبحانه " ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد " فأمر سبحانه بقول الحق، ونهى عن قول الباطل.
وأما ما فرضه على الاذنين فالاستماع لذكر الله والانصات إلى ما يتلى من كتابه وترك الاصغاء إلى ما يسخطه فقال سبحانه " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " وقال تعالى " وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزء بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره " الآية ثم استثنى برحمته لموضع النسيان فقال: " وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " وقال عز وجل: " فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هديهم الله وأولئك هم أولوا الألباب " وقال تعالى " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين " وفي كتاب الله تعالى ما معناه
معنى ما فرض الله سبحانه على السمع وهو الايمان.
وأما ما فرضه على العينين فمنه النظر إلى آيات الله تعالى وغض البصر عن محارم الله قال الله تعالى: " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت " وقال تعالى:
" أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شئ " وقال سبحانه: " انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه " وقال: " فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها " وهذه الآية جامعة لابصار العيون وأبصار القلوب قال الله تعالى:
" فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " ومنه قوله تعالى:
" قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم " معناه لا ينظر أحدكم إلى فرج أخيه المؤمن أو يمكنه من النظر إلى فرجه، ثم قال سبحانه " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن " أي ممن يلحقهن النظر كما جاء في حفظ الفرج، والنظر سبب إيقاع الفعل من الزنا وغيره.
ثم نظم تعالى ما فرض على السمع والبصر والفرج في آية واحدة فقال: " وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون " يعني بالجلود هنا الفروج [والأفخاذ] وقال تعالى: " ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا " فهذا ما فرض الله تعالى على العينين من تأمل الآيات والغض عن تأمل المنكرات وهو من الايمان.
وأما ما فرضه سبحانه على اليدين فالطهور وهو قوله " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا
برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين " وفرض على اليدين الانفاق في سبيل الله فقال:
" أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض " وفرض تعالى على اليدين الجهاد لأنه من عملهما وعلاجهما فقال: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق " وذلك كله من الايمان.
وأما ما فرضه الله على الرجلين فالسعي بهما فيما يرضيه، واجتناب السعي فيما يسخطه، وذلك قوله سبحانه " فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع " وقوله سبحانه " ولا تمش في الأرض مرحا " وقوله " واقصد في مشيك واغضض من صوتك " وفرض الله عليهما القيام في الصلاة فقال: " وقوموا لله قانتين " ثم أخبر أن الرجلين من الجوارح التي تشهد يوم القيامة حين تستنطق بقوله سبحانه " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " وهذا مما فرضه الله تعالى على الرجلين في كتابه وهو من الايمان.
وأما ما افترضه على الرأس فهو أن يمسح من مقدمه بالماء في وقت الطهور للصلاة بقوله " وامسحوا برؤوسكم " وهو من الايمان، وفرض على الوجه الغسل بالماء عند الطهور وقال: " يا أيها الذين آمنوا إذ أقمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " وفرض عليه السجود وعلى اليدين والركبتين والرجلين الركوع وهو من الايمان وقال فيما فرض على هذه الجوارح من الطهور والصلاة وسماه في كتابه إيمانا حين تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فقال المسلمون: يا رسول الله ذهبت صلاتنا إلى بيت المقدس وطهورنا ضياعا؟ فأنزل الله تعالى " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف
رحيم " فسمى الصلاة والطهور إيمانا.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لقي الله كامل الايمان فهو من أهل الجنة ومن كان مضيعا لشئ مما فرضه الله تعالى في هذه الجوارح وتعدى ما أمر الله به وارتكب ما نهاه عنه لقى الله تعالى ناقص الايمان قال الله عز وجل: " وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون " وقال : " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون " وقال سبحانه: " إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى " وقال: " والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقويهم " وقال: " هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم " الآية.
فلو كان الايمان كله واحدا لا زيادة فيه ولا نقصان، لم يكن لاحد فضل على أحد ولتساوى الناس، فبتمام الايمان وكماله دخل المؤمنون الجنة، ونالوا الدرجات فيها، وبذهابه ونقصانه دخل الآخرون النار، وكذلك السبق إلى الايمان قال الله تعالى: " والسابقون السابقون أولئك المقربون " وقال سبحانه: " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار " وثلث بالتابعين، وقال عز وجل: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس " وقال: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا " وقال: " انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة
أكبر درجات وأكبر تفضيلا " وقال: " هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون " وقال سبحانه: " ويؤت كل ذي فضل فضله " وقال: " الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله " وقال تعالى:
" لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى " وقال تعالى: " وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة " وقال: " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح " فهذه درجات الايمان ومنازلها عند الله سبحانه، ولن يؤمن بالله إلا من آمن برسوله وحججه في أرضه، قال الله تعالى: " من يطع الرسول فقد أطاع الله " وما كان الله عز وجل ليجعل لجوارح الانسان إماما في جسده ينفي عنها الشكوك، ويثبت لها اليقين، وهو القلب ويهمل ذلك في الحجج وهو قوله تعالى " فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم أجمعين " وقال: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " وقال تعالى: " أن تقولوا ما جائنا من بشير ولا نذير " وقال سبحانه: " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا " الآية.
ثم فرض على الأمة طاعة ولاة أمره القوام بدينه، كما فرض عليهم طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم "
ثم بين محل ولاة أمره من أهل العلم بتأويل كتابه فقال عز وجل: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " وعجز كل أحد من الناس عن معرفة تأويل كتابه غيرهم، لأنهم هم الراسخون في العلم المأمونون على تأويل التنزيل قال الله تعالى: " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " إلى آخر الآية وقال سبحانه: " بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ".
وطلب العلم أفضل من العبادة، قال الله عز وجل: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " وبالعلم استحقوا عند الله اسم الصدق، وسماهم به صادقين، و فرض طاعتهم على جميع العباد بقوله " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " فجعلهم أولياءه، وجعل ولايتهم ولايته. وحزبهم حزبه فقال: " ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون " وقال: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ".
واعلموا رحمكم الله أنما هلكت هذه الأمة وارتدت على أعقابها بعد نبيها صلى الله عليه وآله بركوبها طريق من خلا من الأمم الماضية، والقرون السالفة الذين آثروا عبادة الأوثان على طاعة أولياء الله عز وجل، وتقديمهم من يجهل على من يعلم فعقبها الله تعالى بقوله " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب " وقال في الذين استولوا على تراث رسول الله بغير حق من بعد وفاته: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن
يهدى فمالكم كيف تحكمون " فلو جاز للأمة الأيتام بمن لا يعلم، أو بمن يجهل لم يقل إبراهيم عليه السلام لأبيه " لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ".
فالناس أتباع من اتبعوه من أئمة الحق وأئمة الباطل قال الله عز وجل:
" يوم ندعوا كل أناس بامامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا " فمن ائتم بالصادقين حشر معهم، ومن ائتم بالمنافقين حشر معهم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يحشر المرء مع من أحب، قال إبراهيم عليه السلام: " فمن تبعني فإنه مني ".
وأصل الايمان العلم، وقد جعل الله تعالى له أهلا ندب إلى طاعتهم ومسألتهم فقال: " فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " وقال جلت عظمته: " وأتوا البيوت من أبوابها " والبيوت في هذا الموضع اللاتي عظم الله بناءها بقوله " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " ثم بين معناها لكيلا يظن أهل الجاهلية أنها بيوت مبنية فقال تعالى: " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " فمن طلب العلم في هذه الجهة أدركه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم - وفي موضع آخر أنا مدينة الحكمة - وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها.
وكل هذا منصوص في كتابه تعالى إلا أن له أهلا يعلمون تأويله فمن عدل منهم إلى الذين ينتحلون ما ليس لهم، ويتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [وهو تأويله] بلا برهان ولا دليل ولا هدى هلك وأهلك، وخسرت صفقته وضل سعيه يوم " تبرء الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب " وإنما هو حق وباطل، وإيمان، وكفر، وعلم وجهل، وسعادة
وشقوة، وجنة ونار، لن يجتمع الحق والباطل في قلب امرء قال الله تعالى: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ".
وإنما هلك الناس حين ساووا بين أئمة الهدى وبين أئمة الكفر، وقالوا:
إن الطاعة مفروضة لكل من قام مقام النبي صلى الله عليه وآله برا كان أو فاجرا، فاتوا من قبل ذلك قال الله سبحانه: " أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون " وقال الله تعالى: " هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور " فقال: فيمن سموهم من أئمة الكفر بأسماء أئمة الهدى ممن غصب أهل الحق ما جعله الله لهم، وفيمن أعان أئمة الضلال على ظلمهم " إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان " فأخبرهم الله سبحانه بعظيم افترائهم على جملة أهل الايمان بقوله تعالى " إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله " وقوله تعالى: " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله " وبقوله سبحانه: " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " وبقوله تعالى:
" أفمن كان على بينة من ربه كمن هو أعمى " فبين الله عز وجل بين الحق والباطل في كثير من آيات القرآن، ولم يجعل للعباد عذرا في مخالفة أمره بعد البيان والبرهان، ولم يتركهم في لبس من أمرهم، ولقد ركب القوم الظلم والكفر
في اختلافهم بعد نبيهم وتفريقهم الأمة، وتشتيت أمر المسلمين، واعتدائهم على أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله بعد أن بين لهم من الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية بالمخالفة، فاتبعوا أهواءهم وتركوا ما أمرهم الله به ورسوله قال تعالى: " وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة " ثم أبان فضل المؤمنين فقال سبحانه: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ".
ثم وصف ما أعده من كرامته تعالى لهم وما أعده لمن أشرك به، وخالف أمره وعصى وليه، من النقمة والعذاب، ففرق بين صفات المهتدين، وصفات المعتدين، فجعل ذلك مسطورا في كثير من آيات كتابه ولهذه العلة قال الله تعالى:
" أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " فترى من هو الامام الذي يستحق هذه الصفة من الله عز وجل المفروض على الأمة طاعته؟ من لم يشرك بالله تعالى طرفة عين، ولم يعصه في دقيقة ولا جليلة قط؟ أم من أنفد عمره وأكثر أيامه في عبادة الأوثان، ثم أظهر الايمان وأبطن النفاق؟ وهل من صفة الحكيم أن يطهر الخبيث بالخبيث، ويقيم الحدود على الأمة من في جنبه الحدود الكثيرة، وهو سبحانه يقول: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون " أولم يأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله بتبليغ ما عهده إليه في وصيه، وإظهار إمامته و ولايته، بقوله " يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ما قد سمع، وعلم أن الشياطين اجتمعوا إلى إبليس فقالوا له: ألم تكن أخبرتنا أن محمدا إذا مضى نكثت أمته عهده ونقضت سنته، وإن الكتاب الذي جاء به يشهد بذلك، وهو قوله " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " فكيف
يتم هذا وقد نصب لامته علما، وأقام لهم إماما؟ فقال لهم إبليس: لا تجزعوا من هذا فان أمته ينقضون عهده ويغدرون بوصيه من بعده، ويظلمون أهل بيته، و يهملون ذلك لغلبة حب الدنيا على قلوبهم، وتمكن الحمية والضغائن في نفوسهم واستكبارهم وعزهم فأنزل الله تعالى " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ".
بيان: " باللغو في أيمانكم " قال في المجمع: هو ما يجري على عادة الناس من قول " لا والله، وبلى والله " من غير عقد على يمين يقتطع بها مال أو يظلم بها أحد، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وقيل: هو أن يحلف وهو يرى أنه صادق، ثم تبين أنه كاذب فلا إثم عليه ولا كفارة، وقيل: هو يمين الغضب لا يؤاخذ بالحنث فيها، وقال مسروق: كل يمين ليس له الوفاء بها فهي لغو ولا تجب فيها كفارة " بما كسبت قلوبكم " أي بما عزمتم وقصدتم، لان كسب القلب العقد والنية، وفيه حذف أي من أيمانكم وقيل: بأن تحلفوا كاذبين أو على باطل انتهى.
والاستدلال بآية التفكر لأنه من فعل القلب وكذا التدبر فان قوله تعالى " أفلا يتدبرون القرآن " أي أفلا يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يجسروا على المعاصي، وما فيه من الدلائل والبراهين على جميع أصول الدين فيرتدعوا عن الكفر بها " أم على قلوب أقفالها " لا يصل إليها ذكر، ولا ينكشف لها أمر، وقيل: " أم " منقطعة، ومعنى الهمزة فيه التقرير، وتنكير القلوب لان المراد قلوب بعض منهم أو للاشعار بأنها لابهام أمرها في القساوة، أو لفرط جهالتها ونكرها، كأنها مبهمة منكورة، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها مختصة بها لا تجانس الأقفال المعهودة.
" ولكن تعمى القلوب " أي عن الاعتبار، والمعنى ليس الخلل في مشاعرهم
وإنما إيفت عقولهم باتباع الهوى والانهماك في التقليد، وذكر الصدور للتأكيد " سلام عليكم " قيل متاركة لهم وتوديع ودعاء لهم بالسلامة عما هم فيه " لا نبتغي الجاهلين " أي لا نطلب صحبتهم ولا نريدها قوله " وينعه " أي نضجه يقال: ينع الثمر كمنع و ضرب ينعا وينعا وينوعا: حان قطافه قوله عليه السلام: قال الله تعالى " فإنها لا تعمى " ذكر الآية هنا بعد ذكرها سابقا للاستشهاد بأن الابصار والعمى يطلقان في ابصار الرؤوس وابصار القلوب.
قوله: " من تأمل الآيات " أي آيات القرآن أو آياته في الآفاق والأنفس " فزادهم هدى " قيل: أي زادهم الله بالتوفيق والالهام، أو قول الرسول. " وآتيهم تقويهم " أي بين لهم ما يتقون، أو أعانهم على تقواهم، أو أعطاهم جزاءهما.
30 - الكافي: عن علي بن محمد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرزاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمد بن سالم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أناسا تكلموا في هذا القرآن بغير علم، وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول: " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله " الآية فالمنسوخات من المتشابهات، والمحكمات من الناسخات.
إن الله عز وجل بعث نوحا إلى قومه " أن اعبدوا الله واتقوه و أطيعون " ثم دعاهم إلى الله عز وجل وحده، وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ثم بعث الأنبياء صلوات الله عليهم - على ذلك إلى أن بلغوا محمدا صلى الله عليه وآله فدعاهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وقال: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشاء ويهدي
إليه من ينيب " فبعث الأنبياء إلى قومهم بشهادة أن لا إله إلا الله، الاقرار بما جاء به من عند الله، فمن آمن مخلصا ومات على ذلك أدخله الله الجنة بذلك وذلك أن الله ليس بظلام للعبيد، وذلك أن الله لم يكن يعذب عبدا حتى يغلظ عليه في القتل والمعاصي التي أوجب الله عليه بها النار لمن عمل بها فلما استجاب لكل نبي من استجاب له من قومه من المؤمنين، جعل لكل نبي منهم شرعة و منهاجا، والشرعة والمنهاج سبيل وسنة، وقال الله لمحمد صلى الله عليه وآله " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ".
وأمر كل نبي بالأخذ بالسبيل والسنة، وكان من السبيل والسنة التي أمر الله عز وجل بها موسى عليه السلام أن جعل عليهم السبت وكان من أعظم السبت ولم يستحل أن يفعل ذلك من خشية الله أدخله الله الجنة، ومن استخف بحقه واستحل ما حرم الله عليه من العمل الذي نهاه الله عنه فيه، أدخله الله عز وجل النار، وذلك حيث استحلوا الحيتان، واحتبسوها وأكلوها يوم السبت، غضب الله عليهم من غير أن يكونوا أشركوا بالرحمن، ولا شكوا، في شئ مما جاء به موسى عليه السلام قال الله عز وجل:
" ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ".
ثم بعث الله عيسى عليه السلام بشهادة أن لا إله إلا الله، والاقرار بما جاء به من عند الله، وجعل لهم شرعة ومنهاجا فهدمت السبت الذي أمروا به أن يعظموه قبل ذلك، وعامة ما كانوا عليه من السبيل والسنة التي جاء بها موسى، فمن لم يتبع سبيل عيسى أدخله الله النار، وإن كان الذي جاء به النبيون جميعا أن لا يشركوا بالله شيئا.
ثم بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وآله وهو بمكة عشر سنين، فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا أدخله الله الجنة باقراره، وهو إيمان التصديق، ولم يعذب الله أحدا ممن مات وهو
متبع لمحمد صلى الله عليه وآله على ذلك إلا من أشرك بالرحمن.
وتصديق ذلك أن الله عز وجل أنزل عليه في سورة بني إسرائيل بمكة " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " إلى قوله تعالى " إنه كان بعباده خبيرا بصيرا " أدب وعظة وتعليم ونهي خفيف، ولم يعد عليه ولم يتواعد على اجتراح شئ مما نهي عنه، وأنزل نهيا عن أشياء حذر عليها ولم يغلظ فيها ولم يتواعد عليها، وقال: " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا * ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا * ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا * ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا * وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا * ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا * ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا * كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها * ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ".
وأنزل في والليل إذا يغشى: " فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصليها إلا الأشقى الذي كذب وتولى " فهذا مشرك، وأنزل في إذا السماء انشقت: " وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعوا ثبورا ويصلى سعيرا * إنه كان في أهله مسرورا * إنه ظن أن لن يحور بلى " فهذا مشرك ، وأنزل في تبارك " كلما القي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جائنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ " فهؤلاء مشركون، وأنزل في الواقعة " وأما إن كان من المكذبين
الضالين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم " فهؤلاء مشركون، وأنزل في الحاقة " وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما أغنى عني ماليه " إلى قوله: " إنه كان لا يؤمن بالله العظيم " فهذا مشرك.
وأنزل في طسم " وبرزت الجحيم للغاوين * وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون * فكبكبوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس أجمعون " جنود إبليس ذريته من الشياطين وقوله: " وما أضلنا إلا المجرمون " يعني المشركين الذين اقتدوا بهم هؤلاء فاتبعوهم على شركهم، وهم قوم محمد صلى الله عليه وآله ليس فيهم من اليهود والنصارى أحد، وتصديق ذلك قول الله عز وجل: " كذبت قبلهم قوم نوح " " كذب أصحاب الأيكة " " كذبت قوم لوط " ليس هم اليهود الذين قالوا عزير ابن الله ولا النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله سيدخل الله اليهود والنصارى النار، ويدخل كل قوم بأعمالهم. وقولهم: " وما أضلنا إلا المجرمون " إذ دعونا إلى سبيلهم، ذلك قول الله عز وجل فيهم حين جمعهم إلى النار " وقالت أوليهم لأخراهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار " وقوله: " كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا " برئ بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضا. يريد بعضهم أن يحجج بعضا رجاء الفلج فيفلتوا من عظيم ما نزل بهم، وليس بأوان بلوى ولا اختبار، ولا قبول معذرة ولا حين نجاة، والآيات وأشباههن مما نزل به بمكة، ولا يدخل الله النار إلا مشركا.
فلما أذن الله لمحمد صلى الله عليه وآله في الخروج من مكة إلى المدينة بنى الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، وأنزل عليه الحدود، وقسمة الفرائض، وأخبره بالمعاصي التي أوجب الله عليها وبها النار، لمن عمل بها، و أنزل في بيان القاتل " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما " ولا يلعن الله مؤمنا قال الله عز وجل:
" إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا " وكيف يكون في المشية وقد ألحق به - حين جزاه جهنم - الغضب واللعنة وقد بين ذلك من الملعونون في كتابه؟ وأنزل في مال اليتيم من أكله ظلما " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " وذلك أن آكل مال اليتيم يجئ يوم القيامة والنار تلتهب في بطنه، حتى يخرج لهب النار من فيه، يعرف أهل الجمع أنه آكل مال اليتيم وأنزل في الكيل " ويل للمطففين " ولم يجعل الويل لاحد حتى يسميه كافرا قال الله تعالى: " فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم " وأنزل في العهد إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " والخلاق النصيب، فمن لم يكن له نصيب في الآخرة فبأي شئ يدخل الجنة وأنزل بالمدينة " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين " فلم يسم الله الزاني مؤمنا ولا الزانية مؤمنة، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس يمتري فيه أهل العلم أنه قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، فإنه إذا فعل ذلك خلع عنه الايمان
كخلع القميص.
وأنزل بالمدينة " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فان الله غفور رحيم " فبرأ الله ما كان مقيما على الفرية من أن يسمى بالايمان، قال الله عز وجل: " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " وجعله الله منافقا قال الله عز وجل: " إن المنافقين هم الفاسقون " وجعله الله عز وجل من أولياء إبليس قال: " إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه وجعله الله ملعونا فقال: " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم * يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " وليست تشهد الجوارح على مؤمن، إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب، فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه، قال الله عز وجل:
" فأما من أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا ".
وسورة النور أنزلت بعد سورة النساء، وتصديق ذلك أن الله عز وجل أنزل عليه في سورة النساء: " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " والسبيل الذي قال الله عز وجل: " سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون * الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر
وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ".
تبيين وتحقيق: قوله " وذلك أن " تعليل لتكلمهم فيه بغير علم، لأنهم تكلموا في متشابهه أيضا مع أنه لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، والمحكم في اللغة المتقن، وفي العرف يطلق على ماله معنى لا يحتمل غيره، وعلى ما اتضحت دلالته، وعلى ما كان محفوظا من النسخ، أو التخصيص، أو منهما جميعا، وعلى ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه يقابله بكل من هذه المعاني.
وقال الراغب: المحكم ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى والمتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهة غيره إما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى وقال الفقهاء: المتشابه مالا ينبئ ظاهره عن مراده.
وحقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الاطلاق، ومتشابه على الاطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه، فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى فقط، و متشابه من جهتهما، فالمتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، وذلك إما من جهة غرابته نحو الأب ويزفون، وإما من جهة مشاركة في اللفظ كاليد والعين. والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب:
ضرب لاختصار الكلام نحو " فان خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم " وضرب لبسط الكلام نحو " ليس كمثله شئ " لأنه لو قيل ليس مثله شئ كان أظهر للسامع، وضرب لنظم الكلام نحو: " أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما " تقديره " الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا " والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف القيامة، فان تلك الصفات لا تتصور لنا إذ كان لا تحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو لم يكن من جنس ما نحسه.
والمتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعا خمسة أضرب: الأول من جهة الكمية كالعموم والخصوص، نحو " اقتلوا المشركين " والثاني من جهة الكيفية كالوجوب والندب نحو " فانكحوا ما طاب لكم من النساء ". والثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو " اتقوا الله حق تقاته " والرابع من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها، نحو " ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " وقوله عز وجل: " إنما النسيئ زيادة في الكفر " فان من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية، والخامس من جهة الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلاة والنكاح، وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم نحو قول من قال المتشابه " ألم " وقول قتادة: المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ وقول الأصم: المحكم ما أجمع على تأويله والمتشابه ما اختلف فيه.
ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب: ضرب لا سبيل للوقوف عليه، كوقت الساعة، وخروج دابة الأرض وكيفية الدابة ونحو ذلك، وضرب للانسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة، والاحكام المغلقة، وضرب متردد بين الامرين يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم، ويخفى على من دونهم، وهو الضرب المشار إليه بقوله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، وإذا عرفت هذه الجملة علم أن الوقوف على قوله: " إلا الله " ووصله بقوله " والراسخون في العلم " جائزان، وأن لكل واحد منهما وجها حسب ما يدل عليه التفصيل المتقدم انتهى.
قوله تعالى " منه آيات محكمات " قيل أي أحكمت عباراتها بأن حفظت عن الاجمال " هن أم الكتاب " أي أصله يرد إليها غيرها. " واخر متشابهات "
قيل أي محتملات لا يتضح مقصودها إلا بالفحص والنظر، ليظهر فيها فضل العلماء الربانيين في استنباط معانيها، وردها إلى المحكمات، وليتوصلوا بها إلى معرفة الله وتوحيده وأقول: بل ليعلموا عدم استقلالهم في علم القرآن، واحتياجهم في تفسيره إلى الامام المنصوب من قبل الله، وهم الراسخون في العلم، وروى العياشي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن المحكم والمتشابه فقال: المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهله، وفي رواية أخرى والمتشابه الذي يشبه بعضه بعضا، وفي رواية أخرى فأما المحكم فتؤمن به وتعمل به وتدين به، وأما المتشابه فتؤمن به ولا تعمل به.
" فأما الذين في قلوبهم زيغ " أي ميل عن الحق كالمبتدعة " فيتبعون ما تشابه منه " فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل " ابتغاء الفتنة " أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس، ومناقضة المحكم بالمتشابه، وفي مجمع البيان عن الصادق عليه السلام أن الفتنة هنا الكفر " وابتغاء تأويله " أي وطلب أن يأولوه على ما يشتهونه " وما يعلم تأويله " الذي يجب أن يحمل عليه " إلا الله والراسخون في العلم " الذين تثبتوا وتمكثوا فيه.
وأقول: قد مر الكلام منا في تأويل هذه الآية في كتاب الإمامة في باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة عليهم السلام.
قوله عليه السلام: " فالمنسوخات من المتشابهات " كأن هذا الكلام تمهيد لما سيأتي من اختلاف الايمان المأمور به في مكة قبل الهجرة وفي المدينة بعدها و اختلاف التكاليف فيهما كما وكيفا، ردا على من استدل ببعض الآيات على أن الايمان نفس الاعتقاد بالتوحيد والنبوة فقط، بلا مدخلية للأعمال أو الولاية فيه بأن تلك الآيات أكثرها نزلت في مكة، وكان الايمان فيها نفس الاعتقاد بالشهادتين أو التكلم بهما ثم نسخ ذلك في المدينة بعد وجوب الواجبات، وتحريم المحرمات
ونصب الوالي والامر بولايته، ويحتمل أن لا يكون ذلك من قبيل النسخ، و يكون ذكر النسخ لبيان عجزهم عن فهم معاني الآيات وخطائهم في الاستدلال بها كما أنهم لا يعرفون الناسخ من المنسوخ، ويستدلون بالآيات المنسوخة على الاحكام مع عدم علمهم بنسخها، وعد المنسوخات التي لا يعلم نسخها من المتشابهات فالمنسوخة أخص مطلقا من المتشابهة.
ولما كان المحكم غير المتشابه، والناسخ غير المنسوخ ونقيض الأخص أعم من نقيض الأعم، غير الأسلوب في الفقرة الثانية فقال: " والمحكمات من الناسخات " للإشارة إلى ذلك، وتسمية غير المنسوخ مطلقا ناسخا إما على التوسع وإطلاق لفظ الجزء على الكل، أو لكونها ناسخة للشرائع السالفة، أو للإباحة الأصلية التي كانوا متمسكين بها قبلها، ويمكن حمل الناسخ على معناه وحمل الكلام على القلب، بأن يكون الناسخ أيضا أخص من المحكم، ولا فساد فيه لعدم انحصار الآيات حينئذ في الناسخة والمنسوخة.
وقيل: لما كان بعض المحكمات مقصور الحكم على الأزمنة السابقة، منسوخا بآيات اخر، ونسخها خافيا على أكثر الناس، فيزعمون بقاء حكمها صارت متشابهة من هذه الجهة، ولهذا قال عليه السلام: " فالمنسوخات من المتشابهات " وفي بعض النسخ من المشتبهات، وإنما غير الأسلوب في أختها لان المحكم أخص من الناسخ من وجه بخلاف المتشابه، فإنه أعم من المنسوخ مطلقا انتهى، وفيه أن كون المتشابه أعم من مطلق المنسوخ مطلقا لاوجه له إلا أن يخص بمنسوخ لم يعلم نسخه كما أومأنا إليه، وقيل: الظاهر أن الفاء للتفسير لزيادة تفظيع حالهم بأنهم يتبعون المنسوخات والمتشابهات، دون المحكمات والناسخات، لان المنسوخات من باب المتشابهات في التشابه إذ يشتبه عليهم ثباتها وبقاؤها، والمحكمات من قبيل الناسخات في الثبات والبقاء، فإذا اتبعوا المتشابهات اتبعوا المنسوخات، لأنهما من باب واحد، وإذا اتبعوا المنسوخات لم يتبعوا الناسخات، وإذا لم يتبعوا الناسخات لم يتبعوا المحكمات، لأنهما أيضا من باب واحد.
قوله عليه السلام: " إن الله عز وجل بعث نوحا " هذا شروع في المقصود، وحاصله أن الايمان في بداية بعثة كل رسول كان مجرد التصديق بالتوحيد والرسالة، ومن مات عليه حينئذ كان مؤمنا، ووجبت له الجنة، فلما استجابوا لهم ذلك وكثرت أتباعهم وضعوا أعمالا وشرائع، وأوجبوها عليهم، وأوعدوا على تركها النار فصارت تلك الأعمال أجزاء للايمان.
فأول أولي العزم من الأنبياء كان نوحا عليه السلام فحين بعثه أمرهم أولا بالتوحيد والاقرار بنبوته فقط، وكان ذلك الايمان، حيث قال في سورة نوح: " إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم * قال يا قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله " أي مخلصا من غير شرك " واتقوه " أي اتقوا عذابه الذي قرره على الشرك " وأطيعون " فيما آمركم به، وأذعنوا لنبوتي، فلم يذكر فيما أنذرهم به إلا هذين الامرين " ثم دعاهم " أي ثم بعد ذلك استمر على هذه الدعوة زمانا طويلا فكانت دعوته منحصرة في التوحيد ونفي الشريك، وكان قبولهم ذلك منه مستلزما للاذعان بنبوته.
" ثم بعث الأنبياء " أي ثم بعث سائر أولي العزم في أول بعثتهم على هذا الامر فقط، إلى أن انتهت سلسلة أولي العزم وسائر الأنبياء إلى محمد صلى الله عليه وآله فكان صلى الله عليه وآله في أول بعثته بمكة يدعوهم إلى التوحيد وما يتبعه من الاقرار بالنبوة بل المعاد أيضا فإنه أيضا من الأمور التي نزلت الآيات المشتملة على التهديدات العظيمة فيها، قبل الهجرة، فالمراد جميع أصول الدين سوى الإمامة، وذكر التوحيد على المثال أو على أن الاقرار به مستلزم للاقرار بسائر الأصول ويؤيده قوله عليه السلام بعد ذلك " الاقرار بما جاء به من عند الله ".
قوله عليه السلام: " وقال " أي في سورة الشورى، وهي مكية على ما ذكره المفسرون إلا قوله " والذين استجابوا " " والذين إذا أصابهم " إلى قوله " لا يحب الظالمين " عن الحسن، وعلى قول ابن عباس وقتادة إلا. أربع آيات منها نزلت
بالمدينة " قل لا أسألكم عليه أجرا " إلى قوله " لهم عذاب شديد " وعلى التقادير الآيات المذكورة مكية، والاستشهاد بالآية لان الدين المشترك بين جميع الأنبياء هي الأصول الدينية التي لا تختلف باختلاف الشرائع، مع أن قوله سبحانه " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " يشعر بأن الدين في ذلك الوقت كانت التوحيد ونفي الشرك مع الاقرار بالنبوة لقوله تعالى " الله يجتبي ".
قال الطبرسي رحمه الله: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا " أي بين لكم ونهج وأوضح من الدين والتوحيد والبراءة من الشرك ما وصى به نوحا " والذي أوحينا إليك " أي وهو الذي أوحينا إليك يا محمد " و " هو " ما وصينا به إبراهيم و موسى وعيسى " ثم بين ذلك بقوله: " أن أقيموا الدين " وإقامة الدين التمسك به والعمل بموجبه، والدوام عليه، والدعاء إليه " ولا تتفرقوا " أي لا تختلفوا " فيه " وائتلفوا فيه واتفقوا وكونوا عباد الله إخوانا " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " من توحيد الله والاخلاص له، ورفض الأوثان، وترك دين الاباء لأنهم قالوا: " أجعل الألهة إلها واحدا " وقيل: معناه ثقل عليهم وعظم اختيارنا لك بما تدعوهم إليه، و تخصيصك بالوحي والنبوة دونهم " الله يجتبي إليه من يشاء " أي ليس لهم الاختيار لان الله يصطفي لرسالته من يشاء على حسب ما يعلم من قيامه بأعباء الرسالة، وقيل:
معناه: الله يصطفي من عباده لدينه من يشاء " ويهدي إليه من ينيب " أي ويرشد إلى دينه من يقبل إلى طاعته، أو يهدي إلى جنته وثوابه من يرجع إليه بالنية والاخلاص.
قوله عليه السلام: " فمن آمن مخلصا " أي بقلبه ولسانه، دون لسانه فقط، ولم يخلطه بشرك " وذلك أن الله " كأنه إشارة إلى إدخاله الجنة بمجرد الشهادة و الاقرار، وإن لم يعمل من الطاعات شيئا ولم يترك سائر المحرمات، لأنه كان
بذلك مؤمنا في ذلك الزمان، وإدخال المؤمن النار ظلم " وذلك أن الله " المشار إليه بذلك، إما عدم تعذيب من ترك العمل بالنار، أو أنه إن لم يدخله الجنة وأدخله النار كان ظالما.
وهذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما أن تكون المعاصي التي نهي عنها في مكة من المكروهات، ويكون النهي عنها نهي تنزيه، والطاعات التي أمر بها فيها من المستحبات فالتعليل حينئذ ظاهر لان التعذيب على ترك المستحبات، وفعل المكروهات في الآخرة ظلم، وثانيهما أن يكون النهي عن المعاصي نهي تحريم، و الامر بالطاعات أمر وجوب لكن لم يوعد على فعل المعاصي وترك الطاعات النار ولم يغلظ فيهما وإنما أوعد النار على الشرك، والاخلال بالعقائد، وإنكار النبوة والمعاد، فهي كانت بمنزلة الفرائض والكبائر وغيرها بمنزلة الصغائر وسائر الواجبات وقد أوجب الله تعالى على نفسه لسعة كرمه ورحمته أن لا يؤاخذ مجتنب الكبائر بفعل الصغائر، فلو عذبهم بها كان ظلما من حيث الاخلال بما أوجب على نفسه من العفو عنهم.
أو يقال: التعذيب بالنار مع ترك الايعاد بها ظلم، أو يقال: التعذيب بالنار العظيم الأليم أبدا أو مدة طويلة بمحض النهي من غير تهديد ووعيد وتغليظ، لا سيما ممن كملت قدرته، ووسعت رحمته ظلم، أو يقال: اللطف على الله تعالى واجب وأعظم الألطاف التهديد والوعيد بالنار، فتركه ظلم، أو يقال: اطلق الظلم على خلاف الأولى مجازا، والكل مبني على أن الأعمال والتروك التي هي أجزاء الايمان إنما هي ما يستحق بتركه الدخول في النار، وفي مكة سوى العقائد لم تكن كذلك ولما شرع في المدينة شرائع، وجعل فيها فرائض وكبائر يستحق بترك الأولى و فعل الثانية دخول النار، جعلتا من أجزاء الايمان.
" جعل لكل نبي " إشارة إلى قوله تعالى في المائدة وهي مدنية " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " قال البيضاوي: شرعة شريعة، وهي الطريقة إلى الماء
شبه بها الدين لأنه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبدية، وقرئ بفتح الشين " ومنهاجا " وطريقا واضحا في الدين من نهج الامر إذا وضح، واستدل به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة انتهى.
وقال الراغب: الشرع نهج الطريق الواضح يقال شرعت له طريقا، والشرع مصدر، ثم جعل اسما للطريق النهج فقيل له شرع وشرعة وشريعة، واستعير ذلك للطريقة الإلهية من الدين قال تعالى: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " فذلك إشارة إلى أمرين أحدهما ما سخر الله تعالى عليه كل إنسان من طريق يتحراه مما يعود إلى مصالح عباده وعمارة بلاده، وذلك المشار إليه بقوله: " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا " الثاني ما قيض له من الدين وأمره به ليتحراه اختيارا مما يختلف فيه الشرائع، ويعترضه النسخ، ودل عليه قوله " ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها " قال ابن عباس: الشرعة ما ورد به القرآن، والمنهاج ما ورد به السنة وقوله " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا " الآية فإشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل ولا يصح عليها النسخ كمعرفة الله ونحو ذلك من نحو ما دل عليه قوله " ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر " قال بعضهم: سميت الشريعة شريعة تشبيها بشريعة الماء، من حيث أن من شرع فيها على الحقيقة [المصدوقة] روي وتطهر قال: وأعني بالري ما قال بعض الحكماء: كنت أشرب فلا أروى، فلما عرفت الله رويت بلا شرب، وبالتطهر ما قال تعالى: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " انتهى.
والشرعة والمنهاج متقاربان في المعنى كما أن اللفظين اللذين فسرهما عليه السلام بهما أيضا متقاربان، فيحتمل أن يكونا تفسيرين لكل منهما أو يكون
على اللف والنشر، فعلى الأول اطلق على أعمال الدين وأحكامه الشرعة، لايصالها العامل بها إلى الحياة الأبدية والتطهر من الأدناس الردية، والمنهاج لأنها كالطريق الواضح الموصل إلى المقصود من الجنة الباقية، والدرجات العالية، وعلى الثاني المراد بالأول الواجبات، وبالثاني المستحبات ولذا عبر عليه السلام عن الثاني بالسنة أو بالأول العبادات، وبالثاني سائر الأحكام، والوجه الأول أوفق بقوله " وكان من السبيل والسنة " وإن أمكن أن يكون المراد من مجموعهما وإن كان من أحدهما.
قال الطبرسي رحمه الله: الشرعة والشريعة واحدة، وهي الطريقة الظاهرة والشريعة هي الطريقة التي يوصل منه إلى الماء الذي فيه الحياة، فقيل الشريعة في الدين للطريق الذي يوصل منه إلى الحياة في النعيم، وهي الأمور التي يعبد الله بها من جهة السمع، والأصل فيه الظهور، والمنهاج الطريق المستمر، يقال: طريق نهج ومنهج أي بين، وقال المبرد: الشرعة ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستقيم، قال: وهذه الألفاظ إذا تكررت فلزيادة فائدة فيه، وقد جاء أيضا لمعنى واحد كقول الشاعر أقوى وأقفر وهما بمعنى انتهى .
قوله " أن جعل عليهم السبت " قال الراغب: أصل السبت قطع العمل، ومنه سبت السير أي قطعه، وسبت شعره حلقه، وقيل: سمي يوم السبت لان الله تعالى ابتدأ بخلق السماوات والأرض يوم الأحد فخلقها في ستة أيام كما ذكره، فقطع عملة يوم السبت، فسمي بذلك، وسبت فلان صار في السبت، وقوله عز وجل:
" يوم سبتهم " قيل: يوم قطعهم للعمل " ويوم لا يسبتون " قيل: معناه لا يقطعون العمل وقيل: يوم لا يكونون في السبت، وكلاهما إشارة إلى حالة واحدة، وقوله: " إنما جعل السبت " أي ترك العمل فيه انتهى.
قوله عليه السلام: " ولم يستحل " الظاهر أن المراد بالاستحلال هنا الجرأة على الله، وانتهاك ما حرم الله فكأنه عده حلالا، لقوله بعد ذلك " ولا شكوا في شئ مما جاء به موسى " وما قيل: دل على أن مخالفة الاحكام كفر يوجب دخول النار مع الاستحلال، والظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأمة، وما ذلك إلا لان الاقرار بها والعمل بها داخلان في الايمان، وإذا كان كذلك كان تاركها وإن لم يستحل كافرا يعذب بالنار أيضا فلا يخفى وهنه.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.