بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
14 - باب علامات المؤمن وصفاته الآيات الأنفال: إنما
ج ۶۴، ص ۳۲۱–۳۵۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۵
" أما الليل " في بعض النسخ بالنصب على حذف حرف الجر، أي أما حالهم في الليل، فالمقصود تفصيل حالهم في الليل والنهار وفي بعض النسخ بالرفع، فالغرض تفصيل حال ليلهم ونهارهم، والصف ترتيب الجمع على صف، وصف القدمين
وضعهما في الصلاة بحيث يتحاذى الابهامان ويتساوى البعد بين الصدر والعقب.
وفي بعض النسخ: " تالون " مكان " تالين "، " يرتلونه " أي القرآن، و روي " يرتلونها " فالضمير لاجزاء القرآن، ورتل القرآن ترتيلا: أي أحسن تأليفه، وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه " حفظ الوقوف وأداء الحروف " وهو جامع لما يعتبره القراء.
والحزن الهم وحزنه الامر كنصر، أي جعله حزينا وحزن كعلم أي صار حزينا، وحزنه تحزينا: جعل فيه حزنا، وفي أكثر النسخ على التفعيل وفي بعضها كينصرون، وتحزين النفوس بآيات الوعيد ظاهر وأما آيات الوعد فللخوف من الحرمان، وعدم الاستعداد.
وثار الغبار: إذا سطع وهاج، وثار القطا: إذا نهضت من موضعها، وأثار الغبار واستثاره: هيجه، ولعل المراد بالدواء العلم وبالداء الجهل، واستثارة العلم بالتدبر والتذكر، قال في النهاية: في الحديث: " أثيروا القرآن فان فيه علم الأولين والآخرين، ويحتمل أن يراد استثارة العلم الكامنة في النفس، على حسب الاستعداد والكمال بالتدبر والتفكر والتذكر.
وقال الوالد قدس سره: المراد أنهم يداوون بآيات الخوف داء الرجاء الغالب الذي كاد أن يبلغ حد الاغترار والامن لمكر الله، وبآيات الرجاء داء الخوف إذا قرب؟ ن القنوط، وبما يستكمل اليقين داء الشبهة، وبالعبر داء القسوة وبما ينفر عن الدنيا والميل إليها داء الرغبة فيها ونحو ذلك.
وركن إلى الشئ: كنصر كما في النسخ وكعلم أيضا أي مال وسكن، و التطلع إلى الشئ: الاستشراف له والانتظار لوروده، ونصب الشئ رفعه، وأن يستقبل به شئ، والكلمة منصوبة على الظرفية أي ظنوا أنها فيما نصب بين أيديهم وفي بعض النسخ مرفوعة على أنها خبر أن.
وقال الكيدري: " وتطلعت نفوسهم إليها " أي كادت تطلع شموس نفوسهم من أفق عوامل أبدانهم، فتصعد إلى العالم العلوي، شوقا إلى ما وعدوا به في تلك
الآيات من أخائر الذخائر، وعظائم الكرائم، وانتصاب " نصب أعينهم " على الظرف أي في موضع يقابل أعينهم، ويجوز فيه الرفع.
وقال الرواندي رحمه الله: الظن هنا بمعنى اليقين، قال تعالى " ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون " أي أيقنوا أن الجنة معدة لهم بين أيديهم وقال ابن أبي الحديد: ويمكن أن يكون على حقيقته.
وصغي إليه كرضي أي مال، وأصغى سمعه إليه أي أماله، وزفير النار صوت توقدها، والزفير أيضا إخراج النفس بعد مده فالمراد زفير أهل جهنم، والشهيق تردد البكاء في الصدر، مع سماع الصوت من الحلق، وشهيق الحمار صوته وكونهما في أصول الاذان كناية عن تمكنها في الاذان.
" حانون أوساطهم " حنى ظهره يحنيه ويحنوه أي عطفه فانحنى وحنوهم على أوساطهم، وصف لحال ركوعهم، والافتراش البسط على الأرض، وهو وصف لحال سجودهم.
قال الكيدري: " فهم حانون " أي منعطفون للركوع، وحنى قد جاء متعديا ولازما وتعديته أكثر، فيكون تقديره " حانون ظهورهم على أوساطهم ".
" يطلبون إلى الله " أي يسألونه راغبين ومتوجهين إليه، وفك الرقبة كمد أي أعتقها، والأسير خلصه، " وأما النهار " بالنصب والرفع كما تقدم، قال الكيدري: " أما النهار " انتصابه على الظرفية، وتعلقه بما بعده من الصفات كحلماء وغيره، وحلماء خبر مبتدء محذوف، أي فهم حلماء في النهار، ويجوز فيه الرفع على تقدير " أما النهار فهم حلماء فيه " فيكن مبتدءا والجملة بعده خبره وفيها ضمير مقدر يعود إليه، والحلماء: ذوو الأناة أو العقلاء، وبرى السهم يبريه:
أي نحته، والقداح جمع قدح بالكسر فيهما، وهو السهم قبل أن يراش وينصل، و هو كناية عن نحافة البدن، وضعف الجسد، أو زوال الآمال ، والمطالب الدنيوية.
وخولط فلان في عقله: إذ اختل عقله وصار مجنونا، وخالطه أي مازجه
وقال الراوندي وغيره: المعنى يظن الناظر بهم الجنون وما بهم من جنة، بل مازج قلوبهم أمر عظيم وهو الخوف فتولهوا لأجله، وقيل: " ولقد خالطهم " أي صار سببا لجنونهم الذي يظنه الناظر " أمر عظيم " هو الخوف.
وقال الكيدري: " قد براهم الخوف " أي أنضاهم وأنحفهم، " خولطوا " أي خالط عقولهم جنون.
والاستكثار عد الشئ كثيرا، واتهمت فلانا: أي ظننت فيه ما نسب إليه واتهمته في قوله: أي شككت في صدقه، والاسم التهمة كرطبة، والسكون لغة، و أصل التاء واو، والمراد أنهم يظنون بأنفسهم التقصير أو الميل إلى الدنيا، أو عدم الاخلاص في النية أو الأعم، أو يشكون في شأنها ونياتها، ويخافون أن يكون مقصودها في العبادات الرئاء والسمعة، وأن تجرها العبادة إلى العجب، فلا يعتمدون عليها.
والاشفاق: الخوف، وإشفاقهم من السيئات وإن تابوا منها لاحتمال عدم قبول توبتهم، ومن الحسنات لاحتمال عدم القبول، لاختلال بعض الشرائط، وشوب النية، أو للأعمال السيئة وقد قال الله عز وجل: " إنما يتقبل الله من المتقين.
" إذا زكي أحدهم " التزكية: المدح، وخوفهم من الوقوع في العجب والاتكال على العمل وسؤال عدم المؤاخذة لذلك، ويحتمل أن يكون كناية عن عدم الرضا بما يقولون، والتبري من التزكية وظن البراءة بالنفس فان النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله.
" واجعلني أفضل مما يظنون " أي وفقني لدرجة فوق ما يظنون بي من حسن العمل والقبول.
وقال ابن أبي الحديد: قد قاله لقوم مر عليهم، وهم مختلفون في أمره فمنهم الحامد له، ومنهم الذام، فقال عليه السلام: [اللهم] إن كان ما يقوله الذامون
حقا فلا تؤاخذني به، وإن كان ما يقوله الحامدون حقا فاجعلني أفضل مما يظنون.
" فمن علامة أحدهم أنك ترى له " في بعض النسخ " لهم فالضمير راجع إلى معنى أحدهم، والقوة في الدين: أن لا يتطرق إلى الايمان الشك والشبهات وإلى الأعمال الوساوس والخطرات أو أن لا يدرك العزم في الأمور الدينية ونى ولا فتور للوم وغيره ، قال تعالى: " يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ".
والحزم بالفتح: ضبط الامر، والاخذ فيه بالثقة، والحذر من فواته وكأن المعنى أنه لا يصير حزمه سببا لخشونته، بل مع الحزم يداري الخلق ويلاينهم.
والقصد: التوسط بين طرفي الافراط والتفريط وترك الاسراف والتقتير:
أي يقتصد في حال الغنا، أو في تحصيل الغنا، أو في الانفاق مع غنى النفس، والتجمل:
التزين، وتكلف الجميل وإظهاره، والتجمل في الفاقة: سلوك مسلك الأغنياء والمتجملين في حال الفقر، وذلك بترك الشكوى إلى الخلق، والابتهاج بما أعطى الله، وإظهار الغنى عن الخلق، أو التجمل والتزين في الفاقة بما أمكن، وعدم إظهار الفاقة للناس، إلا ما لا يمكن ستره، أو زائدا على ما هو الواقع، كالفقراء الطامعين فيما في أيدي الناس.
" والصبر في الشدة " الصبر على شدة الفقر، أو العبادة، أو المصائب، أو الأعم والطلب في الحلال: الكسب من غير الطرق التي نهي عنها، والنشاط بالفتح:
طيب النفس للعمل وغيره، والهدى: الرشاد والدلالة، أي ينشط لهداية الناس، أو لإهتدائه في نفسه، والتحرج، التأثم، والمعنى جعل الطمع حرجا، وعده إثما وعيبا.
وقال ابن أبي الحديد: حرف الجر في بعض هذه المواضع يتعلق بالظاهر
فيكون موضعه نصبا بالمفعولية، وفي بعضها يتعلق بمحذوف، فيكون موضعه أيضا نصبا على الصفة، ففي قوله " في دين " يتعلق بالظاهر أي " قوة " يقال فلان قوى في كذا وعلى كذا، و " في لين " يتعلق بمحذوف أي حزما كائنا في لين و " في يقين " و " في علم " يتعلق بالظاهر، و " في " بمعنى " على " كقوله تعالى " ولأصلبنكم في جذوع النخل " و " في غنى " يتعلق بمحذوف و " في عبادة " يحتمل الامرين و " في فاقة " بمحذوف و " في شدة " يحتمل الامرين و " في حلال " يتعلق بالظاهر و " في " بمعنى اللام و " في هدى " يحتملها و " عن طمع " بالظاهر.
والوجل: الخوف، وخوفهم من التقصير في العمل كما أو كيفا، أو من عذاب الله، إشارة إلى قوله سبحانه: " يؤتون ما آتوا " الآية، والهم: أول العزم، وما قصده الانسان وأضمره في نفسه، وكأن تخصيص الشكر بالمساء لان الرزق وإفاضة النعم والفوز بالمكاسب، يكون في اليوم غالبا، وتخصيص الذكر بالصباح لان الشواغل عن الذكر في اليوم أكثر، وكل يوم كأنه وقت استيناف العمل.
والحذر والفرح ككتف صفتان من الحذر والفرح بالتحريك، والمراد بالفضل والرحمة، التوفيق والهداية أو ما يشمل النعم الدنيوية، وهذا الفرح يعود إلى الشكر وقال بعض الشارحين: ليس المقصود تخصيص البيات بالحذر والصباح بالفرح بل كما يقول أحدنا: يمسي ويصبح حذرا فرحا، وكذلك تخصيص الشكر بالمساء والذكر بالصباح، ويحتمل أن لا يكون مقصودا.
والصعب نقيض الذلول، واستصعبت على فلان دابته: أي صعبت، واستصعبت عليه نفسه: أي لم تطعه في العبادات المكروهة للنفس وترك المعاصي، لان النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله.
" ولم يعطها سؤلها فيما تحب " أي لم يطاوع النفس فيما تريده من هذا الامر الذي استصعبت عليه، أو في غير من اللذات لتنقاد وتترك الاستصعاب، إذ إطاعة النفس في لذاتها توجب طغيانها، وقوتها في الباطل، وبعدها عن الله، ولذا ترى القوة على العبادة في المرتاضين، ومن أنحلتهم العبادة أكثر منها في الأقوياء والمترفين بالنعم.
وقرت عين فلان، وأقر الله عينه، كفر وعض أي سر وفرح، ومعناه:
أبرد الله دمعة عينه لان دمعة الفرح والسرور باردة، ودمعة الحزن حارة، وقيل:
معنى أقر الله عينك: بلغك أمنيتك، حتى ترضى نفسك وتسكن عينك، فلا تستشرف إلى غيره، وقيل: معناه أبرد الله عينك بأن ينقطع بكاؤها، وقرة عين كل أحد مأموله ومنتهى رضاه.
وما لا يزول: ما عند الله والدار الآخرة، وما لا يبقى: الدنيا وزخارفها " يمزج الحلم بالعلم " أي يحلم للعالم بفضله لا لضعف النفس، وعدم المبالاة بما قيل له، أو فعل به، أو لا يطيش في المحاورات والمباحثات، مع أنه يقول عن علم، وقيل:
المراد بالحلم: العقل، أي يتعلم عن تفكر وتدبر، ولا يعتمد على الظنون والأراء الواهية، أو يتفكر فيما علم ويحفظه حتى يتمكن في قلبه، " والقول بالعمل " أي إذا أمر الناس بمعروف أو نهاهم عن منكر عمل به، أو يفي بالوعد، أو يقرن الايمان بالأعمال الصالحة، أو يجمع بين القول الجميل والفعل الحسن.
والنزر والمنزور: القليل، والاكل كعنق: الخط من الدنيا، وفي بعض النسخ " أكله " بالفتح أي لا يمتلئ من الطعام، لأنه من أسباب الكسل عن العبادة وكثرة النوم، والحرز: الموضع الحصين، وحرز حريز كحصن حصين، وحرزه كنصره: حفظه والمراد عدم إهماله في أمر دينه، وعدم تطرق الخلل إليه والمأمول:
المرجو.
" إن كان في الغافلين " لعل الغرض من القرينتين أنه لا يزال ذاكرا لله سواء كان مع الغافلين، أو مع الذاكرين، أما إذا كان في الغافلين، فيذكر الله
بقلبه أو بلسانه أيضا فيصير سببا لذكرهم أيضا، فيكتب أنه في الذاكرين.
وقوله عليه السلام " لم يكتب من الغافلين " كأنه تفنن في العبارة، أو المعنى أنه ليس ذكره بمحض اللسان ليكتب من الغافلين بل قلبه أيضا مشغول بذكره تعالى.
والغالب في الصلة والقطع: الاستعمال في الرحم، وقد يستعملان في الأعم أيضا.
" وبعيدا " عود إلى السياق السابق، والجمل معترضة، أو حال عن فاعل يصل، وقد يعبر بالبعد عن العدم، وكذلك الغيبة والحضور، والاقبال والادبار ويحتمل القلة فان التقوى غير العصمة، ويمكن أن يراد بالاقبال الازدياد وبالادبار الانتقاص أي لا يزال يسعى فيزداد خيره وينتقص شره.
وقال الوالد رحمه الله: يمكن أن يراد بالمعروف والمنكر: الاحسان والإساءة إلى الخلق.
والزلازل: الشدائد، والوقور فعول من الوقار بالفتح، وهو الحلم والرزانة والرخاء: سعة العيش، والحيف: الجور والظلم، والمراد بالاثم: الميل عن الحق والغرض أنه لا يترك الحق للعداوة والمحبة، إذا كان حاكما، أو لا يجور على العدو ولا يساعد المحب بما يخرج عن الحق.
" لا يضيع ما استحفظ " أي ما أودع عنده من الأموال والاسرار، والتضييع في الأول بالخيانة والتفريط، وفي الثانية بالإذاعة والإفشاء، ويحتمل شموله لما استحفظه الله من دينه وكتابه، " ولا ينسى ما ذكر " أي ما أمر بتذكره من آيات الله وعبره وأمثاله، أو الأعم منها ومن أحكام الله والموت والمصير إلى الله وأهوال الآخرة.
والنبز بالتحريك اللقب قيل وكثر فيما كان ذما، والمنابزة والتنابز: التعاير والتداعي بالألقاب، والمضارة: الاضرار، والجار: المجاور في السكنى، ومن آجرته من أن يظلم، وشمت كفرح شماتة بالفتح أي فرح ببلية العدو " لا يدخل في الباطل " أي في مجالس الفسق واللهو والفساد، أو المراد عدم ارتكاب الباطل، وكذا
" الخروج من الحق " أي من مجالسه، أو عدم ترك الحق.
" لم يغمه صمته " لعلمه بمفاسد الكلام، وعدم التذاذه بالباطل من القول، أو لاشتغال قلبه حين الصمت بذكر الله، " لم يعل صوته " أي لا يشتد صوته أو يكتفي بالتبسم، إذ الخروج عنه يكون غالبا بالضحك بالصوت العالي، والواسطة نادرة " وأراح الناس " لاشتغاله بنفسه، والزهد: خلاف الرغبة، وكثيرا ما يستعمل في عدم الرغبة في الدنيا، والنزاهة بالفتح التباعد عن كل قذر ومكروه، وإنما كان تباعده زهدا ونزاهة، لأنه إنما يرغب عن أهل الدنيا وأهل الباطل، وقيل: نزاهة عن تدنس العرض.
والخديعة ككريهة: الاسم من خدعه أي ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم، وصعق كسمع: أي غشي عليه، من صوت شديد سمعه أو من غيره، وربما مات منه " كانت نفسه فيها ": أي مات بها، ويحتمل أن يراد بالصعقة الصيحة، كما هو الغالب في هذا المقام، ويراد بكون نفسه فيها، خروج روحه بخروجها، و " ويح " كلمة رحمة، ويستعمل في التعجب كما مر مرارا، والتلطف في مثل هذا المقام من قبيل الاحسان إلى من أساء، وقد مر الكلام في هذا المقام وفي بعض ما تقدم في شرح رواية الكافي فلا نعيده.
وأقول: روى في تحف العقول أيضا مثله.
وأقول: لما سلك قدوة المحققين ابن ميثم البحراني في شرح هذا الحديث مسلكا آخر، أردت إيراده ليطلع الناظر في كتابنا على أكثر ما قيل في ذلك فأوردته.
قال قدس سره: وصف عليه السلام المتقين بالوصف المجمل، فقال: " فالمتقون فيها هم أهل الفضائل " أي الذين استجمعوا الفضائل المتعلقة باصلاح قوتي العلم والعمل، ثم شرع في تفصيل تلك الفضائل ونسقها.
فالأولى: الصواب في القول، وهو فضيلة العدل المتعلقة باللسان، وحاصله
أن لا يسكت عما ينبغي أن يقال، فيكون مفرطا، ولا يقول ما ينبغي أن يسكت عنه، فيكون مفرطا، بل يضع كلا من الكلام في موضعه اللائق به وهو أخص من الصدق، لجواز أن يصدق الانسان فيما لا ينبغي من القول.
الثانية: " وملبسهم الاقتصاد " وهو فضيلة العدل في الملبوس، فلا يلبس ما يحلقه بدرجة المترفين، ولا يلحقه بأهل الخسة والدناءة مما يخرج به عن عرف الزاهدين في الدنيا.
الثالثة: مشي التواضع، والتواضع ملكة تحت العفة، يعود إلى العدل بين رذيلتي المهانة والكبر، ومشي التواضع مستلزم للسكون والوقار.
الرابعة: غض الابصار عما حرم الله وهو ثمرة العفة.
الخامسة: وقوفهم أسماعهم على سماع العلم النافع، وهو فضيلة العدل في قوة السمع، والعلوم النافعة، ما هو كمال القوة النظرية من العلم الإلهي وما يناسبه وما هو كمال للقوة العملية وهي الحكمة العملية.
السادسة: نزول أنفسهم منهم في البلاء كنزولها في الرخاء، أي لا تقنط من بلاء ينزل بها، ولا تبطر برخاء يصيبها، بل مقامها في الحالين مقام الشكر، و " الذي " صفة مصدر محذوف، والضمير العائد إليه محذوف أيضا، والتقدير: نزلت كالنزول الذي نزلته في الرخاء، ويحتمل أن يكون المراد ب " الذي ": " الذين " فحذف النون كما في قوله تعالى " كالذي خاضوا " ويكون المقصود تشبيههم حال نزول أنفسهم منهم في البلاء، بالذي نزلت أنفسهم منهم في الرخاء، والمعنى واحد.
السابعة: غلبة الشوق إلى ثواب الله، والخوف من عقابه على نفوسهم، إلى غاية أن أرواحهم لا تستقر في أجسادهم من ذلك، لولا الآجال التي كتبت لهم وهذا الشوق والخوف إذا بلغ إلى حد الملكة، فإنه يستلزم دوام الجد في العمل، والاعراض عن الدنيا، ومبدؤهما تصور عظمة الخالق، وبقدر ذلك يكون تصور عظمة وعده ووعيده، وبحسب قوة ذلك التصور يكون قوة الخوف والرجاء
وهما بابان عظيمان للجنة.
الثامنة: عظم الخالق في أنفسهم، وذلك بحسب الجواذب الإلهية إلى الاستغراق في محبته ومعرفته، وبحسب تفاوت تصور عظمته تعالى يكون تصورهم لأصغرية ما دونه، ونسبته إليه في أعين بصائرهم.
وقوله " فهم والجنة كمن قد رآها " إلى قوله " معذبون " إشارة إلى أن العارف وإن كان في الدنيا بجسده، فهو في مشاهدته بعين بصيرته لأحوال الجنة وسعادتها، وأحوال النار وشقاوتها، كالذين شاهدوا الجنة بعين حسهم، وتنعموا فيها، وكالذين شاهدوا النار، وعذبوا فيها، وهي مرتبة عين اليقين، فبحسب هذه المرتبة كانت شدة شوقهم إلى الجنة وشدة خوفهم من النار.
التاسعة: حزن قلوبهم، وذلك ثمرة الخوف الغالب.
العاشرة، كونهم مأموني الشرور، وذلك أن مبدء الشرور محبة الدنيا وأباطيلها، والعارفون بمعزل عن ذلك.
الحادية عشر: نحافة أجسادهم، ومبدء ذلك كثرة الصيام والسهر، وجشوبة المطعم، وخشونة الملبس، وهجر الملاذ الدنيوية.
الثانية عشر: خفة حاجاتهم، وذلك لاقتصارهم من حوائج الدنيا على القدر الضروري من ملبس ومأكل، ولا أخف من هذه الحاجة.
الثالثة عشر: عفة أنفسهم، وملكة العفة فضيلة القوة الشهوية وهي الوسط بين رذيلتي خمود الشهوة والفجور.
الرابعة عشر: الصبر على المكاره أيام حياتهم من ترك الملاذ الدنيوية، و احتمال أذى الخلق، وقد عرفت أن الصبر مقاومة النفس الامارة بالسوء لئلا ينقاد إلى قبائح اللذات، وإنما ذكر قصر مدة الصبر، واستعقابه للراحة الطويلة ترغيبا فيه وتلك الراحة بالسعادة في الجنة كما قال تعالى " وجزاهم بما صبروا جنة و حريرا " الآية، وقوله " تجارة مربحة " استعار لفظ التجارة لاعمالهم الصالحة
وامتثال أوامر الله، ووجه المشابهة كونهم متعوضين بمتاع الدنيا وبحركاتهم في العبادة متاع الآخرة، ورشح بلفظ الربح لأفضلية متاع الآخرة وزيادته في النفاسة على ما تركوه وظاهر أن ذلك بتيسير الله لأسبابه وإعدادهم له بالجواذب الإلهية.
الخامسة عشر: عدم إرادتهم للدنيا مع إرادتها لهم، وهو إشارة إلى الزهد الحقيقي وهو ملكة تحت العفة، وكنى بإرادتها لهم عن كونهم أهلا لان يكونوا فيها رؤسا وأشرافا كقضاة ووزراء ونحو ذلك، وكونها بمعرض أن تصل إليهم لو أرادوها، ويحتمل أن يريد أرادهم أهل الدنيا فحذف المضاف.
السادسة عشر: افتداء من أسرته لنفسه منها، وهو إشارة إلى من تركها، وزهد فيها بعد الانهماك فيها، والاستمتاع بها، ففك بذلك الترك والاعراض والتمرن على طاعة الله أغلال الهيئات الردية المتلبسة منها عن عنقه، ولفظ الأسر استعارة في تمكن تلك الهيئات من نفوسهم، ولفظ الفدية استعارة لتبديل ذلك الاستمتاع بها بالاعراض عنها، والمواظبة على طاعة الله، وإنما عطف بالواو في قوله " ولم يريدوها " وبالفاء في قوله " ففدوا " لان زهد الانسان في الدنيا كما يكون متأخرا عن إقبالها عليه، كذلك قد يكون متقدما عليه لقوله صلى الله عليه وآله ومن جعل الآخرة أكبر همه جمع الله عليه همه وأتته الدنيا وهي راغمة، فلم يحسن العطف هنا بالفاء، وأما الفدية فلما لم يكن إلا بعد الأسر لا جرم عطفها بالفاء.
السابعة عشر: كونهم صافين أقدامهم بالليل يتلون القرآن ويرتلونه إلى قوله " آذانهم " وذلك إشارة إلى تطويع نفوسهم الامارة بالسوء بالعبادات وشرح لكيفية استيثارهم للقرآن العزيز في تلاوته، وغاية ترتيلهم له بفهم مقاصده، وتحزينهم لأنفسهم به عند ذكر الوعيدات من جملة استيثارهم لدواء دائهم، ولما كان داؤهم هو الجهل، وسائر الرذائل العملية، كان دواء الجهل بالعلم ودواء كل رذيلة الحصول على الفضيلة المضادة لها، فهم بتلاوة القرآن يستثيرون بالتحزين الخوف عن وعيد الله المضاد للانهماك في الدنيا، وداؤه العلم الذي هو دواء الجهل، وكذلك كل فضيلة حث القرآن عليها، فهي دواء لما يضادها من الرذائل، وباقي الكلام شرح
لكيفية التحزين والتشويق.
وقوله " فهم حانون على أوساطهم " ذكر لكيفية ركوعهم، وقوله " مفترشون لجباههم " إلى قوله " أقدامهم " إشارة إلى كيفية سجودهم وذكر الأعظم السبعة وقوله " يطلبون - إلى قوله - رقابهم " إشارة إلى غايتهم من عبادتهم تلك.
الثامنة عشر: من صفاتهم بالنهار كونهم حكماء وأراد الحكمة الشرعية وما فيها من كمال القوة العلمية والعملية، لكونها المتعارفة بين الصحابة والتابعين وروي حلماء، والحلم فضيلة تحت ملكة الشجاعة هي الوسط بين رذيلتي المهانة، و الافراط في الغضب، وإنما خص الليل بالصلاة لكونها أولى بها من النهار.
التاسعة عشر: كونهم علماء وأراد كمال القوة النظرية بالعلم النظري، وهو معرفة الصانع وصفاته.
العشرون: كونهم أبرارا والبر يعود إلى العفيف لمقابلته الفاجر.
الحادية والعشرون: كونهم أتقياء، والمراد بالتقوى ههنا الخوف من الله وقد مر ذكر العفة والخوف ، وإنما كررهما هنا في عداد صفاتهم بالنهار، وذكرها هناك في صفاتهم المطلقة وقوله " وقد براهم الخوف " إلى قوله " عظيم " شرح لفعل الخوف الغالب بهم، وإنما يفعل الخوف ذلك لاشتغال النفس المدبرة للبدن به عن النظر في صلاح البدن، ووقوف القوة الشهوية والغاذية عن أداء بدل ما يتحلل وشبه بري الخوف لهم ببري القداح، ووجه التشبيه شدة النحافة، ويتبع ذلك تغير السحنات والضعف عن الانفعالات النفسانية من الخوف والحزن، حتى يحسبهم الناظر مرضى وإن لم يكن بهم مرض.
" ويقول قد خولطوا " وذلك إشارة إلى ما يعرض لبعض العارفين عند اتصال نفسه بالملأ الأعلى واشتغالها عن تدبير البدن وضبط حركاته أن يتكلم بكلام خارج عن المتعارف، يستبشع بين أهل الشريعة الظاهرة، فينسب ذلك منه إلى الاختلاط
والجنون، وتارة إلى الكفر والخروج عن الدين وقوله " ولقد خالطهم أمر عظيم " هو اشتغال أسرارهم بملاحظة جلال الله، ومطالعة أنوار الملأ الأعلى.
الثانية والعشرون: كونهم لا يرضون [من أعمالهم] القليل إلى قوله " الكبير " وذلك لتصورهم شرف غايتهم المقصودة بأعمالهم وقوله " فهم لأنفسهم متهمون - إلى قوله - ما لا يعلمون " فتهمتهم لأنفسهم وخوفهم من أعمالهم يعود إلى شكهم فيما يحكم به أوهامهم من حسن عبادتهم، وكونها مقبولة أو واقعة على الوجه المطلوب الموصل إلى الله تعالى فان هذا الوهم يكون مبدءا للعجب بالعبادة والتقاصر عن الازدياد عن العمل والتشكك في ذلك وتهمة النفس بانقيادها في ذلك الحكم للنفس الامارة يستلزم خوفها أن يكون تلك الأعمال قاصرة عن الوجه المطلوب وغير واقعة عليه، وذلك باعث على العمل وكاسر للعجب به، وقد عرفت أن العجب من المهلكات كما قال عليه السلام:
ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهو متبع، وإعجاب المرء بنفسه.
وكذلك خوفهم من تزكية الناس لهم هو الدواء لما ينشأ من تلك التزكية من الكبر والعجب بما يزكون به، فيكون جواب أحدهم عند تزكيته أني أعلم بنفسي من غيري إلى آخره.
ثم شرع عليه السلام بعد ذلك في علاماتهم التي بجملتها يعرف أحدهم، والصفات السابقة وإن كان كثير منها مما يخص أحدهم ويعرف به إلا أن بعضها قد يدخله الرياء، فلا يدل على التقوى الحقة، فجمعها ههنا ونسقها.
فالأولى: القوة في الدين، وذلك أن يقاوم في دينه الوسواس الخناس، ولا يدخل فيه خداع الناس، وهذا إنما يكون في الدين العالم.
الثانية: الحزم في الأمور الدنيوية والدينية، والتثبت فيها ممزوجا باللين للخلق، وعدم الفضاضة عليهم كما في المثل " لا تكن حلوا فتسترط ولا مرا فتلفظ "
وهي فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق وقد علمت أن اللين قد يكون للتواضع المطلوب بقوله " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " وقد يكون من مهانة وضعف يقين، والأول هو المطلوب، وهو المقارن للحزم في الدين ومصالح النفس والثاني رذيلة ولا يمكن معه الحزم لانفعال المهين عن كل جاذب.
الثالثة: الايمان في اليقين، ولما كان الايمان عبارة عن التصديق بالصانع وبما وردت به الشريعة، وكان ذلك التصديق قابلا للشدة والضعف، فتارة يكون عن التقليد وهو الاعتقاد المطابق لا لموجب، وتارة يكون عن العلم وهو الاعتقاد المطابق لموجب هو الدليل، وتارة عن العلم به مع العلم بأنه لا يكون إلا كذلك وهو علم اليقين ومحققو السالكين لا يقفون عند هذه المرتبة بل يطلبون بعين اليقين بالمشاهدة، بعد طرح حجب الدنيا والاعراض عنها، أراد أن علمهم علم اليقين لا يتطرق إليه احتمال.
الرابعة: الحرص في العلم والازدياد منه.
الخامسة: مزج العلم - وهو فضيلة القوة الملكية - بالحلم، وهو من فضائل القوة السبعية.
السادسة: القصد في الغنى، وهو فضيلة العدل في استعمال متاع الدنيا، وحذف الفضول عن قدر الضرورة.
السابعة: الخشوع في العبادة وهو من ثمرة الفكر في جلال المعبود، وملاحظة عظمته الذي هو روح العبادة.
الثامنة التجمل في الفاقة، وذلك بترك الشكوى إلى الخلق والطلب منهم وإظهار الغنى عنهم، وينشأ عن القناعة والرضا، وعلو الهمة ويعين على ذلك ملاحظة الوعد العاجل، وما أعد للمتقين.
التاسعة: وكذلك الصبر في الشدة.
العاشرة: الطلب في الحلال وينشأ عن العفة.
الحادية عشر: النشاط في الهدى وسلوك سبيل الله وينشأ عن قوة الاعتقاد فيما وعد المتقون، وتصور شرف الغاية.
الثانية عشر: عمل الصالحات على وجل، أي من أن يكون على غير الوجه اللائق فلا يقبل كما روي عن زين العابدين عليه السلام أنه كان في التلبية وهو على راحلته وخر مغشيا عليه، فلما أفاق قيل له في ذلك فقال: خشية أن يقول لي: لا لبيك لا سعديك.
الثالثة عشر: أن يكون همهم عند المساء الشكر على ما رزقوا بالنهار وما لم يرزقوا، ويصبحوا وهمهم الذكر لله ليذكرهم الله فيرزقهم من الكمالات النفسانية والبدنية كما قال تعالى: " فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون.
الرابعة عشر: أن يبيت حذرا ويصبح فرحا وقوله حذرا إلى قوله الرحمة تفسير للمحذور، وما به الفرح، وليس مقصود تخصيص البيات بالحذر، والصباح بالفرح بل كما يقول أحدنا يمسي فلان ويصبح حذرا فرحا وكذلك تخصيصه الشكر بالمساء والذكر بالصباح يحتمل أن لا يكون مقصودا.
الخامسة عشر: " إن استصعبت - إلى قوله - تحب " إشارة إلى مقاومته لنفسه الامارة بالسوء، عند استصعابها عليه، وقهره لها على ما تكره، وعدم متابعته لها في ميولها الطبيعية ومحابها.
السادسة عشر: أن يرى قرة عينه فيما لا يزول، أي من الكمالات النفسانية الباقية، كالعلم والحكمة ومكارم الأخلاق المستلزمة للذات الباقية، والسعادة
الدائمية، وقرة عينه كناية عن لذته وابتهاجه لاستلزامهما لقرار العين، وبردها برؤية المطلوب، وزهادته فيما لا يبقى من متاع الدنيا.
السابعة عشر، أن يمزج العلم بالحلم، فلا يجهل ولا يطيش، والقول بالعمل فلا يقول ما لا يفعل، فلا يأمر بمعروف فيقف دونه، ولا ينهى عن منكر ثم يفعله ولا يعد فيخلف فيدخل في مقت الله كما قال تعالى: " كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " الثامنة عشر: قصر أمله وقربه، وذلك لكثرة ذكر الموت، والوصول إلى الله.
التاسعة عشر: قلة زلله، وقد عرفت أن زلل العارفين يكون من باب ترك الأولى لان صدور الخيرات عنهم صار ملكة، والجواذب فيهم إلى الزلل والخطيئات نادرة، تكون لضرورة منهم أو سهو، ولا شك في قلته.
العشرون: خشوع قلبه عن تصور عظمة المعبود.
الحادية والعشرون: قناعة نفسه وينشأ عن ملاحظة حكمة الله في قدرته، وقسمته الأرزاق، ويعين عليها تصور فوائدها الحاضرة، وغايتها في الآخرة.
الثانية والعشرون: قلة أكله وذلك لما يتصور في البطنة من ذهاب الفطنة، و زوال الرقة، وحدوث القسوة، والكسل عن العمل.
الثالثة والعشرون: سهولة أمره أي لا يتكلف لاحد ولا يكلف أحدا.
الرابعة والعشرون: حرز دينه، فلا يهمل منه شيئا ولا يطرق إليه خللا.
الخامسة والعشرون: موت شهوته، ولفظ الموت مستعار لخمود شهوته عما حرم عليه، ويعود إلى العفة.
السادسة والعشرون: كظم غيظه، وهو من فضائل القوة الغضبية.
السابعة والعشرون: كونه " مأمول الخير " وذلك لأكثرية خيريته " مأمون الشرور " وذلك لعلم الخلق بعدم قصده للشرور.
الثامنة والعشرون: قوله " إن كان من الغافلين " إلى قوله " الغافلين " أي إن رآه
الناس في أعداد الغافلين عن ذكر الله، لتركه الذكر باللسان، كتب عند الله من الذاكرين لاشتغال قلبه بالذكر، وإن تركه بلسانه، وإن كان من الذاكرين بلسانه بينهم، فظاهر أنه لا يكتب من الغافلين. لذكر الله ممادح كثيرة، وهو باب عظيم من أبواب الجنة والاتصال بجناب الله وقد أشرنا إلى فضيلته وأسراره.
التاسعة والعشرون: عفوه عمن ظلمه، والعفو فضيلة تحت الشجاعة، وخص من ظلمه، ليتحقق عفوه، مع قوة الداعي إلى الانتقام.
الثلاثون: ويعطي من حرمه، وهي فضيلة تحت السخاء.
الحادية والثلاثون: ويصل من قطعه، والمواصلة فضيلة تحت العفة.
الثانية والثلاثون: بعد فحشه، وأراد ببعد الفحش عنه أنه قلما يخرج في أقواله إلى ما لا ينبغي.
الثالثة والثلاثون: لينه في القول عند محاورات الناس، ووعظهم، ومعاملتهم وهو من أجزاء التواضع.
الرابعة والثلاثون: غيبة منكره وحضور معروفه وذلك للزومه حدود الله.
الخامسة والثلاثون: إقبال خيره وإدبار شره، وهو كقوله " الخير منه مأمول والشر منه مأمون " ويحتمل باقبال خيره أخذه في الازدياد من الطاعة، وتشميره فيها، وبقدر ذلك يكون إدباره عن الشر لان من استقبل أمرا وسعى فيه بعد عما يضاده وأدبر عنه.
السادسة والثلاثون: وقاره في الزلازل، وكنى بها عن الأمور العظام والفتن الكار؟، المستلزمة لاضطراب القلوب وأحوال الناس، والوقار ملكة تحت الشجاعة.
السابعة والثلاثون: كثرة صبره في المكاره، وذلك عن ثباته وعلو همته عن أحوال الدنيا.
الثامنة والثلاثون: كثرة شكره في الرخاء وذلك لمحبته المنعم الأول جلت قدرته، فيزداد شكره في رخائه وإن قل.
التاسعة والثلاثون: كونه لا يحيف على من يبغض، وهو سلب للحيف والظلم
مع قيام الداعي إليها، وهو البغض لمن يتمكن من حيفه وظلمه.
الأربعون: كونه لا يأثم فيمن يحب وهو سلب لرذيلة الفجور عنه باتباع الهوى فيمن يحب إما باعطائه ما لا يستحق أو دفع ما يستحق عليه عنه كما يفعله قضاة السوء وامراء الجور، فالمتقي لا يأثم بشئ من ذلك، مع قيام الداعي إليه، وهو المحبة لمن يحبه، بل يكون على فضيلة العدل في الكل على السواء.
الحادية والأربعون: اعترافه بالحق قبل أن يشهد عليه، وذلك لتحرزه في دينه من الكذب، إذ الشهادة إنما يحتاج إليها مع إنكار الحق وذلك كذب.
الثانية والأربعون: كونه لا يضيع أماناته، ولا يفرط فيما استحفظه الله من دينه وكتابه، وذلك لورعه ولزوم حدود الله.
الثالثة والأربعون: ولا ينسى ما ذكر من آيات الله وعبره وأمثاله، ولا يترك العمل بها، وذلك لمداومة ملاحظتها، وكثرة إخطارها بباله، والعمل بها لعنايته المطلوبة منه.
الرابعة والأربعون: ولا ينابز بالألقاب، وذلك لملاحظته النهي في الذكر الحكيم " ولا تنابزوا بالألقاب " ولسر ذلك النهي وهو كون ذلك مستلزما لإثارة الفتن، والتباغض بين الناس، والفرقة المضادة لمطلوب الشارع.
الخامسة والأربعون: ولا يضار بالجار لملاحظة وصية الله تعالى به " والجار ذي القربى والجار الجنب " ووصية رسول الله صلى الله عليه وآله في المرفوع إليه: أوصاني ربي بالجار حتى ظننت أنه يورثه، ولغاية ذلك وهي الألفة والاتحاد في الدين.
السادسة والأربعون: ولا يشمت بالمصائب، وذلك لعلمه بأسرار القدر وملاحظته لأسباب المصائب، وأنه في معرض أن تصيبه، فيتصور أمثالها في نفسه فلا يفرح بنزولها على غيره.
السابعة والأربعون: أنه لا يدخل في الباطل ولا يخرج عن الحق أي لا يدخل
فيما يبعد عن الله تعالى من باطل الدنيا، ولا يخرج عما يقرب إليه من مطالبه الحقة، وذلك لتصور شرف غايته.
الثامنة والأربعون: كونه لا يغمه صمته، لوضعه كلا من الصمت والكلام في موضعه وإنما يستلزم الغم الصمت عما ينبغي من القول، وهو صمت في غير موضعه.
التاسعة والأربعون: كونه لا يعلو ضحكه، وذلك لغلبة ذكر الموت وما بعده على قلبه، ومما نقل من صفات الرسول صلى الله عليه وآله: كان أكثر ضحكه التبسم وقد يفتر أحيانا ولم يكن من أهل القهقهة والكركرة، وهما كيفيتان للضحك.
الخمسون: صبره في البغي عليه إلى غاية انتقام الله له، وذلك منه نظرا إلى ثمرة الصبر إلى الوعد الكريم " ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله " الآية وقوله " ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ".
الحادية والخمسون: كون نفسه منه في عناء أي نفسه الامارة بالسوء لمقاومته لها، وقهرها ومراقبته إياها والناس من أذاه في راحة لذلك.
الثانية والخمسون: كون بعده عمن تباعد عنه، لزهده فيما في أيدي الناس ونزاهته عنه، لا عن كبر وتعظم عليهم، وكذلك دنوه ممن دنا منه عن لين ورحمة منه لهم، لا لمكر بهم وخديعة لهم عن بعض المطالب، كما هو عادة الخبيث المكار وهذه الصفات والعلامات قد يتداخل بعضها، ولكن تورد بعبارة أخرى أو تذكر مفردة ثم تذكر ثانيا مركبة مع غيرها.
51 - أمالي الصدوق: ابن الوليد، عن الصفار، عن علي بن حسان، عن عمه عبد الرحمان بن كثر الهاشمي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: قام رجل من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام يقال له همام وكان عابدا فقال له يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم فتثاقل أمير المؤمنين صلوات الله عليه عن جوابه ثم قال له: ويحك يا همام اتق الله وأحسن، فان الله مع الذين اتقوا
والذين هم محسنون.
فقال همام: يا أمير المؤمنين أسألك بالذي أكرمك بما خصك به، وحباك وفضلك بما آتاك وأعطاك، لما وصفتهم لي، فقام أمير المؤمنين صلوات الله على قائما على قدميه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله ثم قال:
أما بعد فان الله عز وجل خلق الخلق حيث خلقهم غنيا عن طاعتهم آمنا لمعصيتهم لأنه لا تضره معصية من عصاه منهم، ولا تنفعه طاعة من أطاعه منهم، وقسم بينهم معايشهم، ووضعهم في الدينا مواضعهم، وإنما أهبط الله آدم وحوا عليهما السلام من الجنة عقوبة لما صنعا حيث نهاهما فخالفاه وأمرهما فعصياه.
فالمتقون فيها هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، خشعوا لله عز وجل بالطاعة فتهبوا فهم غاضون أبصارهم عما حرم الله عليهم واقفين أسماعهم على العمل نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت منهم في الرخاء رضا منهم عن الله بالقضاء، ولولا الآجال التي كتبت عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب وخوفا من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم ووضع ما دونه في أعينهم.
فهم والجنة كمن رآها فهم فيها متكئون، وهم الدار كمن رآها فيهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحوائجهم خفيفة وأنفسهم عفيفة، ومؤنتهم من الدنيا عظيمة.
صبروا أياما قصارا أعقبتهم راحة طويله، تجارة مربحة، يسرها لهم رب كريم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فأعجزوها.
أما الليل فصافون أقدامهم، تالين لاجزاء القرآن، يرتلونه ترتيلا يحزنون به أنفسهم، ويستترون به ويهيج أحزانهم بكاء على ذنوبهم، ووجع كلوم جراحهم وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وأبصارهم فاقشعرت منها
جلودهم، ووجلت منها قلوبهم، فظنوا أن صهيل جهنم وزفيرها وشهيقها في أصول آذانهم.
وإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت أنفسهم إليها شوقا وظنوا أنها نصب أعينهم جاثين على أوساطهم يمجدون جبارا عظيما، مفترشين جباههم وأكفهم وركبهم، وأطراف أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم.
أما النهار فحلماء علماء، بررة أتقياء، قد براهم الخوف فهم أمثال القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، أو يقول قد خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم إذا فكروا في عظمة الله وشدة سلطانه معما يخالطهم من ذكر الموت وأهوال القيامة، فزع ذلك قلوبهم، فطاشت حلومهم، وذهلت عقولهم، فإذا استقاموا بادروا إلى الله عز وجل بالاعمال الزكية.
لا يرضون لله بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل، فهم لأنفسهم متهمون، و من أعمالهم مشفقون، إن زكي أحدهم خاف ما يقولون، ويستغفر الله مما لا يعلمون وقال أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم مني بنفسي اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، فإنك علام الغيوب وساتر العيوب.
ومن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا على العلم، وفهما في فقه، وعلما في حلم، وكسبا في رفق، وشفقة في نفقة، وقصدا في غني، وخشوعا في عبادة، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، ورحمة للمجهود، وإعطاء في حق، ورفقا في كسب، وطلبا للحلال، ونشاطا في الهدى، و تحرجا عن الطمع، وبرا في استقامة، وإغماضا عند شهوة.
لا يغره ثناء من جهله، ولا يدع احصاء ما علمه، مستبطئا لنفسه في العلم يعمل الأعمال الصالحة، وهو على وجل، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وشغله
الذكر، يبيت حذرا، ويصبح فرحا: حذرا لما حذر من الغفلة، فرحا لما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت عليه نفسه لم يعطها سؤلها فيما فيه مضرته، ففرحه فيما يخلد ويدوم، وقرة عينه فيما لا يزول، ورغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى.
يمزج العلم بالحلم، ويمزج الحلم بالعقل، تره بعيدا كسله، دائما نشاطه قريبا أمله، قليلا زلله، متوقعا أجله، خاشعا قلبه، ذاكرا ربه، خائفا ذنبه قانعة نفسه، متغيبا جهله، سهلا أمره، حريزا لدينه، ميتة شهوته، كاظما غيظه صافيا خلقه، آمنا منه جاره، ضعيفا كبره، متينا صبره، كثيرا ذكره، محكما أمره.
لا يحدث بما يؤتمن عليه الأصدقاء، ولا يكتم شهادته الأعداء، ولا يعمل شيئا من الحق رئاء، ولا يتركه حياء، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون إن كان من الغافلين كتب من الذاكرين وإن كان من الذاكرين لم يكتب من الغافلين.
يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، ولا يعزب حلمه، و لا يعجل فيما يريبه، ويصفح عما قد تبين له، بعيدا جهله، لينا قوله، غائبا مكره قريبا معروفه، صادقا قوله، حسنا فعله، مقبلا خيره، مدبرا شره، فهو في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، ولا يحيف على من يبغض، و لا يأثم فيمن يحب، ولا يدعي ما ليس له، ولا يجحد حقا عليه، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ، ولا يتنابز بالألقاب، لا يبغي على أحد، ولا يهم بالحسد، ولا يضر بالجار، ولا يشمت بالمصائب، سريع للصواب، مؤد للأمانات، بطئ عن المنكرات، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، لا يدخل في الأمور بجهل، ولا يخرج عن الحق بعجز.
إن صمت لم يغمه الصمت، وإن نطق لم يقل خطأ، وإن ضحك لم يعد صوته سمعه، قانعا بالذي قدر له، لا يجمح به الغيظ، ولا يغلبه الهوى، ولا يقهره الشح
ولا يطمع فيما ليس له، يخالط الناس ليعلم، ويصمت ليسلم، ويسأل ليفهم، ويبحث ليعلم، لا ينصت للخير ليفخر به، ولا يتكلم به ليتجبر على من سواه، إن بغي عليه صبر، حتى يكون الله هو الذي ينتقم له.
نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، أتعب نفسه لاخرته، وأراح الناس من نفسه، بعد من تباعد عنه بغض ونزاهة، ودنو من دنا منه لين ورحمة فليس تباعده بكبر ولا عظمة، ولا دنوه لخديعة ولا خلابة، بل يقتدي بمن كان قبله من أهل الخير، فهو إمام لمن خلفه من أهل البر.
قال: فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أما والله لقد كنت أخافها عليه، وأمر به فجهز وصلى عليه، وقال: هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها.
فقال قائل: فما بالك أنت يا أمير المؤمنين؟! فقال: ويلك إن لكل أجلا لن يعدوه، وسببا لا يجاوزه، فمهلا لا تعد فإنه إنما نفث هذا القول على لسانك الشيطان.
كتاب سليم بن قيس مثله.
توضيح: إنما كررنا ذكر هذه الخطبة الشريفة، لئلا يفوت عن الناظر في الكتاب الفوائد التي اختصت كل رواية بها مع أنها المسك كلما كررته يتضوع.
" بما خصك به من قرابة الرسول صلى الله عليه وآله والاختصاص به وحباك " أي أعطاك من الوصاية والخلافة بما آتاك من السوابق والمناقب وأعطاك من العلم والقرب ومكارم الأخلاق ويحتمل التعميم والتأكيد.
و " لما " إيجابية أي أسألك في جميع الأحوال إلا حال الوصف، وهو حصول المطلوب، وقد مر الكلام في تأويل معصية آدم وحوا عليهما السلام وذكرها لبيان
فضيلة التقوى وذم خلافها وبيان سبب حصول بني آدم في الدنيا واحتياجهم إلى المعايش و اختلافهم في المنازل الدينية والمراتب الدنيوية وحصول الشهوات فيهم، وترقيهم في الكمالات لذلك.
فتهبوا أي نفضوا أيديهم عن الدنيا وتفرغوا للآخرة، في النهاية يقال جاء يتهبى إذا جاء فارغا ينفض يديه.
ويحتمل أن يكون من هب فقلب الثاني أي انتبهوا من نوم الغفلة، و أسرعوا في الطاعة أو بليت أبدانهم فكثرة العبادة في القاموس: الهب الانتباه من النوم، ونشاط كل سائر، وسرعته، وتهبب الثوب بلي، وفي بعض النسخ " فبهتوا " أي تحيروا في ملاحظة عظمة الله سبحانه أو يحسبهم الناس كذلك كما سيأتي.
" ووضع ما دونه " على بناء المفعول أي ذل وحط قدره، أو على بناء المعلوم ككرم يقال في حسبه ضعة أي انحطاط ولؤم وخسة، وقد وضع ككرم ووضعه غيره كذا في القاموس وفي بعض النسخ وصغر " ومؤنتهم من الدنيا عظيمة " المؤنة الثقل، والقوت، والتعب، والشدة.
قال الجوهري المؤنة يهمز ولا يهمز، وهي فعولة وقال الفراء هي مفعلة من الأين وهو التعب والشدة ويقال هو مفعلة من الجون وهو الخرج والعدل، لأنه ثقل على الانسان، قال الخليل: ولو كان مفعلة لكان مئينة، مثل معيشة، وعند الأخفش يجوز أن تكون مفعلة انتهى.
وأقول: تحتمل هذه الفقرة وجوها:
الأول أن يكون المعنى أن تعبهم ومشقتهم بسبب ترك الدنيا، ومجاهدة النفس في الاعراض عنها عظيمة.
الثاني أن يكون المعنى أن الرزق مضيق عليهم ، لاعراضهم عن الحرام و الشبهة، ومكسب الحلال قليل، مع أن أولياء الله غالبا مبتلون بالفقر، فالعظيمة
بمعنى الشدة أو المؤنة بمعنى التعب.
الثالث أن يراد أن ما يحصل لهم من القوت في الدنيا يعدونه عظيما، و يشكرونه وإن كان قليلا.
الرابع أنهم لكثرة توسعهم على العيال وذوي الأرحام والفقراء مؤنتهم كثيرة.
الخامس أن يكون المعنى أن بليتهم بسبب معاشرة الخلق وكثرة الأعادي وقله من يؤنسهم ويوافقهم في الطريقة عظيمة.
السادس ما ذكره الوالد قدس سره أن المراد بمؤنتهم ما يكسبونه لزاد الآخرة من الطاعات والقربات والصادقات، أي يأخذون حظا عظيما من الدنيا للآخرة.
ويحتمل وجوها اخر وكأنه لخفاء معناها أسقطها في النهج، وفيما سيأتي في باب صفات الشيعة " ومعونتهم في الاسلام عظيمة " وهو أظهر.
" وطلبتهم فأعجزوها " أي عن أن تصل إليهم وتدركهم " ويستترون به " أي يخفونه عن الناس خوفا من الرئاء، وفي بعض النسخ ويستبشرون به أي يفرحون بالحزن أو بالتلاوة شكرا لما وفقهم الله لذلك، ويهيج أحزانهم كأنه على بناء التفعيل وبكاء فاعله، وأحزانهم مفعوله، و " وجع " عطف على بكاء، أو على بناء المجرد وأحزانهم فاعله، وبكاء منصوب على العلة، ووجع عطف على ذنوبهم و " الكلوم " كعلوم جمع الكلام بالفتح، وهو الجرح و " الجراح " جمع جراحة بالكسر فيهما، والإضافة للتأكيد أو الجراح مصدر أي الجراحات التي حدثت من جراحاتهم لأنفسهم بالذنوب والمعاصي.
وفي النهاية: فيه ملا الله مسامعه هي جمع مسمع، وهو آلة السمع أو جمع سمع على غير قياس كمشابه وملامح والمسمع بالفتح خرقها انتهى " وأبصارهم " بالنصب عطف على مسامع أي أبصار قلوبهم أو بالجر عطفا على قلوبهم، فالابصار بمعنى البصائر " والصهيل " صوت الفرس شبه به صوت توقد النار، لرفعته وشدته.
" جاثين على أوساطهم " الغالب في الجثو أن يطلق على الجلوس على الركبتين وقد يطلق على القيام على أطراف الأصابع، المراد هنا إما الجلوس على وجه الخضوع، والنسبة إلى الأوساط على المجاز، أو القيام كذلك أو الركوع بتضمين معنى الانحناء، في القاموس جثا كدعا ورمى جثوا وجثيا بضمهما جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه، وأجثاه غيره وهو جاث.
وفي بعض النسخ " حانين " كما في سائر الروايات، وهو أظهر.
وفي القاموس مجده عظمه وأنثى عليه، وقال جأر كمنع جأرا وجؤارا رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث " فزع " على بناء التفعيل والإشارة إلى التفكر " طاشت " أي اضطربت وتحيرت في القاموس الطيش النزق والخفة طاش يطيش طيشا، و ذهاب العقل، وجواز السهم الهدف، وقال: الحلم بالكسر الأناة والعقل والجمع أحلام وحلوم.
" فإذا استقاموا " أي استقامت أحوالهم، وذهبت عنهم تلك الدهشة، وفي بعض النسخ " استفاقوا " وهو أنسب، في القاموس أفاق من مرضه رجعت الصحة إليه أو رجع إلى الصحة كاستفاق.
" بالاعمال الزكية " أي الطاهرة من الرياء، وما يفسد العمل أو النامية والجزيل: الكثير والعظيم " وفهما في فقه " الفقه بالكسر العلم بالشئ، والفهم له والفطنة، وغلب على علم الدين لشرفه، ذكره الفيروزآبادي فالمعنى أن له فهما في علوم الدين أو يفهم ما يتفقه، ولا يكتفي بظاهر التعلم وكسبا في رفق: أي يكسب المال، ولا يبالغ فيه، وهو الاجمال في الطلب، ويحتمل كسب العلم أيضا فالرفق عدم المجادلة والسفاهة " وشفقة في نفقة " الشفقة المبالغة في النصح والخوف، فالمعنى أن له شفقة على المؤمنين مع الانفاق عليهم أو أنه يخاف في النفقة أن تكون إسرافا أو يكون مكسبها حراما.
وفي النهاية يقال جهد الرجل فهو مجهود إذا وجد مشقة، وجهد الناس فهم مجهودون إذا أجدبوا، " ورفقا " في كسب " كأنه تأكيد مع تفنن في العبارة أو في
الأول المقصود بالذات الكسب وفي الثاني الرفق، أو في الأول المراد كسب العلم وفي الثاني كسب المال، أو الرفق في أحدهما اللطف مع المعاملين، وفي الاخر عدم المبالغة في الطلب، ولا يبعد أن يكون " كسبا " في الأول تصحيف " كيسا " كما سيأتي.
" وبرا في استقامة " أي مع استقامة في الدين، أو من غير تقتير وتبذير أو مداوما عليه، أو يضعه في مواضعه، والبر إما بر الوالدين أو الأعم والأخير أظهر " وإغماضا عند شهوة " أي يغمض عينه عن الحرام، مع شهوته للنظر، ويحتمل أن يكون الإغماض كناية عن الترك لما سيأتي في بعض " انتهاء " مكانه.
ما علمه: أي من سيئاته بل يحصيها ويعدها على نفسه وفي بعض النسخ إحصاء علمه " مستبطئا لنفسه " أي يعدها بطيئة عن الأعمال الصالحة مقصرة فيها " ويمزج الحلم بالعقل " أي يحلم فيما يحكم العقل بحسنه فيه " الأصدقاء " فكيف الأعداء " الأعداء " فكيف الأصدقاء " ولا يتركه حياء " لأنه لا حياء في الحق وفي القاموس العزوب الغيبة يعزب ويعزب والذهاب " ولا يعجل فيما يريبه " أي لا يعجل في أمر له شك في أنه يجوز له الدخول فيه أم لا، حتى يستيقن ذلك، أو إذا شك في صدور خيانة أو ضرر عن غيره لا يعجل في انتقامه حتى يتيقن ذلك وهذا أنسب بما بعده.
قال في النهاية: الريب الشك وقيل هو الشك مع التهمة، يقال: رابني الشئ وأرابني بمعنى شككني وقيل أرابني في كذا أي شككني وأوهمني الريبة فيه، فإذا استيقنته قلت رابني بغير ألف، ومنه الحديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك يروى بفتح الياء وضمها.
" ويصفح عما قد تبين له " أي من إساءة الناس وضررهم، وفي القاموس
بغى عليه يبغي بغيا علا وظلم، وعدل عن الحق واستطال " بعجزه " أي بضعف النية، وفتور العزم.
وفي القاموس جمح الفرس كمنع اعتز فارسه وغلبه " ليسلم " أي من شرور اللسان أو شرور الناس " والبحث " التفتيش، والمراد أن إعادته السؤال لحسن الفهم ومزيد العلم، لا للمراء وإظهار الفضل.
" بعد من تباعد " إضافة إلى المفعول، وكذا " دنو من دنا منه ".
52 - نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: يا أيها الناس طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وطوبى لمن لزم بيته، وأكل قوته، واشتغل بطاعة ربه وبكى على خطيئته، فكان من نفسه في شغل، والناس منه في راحة.
بيان: " لمن لزم بيته " أي لم يخرج منه لتهييج شر، وليس المراد ترك الخروج لطلب الرزق أو للعبادة كالجهد، وعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وقضاء حوائج المؤمنين، ونحوها أو هو مختص ببعض أزمنة الفتن " وأكل قوته " أي اكتفى بما قدر الله له من قوته، ولم يطلب أكثر من ذلك، ولم يشترك في قوت غيره.
53 - الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن القاسم بن عروة، عن أبي العباس قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من سرته حسنة، وساءته سيئة، فهو مؤمن.
بيان: " حسنة " أي حسنة نفسه، أو أعم من أن يكون من نفسه أو من غيره ويؤيد الأول أن في بعض النسخ " حسنته وسيئته " كما سيأتي، والسرور بالحسنة لا يستلزم العجب، فإنه يمكن أن يكون عند نفسه مقصرا في الطاعة لكن يسر بأن لم يتركها رأسا وكان هذا أولى منازل الايمان مع أن السرور الواقعي بالحسنة يستلزم السعي في الاتيان بكل حسنة والمساءة والواقعية بالسيئة تستلزم التنفر من كل سيئة، والاهتمام بتركها، وهذان من كمال الايمان.
54 - كتاب زيد الزراد: قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: نخشى أن
لا نكون مؤمنين، قال: ولم ذاك؟ فقلت: وذلك أنا لا نجد فينا من يكون أخوه عنده آثر من درهمه وديناره، ونجد الدينار والدرهم آثر عندنا من أخ قد جمع بيننا وبينه موالاة أمير المؤمنين عليه السلام قال: كلا إنكم مؤمنون، ولكن لا تكملون إيمانكم حتى يخرج قائمنا، فعندها يجمع الله أحلامكم، فتكونون مؤمنين كاملين ولو لم يكن في الأرض مؤمنون كاملون، إذا لرفعنا الله إليه وأنكرتم الأرض وأنكرتم السماء.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.