بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
14 - باب علامات المؤمن وصفاته الآيات الأنفال: إنما
ج ۶۴، ص ۲۹۱–۳۲۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۵
" ولا يكتم " أي لو كان عنده شهادة لعدو، لا تحمله عداوته على أن لا يقول له أنا شاهد لك، أو لا يكتمه إذ استشهده، فالمراد للأعداء " شيئا من الحق " أي العبادات الحقة، ليراه الناس، وفيه إشعار بأنه لا يفعل غير الحق ولا يأتي ببدعة " ولا يتركه " أي الحق حياء، لأنه لا حياء في الحق كما قال الله تعالى: " والله لا يستحيي من الحق ".
" إن زكي " أي اثني عليه ومدح بما يفعله " خاف ما يقولون " وفي الكافي " مما يقولون " أي خاف أن يكون قولهم سببا لإعجابه بنفسه وعمله، فيضيع عمله أو يكونوا كاذبين، ورضى بكذبهم فيعاقب على ذلك مع أنه لا ينفع تزكيتهم، كما قال تعالى: " لا تزكوا أنفسكم " " بل الله يزكي من يشاء.
" مما لا يعلمون " أي عيوبه ومعاصيه التي صار عدم علمهم بها سببا لتزكيتهم " لا يغره " تأكيد لما سبق، أو استيناف بياني وكذا الفقرة الآتية على اللف والنشر المرتب، أي لا يغتر بتزكية من لا يطلع على عيوبه الخفية فيعجب بقولهم.
" إحصاء من قد علمه " أي الرب أو الأعم منه ومن النبي والأئمة عليهم السلام والملائكة الكاتبين، وفي الكافي " ما قد علمه " فيكون إضافة إلى المفعول أي إحصاء ما تقدم ذكر أعماله، وسيأتي شرح تتمة الخبر في باب صفات المنافق إنشاء الله.
15 - الخصال: عن عبد الله بن النضر، عن جعفر بن محمد المكي، عن عبد الله بن محمد بن عمر، عن صالح بن زياد، عن أبي عثمان عبد بن ميمون السكوني، عن عبد الله ابن معن الأزدي، عن عمران بن سليمان، عن الطاووس بن اليمان قال: سمعت علي ابن الحسين عليهما السلام يقول: علامات المؤمن خمس، قلت: وما هن يا ابن رسول الله؟
قال: الورع في الخلوة، والصدقة في القلة، والصبر عند المصيبة، والحلم عند الغضب والصدق عند الخوف.
الدرة الباهرة: عنه عليه السلام مثله.
بيان: " عند الخوف " كأنه محمول على خوف لم يصل إلى حد وجوب التقية.
16 - الخصال: عن ابن الوليد، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن أحمد بن محمد وغيره باسناده رفعاه إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: المؤمن من طاب مكسبه وحسنت خليقته، وصحت سريرته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من كلامه، وكفى الناس من شره، وأنصف الناس من نفسه.
الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن إسماعيل بن مهران، عن منذر بن جيفر عن آدم أبي الحسن اللؤلؤي، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله إلا أن فيه: " وكفى الناس شره ".
بيان: في رجال الشيخ آدم أبو الحسين، " من طاب مكسبه " أي يكون ما يكتسبه من المال حلالا، وفي القاموس: فلان طيب المكسب والمكسب أي طيب الكسب " خليقته " أي طبيعته بالتخلي عن الرذائل، أو التحلي بالفضائل، " سريرته " أي نيته أو بواطن أمره، بأن لا يكون باطنه خلاف ظاهره، أو قلبه بصحة عقائده ونياته، و في القاموس: السريرة: ما يكتم.
" وأنفق الفضل من ماله " أي أنفق ما يفضل عن نفقة نفسه وعياله في سبيل الله " والفضل من كلامه " ما لا نفع فيه لاخرته، " وكفى الناس شره " بأن يكف عنهم ضره، " وأنصف الناس من نفسه " بأن يحكم لهم عليها، ويحب لهم ما يحب لها ويكره لهم ما يكره لها.
17 - الخصال: في وصية النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام: يا علي ينبغي أن يكون للمؤمن ثمان خصال: وقار عند الهزاهز، وصبر عند البلاء، وشكر عند الرخاء وقنوع بما رزقه الله، لا يظلم الأعداء، ولا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في تعب والناس منه في راحة.
18 - الخصال: عن أبيه، عن محمد العطار وأحمد بن إدريس معا، عن الأشعري عن الحسن بن علي، عن أبي سليمان الحلواني، أو عن رجل عنه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صفة المؤمن قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وحرص في فقه ونشاط في هدى، وبر في استقامة، وإغماض عند شهوة، وعلم في حلم، وشكر في رفق، وسخاء في حق، وقصد في غني، وتجمل في فاقة، وعفو في قدرة، وطاعة في نصيحة، وورع في رغبة، وحرص في جهاد، وصلاة في شغل، وصبر في شدة.
وفي الهزاهز وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يغتاب ولا يتكبر، ولا يبغي، وإن بغي عليه صبر، ولا يقع الرحم، وليس بواهن ولا فظ [غليظ] ولا يسبقه بصره، ولا يفضحه بطنه، ولا يغلبه فرجه، ولا يحسد الناس ولا يقتر، ولا يبذر، ولا يسرف، بل يقتصد، ينصر المظلوم، ويرحم المساكين.
نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، لا يرغب في عز الدنيا، ولا يجزع من المهانة، للناس هم قد أقبلوا عليه، وله هم قد شغله، لا يرى في حلمه نقص ولا في رأيه وهن، ولا في دينه ضياع، يرشد من استشاره، ويساعد من ساعده ويكيع عن الباطل والخناء والجهل، فهذه صفة المؤمن.
بيان: قد مر شرحه برواية الكليني وإنما أعدناه للاختلاف الكثير بينهما، " وشكر " أي لله بالطاعة " مع رفق " فيها، وعدم المبالغة فيها بحيث يتضجر ويضعف عنها، أو مع رفق بالخلق، ويحتمل أن يكون المراد شكر الخلق، وفيما مر و " كيس ".
19 - أمالي الطوسي: عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى عن ابن محبوب، عن أبي ولاد الحناط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أربع من كن فيه كمل إيمانه، وإن كان من قرنه إلى قدمه ذنوب لم ينقصه ذلك، وهي: الصدق وأداء الأمانة، والحياء، وحسن الخلق.
التمحيص: عن أمير المؤمنين عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله مثله.
الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى مثله.
بيان: " أربع " مبتدأ أي خصال أربع، والموصول بصلته خبره، " وإن كان من قرنه " مبالغة في الكثرة، أو كناية عن صدورها من كل جارحة من جوارحه ويمكن حملها على الصغائر فان صدور الكبائر الكثيرة من صاحب تلك الخصال بعيد، ويحتمل أن يكون المراد أنه يوفق للتوبة وهذه الخصال تدعوه إليها، فان كلا منها يمنع كثيرا من الذنوب كما لا يخفى.
20 أمالي الطوسي: عن المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب الخزاز، عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: كان أبي علي بن الحسين عليهما السلام يقول: أربع من كن فيه كمل إيمانه، ومحصت عنه ذنوبه، ولقي ربه وهو عنه راض: من وفى لله بما جعل على نفسه للناس، وصدق لسانه مع الناس واستحيى من كل قبيح عند الله وعند الناس، وحسن خلقه مع أهله.
المحاسن: عن أبيه، عن ابن محبوب مثله.
بيان : في النهاية: أصل المحص: التخليص، ومنه تمحيص الذنوب أي إزالتها، " بما جعل على نفسه للناس " أي بالنذر أو العهد أو اليمين كما يومي إليه قوله: " وفى لله " ويحتمل التعميم، لان الوفاء بالعهد إن لم يكن واجبا فلا ريب في رجحانه، " وعند الناس " أي إذا لم يكن مستحسنا عند الله، أو المراد بالناس كملهم، " مع أهله " التخصيص لأنه أفضل وأهم.
21 - أمالي الطوسي: المفيد عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن الحسن بن جعفر، عن طاهر بن مدرار، عن رزين بن أنس، قال: سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون كامل العقل، ولا يكون كامل العقل حتى يكون فيه عشر خصال:
الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، يستقل كثير الخير من نفسه، ويستكثر قليل الخير من غيره، ويستكثر قليل الشر من نفسه، ويستقل كثير الشر من غيره.
لا يتبرم بطلب الحوائج قبله، ولا يسأم من طلب العلم عمره، الذل أحب إليه من العز، والفقر أحب إليه من الغنا، حسبه من الدنيا قوت، والعاشرة وما العاشرة؟ لا يلقى أحدا إلا قال: هو خير مني وأتقى.
إنما الناس رجلان: رجل خير منه وأتقى، وآخر شر منه وأدنى، فإذا لقي
الذي هو خير منه [وأتقى] تواضع له ليلحق به، وإذا لقي الذي هو شر منه وأدنى قال: لعل شر هذا ظاهر وخيره باطن، فإذا فعل ذلك علا وساد أهل زمانه.
بيان: في القاموس: البرم محركة: السأمة والضجر، وأبرمه فبرم كفرح وتبرم: أمله فمل، " قلبه " بكسر القاف وفتح الباء أي عنده، " الذل أحب إليه من العز " لعل المعنى أن ذله عند نفسه أحب إليه من العز والتكبر، أو يحب الذل إذا علم أن العز يصير سببا لفساده وبغيه، أو إذا أذله الله يرضى بذلك، ويكون أحب إليه لقلة مفاسده، كما هو الظاهر من الفقرة التي بعدها، لئلا ينافي ما ورد من أنه تعالى لا يرضى بذل المؤمن ولم يدع إليه أن يذل نفسه " حسبه من الدنيا قوت " أي يكتفي بالقوت ولا يطلب أكثر منه.
واعلم أن الخصال المذكورة اثنتا عشر: فلا يوافق العدد المذكور أولا و يمكن توجيهه بوجوه:
الأول عد استقلال الخير من نفسه، واستكثاره من غيره واحدا لتلازمهما غالبا، وكذا عد القرينتين بعدهما واحدا لذلك.
الثاني عد تقليل الخير من نفسه وتكثير الشر منها واحدا لقربهما وتلازمهما وكذا تقليل الشر وتكثير الخير من الغير.
الثالث عد كون الخير مأمولا منه والشر مأمونا، واحدا للتلازم غالبا، و جعل الاكتفاء بالقوت من تتمة الفقرة السابقة لا خصلة أخرى.
الرابع عد قوله " الذل " إلى قوله " قوت " خصلة واحدة لتقارب الجميع ولكل وجه، وإن كان لا يخلو شئ منها من تكلف، " وساد أهل زمانه " أي صار سيدهم وأشرفهم حسبا وكرامة.
22 - مجالس المفيد أمالي الطوسي: عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي سعيد القماط، عن المفضل قال: سمعت
أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يكمل إيمان العبد حتى يكون فيه أربع خصال: يحسن خلقه، ويستخف نفسه، ويمسك الفضل من قوله، ويخرج الفضل من ماله.
المحاسن: عن أبيه، عن أبي سعيد القماط مثله.
23 - أمالي الطوسي: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد العلوي، عن علي ابن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين، عن الحسين بن زيد بن علي، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم، وخير المؤمنين من كان مألفة للمؤمنين، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف.
قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: شرار الناس من يبغض المؤمنين و تبغضه قلوبهم، المشاؤن بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبراء العيب أولئك لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ثم تلا صلى الله عليه وآله " هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين " و " ألف بين قلوبهم ".
بيان: مألفة أي محلا لالفتهم يألفون به، أو يألفهم أيضا، قال في المصباح المألف: الموضع الذي يألفه الانسان، وألفته من باب علمت: أنست به وأحببته والاسم الألفة بالضم، والألفة أيضا اسم من الائتلاف وهو الالتيام والاجتماع، و النميمة: نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الافساد والشر.
" الباغون " أي الطالبون " للبراء " من العيوب " العيب " " لا ينظر الله إليهم " كناية من عدم اللطف، أو المعنى لا ينظر الله إليهم نظر رحمة " ولا يزكيهم " أي لا يثني عليهم ولا يقبل أعمالهم، أو لا ينمي أعمالهم، والاستشهاد بالآية لدلالتها على
حسن التأليف بين قلوب المؤمنين، والتزاما على قبح التفريق بينهم.
24 - علل الشرائع: عن الحميري، عن هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: قيل له: ما بال المؤمن أحد شئ؟ قال: لان عز القرآن في قلبه، ومحض الايمان في صدره، وهو بعد مطيع لله ولرسوله، مصدق قيل: فما بال المؤمن قد يكون أشح شئ؟ قال: لأنه يكسب الرزق من حله ومطلب الحلال عزيز، فلا يحب أن يفارقه لشدة ما يعلم من عسر مطلبه، وإن هو سخت نفسه فلم يضعه إلا في موضعه.
قيل له: فما بال المؤمن قد يكون أنكح شئ؟ قال: لحفظه فرجه من فروج ما لا يحل له ولكن لا تميل به شهوته هكذا ولا هكذا، فإذا ظفر بالحلال اكتفى به واستغنى به عن غيره.
قال صلى الله عليه وآله، إن قوة المؤمن في قلبه ألا ترون أنه قد تجدونه ضعيف البدن، نحيف الجسم، وهو يقوم الليل ويصوم النهار، وقال: المؤمن أشد في دينه من الجبال الراسية، وذلك أن الجبل قد ينحت منه، والمؤمن لا يقدر أحد على أن ينحت من دينه شيئا وذلك لضنه بدينه، وشحه عليه.
بيان: " لان عز القرآن في قلبه " أي حدته إنما هي في الدين لتنمره في ذات الله وعدم المداهنة في دين الله.
25 - معاني الأخبار: عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن موسى بن القاسم العجلي عن صفوان بن يحيى، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وآله يوما حارثة بن النعمان الأنصاري قال له: كيف أصبحت يا حارثة؟
قال: أصبحت يا رسول الله مؤمنا حقا قال: إن لكل إيمان حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا، وأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، فكأني بعرش ربي وقد قرب للحساب، وكأني بأهل الجنة فيها يتزاورون، وأهل النار فيها يعذبون.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت مؤمن، نور الله الايمان في قلبك، فأثبت ثبتك الله فقال له: يا رسول الله ما أنا على نفسي من شئ أخوف مني عليها من بصري فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله فذهب بصره.
26 - معاني الأخبار: عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن محمد بن علي، عن حرب بن الحسن الطحان، عن إبراهيم بن عبد الله، عن فضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا يبلغ أحدكم حقيقة الايمان حتى يكون فيه ثلاث خصال: الموت أحب إليه من الحياة، والفقر أحب إليه من الغنى، والمرض أحب إليه من الصحة.
قلنا: ومن يكون كذلك؟ قال: كلكم، ثم قال: أيما أحب إلى أحدكم يموت في حبنا أو يعيش في بغضنا؟ فقلت: نموت والله في حبكم أحب إلينا، قال:
وكذلك الفقر والغنى والمرض والصحة قلت: أي والله.
27 - المحاسن: عن أبيه، عن الحسن بن سيف، عن أخيه علي عن سليمان بن عمر عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى يكون فيه خصال ثلاث: التفقه في الدين، وحسن التقدير في المعيشة، والصبر على الرزايا.
28 - المحاسن: عن أبيه، عن ابن فضال، عن عاصم، عن أبي حمزة، عن عبد الله ابن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث خصال من كن فيه يستكمل خصال الايمان: الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، و إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له.
الكافي: عن العدة ، عن البرقي مثله.
الخصال: عن أبيه، عن محمد بن علي بن الصلت، عن البرقي، عن ابن فضال، عن عاصم، عن الثمالي، عن عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين بن علي عن أبيها مثله.
بيان: الظاهر أن فيه إرسالا لان فاطمة بنت الحسين عليه السلام لم تعهد روايتها عن النبي صلى الله عليه وآله بل لم تلقه وكأنه كان عن فاطمة بنت الحسين عن الحسين كما في الخصال.
" يستكمل " أي لا تحصل هذه الأخلاق في مؤمن إلا وقد حصلت فيه سائر الخصال لأنها أشقها وأشدها، وأيضا أنها مستلزمة للعدل، وهو التوسط بين الافراط والتفريط، وهو معيار جميع الكمالات، وفي القاموس التعاطي: التناول وتناول ما لا يحق، والتنازع في الاخذ، وركوب الامر انتهى. أي بعد القدرة لا يأخذ أو لا يرتكب ما ليس له.
29 - المحاسن: روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ستة لا تكون من مؤمن، قيل:
وما هي؟ قال: العسر، والنكد، واللجاجة، والكذب، والحسد، والبغي، وقال:
لا يكون المؤمن محاربا.
بيان: العسر الشدة في المعاملات، وعدم السهولة، والنكد العسر والخشونة في المعاشرات وقلة العطاء والبخل وهو أظهر، في القاموس: نكد عيشهم كفرح اشتد وعسر والبئر قل ماؤها ونكد فلانا كنصر منعه ما سأله أو لم يعطه إلا أقله والنكد بالضم قلة العطاء، ويفتح " واللجاجة " الخصومة.
قوله " محاربا " أي بغير حق، وفي بعض النسخ " مجازفا " والجزاف معرب " گزاف " وهو بيع الشئ لا يعلم كيله ولا وزنه، والمجازفة في البيع المساهلة فيه قال في المصباح: يقال لمن يرسل كلامه إرسالا من غير قانون: جازف في كلامه
فأقيم نهج الصواب مقام الكيل والوزن انتهى.
وأقول: كأنه المراد هنا، وفي بعض النسخ بالحاء والراء المهملتين و المجارف بفتح الراء المحروم المحدود الذي سد عليه أبواب الرزق وفي كونه منافيا للايمان الكامل إشكال إلا أن يكون مبنيا على الغالب.
30 - المحاسن: عن عبد الرحمن بن حماد الكوفي، عن ميسر بن سعيد القصير الجوهري، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : يعرف من يصف الحق بثلاث خصال: نظر إلى أصحابه من هم؟ وإلى صلاته كيف هي؟ وفي أي وقت يصليها فإن كان ذا مال نظر أين يضع ماله.
31 - المحاسن: عن فضالة، عن أبان الأحمر، عن ابن سيابة، عن أبي النعمان عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا أنبئكم بالمؤمن؟ المؤمن من ائتمنه المؤمنون على أموالهم وأمورهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر السيئات فترك ما حرم الله.
32 - الإرشاد: روي عن صعصعة بن صوحان العبدي قال: صلى بنا أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم صلاة الصبح، فلما سلم أقبل على القبلة بوجهه يذكر الله لا يلتفت يمينا ولا شمالا، حتى صارت الشمس على حائط مسجد كم هذا - يعني جامع الكوفة - قيس رمح، ثم أقبل علينا بوجهه عليه السلام. فقال:
لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وإنهم ليراوحون في هذا الليل بين جباههم وركبهم، فإذا أصبحوا أصبحوا شعثا غبرا بين أعينهم شبه ركب المعزى، فإذا ذكروا الموت مادوا كما يميد الشجرة في الريح، ثم انهملت عيونهم حتى تبل ثيابهم، ثم نهض عليه السلام وهو يقول كأنما القوم باتوا غافلين.
بيان: في القاموس قيس رمح بالكسر وقاسه: قدره.
33 - مناقب ابن شهرآشوب: قال الباقر عليه السلام: إن الله تعالى أعطى المؤمن البدن الصحيح، و اللسان الفصيح، والقلب الصريح، وكلف كل عضو منها طاعة لذاته ولنبيه و لخلفائه، فمن البدن الخدمة له ولهم، ومن اللسان الشهادة به وبهم، ومن القلب الطمأنينة بذكره وبذكرهم، فمن شهد باللسان، واطمأن بالجنان، وخدم بالأركان أنزله الله الجنان.
بيان: " البدن الصحيح " كأن المعنى الصحة من الذنوب والعيوب المعنوية أو الصحة من الآفات التي تورث الشين، فيكون مختصا بالأنبياء الأئمة عليهم السلام والصريح: الخالص من كل شئ، والمراد به هنا الخالص من الغل والحسد والشك والشبهة.
34 - كتاب صفات الشيعة للصدوق رحمه الله: عن ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: لا دين لمن لا تقية له، ولا إيمان لمن لا ورع له.
وباسناده عن صفوان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إنما المؤمن الذي إذا غضب لم يخرجه غضبه من حق، والذي إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، والذي إذا قدر لم يأخذ أكثر من ماله.
وباسناده عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما ساءته سيئته و سرته حسنته فهو مؤمن.
وباسناده عن حبيب الواسطي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رقبة تذله.
وباسناده عن حسين بن عمرو، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن أشد
من زبر الحديد، إن زبر الحديد إذا دخل النار تغير، وإن المؤمن لو قتل ثم نشر، ثم قتل لم يتغير قلبه.
بيان: في القاموس: الزبرة بالضم القطعة من الحديد، والجمع زبر وزبر " لم يتغير قلبه " أي عقائده التي في قلبه.
35 - صفات الشيعة: باسناده عن المفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى خلق المؤمنين من أصل واحد، لا يدخل فيهم داخل، ولا يخرج منهم خارج، مثلهم والله مثل الرأس في الجسد، ومثل الأصابع في الكف، فمن رأيتم يخالف ذلك فاشهدوا عليه بتاتا أنه منافق.
بيان: " مثلهم " أي ينبغي أن يكون منزلة كل مؤمن من سائر المؤمنين منزلة الرأس من الجسد في التواصل والتعاون، واهتمام المؤمنين بهم بعضهم " بتاتا " أي بتا وقطعا.
36 - صفات الشيعة: باسناده عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: الشتاء ربيع المؤمن، يطول فيه ليله فيستعين به على قيامه.
وباسناده عن سعيد بن غزوان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: المؤمن لا يكون محارفا.
وباسناده عن صالح بن هيثم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاث من كن فيه استكمل خصال الايمان: من صبر على الظلم وكظم غيظه، واحتسب وعفى كان ممن يدخله الله الجنة، وشفع في مثل ربيعة ومضر.
وباسناده عن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لم تكونوا مؤتمنين حتى تكونوا مؤتمنين وحتى تعدوا نعمة الرخاء مصيبة، وذلك أن الصبر على البلاء أفضل من العافية عند الرخاء.
وباسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن من يخافه كل شئ، وذلك أنه عزيز في دين الله، ولا يخاف من شئ، وهو علامة كل مؤمن.
وباسناده عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن المؤمن يخشع له كل شئ. ثم قال: إذا كان مخلصا لله قلبه، أخاف الله منه كل شئ حتى هوام الأرض، وسباعها وطير السماء.
37 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شئ صدرا، وأذل شئ نفسا، يكره الرفعة ويشنأ السمعة، طويل غمه، بعيد همه، كثير صمته، مشغول وقته، شكور صبور، مغمور بفكرته: ضنين بخلته، سهل الخليقة، لين العريكة، نفسه أصلب من الصلد، وهو أذل من العبد.
توضيح: البشر - بالكسر - الطلاقة، وكتمان الحزن من الشكر، ولا يختص بحزن الآخرة كما قيل، وسعة صدره: كناية عن قوة حمله، وشدة تحمله للمشاق، وذلة نفسه: للتواضع، والنظر إلى عظمة الله واستحقار العمل.
" يكره الرفعة " أي الشرف والعلو في الدنيا، و " يشنأ " كيمنع ويسمع يبغض " السمعة " أي إسماع العمل الناس أو فعله لذلك، وطول الغم لذكر الموت والآخرة وعدم العلم بالعاقبة " بعيد همه " أي حزنه تأكيدا أوالهم بمعنى القصد و العزم أي همته عالية مصروفة إلى الأمور الباقية " مشغول وقته " أي مستغرق في العبادة والذكر والتفكر في آيات الله، وتحصيل العلم وبذله، ونحو ذلك، والحاصل أنه لا يضيع العمر.
" مغمور بفكرته " يقال: عمره الماء كنصر أي غطاه، والفكر والفكرة إعمال النظر والمراد به التفكر في آلاء الله وعبره، وعلوم الله وحكمه.
" ضنين بخلته ": الضنة البخل، والخلة بالضم الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله أي في باطنه كما في النهاية، وفي المصباح الخلة بالفتح الصداقة
والضم لغة، والفتح الفقر والحاجة، فالفقر تحتمل وجوها:
الأول: أنه ضنين بخلته لترصده مواقع الخلة وأهلها الذين هم إخوان الصدق في الله وهم قليلون.
الثاني: أن يكون المراد أنه إذا خال أحدا أي صادقه ضن أن يضيع خلته أو يهمل خليله، فالمراد استحكام مودته.
الثالث أن يكون بفتح الخاء كما روي أي إذا عرضت له حاجة ضن بها أن يسأل أحدا فيها ويظهرها.
و " الخليقة " الطبيعة وسهولتها خلوها عن الفظاظة والخشونة، و " العريكة " النفس والطبيعة، يقال: " فلا لين العريكة " إذا كان مطاوعا منقادا قليل الخلاف والنفور منكسر النخوة و " حجر صلد " بالفتح أي صلب أملس، وصلابته لثباته في طاعة الله وإمضاء أموره وشجاعته وحميته، أو شدة إيمانه ويقينه، وعدم تزلزله في الفتن.
وذلته: تواضعه.
38 - المجازات النبوية: قوله عليه السلام من جملة كلام: العلم خليل المؤمن والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيمه، واللين أخوه، والرفق والده، والصبر أمير جنوده.
الشهاب: عنه صلى الله عليه وآله مثله إلا أن فيه: والعمل قائده والبر أخوه.
قال السيد رضي الله عنه: هذه الألفاظ كلها مستعارة منها، فالمراد بقوله عليه السلام " العلم خليل المؤمن " أنه يأنس به من الوحشة، كما يسكن الحميم إلى حميمه، والمراد بقوله عليه السلام " والحلم وزيره " أنه يقوى به على الأمور، ويوازره على كظم المكروه، والمراد بقوله عليه السلام " والعقل دليله " أنه بالعقل يهتدي في ظلم المشكلات، وينجو من مضايق الغمرات، فهو كالدليل الذي يرشد في المضال ويجنب عن المزال.
والمراد بقوله عليه السلام " والعمل قيمة " أن العمل يثقف ميله، ويقوم زلله، و يسد خلله، فهو كالقيم الذي يأتي بمصالح ما يقوم عليه، ومراشد ما يوكل إليه والمراد بقوله عليه السلام " واللين أخوه " أن اللين يفيده مواخاة الاخوان، ومخالصتهم ويحفظ عليه صفاءهم ومودتهم، فجعله عليه السلام أخاه من حيث كان سببا لاجتلاب الاخوان إليه، وحفظ المودات عليه.
والمراد بقوله عليه السلام " والرفق والده " كالمراد بقوله، واللين أخوه، لان الرفق يقبل إليه بالقلوب، ويظأر عليه كوامن الصدور، فيصير كل أحد في الحنو عليه، والميل إليه كالوالد الرؤف، والحدب العطوف.
والمراد بقوله عليه السلام " والصبر أمير جنوده " أن الصبر ملاك أمره، وشداد أزره وبه يبلغ الآداب، ويدرك المحاب، فهو كأمير جنده الذي يقوى به على أعدائه ويصل به إلى أغراضه وطلباته. وقد يجوز أن يكون المراد أن الصبر رأس خلاله ورئيس خصاله، فهو متقدم عليها، وكالأمير لسائرها، كما أن الأمير متقدم على رعيته، وسائس على من في طبقته.
39 - الشهاب: قال صلى الله عليه وآله: المؤمن يسير المؤنة.
الضوء: هذا إخبار معناه الامر، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله المؤمن أن يكون يسير المؤنة، قانعا بالموجود، صابرا عن المفقود، شاكرا ذاكرا، لا طامح البصر إلى زبرج الدنيا، ولا جشعا تواقا إلى العليا، منكسر القلب، ذليل النفس للرب، تكفيه الكسرة، وترويه الشربة، ويواريه الجرد، ويلفحه الحر، وينفحه البرد، كما وصفه أمير المؤمنين عليه السلام " هو من نفسه في تعب، والناس منه في راحة " وفائدة الحديث الحث على التخفف من الدنيا، والابتذال فيها وراويه أبو هريرة.
أقول: الجر بالفتح: الخلق البالي، ولفح النار بحرها: أحرقت، و نفحت الريح هبت.
40 - الشهاب: قال صلى الله عليه وآله: المؤمن كيس فطن حذر.
الضوء - الكياسة ضد الحمق، والكيس الظريف، يقال هو كيس مكيس وينسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:
أما تراني كيسا مكيسا * بنيت بعد نافع مخيسا ومخيس اسم سجن بناه أمير المؤمنين عليه السلام بالعراق، وكان بنى قبله نافعا وحرقه لصوص حبسوا فيه، وكان مبنيا من القصب، فبنى مخيسا بالجص والاجر ويقال: مخيس أي ذليل، ومخيس أي موضع التذليل وقد كأس الغلام يكيس كيسا و كياسة، وتكيس تظرف وكايسته فكسته: أي غلبته.
والفطنة كالفهم، ورجل فطن، وقد فطن فطنة وفطانة وفطانية، والحذر احتراز عن مخيف، يقال حذر حذرا وحذرته وحذار أي احذر! والحذر التحرز مثل الحذر، ورجل حذر وحذر أي متيقظ متحرز، والجمع حذرين وحذارى.
وهذا الحديث أيضا ظاهره إخبار ومعناه أمر يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله الرجل المؤمن أن يكون كيسا ظريفا ضابطا أمر دينه، ودنياه ، فطنا غير غافل عما سيد همه متحرزا غاية التحرز.
وقال الحسن: المؤمن فطن هدم دنياه، وبنى بها آخرته، ولم يهدم آخرته ويبنى بها دنياه.
وقال علي بن بكار: ذهب الأخيار، فلم يبق إلا من يؤثر الدرهمين على دينه.
وقال يحيى بن معاذ: الدرهم عقرب فإن لم تحسن رقيتها فلا تأخذه، فإنها إن لذعتك قتلتك بسمها، قيل: وما رقيتها قال: أخذها من حلها، ووضعها في حلها.
وإنما شرط صلى الله عليه وآله هذه الخلال للمؤمن، لان فيها جوامع الخير، يكون كيسا نظارا في الدلائل الموصلة إلى العلم، فطنا فهما عالما بما يأتي ويذر، حذرا متحرزا مع ذلك كله لان المؤمن منزله بين الخوف والرجاء.
وفائدة الحديث الحث على التنبه والتيقظ، وقلة الركون إلى الدنيا الخداعة المكارة، وراوي الحديث أنس بن مالك.
41 - الشهاب: قال صلى الله عليه وآله: المؤمن إلف مألوف.
الضوء: الألف اجتماع مع التيام، يقال: ألفت بين القوم، وألف الموضع آلفه ألفا، آلفنبه؟ زيد، فأنا آلف، وآلفت الموضع أولفه إيلافا وآلفته أؤالفه مؤالفة وإلافا، على أفعل وفاعل والتأليف جمع أجزاء متفرقة على ترتيب يقدم فيه المقدم، ويؤخر المؤخر، وأوالف الطير: التي ألفت الدور.
فيقول عليه السلام: إن المؤمن ينبغي أن يكون آلفا مستأنسا بالخلق، مستأنسا به، غير نافر منفر ولا منفور منه، يخف إلى حاجات أخيه المؤمن، غير رافع نفسه عنه، يغفر زلته، ويقبل عثرته، ولا يحسد ولا يحقد عليه، موافقا غير منافق، محالفا غير مخالف، مناصحا غير مفاضح.
وفائدة الحديث الحث على الألف، وحسن المصادقة، وراوي الحديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنه.
42 - الشهاب: قال صلى الله عليه وآله: المؤمن من آمنه الناس على أنفسهم وأموالهم.
الضوء: الامن طمأنينة النفس وزوال الخوف، والامن والأمانة والايمان والأمنة قريب من قريب، والله تعالى مؤمن لأنه آمن عباده من ظلمه إياهم، ورجل أمنة وآمنة: يثق بكل أحد.
وهذا الحديث أيضا ظاهره إخبار وهو في معنى الامر، أي ينبغي أن يكون المؤمن موثوقا به، مأمون الجانب، نقيا من المعايب، غير خائن في نفس أو مال ولا مخفر ذمة، ولا ناقض عهد، ولا ناكث عقد.
وفائدة الحديث: الحث على الديانة والأمانة والصيانة، واتباع الأحسن في المعاملة، وإيثار الصدق والمجاملة، وراويا الحديث أنس بن مالك وفضالة بن عبيد.
43 - الحسين بن سعيد أو النوادر: عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان والحسين بن المختار عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إياكم وما يعتذر منه، فان المؤمن لا يسيئ ولا يعتذر، والمنافق يسئ كل يوم ويعتذر منه.
44 - التمحيص: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المؤمن لا يغلبه فرجه، ولا يفضحه بطنه.
45 - التمحيص: روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا يكمل المؤمن إيمانه حتى يحتوي على مائة وثلاث خصال: فعل، وعمل، ونية، وباطن، وظاهر.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ما المائة وثلاث خصال؟ فقال:
يا علي من صفات المؤمن أن يكون جوال الفكر، جوهري الذكر كثيرا علمه عظيما حلمه، جميل المنازعة، كريم المراجعة، أوسع الناس صدرا، وأذلهم نفسا.
ضحكه تبسما، واجتماعه تعلما، مذكر الغافل، معلم الجاهل، لا يؤذي من يؤذيه، ولا يخوض فيما لا يعنيه، ولا يشمت بمصيبة، ولا يذكر أحدا بغيبة بريئا من المحرمات، واقفا عند الشبهات، كثير العطاء، قليل الأذى، عونا للغريب وأبا لليتيم، بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، متبشرا بفقره.
أحلى من الشهد، وأصلد من الصلد، لا يكشف سرا، ولا يهتك سترا، لطيف
الحركات، حلو المشاهدة، كثير العبادة، حسن الوقار، لين الجانب، طويل الصمت حليما إذا جهل عليه، صبورا على من أساء إليه، يبجل الكبير، ويرحم الصغير.
أمينا على الأمانات، بعيدا من الخيانات، إلفه التقى، وحلفه الحياء، كثير الحذر، قليل الزلل، حركاته أدب، وكلامه عجب، مقيل العثرة، ولا يتتبع العورة وقورا، صبورا، رضيا، شكورا.
قليل الكلام، صدوق اللسان، برا، مصونا، حليما، رفيقا، عفيفا، شريفا لا لعان، ولا كذاب، ولا مغتاب، ولا سباب، ولا حسود، ولا بخيل، هشاشا بشاشا، لا حساس، ولا جساس.
يطلب من الأمور أعلاها ومن الأخلاق أسناها، مشمولا بحفظ الله، مؤيدا بتوفيق الله، ذا قوة في لين، وعزمة في يقين، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، صبورا في الشدائد، لا يجور ولا يعتدي، ولا يأتي بما يشتهي، الفقر شعاره، والصبر دثاره، قليل المؤنة، كثير المعونة، كثير الصيام، طويل القيام قليل المنام.
قلبه تقي، وعلمه زكي، إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، يصوم رغبا، ويصلي رهبا، ويحسن في عمله كأنه ناظر إليه، غض الطرف، سخي الكف، لا يرد سائلا، لا يبخل بنائل، متواصلا إلى الاخوان، مترادفا للإحسان، يزن كلامه ويخرس لسانه، لا يغرق في بغضه، ولا يهلك في حبه، ولا يقبل الباطل من صديقه ولا يرد الحق على عدوه، ولا يتعلم إلا ليعلم، ولا يعلم إلا ليعمل.
قليلا حقده، كثيرا شكره، يطلب النهار معيشته، ويبكي الليل على خطيئته إن سلك مع أهل الدنيا كان أكيسهم، وإن سلك مع أهل الآخرة كان أورعهم لا يرضى في كسبه بشبهة، ولا يعمل في دينه برخصة، يعطف على أخيه بزلته، ويرعى ما مضى من قديم صحبته.
بيان: " جوال الفكر " أي فكره في الحركة دائما، " جهوري الذكر " في القاموس: كلام جهوري: أي عال أي يعلن ذكر الله، أو ذكره عال في الناس وفي بعض النسخ " جوهري " وكأن كناية عن خلوص ذكره ونفاسته، والظاهر أنه تصحيف.
وفي القاموس: الصلد - ويكسر - الصلب الأملس، وصلدت الأرض:
صلبت، والتبجيل: التعظيم، والألف بالكسر من تألفه ويألفك، والحلف بالكسر الصديق يحلف لصاحبه أن لا يغدر به، " مصونا " أي عرضه، أو عن الخطاء.
وفي القاموس: الحس: الحيلة، والقتل، والاستئصال وبالكسر:
الصوت، والحاسوس: الجاسوس، وحسست به بالكسر: أيقنت، وأحسست ظننت ووجدت وأبصرت، والتحسس: الاستماع لحديث القوم، وطلب خبرهم في الخير.
وقال: الجس: تفحس الاخبار كالتجسس، ومنه الجاسوس ولا تجسسوا: أي خذوا ما ظهر، ودعوا ما ستر الله عز وجل، أو لا تفحصوا عن بواطن الأمور، أو لا تبحثوا عن العورات انتهى.
والحاصل أن الحساس والجساس متقاربان في المعنى، وكأن الأول إعمال الظنون في الناس، والثاني تجسس أحوالهم، ويحتمل الأول بعض المعاني المتقدمة كما لا يخفى.
" مشمولا بحفظ الله " من شر الشياطين " رغبا " في الثواب " رهبا " من العقاب " كأنه ناظر إليه " أي يشاهده بعين اليقين، ويحتمل إرجاع الضمير إلى الله بقرينة المقام، كقوله صلى الله عليه وآله: الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه، أو المعنى كأنه جعل ناظرا على نفسه.
" يزن كلامه " أي يتفكر فيه هل له قدر في ميزان الاجر والقبول؟ فيتكلم به وإلا فيتركه؟ " لا يغرق في بغضه " من الاغراق وهو المبالغة، أو كيفرح كناية عن الهلاك فكلمة " في " سببية، والعدد المذكور في التفصيل أكثر مما ذكر أولا لتكرار بعضها معنى.
46 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله لحارث بن مالك كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت والله يا رسول الله من المؤمنين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لكل مؤمن حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال:
أسهرت ليلي، وأنفقت مالي، وعزفت عن الدنيا، وكأني أنظر إلى عرش ربي جل جلاله وقد أبرز للحساب، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون وكأني أنظر إلى أهل النار في النار يتعاوون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا عبد قد نور الله قلبه، قد أبصرت فألزم، فقال: يا رسول الله ادع لي بالشهادة، فدعا له فاستشهد يوم الثامن.
47 - أمالي الطوسي: جماعة عن أبي المفضل، عن عبد الله بن محمد بن عبيد، عن أبي الحسن الثالث عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: المؤمن لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، وإن بغي عليه صبر، حتى يكون الله عز وجل هو المنتصر له.
48 - دعوات الراوندي: قال أبو عبد الله عليه السلام: المؤمن صبور في الشدائد وقور في الزلازل. قنوع بما أوتي، لا يعظم عليه المصائب، ولا يحيف على مبغض ولا يأثم في محب، الناس منه في راحة، والنفس منه في شدة.
49 - نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، وكان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، و لا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتا، فان قال بذ القائلين ونقع غليل السائلين وكان ضعيفا مستضعفا. فإذا جاء الجد فهو ليث غاد وصل واد، لا يدلي بحجة حتى يأتي قاضيا، وكان لا يلوم أحدا على ما [لا] يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره.
وكان لا يشكو وجعا إلا عند برئه، وكان يقول ما يفعل، ولا يقول ما لا يفعل وكان إن غلب على الكلام، لم يغلب على السكوت، وكان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلم، وكان إذا بدهه أمران. نظر أيهما أقرب إلى الهوى؟ فخالفه فعليكم بهذه الخلائق فالزموها، وتنافسوا فيها، فإن لم تستطيعوها، فاعلموا أن أخذ القليل، خير من ترك الكثير.
وقال عليه السلام: لا يصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد الله سبحانه أوثق منه بما في يده.
وقال: عليه السلام: علامة الايمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك، وأن لا يكون في حديثك فضل عن علمك وأن تتقي الله في حديث غيرك.
50 - نهج البلاغة: روي أن صاحبا لأمير المؤمنين عليه السلام يقال له: همام كان رجلا عابدا، فقال له: يا أمير المؤمنين صف لي المتقين، حتى كأني أنظر إليهم، فتثاقل عن جوابه، ثم قال عليه السلام: يا همام اتق الله وأحسن! فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فلم يقنع همام بذلك القول حتى عزم عليه، قال: فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال:
أما بعد فان الله سبحانه خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم، لأنه لا تضره معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من أطاعه، فقسم بينهم معايشهم، ووضعهم من الدنيا مواضعهم.
فالمتقون فيها هم أهل الفضائل: منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، و مشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء، لولا الاجل الذي كتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى الثواب، و خوفا من العقاب.
عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها، فهم فيما منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، أجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسرها لهم ربهم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها.
أما الليل فصافون أقدامهم، تالين لاجزاء القرآن، يرتلونه ترتيلا يحزنون به أنفسهم، ويستشيرون به دواء دائهم، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليه مسامع قلوبهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم.
فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم، وأكفهم، وركبهم، وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى الله تعالى فكاك رقابهم.
وأما النهار فحلماء، علماء، أبرار، أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، ويقول: قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم لا يرضون من أعمالهم القليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، وإذا زكي أحد منهم خاف مما يقال له فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم مني بنفسي، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون.
فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين وحرصا في علم، وعلما في حلم، وقصدا في غنى، وخشوعا في عبادة، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وطلبا في حلال، ونشاطا في هدى، وتحرجا عن طمع يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وهمه الذكر يبيت حذرا، ويصبح فرحا: حذرا لما حذر من الغفلة، وفرحا بما أصاب من الفضل والرحمة.
إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره، لم يعطها سؤلها فيما تحب، قرة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريبا أمله، قليلا زلله، خاشعا قلبه، قانعة نفسه، منزورا أكله، سهلا أمره حريزا دينه، ميتة شهوته، مكظوما غيظه، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون.
إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين، وإن كان في الذاكرين، لم يكتب من الغافلين، يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، بعيدا فحشه لينا قوله، غائبا منكره، حاضرا معروفه، مقبلا خيره، مدبرا شره.
في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما
استحفظ، ولا ينسى ما ذكر، ولا ينابز بالألقاب، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق.
إن صمت لم يغمه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته، وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، أتعب نفسه لاخرته، وأراح الناس من نفسه، بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنوه بمكر وخديعة.
قال: فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أما والله لقد كنت أخافها عليه ثم قال: هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها فقال له قائل:
فما بالك أنت يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: ويحك إن لكل أجل وقتا لا يعدوه وسببا لا يتجاوزه فمهلا لا تعد لمثلها فإنما نفث الشيطان على لسانك.
تبيين: قال الكيدري: الهمام البعيد الهمة وكان السائل كاسمه، وقال ابن أبي الحديد: همام هو همام بن شريح بن يزيد بن مرة وكان من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وأوليائه، وكان ناسكا عابدا وتثاقله عن جوابه لأنه علم أن المصلحة في تأخير الجواب، وكأنه حضر المجلس من لا يحب عليه السلام أن يجيب - وهو حاضر. ولعله بتثاقله عليه السلام يشتد شوق همام إلى سماع الموعظة. ولعله من باب تأخير البيان إلى وقت الحاجة. لا عن وقت الحاجة.
وقال ابن ميثم: تثاقله عليه السلام لخوفه على همام كما يدل عليه قوله عليه السلام:
أما والله لقد كنت أخافها عليه، وأقول: هذا أظهر.
" اتق الله وأحسن " أي ليس عليك أن تعرف صفات المتقين على التفصيل ولعل الأصلح لك القناعة بما تعرفه مجملا من صفاتهم، ومراعاة التقوى والاحسان وكأن المراد بالتقوى الاجتناب عما نهى الله عنه، وبالاحسان فعل ما أمر الله به
فالكلمة جامعة لصفات المتقين وفضائلهم.
" حتى عزم عليه " عزمت على فلان: أقسمت عليه، وعزمت على الامر أي قطعت عليه، وأردت فعله حتما، فالضمير في " عليه " يحتمل عوده إليه عليه السلام، وإلى ما سأله من الوصف على التفصيل والأول أظهر، ورواية الصدوق تعينه.
والتعرض للغنى والامن لدفع توهم أن مدح المتقين، والترغيب في الطاعة، والتخويف من المعصية، لانتفاعه سبحانه ودفع المضرة عنه، وليس المعنى أن أفعال الله سبحانه ليست معللة بالاعراض، كما زعمه الحكماء، بل إشارة إلى ما ذكره المتكلمون من أن الغرض لا يعود إليه سبحانه بل إلى العباد، لأنه أراد أن يثيبهم في الآخرة، والثواب هو النفع المقارن للتعظيم والاجلال، وفعله لمن لا يستحق أصلا قبيح عقلا، فلذا كلفهم وبعث إليهم الرسل ووعدهم وأوعدهم، وعرضهم للمثوبات الدائمة الجليلة، وتفصيل ذلك في كتب الكلام.
و " المعايش " بالياء جمع معيشة، وهي ما يعاش به، أو فيه، وما يكون به الحياة، قال الله تعالى: " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " ومواضع الخلق: مراتبهم، قال الله تعالى: " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات " وهي إشارة إلى الدرجات الدنيوية، كالغنى والفقر، والصحة والمرض، أو الدينية لاختلاف استعداداتهم وقابلياتهم في العلم والعمل، أو الأعم منهما وهو أظهر، والتفريع يؤيد الأخيرين:
" منطقهم الصواب " المنطق: النطق أي لا يقولون إلا حقا، ويحترزون عن الكذب والفحش والغيبة وسائر الأقاويل الباطلة، وقيل: أي لا يتكلمون إلا في مقام التكلم، كذكر الله تعالى، وإظهار حق، وإبطال باطل، وكأن الابتداء
بالمنطق لكون النفع والضرر في القول أكثر في الأغلب من أعمال سائر الجوارح و " الملبس " بفتح الباء: ما يلبس، والاقتصاد: التوسط بين طرفي الافراط والتفريط، والمعنى أنهم لا يلبسون ما يلحقهم بدرجة المترفين، ولا ما يلحقهم بأهل الخسة والدناءة، أو يصير سببا لشهرتهم بالزهد كما هو دأب المتصوفين، أو المعنى أن الاقتصاد في الأقوال والافعال، صار شعارا لهم، محيطا بهم، كاللباس للانسان كما مر.
" ومشيهم التواضع " أي لا يمشون مشي المختالين والمتكبرين، كما قال عز وجل: " ولا تمش في الأرض مرحا " الآية أو المراد أن سيرتهم وسلوكهم بين الخلق، أو في سبيل الله، بالتواضع والتذلل، " غضوا أبصارهم " غض فلان طرفه: كمد أي خفضه، وكذلك غض من صوته، وكل شئ كففته فقد غضضته " ووقفت " كضربت أي دمت قائما، ووفقته أنا وقفا: أي فعلت به ما وقف ووقفت الرجل عن الشئ وقفا أي منعته عنه، ووقفت الدار وقفا أي حبستها في سبيل الله، والمراد الاقتصار على استماع العلم النافع، وفيه إيماء إلى ذم الاصغاء إلى القصص الكاذبة، بل وكثير من الصادقة، كما سيأتي إنشاء الله.
و " الرخاء " بالفتح سعة العيش. قال القطب الراوندي رحمه الله: يعني أن المتقين يتعبون أبدانهم في الطاعات، فيطيبون نفسا بتلك المشقة التي يحتملونها مثل طيب قلب الذي نزلت نفسه في الرخاء، ولا بد من تقدير مضاف لان تشبيه الجمع بالواحد لا يصح أي كل واحد منهم إذا نزل في البلاء، يكون كالرجل الذي نزلت نفسه في الرخاء، ونحوه قوله تعالى: " مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق " قال: ويجوز أن يكون " الذي " بمعنى ما المصدرية كقوله تعالى:
" وخضتم كالذي خاضوا " أي نزوله في البلاء كنزوله في الرخاء.
وقال ابن ميثم: يحتمل أن يكون المراد بالذي: الذين، فحذف النون كما في قوله تعالى: و " خضتم كالذي خاضوا ".
وقال ابن أبي الحديد: موضع كالذي نصب لأنه صفة مصدر محذوف والمراد كالنزول الذي، وقد حذف العائد إليه، وهو الهاء في نزلته كقولك: ضربت الذي ضربت أي ضربت الذي ضربته، وتقدير الكلام نزلت أنفسهم منهم في حال البلاء نزولا كالنزول الذي نزلته منهم في حال الرخاء.
وقال الكيدري قدس سره: نزلت أنفسهم الخ لأنهم كسروا سورة الشهوة البهيمية، وطيبوا عن أنفسهم نفسا، ووقفوا أشباحهم وأرواحهم على مرضاة الله، وحبسوها في سبيله، فلا مطمح لهم إلى ما فيه نصيب أنفسهم، بل جل عنايتهم مصروفة إلى تحصيل ما خلقوا لأجله، من إعداد زاد المعاد، والاقبال بكل الوجوه على عبادة رب العباد، والتفاتهم إلى الأبدان يكون على طريق الطبع، كالتفات سالك البادية للحج الحقيقي إلى رعي الجمل، وعلموا يقينا أن ما أصابهم من الكد في الطريق وإن عظيما، فإنه كلا شئ في جنب ما يصلون به إليه من لقاء المحبوب، ونيل المطلوب، فالمحن عندهم كالملح، والبلية كالنعم.
وقوله: " كالذي " نظير قوله تعالى: " وخضتم كالذي خاضوا " وبيت الحماسة: عسى الأيام أن يرجعن يوما كالذي كانوا.
أي نزلت في البلاء كالنزول الذي نزلت في الرخاء انتهى.
والمراد بالبلاء المرض والضيق ونحوهما أو الأعم من احتمال المشقة أيضا وليس مخصوصا به وطيب قلوبهم للرضا بقضاء اله كما في المجالس " فصغر ما دونه في أعينهم " في اختلاف التعبير دلالة على أن الخالق تمكن في قلوبهم بخلاف ما دونه فلم يتجاوز أعينهم.
" فهم والجنة " قال الرواندي رحمه الله: الواو بمعنى " مع " وقال ابن أبي الحديد: بنصب " الجنة " وقد روي بالرفع على أنه معطوف على هم، والأول أحسن، وقوله " كمن قد رآها " وقوله " فهم فيها منعمون " إما كلاهما لقوة الايمان واليقين، أو لشدة الخوف والرجاء، أو الرؤية إشارة إلى قوة اليقين، والتنعم والعذاب: أي شدة الرجاء والخوف وهما أيضا من فروع اليقين، واختار الوالد قدس سره الأخير، وقال الكيدري: أي حصل لهم من العلوم اليقينية ما يجري مجرى الضرورية كما قال عليه السلام لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، وروي " والجنة " بالنصب فيكون الواو بمعنى مع ويكون خبر المبتدا، الكاف في كمن رآها.
" قلوبهم محزونة " حزن قلوبهم للخوف من العقاب، لاحتمال التقصير وعدم شرائط القبول كما قال عز وجل " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون " والامن من شرورهم لأنهم لا يهمون بظلم أحد، كما ورد في الخبر: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وقيل لان أفعالهم حسنة في الواقع وإن كانت سيئة في الظاهر، وهو بعيد.
" نحيفة " أي مهزولة لكثرة الصيام والسهر والرياضات، أو للخوف أو لهما وخفة حاجاتهم لقلة الرغبة في الدنيا، وترك اتباع الهوى، وقصر الأمل، وقناعتهم بما رزقهم الله.
والعفة كف النفس عن المحرمات، بل عن الشبهات والمكروهات أيضا وجملة " أعقبتهم " صفة للأيام و " تجارة " عطف بيان للراحة، أو بدل منه، أو منصوب على المدح، أو على الحال، أو على تقدير فعل، أي اتجروا تجارة.
قال الراوندي رحمه الله: نصب المصدر مع حذف فعله كثير في الكلام وربح الرجل في تجارته كعلم، ويسند إلى التجارة مجازا قال تعالى " فما ربحت تجارتهم " وقال الأزهري ربح الرجل في تجارته أي صادف سوقاذات ربح، وأربحت
الرجل إرباحا أعطيته ربحا فالتجارة المربحة كأنها تعطي ربحا أو هي الرابحة من أفعل بمعنى فعل.
وقال الكيدري: تجارة انتصابه على المصدر من معنى الكلام السابق، لان مضمون قوله " صبروا أياما " الخ يدل على أنهم اتجروا بذلك أو يكون منصوبا بفعل مضمر يفسره ما بعده أي يسر لهم ربهم تجارة، أو على المدح أو التخصيص أي أعني تجارة، أو أخص تجارة، وجعلها بدلا من راحة على ما زعم صاحب المنهاج ليس بالقوي لان التجارة المربحة ليست بنفس الراحة، وإنما صبرهم المستعقب لتلك الراحة هي التجارة، انتهى.
" أرادتهم الدنيا " أي أقبلت إليهم من الوجوه المذمومة أو مطلقا، وتمكنوا من تحصيلها بكسب المال والجاه، فلم يقبلوها ولم يسعوا في تحصيلها، وقيل: ويحتمل أن يراد أهل الدنيا. وأسره كضربه: أي شده وحبسه " والفدية " زخارف الدنيا وملاذها التي سلموها إلى الدنيا، بالترك والاعراض عنها.
أقول: ونقل الكيدري قدس سره - رواية تمثل الدنيا لأمير المؤمنين عليه السلام وإعراضه عنها كما سننقلها عنه في باب ذم الدنيا ثم قال: فهذا معنى قوله عليه السلام " أرادتهم الدنيا ولم يريدوها " وإذا تدبرت الخلال المذكورة في هذه الخطبة وجدت أمير المؤمنين عليه السلام هو الموصوف بها كلها، وقد أوردت هذه الأبيات وأمثالها في " أنوار العقول من أشعار وصي الرسول ".
فأما أسرها إياهم فلان أرواح الأولياء قدسية ومقامها في العالم الجسد أي على خلاف مقتضى طبيعتها فهي غريبة في هذا العالم وصفوها بالكلية إلى عالمها فهي أسيرة هنا من حيث الغربة، وعدم الملاءمة، فدائما يستعد ويتهيأ للسفر الحقيقي ويزيل المثبطات، ويرفعها من البين، وذلك فداؤها.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.