بحارالانوار · المجلد الخامس عشر
14 - باب علامات المؤمن وصفاته الآيات الأنفال: إنما
ج ۶۴، ص ۲۶۰–۲۹۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۵
التوبة، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم
الله إن الله عزيز حكيم.
يوسف: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون.
المؤمنون: قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكوة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم على صلواتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون.
القصص: الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به مؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون * وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكن أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين.
التنزيل: إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون * أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون.
حمعسق: وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش وإذا ما غضبوهم يغفرون * والذين استجابوا
لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون * والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون * وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين الفتح: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تريهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التورية ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما.
البينة: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة - إلى قوله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية * جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه.
تفسير: " إنما المؤمنون " قيل أي الكاملون في الايمان " وجلت قلوبهم " أي فزعت لذكره استعظاما له، وهيبة من جلاله، " زادتهم إيمانا ": ازدادوا بها يقينا وطمأنينة نفس، " وعلى ربهم يتوكلون ": أي وإليه يفوضون أمورهم فيما يخافون ويرجون " أولئك هم المؤمنون حقا " لأنهم حققوا إيمانهم بضم مكارم الأخلاق، ومحاسن أفعال الجوارح إليه، " لهم درجات عند الله " أي كرامة وعلو منزلة، " ومغفرة " لما فرط منهم، " ورزق كريم " أعد لهم في الجنة.
قال علي بن إبراهيم: نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام، وأبي ذر وسلمان
والمقداد.
" أولياء بعض " أي أحباؤهم وأنصارهم، أو أولى بتولي أمورهم " سيرحمهم الله " السين مؤكدة للوقوع.
" إلا وهم مشركون " قيل: بعبادة غيره، أو باتخاذ الأحبار أربابا أو نسبة التبني إليه، أو القول بالنور والظلمة، أو النظر إلى الأسباب، ونحو ذلك وسيأتي تفسيرها في الاخبار أنها شرك طاعة: أطاعوا فيها الشيطان، أو الاستعانة أو التوسل بغيره تعالى، ونحو ذلك.
" قد أفلح المؤمنون " عن الباقر عليه السلام: أنهم المؤمنون المسلمون، إن المسلمين هم النجباء " خاشعون " قال علي بن إبراهيم غضك بصرك في صلاتك، وإقبالك [عليها]، وروي رمي البصر إلى الأرض، وسيأتي تفسيرها في كتاب الصلاة إنشاء الله تعالى.
وفسر اللغو في بعض الأخبار بالغناء والملاهي، وفي بعضها بكل قول ليس فيه ذكر، وفي بعضها بالاستماع إلى القصاص، وفي بعضها أن يتقول الرجل عليك بالباطل، أو يأتيك بما ليس فيك فتعرض عنه، " أولئك هم العادون " أي الكاملون في العدوان.
" لأماناتهم وعهدهم " أي لما يؤتمنون ويعاهدون من جهة الحق أو الخلق " راعون " قائمون بحفظها وإصلاحها، " يحافظون " أي على أوقاتها وحدودها " أولئك " الجامعون لهذه " هم الوارثون " وعن أمير المؤمنين عليه السلام أن هذه الآية في نزلت.
" الذين آتيناهم الكتاب " قيل: نزلت في مؤمني أهل الكتاب " آمنا به " أي بأنه كلام الله " إنا كنا من قبله مسلمين " لما رأوا ذكره في الكبت المتقدمة " بما صبروا " عن الصادق عليه السلام: بما صبروا على التقية، وقال: الحسنة التقية والسيئة: الإذاعة، وقال علي بن إبراهيم: هم الأئمة عليهم السلام قال: وقوله:
" ويدرؤن بالحسنة السيئة " أي يدفعون سيئة من أساء إليهم بحسناتهم.
" ينفقون " أي في سبيل الخير، " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه " تكرما وقال علي بن إبراهيم: قال: اللغو: الكذب، واللهو، والغناء، قال: وهم الأئمة عليهم السلام يعرضون عن ذلك كله، " وقالوا " أي للاغين " سلام عليكم " قالوا ذلك متاركة لهم وتوديعا، " لا نبتغي الجاهلين " لا نطلب صحبتهم ولا نريدها.
" إذا ذكروا بها " أي وعظوا بها، " خروا سجدا " خوفا من عذاب الله " وسبحوا بحمد ربهم " أي نزهوه عما لا يليق به، كالعجز عن البعث، حامدين له شكرا على ما وفقهم للاسلام، وآتاهم الهدى، " وهم لا يستكبرون " عن الايمان والطاعة " تتجافى جنوبهم " أي ترفع وتتنحى عن المضاجع، أي عن الفرش ومواضع النوم.
في المجمع عن الباقر والصادق عليهما السلام: هم المتهجدون بالليل الذين يقومون عن فرشهم للصلاة، " ويدعون ربهم " داعين إياه " خوفا " من سخطه " وطمعا " في رحمته، " من قرة أعين " أي مما تقر به عيونهم.
وعن الصادق عليه السلام: ما من عمل حسن يعمله العبد إلا وله ثواب في القرآن إلا صلاة الليل فان الله عز وجل لم يبين ثوابها لعظم خطره فقال " تتجافى جنوبهم " إلى قوله: " يعملون ".
" كمن كان فاسقا " أي خارجا عن الايمان، " لا يستوون " في الشرف والمثوبة
" نزلا " النزل: ما يعد للنازل من طعام، وشراب، وصلة.
" وما عند الله " أي ثواب الآخرة، " خير وأبقى " لخلوص نفعه ودوامه " والذين استجابوا لربهم " أي قبلوا ما أمروا به، " وأمرهم شورى بينهم " أي تشاور بينهم لا ينفردون برأي، حتى يتشاوروا ويجتمعوا عليه، وذلك من فرط يقظتهم في الأمور، قال علي بن إبراهيم: يشاورون الامام فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم.
" هم ينتصرون " أي ينتقمون ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا، وقيل: أي يتناصرون: ينصر بعضهم بعضا، وقيل: جعل الله المؤمنين صنفين: صنف يعفون [وصنف ينتصرون] وقيل: وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أمهات الفضائل وهو لا ينافي وصفهم بالغفران فإن الغفران ينبئ عن عجز المغفور، والانتصار يشعر بمقاومة الخصم، والحلم عن العاجز محمود، وعن المتغلب مذموم، لأنه إجراء وإغراء على البغي.
" سيئة مثلها " سمي الثانية سيئة للازدواج، ولأنها تسوء من تنزل به، وهذا منع عن التعدي في الانتصار، " فمن عفا وأصلح " بينه وبين عدوه، " فأجره على الله " عدة مبهمة تدل على عظم الموعود.
وروى في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان أجره على الله فليدخل الجنة، فيقال: من ذا الذي أجره على الله؟ فيقال:
العافون عن الناس يدخلون الجنة بغير حساب، " إنه لا يحب الظالمين " أي المبتدئين بالسيئة والمتجاوزين في الانتقام.
" محمد رسول الله " جملة مبينة للمشهود به، في قوله " وكفى بالله شهيدا " أو استيناف مع معطوفه وما بعدهما خبر " والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم " أي يغلظون على من خالف دينهم، ويتراحمون فيما بينهم، " تراهم ركعا سجدا " لأنهم مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتهم، " يبتغون فضلا من الله ورضوانا " أي يطلبون الثواب والرضا، " سيماهم في وجوههم " قيل: يريد السمة التي تحدث في جباههم من كثرة الصلاة، وعن الصادق عليه السلام: هو السهر في الصلاة أي أثره.
" ذلك مثلهم في التورية " أي صفتهم العجيبة الشأن المذكورة فيها، أي أخبر الله تعالى في التوراة والإنجيل بأن هذه صفتهم، " أخرج شطأه " أي فراخه " فآزره " أي فقواه، " فاستغلظ " أي فصار من الدقة إلى الغلظ، " فاستوى على سوقه " هو جمع ساق، أي فاستوى على قصبه، " يعجب الزراع " بكثافته، وقوته وغلظه وحسن منظره.
قيل: هو مثل ضربه الله للصحابة قلوا في بدو الاسلام، ثم كثروا واستحكموا فترقى أمرهم بحيث أعجب الناس، " ليغيظ بهم الكفار " علة لتشبيههم بالزرع في ذكائه واستحكامه.
وفي مجالس الصدوق: أنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام والذين تحت لوائه في القيامة، ينادون إن ربكم يقول لكم: عندي مغفرة وأجر عظيم، يعني الجنة.
" مخلصين له الدين " أي لا يشركون به، " حنفاء " أي مائلين عن العقائد الزائغة، " ذلك دين القيمة " أي دين الملة القيمة، " أولئك هم خير البرية " أي الخليقة، وفي الاخبار أنهم علي وشيعته، " ورضوا عنه " لأنه بلغهم أقصى أمانيهم " ذلك لمن خشي ربه " فان الخشية ملاك الامر، والباعث على كل خير.
1 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن عبد الملك بن غالب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
ينبغي للمؤمن أن تكون فيه ثمان خصال: وقورا عند الهزاهز، صبروا عند البلاء، شكورا عند الرخاء، قانعا بما رزقه الله، لا يظلم الأعداء، ولا يتحامل للأصدقاء بدنه منه في تعب، والناس منه في راحة.
إن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل أمير جنوده، والرفق أخوه والبر والده.
الكافي: عن علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن عبد الله ابن غالب عنه عليه السلام مثله.
الخصال: عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن جميل، عن عبد الله، مثله.
الخصال: عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى مثله.
التمحيص: عنه عليه السلام مثله.
بيان: أقول: ما في تلك الأسانيد: من عبد الله، أظهر من عبد الملك، لان عبد الملك غير مذكور في كتب الرجال، وعبد الله به غالب الأسدي الشاعر، مذكور فيها ثقة، وهو الذي قال له أبو عبد الله عليه السلام: إن ملكا يلقي عليه الشعر، وأنا أعرف ذلك الملك في سائر الكتب، والسند الثاني للكافي، وقور، وصبور، وشكور، وقانع بالرفع و " الوقور " فعول، من الوقار بالفتح: وهو الحكم والرزانة، و " الهز ":
التحريك، و " الهزاهز ": الفتن التي يفتتن الناس بها، أي لا يعرض له شك عند الفتن التي تصير سببا لشك الناس وكفرهم.
" صبورا عند البلاء " البلاء اسم لما يمتحن به من خير، أو شر، وكثر استعماله في الشر، وهو المراد هنا، و " الصبر ": حبس النفس، على الأمور الشاقة عليها وترك الاعتراض على المقدر لها، وعدم الشكاية والجزع، وهو من أعظم خصال الايمان.
" شكورا عند الرخاء " الرخاء: النعمة، والخصب، وسعة العيش، والشكر:
الاعتراف بالنعمة ظاهرا وباطنا، ومعرفة المنعم، وصرفها فيما أمر به، و " الشكور " مبالغة فيه، " قانعا بما رزقه الله " أي لا يبعثه الحرص على طلب الحرام، والشبهة وتضييع العمر في جمع مالا يحتاج إليه.
" لا يظلم الأعداء " الغرض نفي الظلم مطلقا، وإنما خص الأعداء بالذكر لأنهم مورد الظلم غالبا ولأنه يستلزم ترك ظلم غيرهم بالطريق الأولى.
" ولا يتحامل للأصدقاء " في القاموس: تحامل في الامر، وبه: تكلفه على مشقة، وعليه كلفه مالا يطيق، فالكلام يحتلم وجوها:
الأول: أنه لا يظلم الناس لأجل الأصدقاء.
الثاني أنه لا يتحمل الوزر لأجلهم، كأن يشهد لهم بالزور، أو يكتم الشهادة لرعايتهم، أو يسعى لهم في حرام.
الثالث: أن يراد به أنه لا يحمل على نفسه للأصدقاء مالا يمكنه الخروج عنه.
" بدنه منه في تعب " لاشتغاله بالعبادات، وإعراضه عن الرسول والعادات، وسعيه في إعانة المؤمنين، " والناس منه في راحة " لعدم تعرضه لهم وإعانته إياهم.
" إن العلم " استيناف، وليس من جملة العدد، " خليل المؤمن " الخلة: الصداقة والمحبة التي تخللت القلب، فصارت خلاله: أي في باطنه، والخليل: الصديق
فعيل بمعنى فاعل، وإنما كان العلم خليل المؤمن، لأنه لا ينتفع بخليل انتفاعه بالعلم في الدنيا والآخرة، فكما لا يفارق الخليل، ولا يتجاوز عن مصلحته، ينبغي أن لا يفارق العلم، ولا يتجاوز عن مقتضاه.
" والحلم وزيره " فإنه يعاونه في أمور دنياه وآخرته، كمعاونة الوزير الناصح الملك " والعقل أمير جنوده " إذ جنوده في رفع وساوس الشيطان وصولاتهم الأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، وكلها تابعة للعقل كما مر بيانه في باب جنود العقل.
وفي ثاني سندي الكافي وسائر الكتب: والصبر أمير جنوده، وهو أيضا كذلك " والرفق أخوه " أي اللين واللطف والمداراة مع الصديق والعدو، وتمشية الأمور بتدبير وتأمل، بمنزلة الأخ له، في أنه يصاحبه، ولا يفارقه، أو على إعانته وإيصال النفع إليه، و " البر " أي الاحسان إلى الوالدين، أو إلى جميع من يستحق البر " والده " أي بمنزلة والده في رعايته، واختياره على جميع الأمور، أو في الانتفاع منه وكونه سببا لحياته المعنوية.
وفي ثانية روايتي الكافي " واللين [والده " والفرق بينه وبين الرفق: إما بحمل الرفق على اللطف والاحسان وهو أحد معانيه، واللين على ترك الخشونة أو بحمل الرفق على ترك العنف، واللين على شدة الرفق وكثرته، أو الرفق على المعاملات، واللين على المعاشرات وسيأتي بعض القول فيهما].
2 - الكافي: عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن منصور بن يونس، عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: المؤمن يصمت ليسلم، وينطق ليغنم، لا يحدث أمانته الأصدقاء، ولا يكتم شهادته من البعداء، ولا يعمل شيئا من الخير رئاء، ولا يتركه حياء، إن زكي خاف مما يقولون، ويستغفر
الله لما لا يعلمون: لا يغره قول من جهله، ويخاف إحصاء ما عمله.
بيان: ليغنم أي الفوائد الأخروية، أو ليزيد علمه، لا لاظهار الكمال " ولا يكتم شهادته من البعداء " أي من الأباعد عنه نسبا أو محبة فكيف الأقارب، وفي بعض النسخ من الأعداء، " خاف مما يقولون " أن يصير سببا لغروره وعجبه، " لما لا يعلمون " أي من ذنوبه.
" لا يغره قول من جهله " أي لا يخدعه ثناء من جهل ذنوبه وعيوبه، فيعجب بنفسه، " ويخاف إحصاء ما عمله " أي إحصاء الله والحفظة، أو إحصاء نفسه، وعلى الأخير يحتمل أن يكون منصوبا بنزع الخافض، أي يخاف الله لإحصائه ما قد عمله وفي المجالس كما سيأتي إحصاء من قد علمه.
3 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض من رواه، رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: المؤمن له قوة في دين، وحزم في لين وإيمان في يقين، وحرص في فقه، ونشاط في هدى، وبر في استقامة، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وسخاء في حق، وقصد في غنى، وتجمل في فاقة، وعفو في قدرة، وطاعة لله في نصيحة، وانتهاء في شهوة، وورع في رغبة، وحرص في جهاد، وصلاة في شغل، وصبر في شدة.
وفي الهزاهز وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور. ولا يغتاب ولا يتكبر، ولا يقطع الرحم، وليس بواهن، ولا فظ، ولا غليظ.
لا يسبقه بصره، ولا يفضحه بطنه، ولا يغلبه فرجه، ولا يحسد الناس يعير ولا يعير، ولا يسرف ينصر المظلوم ، ويرحم المسكين.
نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، لا يرغب في عز الدنيا، ولا يجزع من ذلها، للناس هم قد أقبلوا عليه، وله هم قد شغله.
لا يرى في حكمه نقص، ولا في رأيه وهن، ولا في دينه ضياع، يرشد من استشاره ويساعد من ساعده، ويكيع عن الخناء والجهل.
بيان: " المؤمن له قوة في دين " قد عرفت أنه في بعض تلك الفقرات الظرف لغو، وفي بعضها مستقر، وهو تفنن حسن، وإن أمكن أن يكون في الجميع لغوا بتكلفات بعيدة لا حاجة إليها، ففي هذه الفقرة الظاهر أن الظرف لغو، و " في " للظرفية أي قوي في أمر الدين متصلب، " وحزم في لين " أي مع لين، فالظرف مستقر، بأن يكون صفة، أو حالا، ويحتمل أن يكون لغوا أي هو في اللين صاحب حزم لكنه بعيد.
وقال بعض الأفاضل: أي له ضبط وتيقظ في أموره الدينية والدنيوية ممزوجا بلين الطبع، وعدم الفظاظة، والخشونة مع معامليه، وهو فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق، وقد تكون عن تواضع، وقد تكون عن مهانة، وضعف نفس، والأول هو المطلوب، وهو المقارن للحزم في الأمور، ومصالح النفس، والثاني: رذيلة لا يمكن معه الحزم، لانفعال المهين عن كل حادث.
وبيان الظرفية على ثلاثة أوجه:
الأول: أن الظرفية مجازية بتشبيه ملابسة الحزم للين الطبع في الاجتماع معه، بملابسة المظروف للظرف، فتكون لفظة " في " استعارة تبعية.
الثاني: أن يعتبر تشبيه الهيئة المنتزعة من الحزم واللين، ومصاحبة أحدهما الاخر بالهيئة المنتزعة من المظروف والظرف ومصاحبتهما، فيكون الكلام استعارة تمثيلية، لكنه لم يصرح من الألفاظ التي هي بإزاء المشبه به، إلا بكلمة " في " فان مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة، وما عداه تبع له، يلاحظ معه في ضمن ألفاظ منوية، فلا تكون لفظة " في " استعارة، بل هي على معناها الحقيقي.
الثالث: أن تشبه اللين بما يكون محلا وظرفا للشئ، على طريقة الاستعارة بالكناية، وتكون كلمة " في " قرينة وتخييلا.
" وإيمان في يقين " أي مع يقين، أي بلغ إيمانه حد اليقين في جميع العقائد أو في الثواب والعقاب، أو في القضاء والقدر، كما عرفت في باب اليقين " وحرص في فقه " أي هو حريص في معرفة مسائل الدين أو حريص في العبادة مع معرفته لسمائل الدين، " ونشاط في هدى " أي ناشط راغب في العبادة، مع اهتدائه إلى الحق ومعرفته بأصول الدين كما مر في تفسير قوله تعالى: " من تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " وراغب في الاهتداء، وما يصير سببا لهدايته أو في هداية غيره.
" وبر في استقامة " أي مع الاستقامة في الدين، كما قال تعالى: " الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " أو المراد به: الاستقامة في البر أي يضع البر في محله وموضعه، " وعلم في حلم " أي مع أناة وعفو، أو مع عقل، " وكيس في رفق " أي كياسة مع رفق بالخلق، لا كالاكياس في أمور الدنيا، يريدون التسلط على الخلق، وإيذاءهم، أو يستعمل الكياسة في الرفق، فيرفق في محله، ويخشن في موضعه.
" وسخاء في حق " أي سخاوته في الحقوق اللازمة، لا في الأمور الباطلة، كما ورد: أسخى الناس من أدى زكاة ماله، أو مع رعاية الحق فيه، بحيث لا ينتهي إلى الاسراف والتبذير، ويؤكده قوله: " وقصد في غنى " أي يقتصد بين الاسراف والتقتير، في حال الغنا والثروة، أو مع استغنائه عن الخلق.
" وتجمل في فاقة " التجمل: التزين: والفاقة: الفقر والحاجة، أي يتزين في حال الفقر: لتضمنه الشكاية من الله، أو يظهر الغنى لذلك، كما قال الجوهري:
التجمل: تكلف الجميل، وقد يقرء بالحاء المهملة، أي تحمل وصبر في الفقر.
" في قدرة " أي على الانتقام " في نصيحة " أي مع نصيحة لله، أو لائمة المسلمين أو للمؤمنين، أو الأعم من الجميع، ونصيحة الله إخلاص العمل له.
وفي النهاية: فيه: إن الدين النصيحة لله، ولرسوله، ولكتابه، ولائمة
المسلمين، وعامتهم، النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له وأصل النصح في اللغة: الخلوص، ومعنى نصيحة الله: صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته، والنصيحة لكتاب الله: هو التصديق به والعمل بما فيه ونصيحة رسوله صلى الله عليه وآله: التصديق بنبوته ورسالته، والانقياد لما أمر به ونهى عنه، ونصيحة الأئمة: أن يطيعهم في الحق، ونصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم انتهى.
" وانتهاء في شهوة " أي يقبل نهي الله في حال شهوة المحرمات، في الصحاح:
نهيته عن كذا فانتهى عنه، وتناهى أي كف؟ " وورع في رغبة " أي يتورع عن الشبهات في حال الرغبة فيها، فان الورع يطلق غالبا في ترك الشبهات، وقيل:
في الرغبة عنها، وعدم الميل إليها وهو بعيد.
" وحرص في جهاد " الجهاد: بالكسر والمجاهدة: القتال مع العدو، ويطلق على مجاهدة النفس أيضا، وهو الجهاد الأكبر، أي حرص في القتال، أو في العبادة مع مجاهدة النفس، وعلى الأول " في " بمعنى " على " وفي بعض النسخ " في اجتهاد " " وصلاة في شغل " أي مع شغل القلب بها، أو في حال اشتغاله بالأمور الدنيوية كما قال سبحانه: " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة " وروي عن الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية أنه قال: كانوا أصحاب تجارة، فإذا حضرت الصلاة تركوا التجارة، وانطلقوا إلى الصلاة، وهم أعظم أجرا ممن لا يتجر.
وقيل: المراد ذكر الله في أشغاله وهو بعيد، " وفي الهزاهز وقور " عطف على قوله: " له قوة في دين " " وليس بواهن " أي في أمور الدين.
" ولا فظ ولا غليظ " الفظ: الخشن الخلق في القول والفعل، والغلظة:
غلظة القلب، كما قال تعالى: " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك
في القاموس: الفظ: الغليظ الجانب، السئ الخلق، القاسي الخشن الكلام انتهى، والمعنى أن قوته الغضبية قائمة على حد الاعتدال، خرجت عن الوهن المتضمن للتفريط، والفضاضة الموجبة للافراط.
" ولا يسبقه بصره " أي يملك بصره، ولا ينظر إلى شئ إلا بعد علمه بأنه يحل له النظر إليه، ولا يضره في الدنيا والآخرة، " ولا يفضحه بطنه " بأن يرتكب بسبب شهوات البطن، ما يفضحه في الدنيا والآخرة، كالسرقة والظلم، وقيل: بأن يحضر طعاما بغير طلب، " ولا يغلبه " أي لا يغلب عقله فرجه، أي شهوة فرجه فيوقعه في الزنا واللواطة وأشباههما من المحرمات والشبهات.
" يعير " بفتح الياء المشددة " ولا يعير " بكسر الياء، أي يعيره الناس بسبب عدم التعارف وأمثاله، وهو لا يعير أحدا.
وفي بعض النسخ: " لا يحسد الناس بعز " أي بسبب عزه، " ولا يقتر ولا يسرف " ولعله أصوب، وما سيأتي برواية الخصال أظهر، و " العنا " بالفتح والمد النصب والمشقة.
" للناس هم " أي فكر ومقصد من الدنيا وعزها وفخرها ومالها، " وله هم " أي فكر وقصد من أمر الآخرة، قد شغله عما أقبل الناس عليه، " لا يرى " على بناء المفعول، " في حكمه " أي بين الناس، أو في حكمته، وفي الخصال " في حله " " ولا في رأيه وهن " أي هو صاحب عزم قوي، وليس رأيه ضعيفا واهنا، " ولا في دينه ضياع " أي دينه قوي متين، لا يضيع بالشكوك والشبهات، ولا بارتكاب السيئات.
" ويساعد من ساعده " أي يعاون من عاونه، وحمله على طلب الإعانة بعيد من القصد وقيل: المراد بمن ساعده جميع المؤمنين فان كل مؤمن يساعد سائر المؤمنين بتصديق دينهم، وموافقته لهم في الايمان، و " يكيع " كيبيع بالياء المثناة التحتانية، وفي بعض نسخ الخصال بالتاء المثناة الفوقانية، وفي بعضها بالنون
والكل متقاربة في المعنى، قال في القاموس: كعت عنه أكيع وأكاع كيعا: إذا هبته وجبنت عنه، وقال: كنع عن الامر كمنع هرب وجبن، وقال: كتع كمنع: هرب وفي النهاية: " الخناء ": الفحش في القول، والجهل مقابل العلم، أو السفاهة والسب.
4 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن بعض أصحابنا رفعه عن أحدهما عليهما السلام قال: مر أمير المؤمنين عليه السلام بمجلس من قريش، فإذا هو بقوم بيض ثيابهم، صافية ألوانهم، كثير ضحكحهم، يشيرون بأصابعهم إلى من يمر بهم، ثم مر بمجلس للأوس والخزرج، فإذا أقوام بليت منهم الأبدان، ودقت منهم الرقاب، واصفرت منهم الألوان، وقد تواضعوا بالكلام.
فتعجب علي عليه السلام من ذلك، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: بأبي أنت وأمي! إني مررت بمجلس لآل فلان ثم وصفهم، ومررت بمجلس للأوس والخزرج فوصفهم، ثم قال: وجميع مؤمنون، فأخبرني يا رسول الله بصفة المؤمن.
فنكس رسول الله صلى الله عليه وآله ثم رفع رأسه فقال: عشرون خصلة في المؤمن فإن لم يكن فيه لم يكمل إيمانه، إن من أخلاق المؤمنين يا علي: الحاضرون الصلاة والمسارعون إلى الزكاة والمطعمون المساكين، الماسحون رأس اليتيم المطهرون أطمارهم، المتزرون على أوساطهم، الذين إن حدثوا لم يكذبوا، و إذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا تكلموا صدقوا، رهبان بالليل أسد بالنهار، صائمون النهار، قائمون الليل، لا يؤذون جارا، ولا يتأذى بهم جار الذين مشيهم على الأرض هون، وخطاهم إلى بيوت الأرامل وعلى إثر الجنائز جعلنا الله وإياكم من المتقين.
لن: عن علي بن عيسى، عن علي بن محمد ماجيلويه، عن البرقي، عن أبيه
عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن ابن طريف، عن ابن نباته قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن صفة المؤمن فنكس صلى الله عليه وآله رأسه ثم رفعه فقال: في المؤمنين عشرون خصلة، فمن لم يكن فيه لم يكمل إيمانه يا علي إن المؤمنين هم الحاضرون إلى آخر الخبر وسنشير إلى بعض الاختلاف.
بيان: " بيض " بالكسر جمع أبيض، ويحتمل فيه وفي نظائره الجر والرفع " يشيرون بأصابعهم " استهزاء وإشارة إلى عيوبهم و " الأوس والخزرج " قبيلتان من الأنصار، " بليت منهم الأبدان " أي خلقت ونحفت لكثرة العبادة والرياضة " ودقت منهم الرقاب " لنحافتهم، " واصفرت منهم الألوان " لكثرة سهرهم وصومهم " وقد تواضعوا بالكلام " الباء بمعنى " في " أي كانوا يتكلمون بالتواضع، بعضهم لبعض، أو تكلموا معه بالتواضع.
وفي بعض النسخ: تواصفوا بالصاد المهملة والفاء، أي كان يصف بعضهم لبعض بالكلام، لا بالإشارة، كما مر في الفرقة الأخرى، أو لم يكن كلامهم لغوا، بل كانوا يصفون ما سمعوا من الرسول صلى الله عليه وآله، " وجميع مؤمنون " أي ظاهرا ويحتمل الاستفهام، " بصفة المؤمن " أي الواقعي، وفي القاموس: الناكس: المتطأطئ رأسه، ونكس الرأس لعسر العمل بتلك الصفات والاتصاف بها، وتركها بعد السماع أسوء لهم كما مر في حقوق الاخوان.
وقيل: النكس كان للتأسف على أحوال قريش والتفكر فيما علم أنهم يفعلونه بأوصيائه، وأهل بيته بعده، " الحاضرون الصلاة " أي للاتيان بها جماعة، " إلى
الزكاة " أي إلى أدائها عند أول وقت وجوبها.
وفي المجالس بعد ذلك: " والحاجون لبيت الله الحرام، والصائمون في شهر رمضان " وهو أظهر لان بهما يتم العدد، وعلى ما في الكافي قد يتكلف بجعل خطاهم إلى الجنائز خصلتين، والدعاء آخر الخبر خصلة، إشارة إلى التقوى.
" الماسحون رأس اليتيم " شفقة عليهم، " المطهرون أطمارهم " أي ثيابهم البالية بالغسل أو بالتشمير، وهما مرويان في قوله سبحانه: " وثيابك فطهر ".
قال الطبرسي قدس سره: أي وثيابك الملبوسة فطهرها من النجاسة للصلاة، و قيل: وثيابك فقصر، روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام قال الزجاج: لان تقصير الثوب أبعد من النجاسة فإنه إذا انجر على الأرض، لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه وقيل: لا يكن لباسك من حرام، وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام غسل الثياب يذهب الهم والحزن، وهو طهور للصلاة، وتشمير الثياب طهور لها، وقد قال الله سبحانه: و " ثيابك فطهر " أي فشمر.
وفي القاموس: الطمر بالكسر: الثوب الخلق، أو الكساء البالي من غير الصوف والجمع أطمار.
أقول: ويمكن جعل هذا إشارة إلى خصلتين هما التطهير والاكتفاء بلبس أخلاق الثياب، فينفع في إتمام العدد على بعض الوجوه.
وفي المجالس: " المطهرون أظفارهم " وله وجه، " المتزرون على أوساطهم " أي يشدون المئزر على وسطهم احتياطا لستر العورة، فإنهم كانوا لا يلبسون السراويل، أو المراد شد الوسط بالإزار كالمنطقة ليجمع الثياب، وما توهمه بعض الأصحاب من كراهة ذلك لم أر له مستندا، وقيل: هو كناية عن الاهتمام في العبادة في القاموس: الإزار الملحفة، ويؤنث كالمئزر وائتزر به وتأزر ولا تقل: اتزر وقد جاء في بعض الأحاديث ولعله من تحريف الرواة.
وفي النهاية في حديث الاعتكاف كان إذا دخل العشر الأواخر أيقظ أهله، وشد المئزر، والمئزر: الإزار، وكني بشدة عن اعتزال النساء، وقيل: أراد تشميره للعبادة يقال: شددت لهذا الامر مئزري أي تشمرت له، وفي الحديث: كان يباشر بعض نسائه وهي مؤتزرة في حالة الحيض أي مشدودة الإزار، وقد جاء في بعض الروايات وهي متزرة، وهو خطأ لان الهمزة لا تدغم في التاء.
" وإن حدثوا لم يكذبوا " فيه شائبة تكرار مع قوله: " وإن تكلموا صدقوا " ويمكن حمل الأول على الحديث عن النبي والأئمة عليهم السلام، والثاني على سائر الكلام، أو يقرء " حدثوا " على بناء المجهول من التفعيل، و " لم يكذبوا " على بناء المعلوم من التفعيل ويمكن عدهما خصلة واحدة للتأكيد على بعض الوجوه.
" وإذا وعدوا لم يخلفوا " على بناء الافعال، والمشهور بين الأصحاب استحباب الوفاء بالوعد، ويظهر من الآية وبعض الأخبار الوجوب، ولا يمكن الاستدلال بهذا الخبر على الوجوب، لاشتماله على كثير من المستحبات، " وإذا ائتمنوا " على مال أو عرض أو كلام " لم يخونوا، رهبان بالليل " أي يمضون إلى الخلوات ويتضرعون رهبة من الله، أو يتحملون مشقة السهر والعبادة كالرهبان، وفسر الرهبانية في قوله تعالى: " ورهبانية ابتدعوها " بصلاة الليل.
قال الراغب: الترهب: التعبد، وهو استعمال الرهبة، والرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبة، قال تعالى: " ورهبانية ابتدعوها " والرهبان يكون واحدا وجمعا.
" أسد بالنهار " أي شجعان في الجهاد كالأسد، في الصحاح: الأسد جمعه اسود وأسد مقصور [مثقل] منه وأسد مخفف، " قائمون بالليل " الفرق بينه وبين رهبان بالليل: أن الرهبان إشارة إلى التضرع والرهبة، أو التخلي
والترهب، وقيام الليل للصلاة لا يستلزم شيئا من ذلك، " ولا يتأذى بهم جار " الفرق بينه وبين ما سبق أن المراد بالجار في الأول من آمنه، وفي الثاني: جار الدار، أو في الأول جار الدار، وفي الثاني من يجاوره في المجلس، أو في الأول الايذاء بلا واسطة، وفي الثاني تأذيه بسبب خدمه وأعوانه، فالجار في الموضعين جار الدار.
" مشيهم على الأرض هون " إشارة إلى قوله سبحانه: و " عباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا " قال البيضاوي: أي هينين، أو مشيا هينا مصدر وصف به، والمعنى أنهم يمشون بسكينة وتواضع، " إلى بيوت الأرامل " للصدقة عليهن وإعانتهن ، " وعلى إثر الجنائز " كأن فيه إشعارا باستحباب المشي خلف الجنازة.
5 - أمالي الصدوق: عن ابن موسى، عن الأسدي، عن سهل، عن مبارك مولى الرضا عن الرضا عليه السلام قال: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون فيه ثلاث خصال: سنة من ربه، وسنة من نبيه، وسنة من وليه:
فأما السنة من ربه فكتمان سره، قال الله جل جلاله " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول " وأما السنة من نبيه فمداراة الناس، فان الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وآله بمداراة الناس فقال: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " وأما السنة من وليه فالصبر في البأساء والضراء، يقول الله جل جلاله: " والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون.
عيون أخبار الرضا (ع): عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعري، عن سهل، عن الحارث ابن الدلهاث مولى الرضا عنه عليه السلام مثله.
الكافي: عن علي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق، عن سهل بن الحرث عن الدلهاث مولى الرضا عليه السلام قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول وذكر مثله إلى قوله فالصبر في البأساء والضراء وليس فيه ذكر الآية، وليس فيه " وأعرض عن الجاهلين " أيضا وكأنهما سقطا من بعض الرواة.
بيان: " عالم الغيب " قال الطبرسي رحمه الله أي هو عالم الغيب، يعلم متى تكون القيامة، " فلا يظهر على غيبه أحدا " أي لا يطلع على الغيب أحدا من عباده ثم استثنى فقال: " إلا من ارتضى من رسول " يعني الرسل فإنه يستدل على نبوتهم بأن يخبروا بالغيب، ليكون آية معجزة لهم، ومعناه إلا من ارتضاه واختاره للنبوة والرسالة، فإنه يطلعه على ما شاء من غيبه، على حسب ما يراه من المصلحة انتهى.
وقد مر عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان والله محمد ممن ارتضاه، وفي الخرائج عن الرضا عليه السلام في قوله تعالى: " إلا من ارتضى من رسول " قال: فرسول الله عند الله مرتضى، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه، فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة.
وفي تفسير علي بن إبراهيم: إلا من ارتضى من رسول يعني عليا المرتضى من الرسول، وهو منه.
ثم اعلم أن الاستشهاد بالآية الكريمة يدل على أن المراد بكتمان السر:
الكتمان عن غير أهله، وعمن لا يكتمه.
" خذ العفو " قال في المجمع: أي خذ يا محمد ما عفي من أموال الناس أي ما فضل من النفقة، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يأخذ الفضل من أموالهم، ليس فيها شئ موقت، ثم نزلت آية الزكاة فصار منسوخا بها، وقيل: معناه خذ العفو من أخلاق الناس، واقبل الميسور منها، ومعناه أنه أمره بالتساهل، وترك الاستقصاء في القضاء والاقتضاء، وهذا يكون في الحقوق الواجبة لله، وللناس وفي غيرها، وقيل: هو العفو في قبول العذر عن المعتذر، وترك المؤاخذة بالإساءة.
" وأمر بالعرف " يعني بالمعروف، وهو كل ما حسن في العقل فعله أو في الشرع ولم يكن منكرا ولا قبيحا عند العقلاء، وقيل: بكل خصلة حميدة، " و أعرض عن الجاهلين " معناه وأعرض عنهم عند قيام الحجة عليهم، والاياس من قبولهم، ولا تقابلهم بالسفه صيانة لقدرك، فان مجاوبة السفيه تضع عن القدر ولا يقال هذه الآية منسوخة بآية القتال، لأنها عامة خص عنها الكافر الذي يجب قتله بدليل.
" والصابرين في البأساء ".
أقول: الآية هكذا: " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب و أقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء و الضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ".
والأكثر على أن نصب الصابرين على المدح، وقال البيضاوي: عن الأزهري البأساء في الأموال كالفقر، والضراء في الأنفس كالمرض، " وحين البأس " وقت مجاهدة العدو، ويدل الخبر على أن هذه الآية نزلت في الأئمة عليهم السلام فهم
الصادقون الذين أمر الله بالكون معهم حيث قال : " وكونوا مع الصادقين ".
6 - الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم.
الضوء: رجل غر وغرير: أي غير مجرب، وجارية غرة وغريرة، وغر أيضا بينة الغرارة، وجمع الغر: أغرار، والغرير: أغراء، وقد غر يغر بالكسر غرارة، والاسم: الغرة، يقال: كان ذلك في غرارتي وحداثتي أي في غرتي، و الغرة: الغفلة، والغار: الغافل، واغتره، أتاه على غرة منه، واغتر بالشئ:
خدع به.
والكرم: الجود. وإذا وصف الله بالكرم فهو عبارة عن الاحسان والانعام المترادف وإذا كان وصفا للآدمي فهو للأخلاق والافعال المحمودة فيه، والكرم كالحرية إلا أنه أكبر منها درجة، ونقيض الكرم اللؤم، وقد كرم الرجل فهو كريم، وقوم كرام وكرماء، ونسوة كرائم ويقال: رجل كرم، وامرأة كرم، ونسوة كرم، وقال:
فتنبو العين عن كرم عجاف والكرام كالكريم، والكرام فوق ذلك.
والفجور: الفسق، وأصل ف ج ر: الشق، ومنه الفجر الطالع، وفجر الماء فكأن الفجور شق لباس الدين، وأكثر ما يذكر في القرآن والحديث يراد به الكافر.
والخب: الخداع الجربز، وقد خببت يا رجل تخب خبا بالكسر، وقد خبب فلان فلانا أي خدعه، واللؤم: الدنائة والشح وأصله الهمز، وقد لؤم لؤما وملامة ولامة كقولك لئامة ويا ملامان خلاف يا مكرمان.
فوصف صلى الله عليه وآله المؤمن بالغفلة عما لا يعنيه، والاهمال ما ليس من شأنه، و بالجود الذي هو تاج المفاخر، وواسطة المآثر، وعكس ذلك كله للكافر فوصفه بالجربزة والخبث والشيطنة، وقرن بذلك اللؤم والشح، وجعله لا يبض حجره ولا يورق شجره، وهو وصف معناه الترغيب في خصال الخير، وتجنب خصال الشر وفائدة الحديث الامر بالتغافل عن بعض الأمور، وترك الاستقصاء فيها، والمساهلة في المعاملة، والنهي عن الخب وسوء المعاملة، والخداع الاستهزاء، والبخل بما في اليد، وراوي الحديث أبو هريرة.
مزيد ايضاح: قال في النهاية: فيه المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم:
غر أي ليس بذي نكر، فهو ينخدع لانقياده ولينه، وهو ضد الخب، يقال: فتى غر، وفتاة غر، وقد غررت تغر غرارة، يريد أن المؤمن المعهود من طبعه الغرارة وقلة الفطنة للشر، وترك البحث عنه، وليس ذلك منه جهلا ولكنه كرم وحسن خلق.
ومنه حديث الجنة: يدخلني غرة الناس، أي البله الذين لم يجربوا الأمور فهم قليلو الشر منقادون، فان من آثر الخمول وإصلاح نفسه والتزود لمعاده ونبذ أمور الدنيا فليس غرا فيما قصد له، ولا مذموما بنوع من الذم، والخب بالفتح: الخداع، وهو الجربز الذي يسعى بين الناس بالفساد، رجل خب، و امرأة خبة وقد تكسر خاؤه، وأما المصدر فبالكسر لا غير.
7 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن سليمان الجعفري، عن أبي -
الحسن الرضا، عن أبيه عليهما السلام قال: رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قوم في بعض غزواته، فقال صلى الله عليه وآله: من القوم؟ فقالوا: مؤمنون يا رسول الله قال: وما بلغ من إيمانكم؟ قالوا: الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بالقضاء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلماء علماء، كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء إن كنتم كما تصفون، فلا تبنوا مالا تسكنون، ولا تجمعوا مالا تأكلون، و اتقوا الله الذي إليه ترجعون.
بيان: " رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله " كمنع على بناء المعلوم أي أسرعوا إليه، أو على بناء المجهول أي ظهروا، فان الرفع ملزوما للظهور، قال في المصباح رفعته: أذعته، ومنه رفعت على العامل رفيعة، ورفع البعير في سيره: أسرع، و رفعته: أسرعت به، يتعدى ولا يتعدى انتهى.
وقال الكرماني في شرح البخاري: فيه فرفعت لنا صخرة، أي ظهرت لابصارنا، وفيه فرفع لي البيت المعمور: أي قرب وكشف انتهى، ويمكن أن يقرء بالدال، ولكن قد عرفت أنه لا حاجة إليه، قال في المصباح: رفعت إلى كذا بالبناء للمفعول: انتهيت إليه.
" من القوم؟ " أي من أي صنف من الناس أنتم؟ " فقالوا مؤمنون " أي نحن مؤمنون " وما بلغ من إيمانكم " من، تبعيضية، أي بأي حد بلغ بعض إيمانكم أي اذكروا بعض شرائط الايمان منكم بأي حد بلغ، أو زائدة، أو سببية أي ما بلغكم ووصل إليكم بسبب إيمانكم، أو البلوغ بمعنى الكمال و " من " للتبعيض أي ما كمل من صفات إيمانكم.
" حلماء " أي هم حلماء، من الحلم بالكسر بمعنى العقل، أو عدم المبادرة عند الغضب " مالا تسكنون " أي ما يزيد على ما اضطررتم إليه من المسكن، وكذا " لا تجمعوا " ما لم تدعكم الضرورة للاكل إليه، ويمكن تعميم الاكل بحيث
يشمل سائر ما يحتاجون إليه كقوله تعالى: " ولا تأكلوا مال اليتيم " " ولا تأكلوا أموالكم بينكم " أو خصهما بالذكر لأنهما عمدة مطالب الراغبين في الدنيا، " واتقوا الله " الخ لما كانت تلك الصفات، تقتضي الزهد في الدنيا والتقوى حثهم في تلك الفقرات عليهما.
8 - الكافي: عن العدة، عن البرقي، عن ابن بزيع، عن محمد بن عذافر، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض أسفاره إذ لقيه ركب فقالوا: السلام عليك يا رسول الله، فقال: ما أنتم؟ فقالوا: نحن مؤمنون يا رسول الله، فقال: فما حقيقة إيمانكم؟ قالوا: الرضا بقضاء الله، والتفويض إلى الله، والتسليم لأمر الله، فقال رسول الله: علماء حكماء، كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء، فان كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تجمعوا ما لا تأكلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون.
التوحيد معاني الأخبار: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن بزيع مثله إلا في تقديم التسليم على التفويض.
الخصال: عن أبيه، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب مثله.
مشكاة الأنوار: نقلا من كتاب المحاسن مثله.
توضيح: " بينا رسول الله " بينا هي " بين " الظرفية، أشبعت فتحتها
فصارت ألفا، ويقع بعدها حينئذ إذ الفجائية غالبا وعاملها محذوف، يفسره الفعل الواقع بعد إذ عند بعض، وبعضهم يجعلها خبرا عن مصدر مسبوك من الفعل، أي بين أوقات سفره لقاء الركب، وقد يقع بعدها إذا الفجائية أيضا والركب جمع راكب كصحب وصاحب.
" فقال: ما أنتم؟ " أي أي صنف أنتم من الناس؟ قيل: كما أن " ما " تكون سؤالا عن حقيقة الشئ تكون سؤالا عن خواصه وآثاره المترتبة عليه وهو المراد هنا، فلذلك أجابوا بها " فقالوا: نحن مؤمنون " انتهى.
وقال الراغب في معاني " ما ": الثالث: الاستفهام، ويسأل به عن جنس ذات الشئ ونوعه، وعن جنس صفات الشئ ونوعها، وقد يسأل به عن الاشخاص والأعيان في غير الناطقين انتهى.
" فما حقيقة إيمانكم " لما كانت للايمان حقائق مختلفة ودرجات متفاوتة سألهم صلى الله عليه وآله عن حقيقة الايمان الذي يدعونه، فأجابوا بلوازمه وآثاره ليظهر حقيقة ما ادعوه، أو المراد بالحقيقة: ما يحقه ويثبته، أي الايمان أمر قلبي إنما يثبت بآثاره، فما ظهر من آثار إيمانكم ليدل على ثبوته في قلوبكم؟ والمعنى الأول أنسب بما مر من مضمون هذا الخبر، حيث قال: وما بلغ من إيمانكم فان الظاهر اتحاد الواقعة، والتفويض إلى الله هنا التوكل عليه في جميع الأمور.
9 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله حارثة بن مالك بن النعمان الأنصاري فقال له: كيف أنت يا حارثة بن مالك [النعماني] فقال: يا رسول الله مؤمن حقا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: لكل شئ حقيقة فما حقيقة قولك؟ فقال: يا رسول الله! عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت هواجري، وكأني أنظر إلى عرش ربي وقد وضع للحساب، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون في الجنة، وكأني أسمع عواء أهل النار في النار.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: عبد نور الله قلبه أبصرت فأثبت، فقال: يا رسول الله ادع الله لي أن يرزقني الشهادة معك فقال: اللهم ارزق حارثة الشهادة، فلم يلبث إلا أياما حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وآله بسرية فبعثه فيها فقاتل فقتل تسعة أو ثمانية ثم قتل.
وفي رواية القاسم بن بريد، عن أبي بصير قال: استشهد مع جعفر بن أبي طالب عليه السلام بعد تسعة نفر وكان هو العاشر.
تبيين: " مؤمن حقا " قوله: " حقا " مصدر مؤكد كقولهم هذا عبد الله حقا، والحاصل أني مؤمن حق الايمان، وكما ينبغي أن يكون المؤمن، " فأسهرت ليلي " على صيغة الغيبة، بارجاع الضمير إلى النفس، أو على صيغة التكلم، وكذا الفقرة التالية تحتمل الوجهين.
ويقال: تزاوروا: أي زار بعضهم بعضا، وقال في النهاية: في حديث حارثة كأني أسمع عواء أهل النار، أي صياحهم، والعواء: صوت السباع وكأنه بالذئب والكلب أخص، وفي القاموس: عوى يعوي عيا وعواء بالضم لوى خطمه ثم صوت، أو مد صوته ولم يفصح، وقال: السرية من خمسة أنفس إلى ثلاث مائة أو أربعمائة وفي الصحاح: السرية قطعة من الجيش، وقوله: وفي رواية القاسم بن بريد يحتمل الارسال، أو يكون الراوي عنه ابن سنان.
ثم اعلم أن هاتين الروايتين تدلان على أن حارثة استشهد في زمن الرسول صلى الله عليه وآله، وقال بعضهم: وينافيه ما ذكر الشيخ في رجال حيث قال: حارثة ابن النعمان الأنصاري كنيته أبو عبد الله شهد بدرا واحدا وما بعدهما من المشاهد وذكر هو أنه رأى جبرئيل دفعتين على صورة دحية الكلبي: أولهما حين خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بني قريظة، والثاني حين رجع من حنين، وشهد مع أمير المؤمنين القتال وتوفي في زمن معاوية انتهى.
وهو خطأ لان المذكور في الخبر حارثة بن مالك، وجده النعمان، وما
ذكره الشيخ حارثة بن النعمان وهو غيره، نعم ما سيأتي من ذهاب بصره ينافي ذلك في الجملة، ويمكن توجيهه بتكلف، والعجب أن هذا الحديث مذكور في كتب العامة أيضا كما يظهر من النهاية وهذا الرجل غير مذكور في رجالهم، وكأنه لعدم الرواية عنه، كما أن أصحابنا أيضا لم يذكروه لذلك.
10 - الخصال: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن سنان قال: ذكر رجل المؤمن عند أبي عبد الله عليه السلام فقال:
إنما المؤمن [الذي] إذا سخط لم يخرجه سخطه من الحق، والمؤمن الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، والمؤمن الذي إذا قدر لم يتعاط ما ليس له.
الخصال: عن الطالقاني، عن محمد بن جرير الطبري، عن صالح الكناني، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن شريك، عن هشام بن معاذ، عن الباقر عليه السلام في حديث طويل مثله إلا أن فيه لم يتناول ما ليس له.
11 - أمالي الصدوق: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن عبد الله ابن القاسم، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن لأهل الدين علامات يعرفون بها: صدق الحديث، وأداء الأمانة والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة المؤاتاة للنساء، وبذل المعروف وحسن الخلق، وسعة الخلق واتباع العلم، وما يقرب إلى الله عز وجل طوبى لهم وحسن مآب.
وطوبى شجرة في الجنة أصلها في دار النبي وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن منها، لا تخطر على قلبه شهوة شئ إلا أتاه به ذلك الغصن، ولو أن راكبا مجدا صار في ظلها مائة عام ما خرج منها، ولو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتى يسقط هرما ألا في هذا فارغبوا.
إن المؤمن نفسه منه في شغل، والناس منه في راحة، إذا جن عليه الليل افترش وجهه، وسجد لله عز وجل بمكارم بدنه، يناجي الذي خلقه في فكاك رقبته ألا هكذا فكونوا.
12 - الخصال: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن إبراهيم ابن علي، عن إبراهيم بن إسحاق، عن يونس، عن ابن سنان، عن ابن مسكان عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول:
إن لأهل التقوى علامات وساق الحديث كما مر إلا أن فيه: والوفاء بالعهد وقلة الفخر والبخل، وصلة الأرحام، وفيه: لا ينوي في قلبه شيئا إلا أتاه، وفيه ولو أن غرابا طار من أصلها ما بلغ أعلاها حتى يبياض هرما.
مشكاة الأنوار: نقلا من كتاب المحاسن إلى قوله طوبى لهم وحسن مآب .
بيان: في النهاية: فيه خير النساء المؤاتية لزوجها، المؤاتاة حسن المطاوعة والموافقة وأصله الهمز، فخفف، وكثر حتى صار يقال بالواو الخالصة، وليس بالوجه " وبذل المعروف " أي الاحسان بالمال أو غيره " في ظلها " أي تحت أغصانها فإنه ليس في الجنة ظل، بل كلها ظل ممدود، كما قيل ولذا قال في النهاية:
إن في الجنة شجرة يصير الراكب في ظلها مائة عام أي في ذراها وناحيتها، قوله:
غراب إنما خص به لأنه أطول الطيور أعمارا، وفي القاموس: ابيض وابياض ضد اسود وإسواد: وابيضاض الغراب عند غاية كبره وسيأتي شرحه مبسوطا في باب جوامع المكارم إن شاء الله.
13 - أمالي الصدوق: الطالقاني، عن أحمد بن دبيس المفسر، عن أحمد بن محمد بن أبي البهلول، عن الفضل بن هرمزديار الطبري، عن الحسن بن شجاع البلخي، عن سليمان بن الربيع، عن كادح بن أحمد، عن مقاتل بن سليمان، عن الضحاك قال: سأل رجل ابن عباس ما الذي أخفى الله تبارك وتعالى من الجنة وقد أخبر
عن أزواجها وعن خدمها وطيبها وشرابها وثمرها؟ وما ذكر الله تبارك وتعالى من أمرها وأنزله في كتابه؟
فقال ابن عباس: هي جنة عدن، خلقها الله يوم الجمعة ثم أطبق عليها، فلم يرها مخلوق من أهل السماوات والأرض، حتى يدخلها أهلها، قال لها عز وجل ثلاث مرات تكلمي، فقالت: طوبى للمؤمنين، قال جل جلاله: طوبى للمؤمنين وطوبى لك.
قال مقاتل: قال الضحاك: قال ابن عباس: فقال النبي صلى الله عليه وآله: ألا من كان فيه ست خصال فإنه منهم، من صدق حديثه، وأنجز موعوده، وأدى أمانته، وبر والديه، ووصل رحمه، واستغفر من ذنبه، فهو مؤمن.
بيان: كان سؤاله عن قوله سبحانه: " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين " قوله صلى الله عليه وآله: " من صدق " على بناء التفعيل أي جعل حديثه صادقا، أو على بناء المجرد فحديثه مرفوع، " أمانته " أي الأمانة التي عنده من الناس.
14 - أمالي الصدوق: عن ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن الثمالي، عن علي بن الحسين صلوات الله عليه قال: المؤمن خلط علمه بالحلم، يجلس ليعلم، وينصت ليسلم، وينطق ليفهم، لا يحدث أمانته الأصدقاء، ولا يكتم شهادته الأعداء، ولا يفعل شيئا من الحق رياء، ولا يتركه حياء، إن زكي خاف ما يقولون، ويستغفر الله مما لا يعلمون، لا يغره قول من جهله، ويخشى إحصاء من قد علمه.
والمنافق ينهى ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، إذا قام في الصلاة اعترض، وإذا ركع ربض، وإذا سجد نقر، وإذا جلس شغر، يمسي وهمه الطعام وهو مفطر، ويصبح وهمه النوم ولم يسهر، إن حدثك كذبك، وإن وعدك أخلفك، وإن ائتمنته
خانك، وإن خالفته اغتابك.
الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن الثمالي مثله إلى قوله: ويخشى احصاء ما قد عمله.
بيان: " خلط علمه " في الكافي " عمله " بتقديم الميم، وما هنا أوفق بسائر الاخبار وأظهر، إذ العلم بلا عمل يصير غالبا سببا للتكبر والترفع والسفاهة وترك الحلم، " يجلس ليعلم " أي يختار مجلسا يحصل فيه التعلم، وإنما يجلس له لا للأغراض الفاسدة، " ليسلم " أي من مفاسد الكلام، " وينطق ليفهم " أي إنما ينطق في تلك المجالس، ليفهم ما أفاده العالم إن لم يفهمه لا للمجادلة، وإظهار الفضل، " لا يحدث أمانته " أي السر، أو المال الذي ائتمن عليه، أو أسرار أموره التي يخشى عليه الضرر، فاطلاق الأمانة باعتبار أنه يجعله أمانة عند من يحدثه " الأصدقاء " فكيف الأعداء.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.