پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

44 باب حقيقة الرؤيا وتعبيرها وفضل الرؤيا الصادقة وعلتها وعلة الكاذبة

ج ۵۸، ص ۲۰۳–۲۲۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۸

والحق أن هذا الباب يحتمل وجوها كثيرة: فأحدها أنا بينا أن النفوس الناطقة أنواع كثيرة ذو طوائف مختلفة، ولكل طائفة منها روح فلكي كلي هو العلة لوجودها، وهو المتكفل بإصلاح أحوالها، وذلك الروح الفلكي كالأصل والمعدن والينبوع بالنسبة إليها، وسميناه بالطباع التام، فلا يمتنع أن يكون الذي يراها في المنامات وفي اليقظة أخرى، وعلى سبيل الإلهامات ثالثا هو ذلك الطباع التام، ولا يمتنع كون ذلك الطباع التام قادرا على أن يتشكل بأشكال مختلفة بحسب جسم مخصوص هوائي في جميع أعماله. وثانيها أن تثبت طوائف الملائكة وطوائف الجن، ونحكم بكونها قادرة على أن تأتي بأعمال مخصوصة عندها يظهرون للبشر، وعلى أعمال أخرى عندها يحتجبون عن البشر، فهذا ما نقوله في هذا الباب (انتهى).

وقال في المواقف وشرحه: وأما الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين أي جمهورهم أما عند المعتزلة شرائط الادراك حالة النوم من المقابلة وإثبات الشعاع وتوسط الهواء الشفاف والبنية المخصوصة وانتفاء الحجاب، إلى غير ذلك من الشرائط المعتبرة في الادراكات، فما يراه النائم ليس من الادراكات في شئ بل هو من قبيل الخيالات

الفاسدة والأوهام الباطلة. وأما عند الأصحاب إذا لم يشترطوا في الادراك شيئا من ذلك فلانه خلاف العادة: أي لم تجر عادته تعالى بخلق الادراكات في الشخص وهو نائم ولان النوم ضد للادراك فلا يجامعه، فلا يكون الرؤيا إدراكا حقيقة، بل هو من قبيل الخيال الباطل.

وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه إدراك حق بلا شبهة، إذ لا فرق بين ما يجده النائم من نفسه في نومه من إبصار المبصرات وسمع المسموعات وذوق وغيرها من الادراكات، وبين ما يجده اليقظان في إدراكاته، فلو جاز التشكيك فيه لجاز التشكيك فيما يجده اليقظان، ولزم السفسطة والقدح في الأمور المعلومة حقيقتها بالبديهة، ولم يخالف الأستاذ في كون النوم ضدا للادراك، لكنه زعم أن الادراك يقوم بجزء من أجزاء الانسان غير ما يقوم به النوم من أجزائه، فلا يلزم اجتماع الضدين في محل واحد.

أقول: ثم ذكر ما زعمته الفلاسفة في ذلك نحوا مما مر. وقال بعض المحققين من الحكماء والصوفية الجامعين بزعمهم بين الشرع والحكمة: سبب الرؤيا انخناس الروح البخاري من الظاهر إلى الباطن بأسباب شتى، مثل طلب الاستراحة عن كثرة الحركة، وميل الاشتغال بتأثيره في الباطن لينفتح السد، ولهذا يغلب النوم عند امتلاء المعدة، ومثل أن يكون الروح قليلا ناقصا فلا يفي بالظاهر والباطن جميعا. ولزيادته ونقصانه أسباب طبية مذكورة في كتب الأطباء. فإذا انخنس الروح إلى الباطن وركدت الحواس بسبب من الأسباب بقيت النفس فارغة عن الشغل الحواس، لأنها لا تزال مشغولة بالتفكر فيما تورده الحواس عليها، فإذا وجدت فرصة الفراغ وارتفعت عنها الموانع فإن كانت عالية معتادة بالصدق أو مائلة إلى العالم الروحاني العقلي، متوجهة إلى الحق، مطهرة عن النقائص، معرضة عن الشواغل البدنية، متصفة بالمحامد أو غير ذلك مما جب تنويرها وتقويتها وقدرتها على خرق العالم الحسي من الاتيان بالطاعات والعبادات، واستعمال القوى والآلات بموجب الأوامر الإلهية، وحفظ الاعتدال بين طرفي الافراط والتفريط فيها، ودوام الوضوء والذكر خصوصا من أول

الليل إلى وقت النوم، وصحة البدن، واعتدال مزاجه الشخصي والدماغي، اتصلت بالجواهر الروحانية الشريفة التي فيها نقوش جميع الموجودات كلية وجزئية، والمسماة بالكتاب المبين وأم الكتاب، فانتقشت بما فيها من صور الأشياء، لا سيما ما ناسب أغراضها ويكون مهما لها، فإن النفس بمنزلة مرآة ينطبع فيها كل ما قابلها من مرآة أخرى عند حصول الأسباب وارتفاع الحجاب بينهما، والحجاب ههنا اشتغال النفس بما تورده الحواس، فإذا ارتفع ظهر فيها من تلك المرائي ما يناسبها ويحاذيها، فإن كانت تلك الصور جزئية وبقيت في النفس بحفظ الحافظة إياها على وجهها ولم تتصرف فيه القوة المتخيلة الحاكية للأشياء بمثلها فتصدق هذه الرؤيا ولا تحتاج إلى التعبير، وإن كانت المتخيلة غالبة وإدراك النفس للصورة ضعيفا صارت المتخيلة بطبعها إلى تبديل ما رأته النفس بمثال، كتبديل العلم باللبن، وتبديل العدو بالحية، وتبديل الملك بالبحر والجبل، إلى غير ذلك، وذلك لما دريت أن لكل معنى صورة في نشأة غير صورته في النشأة الأخرى، وأن النشآت متطابقة.

نقل أن رجلا جاء إلى ابن سيرين وقال: رأيت كأن في يدي خاتما أختم به أفواه الرجال وفروج النساء، فقال: إنك مؤذن تؤذن في شهر رمضان قبل الفجر فقال: صدقت. وجاء آخر فقال: كأني صببت الزيت في الزيتون، فقال: إن كانت تحتك جارية اشتريتها ففتش عن حالها فإنها أمك، لان الزيتون أصل الزيت فهو رد إلى الأصل، فنظر فإذا جاريته كانت أمه وقد سبيت في صغره. وقال آخر له: كأني أعلق الدر في أعناق الخنازير، فقال: كأنك تعلم الحكمة غير أهلها، وكان كما قال.

وربما تبدل المتخيلة الأشياء المرئية في النوم بما يشابهها ويناسبها مناسبة ما أوما يضادها، كما من رأى أنه ولد له ابن فتولد له بنت، وبالعكس، وهذه الرؤيا تحتاج إلى مزيد تصرف في تعبيره فيحلل بالعكس، أي يرجع من الصور الخيالية الجزئية إلى المعاني النفسانية الكلية. وربما لم تكن انتقالات المتخيلة مضبوطة بنوع مخصوص فانشعبت وجوه التعبير فصار مختلفا بالاشخاص والأحوال والصناعات وفصول السنة وصحة النائم ومرضه، وصاحب التعبير لا ينال إلا بضرب من الحدس، ويغلط فيه كثيرا للالتباس.

وإن كانت النفس سفلية متعلقة بالدنيا، منهمكة في الشهوات، حريصة على المخالفات مستعملة للمتخيلة في التخيلات الفاسدة وغير ذلك مما يوجب الظلمة وازدياد الحجب أو سوء مزاج الدماغ، فلا تتصل بالجواهر الروحانية بمجرد ذلك، فتفعل باختراعها بقوتها المتخيلة في مملكتها وعالمها الباطني صورا وأشخاصا جسمانية بعضها مطابقة لما يوجد في الخارج، وبعضها خرافات لا أصل لها في شئ من العوالم، بل هو من دعابات المتخيلة واضطراباتها التي لا تفتر عنها في أكثر الأحوال، ثم انتقلت منها وحاكتها بأمور أخرى في النوم، فبقيت مشغولة بمحاكاتها كما تبقى مشغولة بالحواس في اليقظة، و خصوصا إذا كانت ضعيفة منفعلة عن آثار القوى، وهي أضغاث الأحلام. ولمحاكاتها أسباب من أحوال البدن ومزاجه، فإن غلبت على مزاجه الصفراء حاكاها بالأشياء الصفر وإن كان فيه الحرارة حاكاها بالنار والحمام الحار، وإن غلبت البرودة حاكاها بالثلج والشتاء ونظائرهما، وإن غلبت السوداء حاكاها بالأشياء السود والأمور الهائلة.

قال بعض العلماء: وإنما حصلت صورة النار مثلا في التخيل عند غلبة الحرارة، لان الحرارة التي في موضع تتعدى إلى المجاور لها كما يتعدى نور الشمس إلى الأجسام، بمعنى أنه سيكون سببا لحدوثه إذ خلقت الأشياء موجودة وجودا فائضا بأمثاله على غيره والقوة المتخيلة منطبعة في الجسم الحار فيتأثر به تأثرا يليق بطبعها، لان كل شئ قابل يتأثر من شئ فإنما يتأثر منه بشئ يناسب جوهر هذا القابل وطبعه، فالمتخيلة ليست بجسم حتى تقبل نفس الحرارة فتقبل من الحرارة ما في طبعها القبول وهو صورة الحار فهذا هو السبب فيه .

ثم قال: والاتصال بالجواهر الروحانية كما يكون في المنام فكذلك قد يكون في اليقظة أيضا، كما أن الاختراعات الخيالية تكون في الحالتين، وذلك لان رفع الحجاب بين مرآة النفس وذلك العالم كما يكون في المنام فكذلك قد يكون بأسباب اخر، مثل صفاء النفس بسبب أصل الفطرة، ومثل انزعاج النفس وانزجارها عن هذا العالم بسبب ما يكدرها وينقص عيشها الدنياوي من المؤلمات والمنفرات، فيتوجه

إلى عالمها هربا من هذه الأمور الموحشة، فيرتفع الحجاب بينها وبين عالمها، ومثل الرياضات العملية والعملية التي توجب المكاشفات الصورية والمعنوية، أي ظهور الحوادث والحقائق، ومثل الموت الإرادي الذي يكون للأولياء، ومثل الموت الطبيعي الذي يوجب كشف الغطاء للجميع، سواء كانوا سعداء أو أشقياء، ومثل ما لو غلب على المزاج اليبوسة والحرارة وقل الروح البخاري حتى صرفت النفس لغلبة السوداء وقلة الروح عن موارد الحواس، فيكون مع فتح العين وسائر أبواب الحواس كالمبهوت الغافل الغائب عما يرى ويسمع، وذلك لضعف خروج الروح إلى الظاهر فهذا أيضا لا يستحيل أن ينكشف لنفسه من الجواهر الروحانية شئ من الغيب، فيحدث به ويجري على لسانه فكأنه أيضا غافل عما يحدث به، وهذا يوجد في بعض المجانين و المصروعين وبعض الكهنة، فيحدثون بما يكون موافقا لما سيكون.

ثم ما تتلقاه النفس في اليقظة على وجهين: فإن كانت النفس قوية وافية بضبط الجوانب، لا تشغلها المشاعر السفلية عن المدارك العالية، وتكون متخيلتها قوية على استخلاص الحس المشترك عن مشاهدة الظواهر إلى مشاهدة ما يراها في الباطن، فلا يبعد أن يقع لها ما يقع للنائم من غير تفاوت، فمنه ما هو وحي صريح لا يفتقر إلى التأويل ومنه ما ليس كذلك فيفتقر إليه، أو يكون شبيها بالمنامات التي هي أضغاث أحلام إن أمعنت المتخيلة في الانتقال والمحاكات. وإن لم يكن كذلك فلا يخلو إما أن يستعين بما يقع للحس دهشة وللخيال حيرة، أولا، بل كانت لضعف طبيعي في الحواس أو مرض طار، فالأول كفعل المستنطقين المشغلين للصبيان والنساء ذوات المدارك الضعيفة بأمور مترقرقة أو بأشياء ملطخة سود مدهشة محيرة للحس مرعشة للبصر برجرجتها أو شفيفها، وكاستعانة بعض المتصوفة والمتكهنة برقص وتصفيق وتطريب، فكل هذه موهنة للحواس مخلة بها، وربما يستعينون أيضا بالابهام بالعزائم وبأدعية غير مفهومة الألفاظ يوجب الترهيب بالحس إذا استنطقوا غيرهم. والثاني كما للمصروعين والممرورين ومن في قواه ضعف وفي دماغه رطوبة قابلة، وقد يجتمع الشيئان: ضعف

الفائق وقوة النفس بتطريب وغيره كالكثير من المرتاضين من أولي الكد، وهذا حسن، وما للكهنة والممرورين نقص أو ضلال أو تعطيل للقوى كما خلقت لأجله، وأما الفضلاء فرياضاتهم وعلومهم مرموزة مكتومة عن المحجوبين.

وقال الكراجكي - رحمه الله - في كتاب كنز الفوائد: وجدت لشيخنا المفيد - رضي الله عنه - في بعض كتبه أن الكلام في باب رؤيا المنامات عزيز، وتهاون أهل النضر به شديد، والبلية بذلك عظيمة، وصدق القول فيه أصل جليل. والرؤيا في المنام يكون من أربع جهات:

أحدها حديث النفس بالشئ والفكر فيه حتى يحصل كالمنطبع في النفس فيتخيل إلى النائم ذلك بعينه وأشكاله ونتائجه، وهذا معروف بالاعتبار.

الجهة الثانية من الطباع وما يكون من قهر بعضها لبعض، فيضطرب له المزاج ويتخيل لصاحبه ما يلائم ذلك الطبع الغالب من مأكول ومشروب ومرئي وملبوس ومبهج ومزعج. وقد ترى تأثير الطبع الغالب في اليقظة والشاهد، حتى أن من غلب عليه الصفراء يصعب عليه الصعود إلى المكان العالي، يتخيل له من وقوعه منه، ويناله من الهلع والزمع مالا ينال غيره، ومن غلبت عليه السوداء يتخيل له أنه قد صعد في الهواء وناجته الملائكة، ويظن صحة ذلك، حتى أنه ربما اعتقد في نفسه النبوة وأن الوحي يأتيه من السماء وما أشبه ذلك.

والجهة الثالثة ألطاف من الله عز وجل لبعض خلقه من تنبيه وتيسير، وإعذار وإنذار، فيلقي في روعه ما ينتج له تخييلات أمور تدعوه إلى الطاعة، والشكر على النعمة، وتزجره عن المعصية، وتخوفه الآخرة، ويحصل له بها مصلحة، وزيادة فائدة وفكر يحدث له معرفة.

والجهة الرابعة أسباب من الشيطان، ووسوسة يفعلها للانسان، يذكره بها أمورا تحزنه، وأسباب تغمه فيما لا يناله، أو يدعوه إلى ارتكاب محظور يكون فيه عطبه، أو تخيل شبهة في دينه يكون منها هلاكه، وذلك مختص بمن عدم التوفيق

لعصيانه وكثرة تفريطه في طاعات الله سبحانه، ولن ينجو من باطل المنامات وأحلامها إلا الأنبياء والأئمة عليهم السلام ومن رسخ في العلم من الصالحين.

وقد كان شيخي - رضي الله عنه - قال لي: إن كل من كثر علمه واتسع فهمه قلت مناماته، فإن رأى مع ذلك مناما وكان جسمه من العوارض سليما فلا يكون منامه إلا حقا. يريد بسلامة الجسم عدم الأمراض المهيجة للطباع وغلبة بعضها على ما تقدم به البيان. والسكران أيضا لا يصح منامه، وكذلك الممتلئ من الطعام لأنه كالسكران ولذلك قيل: إن المنامات قل ما يصح في ليالي شهر رمضان. فأما منامات الأنبياء عليهم السلام فلا تكون إلا صادقة، وهي وحي في الحقيقة، ومنامات الأئمة عليهم السلام جارية مجرى الوحي إن لم تسم وحيا، ولا تكون قط إلا حقا وصدقا. وإذا صح منام المؤمن فإنه من قبل الله تعالى كما ذكرناه، وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: رؤيا المؤمن جزء من سبعة وسبعين جزء من النبوة. وروي عنه عليه السلام أنه قال: رؤيا المؤمن تجري مجرى كلام تكلم به الرب عنده.

فأما وسوسة شياطين الجن فقد ورد السمع بذكرها، قال الله تعالى: " من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس " وقال: " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم " وقال: " شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " وورد السمع به فلا طريق إلى دفعه.

فأما كيفية وسوسة الجني للإنسي فهو أن الجن أجسام رقاق لطاف، فيصح أن يتوصل أحدهم برقة جسمه ولطافته إلى غاية سمع الانسان ونهايته، فيوقع فيه كلاما يلبس عليه إذا سمعه ويشتبه عليه بخواطره، لأنه لا يرد عليه ورود المحسوسات من ظاهر جوارحه. ويصح أن يفعل هذا بالنائم واليقظان جميعا، وليس هو في العقل

مستحيلا. روى جابر بن عبد الله أنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله يخطب إذ قام إليه رجل فقال: يا رسول الله إني رأيت كأن رأسي قد قطع، وهو يتد حرج وأنا أتبعه فقال له رسول الله صلى الله عليه وله: لا تحدث بلعب الشيطان بك، ثم قال: إذا لعب الشيطان أحدكم في منامه فلا يحدثن به أحدا.

وأما رؤية الانسان للنبي صلى الله عليه وآله أو لاحد الأئمة عليهم السلام في المنام فإن ذلك عندي على ثلاثة أقسام: قسم أقطع على صحته، وقسم أقطع على بطلانه، وقسم أجوز فيه الصحة والبطلان، فلا أقطع فيه على حال. فأما الذي أقطع على صحته فهو كل منام رأى فيه النبي صلى الله عليه وآله أو أحد الأئمة عليهم السلام وهو الفاعل لطاعة أو آمر بها، وناه عن معصية أو مبين لقبحها، وقائل لحق أو داع إليه، وزاجر عن باطل أو ذام لمن هو عليه، وأما الذي أقطع على بطلانه فهو كل ما كان ضد ذلك، لعلمنا أن النبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام صاحبا حق، وصاحب الحق بعيد عن الباطل وأما الذي أجوز فيه الصحة والبطلان فهو المنام الذي يرى فيه النبي والامام عليهما السلام وليس هو آمرا ولا ناهيا وعلى حال يختص بالديانات، مثل أن يراه راكبا أو ماشيا أو جالسا ونحو ذلك.

وأما الخبر الذي يروي عن النبي صلى الله عليه وآله من قول " من رآني فقد رآني، فإن الشيطان لا يتشبه بي " فإنه إن كان المراد به المنام يحمل على التخصيص دون أن يكون في كل حال ويكون المراد به القسم الأول من الثلاثة الأقسام، لان الشيطان لا يتشبه بالنبي صلى الله عليه وآله في شئ من الحق والطاعات، وأما ما روي عنه صلى الله عليه وآله من قوله " من رآني نائما رآني يقظانا " فإنه يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المراد به رؤية المنام، ويكون خاصا كالخبر الأول على القسم الذي قدمناه والثاني أن يكون أراد به رؤية اليقظة دون المنام، ويكون قوله " نائما " حالا للنبي وليست حالا لمن رآه فكأنه قال: من رآني وأنا نائم فكأنما رآني وأنا منتبه. والفائدة في هذا المقال أن يعلمهم بأنه يدرك في الحالتين إدراكا واحدا، فيمنعهم ذلك إذا حضروا عنده وهو نائم

أن يفيضوا فيما لا يحسن أن يذكروه بحضرته وهو منتبه، وقد روي عنه عليه السلام أنه غفا ثم قام يصلي من غير تجديد وضوء، فسئل عن ذلك فقال: إني لست كأحدكم، تنام عيناي ولا ينام قلبي.

وجميع هذه الروايات أخبار آحاد، فإن سلمت فعلى هذا المنهاج، وقد كان شيخي - رحمه الله - يقول: إذا جاز من بشر أن يدعي في اليقظة أنه إله كفرعون ومن جرى مجراه مع قلة حيلة البشر وزوال اللبس في اليقظة، فما المانع من أن يدعي إبليس عند النائم بوسوسة له أنه نبي؟ مع تمكن إبليس مما لا يتمكن منه البشر وكثرة اللبس المعترض في المنام. ومما يوضح لك أن المنامات التي يتخيل للانسان أنه قد رأى فيها رسول الله والأئمة منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل، أنك ترى الشيعي يقول:

رأيت في المنام رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يأمرني بالاقتداء به دون غيره، ويعلمني أنه خليفته من بعده وأن أبا بكر وعمر وعثمان ظالموه وأعداؤه، وينهاني عن موالاتهم ويأمرني بالبراءة منهم، ونحو ذلك مما يختص بمذهب الشيعة، ثم يرى الناصبي يقول: رأيت رسول الله في النوم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، وهو يأمرني بمحبتهم وينهاني عن بغضهم، ويعلمني أنهم أصحابه في الدنيا والآخرة، وأنهم معه في الجنة. ونحو ذلك مما يختص بمذهب الناصبية فنعلم لا محالة أن أحد المنامين حق والآخر باطل، فأولى الأشياء أن يكون الحق منهما ما ثبت الدليل في اليقظة على صحة ما تضمنه، والباطل ما أوضحت الحجة عن فساده وبطلانه. وليس يمكن الشيعي أن يقول للناصبي: إنك كذبت في قولك:

إنك رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله لأنه يقدر أن يقول له مثل هذا بعينه، وقد شاهدنا ناصبيا يتشيع وأخبرنا في حال تشيعه بأنه يرى منامات بالضد مما كان يراه في حال نصبه فبان بذلك أن أحد المنامين باطل، وأنه من نتيجة حديث النفس، أو من وسوسة إبليس ونحو ذلك، وأن المنام الصحيحة هو لطف من الله تعالى بعبده على المعنى المتقدم

وصفه، وقولنا في المنام الصحيح أن الانسان رأى في نومه النبي صلى الله عليه وآله إنما معناه أنه كأن قد رآه، وليس المراد به التحقق في اتصال شعاع بصره بجسد النبي صلى الله عليه وآله، وأي بصر يدرك به في حال نومه؟ وإنما هي معاني تصورت، وفي نفسه تخيل له فيها أمر لطف الله تعالى له به قام مقام العلم، وليس هذا بمناف للخبر الذي روي من قوله " من رآني فقد رآني " لان معناه: فكأنما رآني، وليس يغلط في هذا المكان إلا من ليس له من عقله اعتبار.

قال المازري من العامة، في شرح قول النبي: " الرؤيا من الله والحلم من الشيطان ":

مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات، كما يخلقها في قلب اليقظان، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه النوم واليقظة فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علما على أمور أخر يخلقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها، فإذا خلق في قلب النائم الطيران وليس بطائر فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمرا على خلاف ما هو، فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره، كما يكون خلق الله تعالى الغيم علما على المطر، والجميع خلق الله تعالى، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علما على ما يسر بغير حضرة الشيطان، وخلق ما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان فنسب إلى الشيطان مجازا لحضوره عندها وإن كان لا فعل له حقيقة.

وقال البغوي في شرح السنة: ليس كل ما يراه الانسان صحيحا ويجوز تعبيره بل الصحيح ما كان من الله يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها، وهي على أنواع: قد تكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان، أو يريه ما يحزنه، وله مكائد يحزن بها نبي آدم، كما قال تعالى: " إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا " ومن لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل، فلا يكون له تأويل، وقد يكون من حديث النفس كما يكون في أمر أو حرقة يرى نفسه في ذلك الامر، والعاشق يرى معشوقه ونحوه، وقد يكون من مزاج الطبيعة، كمن غلب عليه الدم يرى الفصد والحجامة والحمرة و الرعاف والرياحين والمزامير والنشاط ونحوه ومن غلب عليه الصفراء يرى النار و

الشمع والسراج والأشياء الصفر والطيران في الهواء ونحوه، ومن غلب عليه السوداء يرى الظلمة والسواد والأشياء السود وصيد الوحش والأحوال والأموات والقبور والمواضع الخربة وكونه في مضيق لا منفذ له أو تحت ثقل ونحوه، ومن غلب عليه البلغم يرى البياض والمياه والانداء والثلج والوحل فلا تأويل لشئ منها.

وقال السيد المرتضى - رحمه الله - في كتاب الغرر والدرر في جواب سائل سأله:

ما القول في المنامات؟ أصحيحة هي أم باطلة؟ ومن فعل من هي؟ وما وجه صحتها في الأكثر؟ وما وجه الانزال عند رؤية المباشرة في المنام؟ وإن كان فيها صحيح وباطل فما السبيل إلى تمييز أحدهما من الآخر؟:

الجواب: اعلم أن النائم غير كامل العقل، لان النوم ضرب من السهو، والسهو ينفي العلوم، ولهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة لنقصان عقله وفقد علومه، وجميع المنامات إنما هي اعتقادات يبتدئها النائم في نفسه، ولا يجوز أن تكون من فعل غيره فيه، لان من عداه من المحدثين، سواء كانوا بشرا أو ملائكة أو جنا، أجسام والجسم لا يقدر أن يفعل في غيره اعتقادا ابتداء بل ولا شيئا من الأجناس على هذا الوجه، وإنما يفعل ذلك في نفسه على سبيل الابتداء. وإنما قلنا: إنه لا يفعل في غير جنس الاعتقادات متولدا، لان الذي يعدي الفعل من محل القدرة إلى غيرها من الأسباب إنما هو الاعتمادات، وليس في جنس الاعتمادات ما يولد الاعتقادات، ولهذا لو اعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل ما تولد فيه شئ من الاعتقادات، وقد بين ذلك وشرح في مواضع كثيرة. والقديم تعالى هو القادر أن يفعل في قلوبنا ابتداء من غير سبب أجناس الاعتقادات، ولا يجوز أن يفعل في قلب النائم اعتقادا، لان أكثر اعتقادات النائم جهل، ويتأول الشئ على خلاف ما هو به، لأنه يعتقد أنه يرى ويمشي وأنه راكب وعلى صفات كثيرة، وكل ذلك على خلاف ما هو به، وهو تعالى لا يفعل الجهل فلم يبق إلا أن الاعتقادات كلها من جهة النائم. وقد ذكر في المقالات أن المعروف بصالح قبة كان يذهب إلى أن ما يراه النائم في منامه على الحقيقة، وهذا جهل منه

يضاهي جهل السوفسطائية، لان النائم يرى أن رأسه مقطوع وأنه قد مات وأنه قد صعد إلى السماء، ونحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كله. وإذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان في السراب أنه ماء، وفي المردي إذا كان في الماء أنه مكسور، وهو على الحقيقة صحيح، لضرب من الشبهة واللبس فألا جاز ذلك في النائم وهو من الكمال أبعد ومن النقص أقرب؟

وينبغي أن يقسم ما يتخيل النائم أنه يراه إلى أقسام ثلاثة: منها ما يكون من غير سبب يقتضيه ولا داع يدعو إليه اعتقادا مبتدأ ومنها ما يكون من وسواس الشيطان يفعل في داخل سمعه كلاما خفيا يتضمن أشياء مخصوصة، فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنه يراه. فقد نجد كثيرا من النيام يسمعون حديث من يتحدث بالقرب منهم فيعتقدون أنهم يرون ذلك الحديث في منامهم. ومنها ما يكون سببه والداعي إليه خاطرا يفعله الله تعالى، أو يأمر بعض الملائكة بفعله، ومعنى هذا الخاطر أن يكون كلاما يفعل في داخل السمع، فيعتقد النائم أيضا أنه ما يتضمن ذلك الكلام. والمنامات الداعية إلى الخير والصلاح في الدين يجب أن تكون إلى هذا الوجه مصروفة، كما أنما يقتضي الشر منها الأولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة. وقد يجوز على هذا في ما يراه النائم في منامه ثم يصح ذلك حتى يراه في يقظته على حد ما يراه في منامه وفي كل منام يصح تأويله، أن يكون سبب صحته أن الله تعالى يفعل كلاما في سمعه لضرب من المصلحة بأن شيئا يكون أو قد كان على بعض الصفات، فيعتقد النائم أن الذي يسمعه هو يراه، فإذا صح تأويله على ما يراه. فما ذكرناه إن لم يكن مما يجوز أن تتفق فيه الصحة اتفاقا فإن في المنامات ما يجوز أن يصح بالاتفاق وما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتفاق فهذا الذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه.

فإن قيل: أليس قد قال أبو علي الجبائي في بعض كلامه في المنامات: إن الطبائع لا يجوز أن تكون مؤثرة فيها، لان الطبائع لا يجوز على المذاهب الصحيحة أن تؤثر في شئ، وأنه غير ممتنع مع ذلك أن يكون بعض المآكل يكثر عندها المنامات بالعادة، كما أن فيها ما يكثر عنده بالعادة تخييل الانسان وهو مستيقظ مالا

أصل له؟ قلنا: قد قال ذلك أبو علي وهو خطأ، لان تأثيرات المآكل بمجرى العادة على المذاهب الصحيحة إذا لم تكن مضافة إلى الطبائع فهو من فعل الله تعالى، فكيف نضيف التخيل الباطل والاعتقاد الفاسد إلى فعل الله تعالى؟ فأما المستيقظ الذي استشهد به فالكلام فيه والكلام في النائم واحد، ولا يجوز أن نضيف التخيل الباطل إلى فعل الله تعالى في نائم ولا يقظان. فأما ما يتخيل من الفاسد وهو غير نائم فلا بد من أن يكون ناقص العقل في الحال وفاقد التمييز بسهو وما يجري مجراه، فيبتدئ اعتقاد الأصل له كما قلناه في النائم.

فإن قيل: فما قولكم في منامات الأنبياء عليهم السلام؟ وما السبب في صحتها حتى عد ما يرونه في المنام مضاهيا لما يسمعونه من الوحي؟

قلنا: الأخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحتها، ولا هي مما توجب العلم، وقد يمكن أن يكون الله تعالى أعلم النبي بوحي يسمعه من الملك على الوجه الموجب للعلم أني سأريك في منامك في وقت كذا ما يجب أن تعمل عليه، فيقطع على صحته من هذا الوجه، لا بمجرد رؤيته له في المنام. وعلى هذا الوجه يحمل منام إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه، ولولا ما أشرنا إليه كيف كان يقطع إبراهيم عليه السلام بأنه متعبد بذبح ولده؟

فإن قيل: فما تأويل ما يروى عنه عليه السلام من قوله " من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي " وقد علمنا أن المحق والمبطل والمؤمن والكافر قد يرون النبي صلى اله عليه في النوم ويخبر كل واحد منهم عنه بضد ما يخبر به الآخر فكيف يكون رائيا له في الحقيقة مع هذا؟

قلنا: هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد، ولا معول على مثل ذلك. على أنه يمكن مع تسليم صحته أن يكون المراد به: من رآني في اليقظة فقد رآني على الحقيقة، لان الشيطان لا يتمثل بي لليقظان. فقد قيل: إن الشيطان ربما تمثلت بصورة البشر. وهذا التشبيه أشبه بظاهر ألفاظ الخبر، لأنه قال من رآني فقد رآني، فأثبت غيره رائيا له ونفسه مرئية، وفي النوم لا رائي له في الحقيقة ولا

مرئي، وإنما ذلك في اليقظة. ولو حملناه على النوم لكان تقدير الكلام: من اعتقد أنه يراني في منامه، وإن كان غير راء له على الحقيقة، فهو في الحكم كأنه قد رآني.

وهذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر وتبديل لصيغته.

وهذا الذي رتبناه في المنامات وقسمناه أسد تحقيقا من كل شئ قيل في أسباب المنامات، وما سطر في ذلك معروف غير محصل ولا محقق. فأما ما يهذي إليه الفلاسفة في هذا الباب فهو مما يضحك الثكلى، لأنهم ينسبون ما صح من المنامات - لما أعيتهم الحيل في ذكر سببه - إلى أن النفس اطلعت إلى عالمها فأشرفت على ما يكون، وهذا الذي يذهبون إليه في حقيقة النفس غير مفهوم ولا مضبوط، فكيف إذا أضيف إليه الاطلاع على عالمها، وما هذا الاطلاع؟ وإلى أي شئ يشيرون بعالم النفس؟ ولم يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطلاع؟ فكل هذا زخرفة ومخرقة، وتهاويل لا يتحصل منها شئ. وقول صالح قبة مع أنه تجاهل محض أقرب إلى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة، لان صالحا ادعى أنه النائم يرى على الحقيقة ما ليس يراه فلم يشر إلى أمر غير معقول ولا مفهوم، بل ادعى ما ليس بصحيح وإن كان مفهوما، وهؤلاء عولوا على ما لا يفهم مع الاجتهاد، ولا يعقل مع قوة التأمل، والفرق بينهما واضح.

فأما سبب الانزال فيجب أن يبنى على شئ يحقق سبب الانزال في اليقظة مع الجماع، ليس هذا مما يهذي به أصحاب الطبائع، لأنا قد بينا في غير موضع أن الطبع لا أصل له وأن الإحالة فيه على سراب لا يتحصل، وإنما سبب الانزال أن الله تعالى أجرى العادة بأن يخرج هذا الماء من الظهر عند اعتقاد أنه يجامع وإن كان هذا الاعتقاد باطلا (انتهى كلامه قدس الله روحه).

ولنكتف بذكر هذه الأقوال ولا نشتغل بنقدها وتفصيلها، ولا بردها وتحصيلها، لان ذلك مما يؤدي إلى التطويل الخارج عن المقصود في الكتاب. ولنذكر ما ظهر لنا في هذا الباب من الاخبار المنتمية إلى الأئمة الأخيار عليهم السلام فهو أن الرؤيا تستند إلى أمور شتى:

فمنها أن للروح في حالة النوم حركة إلى السماء، إما بنفسها بناء على تجسمها كما هو الظاهر من الاخبار، أو بتعلقها بجسد مثالي إن قلنا به في حال الحياة أيضا بأن يكون للروح جسدان أصلي ومثالي يشتد تعلقها في حال اليقظة بهذا الجسد الأصلي، ويضعف تعلقها بالآخر، وينعكس الامر في حال النوم، أو بتوجهها وإقبالها إلى عالم الأرواح بعد ضعف تعلقها بالجسد بنفسها من غير جسد مثالي، وعلى تقدير التجسم أيضا يحتمل ذلك كما يومى ء إليه بعض الأخبار، بأن يكون حركتها كناية عن إعراضها عن هذا الجسد وإقبالها إلى عالم آخر وتوجهها إلى نشأة أخرى، وبعد حركتها بأي معنى كانت ترى أشياء في الملكوت الأعلى، وتطالع بعض الألواح التي أثبتت فيها التقديرات. فإن كان لها صفاء ولعينها ضياء يرى الأشياء كما أثبتت، فلا تحتاج رؤياه إلى تعبير، وإن استدلت على عين قلبه أغطية أرماد التعلقات الجسمانية و الشهوات النفسانية فيرى الأشياء بصور شبيهة لها، كما أن ضعيف البصر ومؤف العين يرى الأشياء على غير ما هي عليه، والعارف بعلته يعرف أن هذه الصورة المشبهة التي اشتبهت عليه صورة لأي شئ. فهذا شأن المعبر العارف بداء كل شخص وعلته ويمكن أيضا أن يظهر الله عليه الأشياء في تلك الحالة بصور يناسبها لمصالح كثيرة، كما أن الانسان قد يرى المال في نوم بصورة حية، وقد يرى الدراهم بصورة عذرة، ليعرف أنهما يضران وهما مستقذران واقعا، فينبغي أن يتحرز عنهما ويجتنبهما. وقد ترى في الهواء أشياء فهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها، ويحتمل أن يكون المراد بما يراه في الهواء ما أنس به من الأمور المألوفة والشهوات والخيالات الباطلة، وقد مضى ما يدل على هذين النوعين في رواية محمد بن القاسم ورواية معاوية بن عمار وغيرهما.

ومنهما ما هو بسبب إفاضة الله تعالى عليه في منامه إما بتوسط الملائكة أو بدونه كما يومئ إليه خبر أبي بصير وسعد بن أبي خلف.

ومنها ما هو بسبب وسواس الشيطان واستيلائه عليه بسبب المعاصي التي عملها في اليقظة أو الطاعات التي تركها فيها أو الكثافات والنجاسات الظاهرية والباطنية التي

لوث نفسه بها، كما مر في رواية هزع ورواية تارك الزكاة وغيرهما، وتدل عليه آية النجوى على بعض الوجوه.

ومنها ما هو سبب ما بقي في ذهنه من الخيالات الواهية والأمور الباطلة و يومئ إليه خبر ابن أبي خلف وغيره.

وأما ما وراء ذلك مما سبق ذكره وإن كان بعضها محتملا ويمكن تطبيق الآيات والاخبار عليه، لكن لم يدل عليه دليل، والتجويز والامكان لا يقومان مقام البرهان مع أنه ليس من الأمور التي يجب تحقيقها والأذهان بكيفيتها.

خاتمة نورد فيها بعض ما ذكره أرباب التعبير والتأويل، وإن لم يكن لأكثرها مأخذ يصلح للتعويل.

قال بعضهم: السحاب حكمة ، فمن ركبه علا في الحكمة، وإن أصاب منها شيئا أصاب حكمة، وإن خالطه ولم يصب شيئا خالط الحكماء. فإن كان في السحاب سواد أو ظلمة أو رياح أو شئ من هيئته العذاب فهو عذاب، وإن كان فيه غيث فهو رحمة.

والسمن والعسل قد يكون مالا في التأويل، وقد يكون علما وحكمة. روي أن رجلا سأل ابن سيرين قال: رأيت كأني ألعق عسلا من جام من جوهر، فقال: اتق الله وعاود القرآن، فقد قرأته ثم نسيته.

والعلو إلى السماء رفعة، قال تعالى: " ورفعناه مكانا عليا " ومن رأى أنه صعد السماء ودخلها نال شرفا وذكرا وشهادة.

والطيران في الهواء: عزم سفر أو نيل شرف. وقال بعضهم: من رأى أنه يطير فإن كان إلى جهة السماء من غير تعريج ناله ضرر، وإن غاب في السماء ولم يرجع مات وإن رجع أفاق من مرضه، وإن كان يطير عرضا سافر ونال رفعة بقدر طيرانه، وإن كان بجناح فهو مال وسلطان يسافر في كنفه، وإن كان بغير جناح دل على التعزير في ما

يدخل فيه: وقالوا: إن الطيران للشرار دليل ردي والحبل: العهد والأمان لقوله تعالى " واعتصموا بحبل الله جميعا ".

واعلم أن التأويل قد يكون بدلالة كتاب أو سنة أو من الأمثال السائرة بين الناس، وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني، وقد يقع على الضد، فالتأويل بدلالة القرآن كالحبل يعبر بالعهد كما مر، والسفينة بالنجاة قال تعالى " فأنجيناه وأصحاب السفينة ". والخشبة بالنفاق لقوله تعالى " كأنهم خشب مسندة " والحجارة بالقسوة لقوله تعالى " أو أشد قسوة " والمرض بالنفاق لقوله " في قلوبهم مرض " والماء بالفتنة في حال، لقوله " لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم " وأكل اللحم الني بالغيبة لقوله " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا " ودخول الملك محلة أو بلدا أو دارا يصغر عن قدره وينكر دخول مثله مثلها يعبر بمصيبة وذل ينال أهله، لقوله " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها " والبيض بالنساء لقوله " كأنهن بيض مكنون " وكذلك اللباس لقوله " هن لباس لكم " واستفتاح الباب بالدعاء لقوله " إن تستفتحوا " أي تدعوا.

والتأويل بدلالة الحديث كالغراب بالرجل الفاسق، لان النبي صلى الله عليه وآله سماه فاسقا. والفارة بالمرأة الفاسقة، لأنه صلى الله عليه وآله سماه فويسقة. والضلع بالمرأة لقوله صلى الله عليه وآله: إنها خلقت من ضلع أعوج. والقوارير بالنساء لقوله صلى الله عليه آله:

رويدك سوقا بالقوارير.

والتأويل بالأمثال كالصائغ بالكذاب، لقولهم: أكذب الناس الصواغون.

وحفر الحفرة بالمكر لقولهم: من حفر حفرة لأخيه وقع فيها، قال تعالى " ولا يحيق

المكر السيئ إلا بأهله " والحاطب بالنمام لقولهم لمن نم ووشي: إنه يحطب عليه، وفسروا قوله " حمالة الحطب " بالنميمة وطول اليد بصنائع المعروف لقولهم فلان أطول يدا من فلان. ويعبر الرمي بالحجارة والسهم بالقذف، لقولهم: رمى فلانا بفاحشة، قال الله تعالى: " والذين يرمون المحصنات " وغسل اليد باليأس عما يؤمل، لقولهم: غسلت يدي عنك. والتأويل بالأسامي كمن رأى من يسمى راشدا يعبر بالرشد وسالما بالسلامة. وروي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع فاتينا برطب ابن طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا والعاقبة في الآخرة وأن ديننا قد طاب وقال ابن سيرين: نوى التمر نية السفر، وقد يعبر السفرجل بالسفر إذا لم يكن في الرؤيا ما يدل على المرض والسوسن بالسوء، لان أوله سوء إذا عدل به مما ينسب إليه في التأويل.

والتأويل بالمعنى كالأترج يعبر بالنفاق لمخالفة باطنه ظاهره، إذا لم يكن في الرؤيا ما يدل على المال. وكالورد والنرجس بقلة البقاء إن عدل به عما نسب إليه لسرعة ذهابه. والآس بالبقاء لأنه يدوم. روي أن امرأة بالأهواز رأت كأن زوجها ناولها نرجسا وناول ضرتها آسا. فقال المعبر: يطلقك ويتمسك بضرتك، أما سمعت قول الشاعر: ليس للنرجس عهد إنما العهد للآس.

وأما التأويل بالضد فكما أن الخوف يعبر بالأمن، لقوله " وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا " والأمن بالخوف والبكاء بالفرح إذا لم يكن معه رنة، والضحك بالحزن إلا أن يكون تبسما، والطاعون بالحرب، والحرب بالطاعون، والعجلة بالندم [والندم بالعجلة]، والعشق بالجنون، والجنون بالعشق، والنكاح بالتجارة، والتجارة بالنكاح، والحجامة بكتبة الصك، والصك بالحجامة، والتحول عن المنزل بالسفر

والسفر بالتحول عن المنزل. ومن هنا أن العطش خير من الري، والفقر من الغنا والمضروب والمجروح والمقذوف أحسن حالا من الفاعل.

وقد يتغير بالزيادة والنقصان، كالبكاء إنه فرح، وإن كان معه صوت ورنة فمصيبة، وفي الضحك إنه حزن، فإن كان تبسما فصالح، وفي الجوز مال مكنون فإن سمعت له قعقعة فهو خصومة، والدهن في الرأس زينة، فإن سال عن الوجه فهو غم والزعفران ثناء حسن، فإن ظهر له لون فهو مرض أو هم، والمريض يخرج من منزله ولا يتكلم فهو موته فإن تكلم برأ، والفأر نساء، فإن اختلفت ألوانها إلى البيض و السود فهي الأيام والليالي، والسمك نساء، فإذا عرف عددها فإن كثر فغنيمة.

وقد يتغير التأويل عن أصله باختلاف حال الرائي كالغل في النوم مكروه، وهو في حق الرجل الصالح قبض اليد عن الشر. وقال ابن سيرين: نقول في الرجل يخطب على المنبر يصيب سلطانا، فإن لم يكن من أهله يصلب، وسأل رجل ابن سيرين عن الأذان فقال: الحج، وسأله آخر فأول بقطع السرقة، وقال رأيت الأول في سيماء حسنة فتأولت " وأذن في الناس بالحج " ولم أرض هيئة الثاني فأولت: فأذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون ".

وقد يرى فيصيبه عين ما رأى حقيقة من ولاية أو حج أو قدوم غائب أو خير أو نكبة وقد رأى النبي صلى الله عليه وآله عام الفتح فكان كذلك، قال تعالى: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا " وروى الزهري عن ابن خزيمة بن ثابت عن عمه: أن خزيمة رأى أنه سجد على جبهة النبي صلى الله عليه وآله فأخبره، فاضطجع له وقال: صدق رؤياك، فسجد على جبهته. وقد يرى في المنام الشئ فيكون لولده أو قريبه أو سميه. فقد أرى النبي صلى الله عليه وآله متابعة أبي جهل معه فكان لابنه عكرمة، فلما أسلم قال صلى الله عليه وآله: هو هذا. ورأي لأسيد بن العاص ولاية مكة فكان لابنه عتاب ولاه النبي صلى الله عليه وآله مكة. وروى البخاري بإسناده عن ابن سيرين عن قيس بن عباد قال: كنت جالسا في مسجد المدينة في ناس فيهم بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فدخل

رجل على وجهه أثر الخشوع، فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوز فيهما ثم خرج، وتبعته فقلت له: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا من أهل الجنة. قال: والله ما ينبغي لاحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك بم ذاك:

رأيت رؤيا على عهد النبي صلى الله عليه وآله فقصصتها عليه: رأيت كأني في روضة، ذكر من سعتها وخضرتها، في وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء وأعلاه عروة فقيل لي: ارقه، قلت: لا أستطيع، فأتاني منصف، فرفع ثيابي من خلفي، فرقيت حتى كنت في أعلاها فأخذت بالعروة، فقيل: استمسك، فاستيقظت وإنها لفي يدي.

فقصصتها على النبي صلى الله عليه وآله فقال: تلك الروضة الاسلام، وذلك العمود عمود الاسلام وتلك العروة العروة الوثقى، فأنت على الاسلام حتى تموت. والرجل عبد الله بن سلام.

قال في النهاية: في الحديث " تجوزوا في الصلاة " أي خففوها وأسرعوا بها وقيل: إنه من الجواز، القطع والسير. وقال: المنصف - بكسر الميم -: الخادم، وقد يفتح.

وقال في شرح السنة: من رأى في النوم أنه قد صعد السماء فدخلها نال شرفا وذكرا ونال الشهادة، فإن رأى نفسه فيها لا يدري متى صعد إليها فهو شرف معجل وشهادة مؤجلة. والشمس ملك عظيم، ومن رأى فيها من تغير أو كسوف فهو حدث بالملك من هم أو مرض أو نحوه. والقمر وزير الملك في التأويل. والزهرة امرأته.

وعطارد كاتبه، والمريخ صاحب حربه، وزحل صاحب عذابه، والمشترى صاحب ماله وسائر النجوم العظام أشراف الناس. وإنما يكون القمر وزيرا ما رؤي في السماء، فإن رآه عنده أو في حجره أو في بيته تزوج زوجا يغلب ضوءه، رجلا كان أو امرأة. وكانت الشمس في تأويل رؤيا يوسف أباه، والقمر أمه أو خالته، والكواكب الأحد عشر إخوته، كما قال تعالى " فرفع أبويه على العرش - الآية - " وكان رؤياه في صباه فظهر تأويلها بعد أربعين سنة. ويقال: بعد ثمانين سنة.

وروي أن ابن سيرين رأى في المنام كأن الجوزاء تقدمت الثريا، فأخذ في

الوصية وقال: يموت الحسن، وأموت بعده وهو أشرف مني. وسأل رجل ابن سيرين فقال: رأيت كأني أطير بين السماء والأرض، فقال: أنت رجل كثير المنى، وقالوا:

من رأى القيامة قد قامت في موضع فإن العدل يبسط في ذلك المكان، فإن كانوا مظلومين نصروا، وإن كانوا ظالمين انتقم منهم، لأنه العدل، ويوم القيامة يوم الفصل والعدل. قال تعالى " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ". ومن رأى دخل الجنة فهو البشرى من الله بالجنة، فإن أكل شيئا من ثمارها أو أصابها فهو خير يناله في دينه ودنياه وعلم ينتفع به، فإن أعطاها غيره ينتفع بعلمه غيره. ودخول جهنم إنذار للعاصي ليتوب، فإن رأى أنه تناول شيئا من طعامها أو شرابها فهو خلاف أعمال البر منه، أو علم يصير عليه وبالا. والغسل والوضوء بالماء البارد توبة، وشفاء من المرض وخروج من الحبس، وقضاء للدين، وأمن من الخوف. غير أن الغسل أقوى من الوضوء قال تعالى لأيوب عليه السلام: " هذا مغتسل بارد وشراب " فلما اغتسل خرج من المكاره.

والغسل والوضوء بالماء المسخن هم أو مرض. والأذان حج لقوله تعال " وأذن في الناس بالحج " وربما كان سلطانا في الدين وقوة. والصلاة في النوم استقامة الرأي في الدين والسنة إذا كانت إلى الكعبة. والإمامة رئاسة وولاية إن استقامت قبلته وتمت صلاته. والركوع توبة لقوله تعالى " خر راكعا وأناب " والسجود قربة لقوله تعالى " واسجد واقترب ". وإن صلى منحرفا عن سمت القبلة شرقا أو غربا فانحراف عن السنة، فإن جعلها وراء ظهره فهو نبذه الاسلام لقوله تعالى " فنبذوه وراء ظهورهم " فإن رأى أنه لا يعرف القبلة فهو حيرة منه في الدين. ومن رأى نفسه فوق الكعبة فلا دين له، والكعبة الإمام العادل، فمن أم الكعبة فقد أم الامام .

والمسجد الجامع هو السلطان. ومن رأى نفسه يطوف بالكعبة أو يأتي بشئ من المناسك فهو صلاح في دينه بقدر عمله. ودخول الحرم أمن لقوله " ومن دخله كان آمنا "

والأضحية فك الرقبة، فمن ضحى وكان عبدا أعتق، وإن كان أسيرا نجا، أو خائفا أمن، أو مديونا قضى دينه، أو مريضا شفاه الله أو صرورة حج.

وقال: من رأى في المنام أنه تزوج امرأة عاينها أو عرفها أو نسبت إليه أصاب سلطانا، وإن تزوج امرأة لم يعاينها ولم يعرفها ولم تنسب إليه إلا أنه يسمى عروسا فهو موته أو يقتل إنسانا. ومن طلق امرأة عزل عن سلطنته، ومن تزوج امرأة ميتة ظفر بأمر ميت. ومن رأى أنه نكح امرأة من محارمها يصل رحمها. ومن أصاب زانية أصاب دنيا حراما. فإن رآه رجل من الصالحين أصاب علما. فإن رأت امرأة أنها تزوجت أصابت خيرا، فإن رأت أن زانيا نكحها فهو نقصان مالها وتشتت أمرها.

وروى البخاري عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة وهي الجحفة.

وقال أصحاب التعبير: الرجل المعروف في النوم هو ذلك الرجل أو سميه أو نظيره، والمجهول إن كان شابا فهو عدو، وإن كان شيخا فهو جدة. والمرأة العجوزة المجهولة هي الدنيا، فإن كانت ذات هيئة وسمت حسن كانت حلالا، وإن كانت على غير سمت الاسلام كانت دنيا حراما، وإن كانت شعثة قبيحة فلا دين ولا دينا، والمرأة سنة، والجارية خير، والصبي هم. والمرأة الزانية هي الدنيا لطالب الدنيا، وعلم لأهل الصلاح والعلم. والخصيان هم الملائكة إذا رآهم في سمت حسن. وسأل رجل ابن سيرين فقال: رأيت في النوم صبيا في حجري يصيح، فقال: اتق الله ولا تضرب بالعود.

فأما الأعضاء: فرأس الرجل رئيسه، والوجه جاهه، والشيب وقاره وطول الشعر هم، إلا أن يكون ممن يلبس السلاح، فهو له زينة، وحلق الرأس كفارة الذنوب إن كان في حرم أو أيام موسم، وإن كان مديونا أو في كرب ففرج، وإن لم يكن

شيئا منها فهو هتك أو عزل رئيسه، وطول اللحية فوق القدر دين أو هم، وخضاب الرأس واللحية تغطية أمر، وشعر الشارب والإبط زيادة مكروهه، ونقصانه محمود.

والاذن امرأة الرجل وابنته، والسمع والبصر دينه، والصوت صيته في الناس، وما حدث عن شئ منه كان ذلك فيما ينسب إليه. والعين دين فإن رأى أنه أعمى ضل عن الاسلام، وإن رأى أنه أعور ذهب نصف دينه، أو أصاب إثما عظيما، والرمد حدث في الدين، وأشفار العين وقاية الدين، وكذا الاكتحال. والجبهة والأنف من الجاه والفم مفتاح أمره وخاتمته، والقلب القائم بأمره ومدبره، واللسان ترجمانه والمبلغ عنه وقد يكون حجته، وقطعه انقطاع حجته في المنازعة، وقد يكون اللسان ذكره، قال تعالى: " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " وقطع اللسان للنساء محمود يدل على الستر والحياء، والأسنان أهل البيت والقرابات، لتقاربها وتلاصقها، والثنايا أقربهم، والأبعد منها أبعدهم، والعليا رجال القرابة، والسفلى نساؤها وما حدث فيها من حسن أو فساد أو كلال ففي القرابة، فإن رأى أن أسنانه سقطت فصارت في يده تكثر نساء أهله، فإن سقطت وذهبت فهو موتهم قبله، والعنق موضع الأمانة والدين، وضعفه عجز عن احتمال الأمانة والدين. والعضد أخ أو ولد قد أدرك، واليد أخ، وقطعها موته، وقد يؤول طول اليد بصنائع المعروف، وإذا نسبت اليد إلى الأخ كانت الأصابع أولادا لأخ وإذا انفردت الأصابع عن ذكر اليد فهي الصلوات الخمس، ونقصانها حدث في الصلاة فالابهام الصبح، والسبابة الظهر، والوسطى العصر، والبنصر المغرب، والخنصر العشاء والصدر حلم الرجل [واحتماله]. والثدي البنت، والبطن والأمعاء مال وولد، فإن رأى ظهور شئ من أمعائه من جوفه فهو ظهور ماله. والكبد كنز، وفي الحديث:

يخرج الأرض أفلاذ كبدها، أي كنوزها، وكذلك الدماغ والمخ. والأضلاع النساء لأن المرأة خلقت من ضلع. والظهر سند الرجل وقوته، ومن المملوك سيده. و

الصلب القوة، وقد يكون الولد، لان الولد يخرج منه. والذكر ذكره، وقد يكون ولده. والخصيتان الأعداء ، فإن رأى قطعهما ظفر به أعداؤه، فإن عظمتا كان منيعا، وقد يكون انقطاع الخصيتين انقطاع إناث الولد. والفخذ عشيرة الرجل وقومه والركبة موضع كده ونصبه في المعيشة. والقروح، والبثر، والجراح، والورم في البدن، والجنون، والجذام كلها مال. والبرص مال وكسوة، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله سأل عن ورقة، فقالت خديجة: إنه قد صدقك ولكن مات قبل أن تظهر. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيته في المنام وعليه ثياب بيض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك.

قال المعبرون: القميص على الرجل دينه على لسان صاحب الشرع، وقد يعبر القميص بشأنه في مكسبه ومعيشته، وما رأى في قميصه صفاقة أو خرق أو وسخ فهو صلاح معيشته أو فساده. والسراويل جارية أعجمية. والإزار امرأة. وأفضل الثياب ما كان جديدا صفيقا واسعا. والبياض في الثياب جمال في الدين والدنيا. والحمرة في الثياب صالحة للنساء، وتكره للرجال إلا أن تكون في ملحفة أو إزار أو فراش، فهو حينئذ سرور وفرح. والصفرة في الثياب مرض. والخضرة حياة في الدين، لأنها لباس أهل الجنة. والسواد سود وسلطان لمن يلبس السواد في اليقظة، ولمن لا يلبسها مكروه.

والصوف مال كثير، والبرد من القطن يجمع خير الدين والدنيا، وأجود البرود الحبرة. فإن كان البرد من أبريشم فهو مال حرام وفساد من الدين. والقطن و الكتان والشعر والوبر كلها مال والعمامة ولاية، والفراش امرأة حرة أو أمة، والوسائد والمرافق والمقادم والمناديل خدم، والسرير سلطان إذا كان ممن يصلح لذلك وإلا فهو شهرة.

ويقال: المرأة فضيحة. والستور على الأبواب هم وحزن، والنعل امرأة، وخمار

المرأة زوجها، فإن لم يكن لها زوج فوليها.

وروي عن أم العلا الأنصارية قالت: رأيت في النوم لعثمان بن مظعون - رضي الله عنه - بعد موته عينا تجري، فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ذاك علمه.

وقال أصحاب التعبير: الساقية التي لا يغرق في مثلها حياة طيبة، والبحر الملك الأعظم، فإن استقى منه ماء أصاب من الملك مالا، والنهر رجل يقدر عظمته، والماء الصافي إذا شرب خير وحياة طيبة، وإن كان كدرا أصابه مرض، وشرب الماء المسخن ودخول الحمام هم ومرض، والماء الراكد أضعف في التأويل من الجاري.

والمطر غياث ورحمة إن كان عاما، وإن كان خاصا في موضع فهو أوجاع يكون في ذلك الموضع. والطين والوحل والماء الكدر هم وحزن، والسيل عود يتسلط، والثلج والبرد والجليد هم وعذاب إلا أن يكون الثلج قليلا في موضعه وحينه، فيكون خصبا لأهل ذلك الموضع. والسباحة احتباس أمر، والمشي على الماء قوة نفس، ومن غمره الماء أصابه هم غالب، والغرق فيه إذا لم يمت غرق في أمر الدنيا. وانفجار العيون من الدار والحائط وحيث ينكر انفجارها هم وحزن ومصيبة بقدر قوة العين. والخمر مال حرام، فإن سكر منها أصاب معه سلطانا. والسكر من غير الشراب خوف. ومن اعتصر خمرا خدم السلطان وأخصب وجرت على يده أمور عظام، قال تعالى " إني أراني أعصر خمرا " فأوله يوسف بأنه يسقي ربه خمرا. وشرب اللبن فطرة، وهو يكون مالا حلالا. وقد ورد في الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله أول اللبن بالعلم. وروي أن امرأة رأت في المنام أنها كانت تحلب حية، فسألت ابن سيرين فقال: هذه يدخل عليها أهل الأهواء.

اللبن فطرة، والحية عدو وليست من الفطرة في شئ والأشجار. رجال أحوالهم

كأحوال الشجر في الطبع والنفع وطيب الريح، فمن رأى شجرا أو أصاب شيئا من ثمره أصاب من رجل في مثل حال ذلك الشجر. والنخل رجل شريف. والتمر مال.

وشجر الجوز رجل أعجمي شحيح، والجوز نفسه مال مكنون. وشجرة السدر رجل شريف، وشجرة الزيتون رجل مبارك نفاع، وثمر الزيتون هم وحزن. والكرم والبستان امرأة. والعنب الأبيض في وقته غضارة الدنيا وخيرها، وفي غير وقته مال يناله قبل وقته الذي يرجوه. والأشجار العظام التي لا ثمر لها كالدلب والصنوبر إن رأى فهو رجل ضخم بعيد الصوت قليل الخير والمال. والشجرة ذات الشوك رجل صعب المرام. والصفر من الثمار مثل المشمش والكمثرى والزعرور الأصفر ونحوها أمراض والحامض منها هم وحزن. والحبوب كلها مال. والحشيش مال. والزرع عمله في دينه أو دنياه. والثوم والبصل والجزر والشلجم هم وحزن، والرياحين كلها بكاء وحزن إلا ما يرى منها ثابتا في موضعه من غير أن يمسه وهو يجد ريحه.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.