پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

44 باب حقيقة الرؤيا وتعبيرها وفضل الرؤيا الصادقة وعلتها وعلة الكاذبة

ج ۵۸، ص ۱۷۷–۲۰۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۸

جزء من النبوة. وقد روت العامة بأسانيد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة. قال البغوي في شرح السنة: أراد تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وإنما كانت جزء من النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم. قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي وقرأ: " إني أري في المنام - الآية - " وقيل: إنها جزء من أجزاء علم النبوة، وعلم النبوة باق، والنبوة غير باقية، أو أراد به أنها كالنبوة في الحكم بالصحة، كما قال صلى الله عليه وآله: الهدى الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزء من النبوة. أي هذه الخصال في الحسن والاستحباب كجزء من أجزاء النبوة، وهذه الخلال جزء من شمائل الأنبياء وجزء من أجزاء فضائلهم فاقتدوا فيها بهم، لا أنها حقيقة نبوة، لان النبوة لا تتجزى ولا نبوة بعد محمد صلى الله عليه وآله وهو معنى قوله عليه السلام: ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو يرى له. وقيل: معنى قوله " جزء من ستة وأربعين " أن مدة الوحي على رسول الله من حين بدأ إلى أن فارق الدنيا كان ثلاثا وعشرين سنة، وكان ستة أشهر منها في أول الأمر يوحى إليه في النوم - وهو نصف سنة - فكانت مدة وحيه في النوم جزء من ستة و أربعين جزء من أيام الوحي (انتهى).

وقال الجزري في النهاية: الجزء القطعة والنصيب من الشئ، ومنه الحديث " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة " وإنما خص هذا العدد لان عمر النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر الروايات الصحيحة كان ثلاثا وستين سنة، وكانت مدة نبوته منها ثلاثا وعشرين سنة، لأنه بعث عند استيفاء الأربعين وكان في أول العمر يرى الوحي في المنام ودام كذلك نصف سنة، ثم رأى الملك في اليقظة، فإذا نسب مدة الوحي في النوم وهي نصف سنة - إلى مدة نبوته - وهي ثلاث وعشرون سنة - كانت نصف جزء من ثلاثة وعشرين جزء، وذلك جزء واحد من ستة وأربعين جزء، وقد تعاضدت الروايات في أحاديث الرؤيا بهذا العدد، وجاء في بعضها " من خمسة وأربعين جزء " ووجه ذلك أن عمره لم يكن قد استكمل ثلاثا وستين، ومات في أثناء السنة الثالثة والستين، ونسبة نصف السنة إلى اثنتين وعشرين سنة وبعض الأخرى نسبة جزء من خمسة وأربعين. وفي

بعض الروايات: " جزء من أربعين " ويكون محمولا على من روى أن عمره كان ستين سنة، فيكون نسبة نصف إلى عشرين سنة كنسبة جزء إلى أربعين (انتهى).

وقال الخطابي في أعلام الحديث: هذا وإن كان وجها قد يحتمله الحساب والعدد فإن أول ما يجب من الشرط فيه أن يثبت ما قاله من ذلك بخبر أو رواية، ولم نسمع فيه خبرا ولا ذكر قائل هذه المقالة فيما بلغني عنه في ذلك أثرا، فهو كأنه ظن وحسبان والظن لا يغني من الحق شيئا، ولئن كانت هذه المدة محسوبة من أجزاء النبوة على ما ذهب إليه من هذه القسمة، لقد كان يجب أن يلحق بها سائر الأوقات التي كان يوحى إليه في منامه في تضاعيف أيام حياته، وأن تلتقط وتلفق وتزداد في أصل الحساب، وإذا صرنا إلى أصل هذه القضية بطلت هذه القسمة وسقط هذا الحساب من أصله، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث من روايات كثيرة أنه كان يرى الرؤيا المختلفة في أمور الشريعة ومهمات أسباب الدين فيقصها على أصحابه، فكان يقول لهم إذا أصبح:

من رأى منكم رؤيا؟ فيقصونها عليه، وقال لهم يوم أحد: رأيت في سيفي ثلمة ورأيت كأني مردف كبشا، فتأولت ثلمة السيف أنه يصاب في أصحابه، وأنه يقتل كبش القوم.

- ثم ذكر رؤيا كثيرة فقال: وهذه كلها بعد الهجرة، وأعلى هذه كلها ما نطق به الكتاب من رؤيا الفتح في قوله عز وجل: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق - الآية - " وقوله " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس - الآية - " فدل ما ذكرناه من هذا وما تركناه من هذا الباب على ضعف هذا التأويل. ونقول: إن هذا الحديث صحيح وجملة ما فيه حق، وليس كل ما يخفى علينا علته لا تلزمنا حجته، وقد نرى أعداد ركعات الصلوات وأيام الصيام ورمي الجمار محصورة في حساب معلوم، وليس يمكننا أن نصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت هذه الاعداد دون ما هو أكثر منها أو أقل فلم يكن ذهابنا عن معرفة ذلك قادحا في موجب الاعتقاد منا في اللازم من أمرها، ومعنى الحديث تحقيق أمر الرؤيا وأنها مما كان الأنبياء يثبتونه ويحققونه، وأنها كانت جزء

من أجزاء الذي كان يأتيهم والانباء التي كان ينزل بها الوحي عليهم (انتهى).

وقال بعض شراح البخاري " الرؤيا جزء من النبوة " أي في حق الأنبياء فإنهم يوحى إليهم في المنام، وقيل: الرؤيا تأتي على وفق النبوة، لا أنها جزء باق منها، وقيل: هي من الانباء، أي إنباء صدق من الله لا كذب فيه، ولا حرج في الاخذ بظاهره، فإن أجزاء النبوة لا تكون نبوة، فلا ينافي حينئذ " ذهبت النبوة " ثم رؤيا الكافر قد يصدق لكن لا يكون جزء منها، إذ المراد الرؤيا الصالحة من المؤمن الصالح جزء منها.

وقال النووي في شرح صحيح المسلم: وجه الطبري اختلاف الراويات في عدد ما هو جزء منه باختلاف حال الرائي بالصلاح والفسق، وقيل: باعتبار الخفي والجلي من الرؤيا، وقيل: إن للمنامات شبها بما حصل له وميز به من النبوة بجزء من ستة وأربعين.

41 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن أبي جميلة عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله في قول الله عز وجل " لهم البشرى في الحياة الدنيا " قال: هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بها في دنياه.

بيان: روى في شرح السنة بإسناده عن عبادة بن الصامت قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن قوله تعالى " لهم البشرى في الحياة الدنيا " قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو يرى له. ولا تنافي بينه وبين ما ورد في بعض الأخبار أنها هي البشارة عند الموت، لاحتمال شمولها لهما.

42 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سعد بن أبي خلف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الرؤيا على ثلاثة وجوه: بشارة من الله للمؤمن وتحذير من الشيطان، وأضغاث أحلام.

بيان: لعل المراد بتحذير الشيطان أنه يحذر ويخوف عن ارتكاب الأعمال الصالحة ، أو المراد به الأحلام الهائلة المخوفة. والظاهر أنه تصحيف " تحزين " لآية النجوى وقوله " ليحزن الذين آمنوا " ولرواية محمد بن الأشعث الآتية، ولما رواه في شرح السنة بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان آخر الزمان لم يكد رؤيا المؤمن يكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا، والرؤيا ثلاثة:

رؤيا بشرى من الله، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه، ورؤيا من تحزين الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث به وليقم وليصل، والقيد في المنام ثبات في الدين: والغل أكرهه.

ثم قال: قوله " والقيد ثبات في الدين " لان القيد يمنع عن النهوض والتقلب [و] كذلك الورع يمنعه مما لا يوافق الدين، وهذا إذا كان مقيدا في مسجد أو سبيل الخير، وإن رآه مسافر فهو إقامة عن السفر، وكذلك إذا رأي دابته مقيدة. وإن رآه مريض أو محبوس طال مرضه وحبسه، أو مكروب طال كربه والغل كفر لقوله تعالى " غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا. إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا " وقد يكون بخلا قال تعالى " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك " وقد يكون كفا عن المعاصي إذا كان في الرؤيا ما يدل على الصلاح بأن يرى ذلك لرجل صالح.

43 - مجالس أبن الشيخ: عن والده، عن أحمد بن محمد بن الصلت، عن ابن عقدة، عن علي بن محمد الحسنى، عن جعفر بن محمد بن عيسى، عن عبيد الله بن علي، عن الرضا عن علي عليهم السلام قال: رؤيا الأنبياء وحي.

44 - ومنه: عن والده، عن أبي القاسم بن شبل، عن ظفر بن حمدون، عن

إبراهيم بن إسحاق، عن أحمد بن محمد بن عيسى ومحمد بن خالد، عن علي بن النعمان عن يزيد بن إسحاق شعر، عن هارون بن حمزة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:

إن منا لمن ينكت في قلبه، وإن منا لمن يؤتى في منامه، وإن منا لمن يسمع الصوت مثل صوت السلسلة في الطشت، وإن منا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرئيل وميكائيل عليهما السلام.

45 - المكارم: قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله كثير الرؤيا، ولا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

46 - مجالس الصدوق: عن محمد بن عمر البغدادي، عن الحسن بن عثمان، عن إبراهيم بن عبيد الله بن موسى، عن مريسة بنت موسى بن يونس، عن صفية بنت يونس، عن بهجة بنت الحارث، عن خالها عبد الله ابن منصور قال: سألت جعفر بن محمد عليهما السلام عن مقتل الحسين بن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: حدثني أبي، عن أبيه، وساق الحديث الطويل في قصة كربلا وسفره [صلوات الله عليه] إلى العراق إلى أن قال: فهم بالخروج من أرض الحجاز إلى أرض العراق فلما أقبل الليل راح إلى مسجد النبي صلى الله عليه وآله ليودع القبر، فقام يصلي فأطال، فنعس وهو ساجد، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وهو في منامه، فأخذ الحسين عليه السلام وضمه إلى صدره وجعل يقبل عينيه ويقول: بأبي أنت، كأني أراك مرملا بدمك بين عصابة من هذه الأمة يرجون شفاعتي! مالهم عند الله من خلاق. يا بني إنك قادم على أبيك وأمك وأخيك وهم مشتاقون إليك، وإن لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة. فانتبه الحسين عليه السلام من نومه باكيا، فأتى أهل بيته فأخبر هم بالرؤيا وودعهم - وساق إلى أن قال -: ثم سار حتى نزل العذيب، فقال فيها قائلة الظهيرة، ثم انتبه من نومه باكيا فقال له ابنه: ما يبكيك يا أبه؟ فقال: يا بني إنها ساعة لا تكذب الرؤيا فيها، وإنه عرض لي في منامي عارض فقال: تسرعون السير والمنايا تسير بكم إلى الجنة (الحديث).

47 - ثواب الأعمال: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن

يعقوب بن يزيد، عن محمد بن الحسن المثنى، عن هشام بن أحمد وعبد الله بن مسكان ومحمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة يعذبون يوم القيامة: من صور صورة من الحيوان حتى ينفخ فيها وليس بنافخ فيها، والذي يكذب في منامه يعذب حتى يعقد بين شعيرتين وليس بعاقدهما، والمستمع من قوم وهم له كارهون يصب في أذنيه الآنك وهو الا سرب.

48 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رجلا كان على أميال من المدينة، فرأى في منامه، فقيل له: انطلق فصل على أبي جعفر، فإن الملائكة تغسله في البقيع. فجاء الرجل فوجد أبا جعفر عليه السلام قد توفي 49 - توحيد المفضل: فكر يا مفضل في الأحلام كيف دبر الامر فيها، فمزج صادقها بكاذبها، فإنها لو كانت كلها تصدق لكان الناس كلهم أنبياء، ولو كانت كلها تكذب لم يكن فيها منفعة، بل كانت فضلا لا معنى له، فصارت تصدق أحيانا فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدى لها، أو مضرة يتحذر منها، وتكذب كثيرا لئلا يعتمد عليها كل الاعتماد.

50 - مناقب الخوارزمي: قال: لما كان وقت السحر في الليلة التي حوصر فيها الحسين عليه السلام خفق برأسه خفقة ثم استيقظ فقال: رأيت في منامي الساعة كأن كلابا قد شدت علي لتنهشني، وفيها كلب أبقع رأيته أشدها علي، وأظن أن الذي يتولى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء القوم (الخبر).

51 - دعوات الراوندي: حدث أبو عمر القاضي أن أبا يوسف اعتل فقال ليلة:

رأيت قائلا يقول: كل لا واشرب لا، فإنك تبرأ. فأرسلنا إلى أبي علي الخياط فقال:

ما سمعت بأعجب من هذا، والمنامات تعبر من القرآن والحديث، فانظروني حتى

أفكر. فلما كان من الغد جاءنا فقال: مررت البارحة على هذه الآية " شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية " فنظرت إلى " لا " يتردد فيها وهي شجرة الزيتون، اسقوه زيتا وأطعموه زيتا. قال: ففعلنا هذا فكان سبب عافيته.

52 - وعن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى منكم أحد رؤيا؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان، فقالا لي: انطلق، فانطلقت معهم، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فأتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، فإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر ههنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى. قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟! قالا لي: انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل في الجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى. قلت: سبحان الله.

ما هذان؟! قالا لي: انطلق، فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، فإذا فيه لغط وأصوات فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا. قلت لهما: ما هؤلاء؟ قالا لي: انطلق، فانطلقنا فأتينا على

نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شاطئ النهر رجل عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجرا، فينطلق فيسبح ثم يرجع إليه ، وكلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرا. قلت لهما: ما هذان؟ قالا لي: انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء، وإذا هو عنده نار له يحشها ويسعى حولها، قلت لهما:

ما هذا؟ فقالا لي: انطلق، فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء وإذا حول الرجل من أكثر ولدان [ما] رأيتهم قط، قلت لهما: ما هؤلاء؟ قالا لي: انطلق، فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قالا لي: ارق فيها فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا، ففتح لنا فدخلناها فتلقانا فيها رجال، شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فإذا نهر معترض يجري كان ماؤه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا، فذهب السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة. قالا لي: هذه جنة عدن وهناك منزلك، فسما بصري صعدا، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قالا لي: هذا منزلك، قلت لهما: بارك الله فيكما، ذراني أدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله، قلت لهما: فإني رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟! قالا لي: أما إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت [عليه] فيثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، يفعل به إلى يوم القيامة. وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة. وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل التنور فإنهم الزناة والزواني. وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا. وأما الرجل الكريه المرآة الذي عنده النار يحشها

فإنه مالك، خازن النار. وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام وأما الوالدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة. وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم، وأنا جبرئيل وهذا ميكائيل.

تبيين: أقول: هذه الرواية رواها الخطابي في كتاب أعلام الدين وزاد بعد قوله " مات على الفطرة " قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأولاد المشركين. وقال الجزري في النهاية: الثلغ: الشدخ، وهو ضربك الشئ الرطب بالشئ اليابس حتى يتشدخ، ومنه حديث الرؤيا " وإذا هو يهوي بالصخرة فيثلغ بها رأسه " وقال في حديث الرؤيا " فيتدهدى الحجر " فيتبعه فيأخذه أي يتدحرج، يقال: دهديت الحجر ودهدهته. وقال " الكلوب " بالتشديد حديدة معوجة الرأس. وقال " فيشرشر شدقه " أي يشقه ويقطعه، والشدق طرف الفم. وقال " اللغط " صوت وضجة لا يفهم معناه. وقال " ضوضوا " أي ضجوا واستغاثوا، والضوضاة أصوات الناس وغلبتهم، وهي مصدر. وقال " فيفغر فاه " أي يفتحه. وقال " كريه المرآة " أي قبيح المنظر يقال: رجل حسن المنظر والمرآة، وحسن في مرآة العين وهي مفعلة من الرؤية. وقال " يحشها " أي يوقدها، يقال: حششت النار أحشها إذا ألهبتها وأضرمتها. وقال " على روضة معتمة " أي وافية النبات طويلة (انتهى).

وقال الخطابي: يعني كافية النبات، والعميم الطويل من النبات كقول الأعشى " مؤزر بعميم النبت مكتهل " ويقال: جارية عميمة أي طويلة القد. وفي النهاية:

المحض في اللغة اللبن الخالص غير مشوب بشئ. وقال: الربابة - بالفتح -: السحابة التي ركب بعضها بعضا. وقال الخطابي: وأما قوله صلى الله عليه وآله " وأولاد المشركين " فظاهره أنه ألحقهم بأولاد المسلمين في حكم الآخرة، وإن كان قد حكم بحكم آبائهم في الدنيا وذلك أنه سئل عن ذراري المشركين فقال: هم من آبائهم. وللناس فيهم اختلاف

وعامة أهل السنة على أن حكمهم حكم آبائهم في الكفر، وقد ذهبت طائفة منهم إلى أنهم في الآخرة من أهل الجنة. وقد رويت آثار عن نفر من الصحابة، واحتجوا لهذه المقالة بحديث النبي صلى الله عليه وآله " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " واحتجوا بقول الله عز وجل " وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت " واحتجوا بقول الله عز وجل " يطوف عليهم ولدان مخلدون " قال بعض أهل التفسير: إنهم أطفال الكفار، واحتجوا لذلك بأن اسم الولدان يشتق من الولادة ولا ولادة في الجنة، فكانوا هم الذين نالتهم الولادة في الدنيا، وروي عن بعضهم أنهم إن كانوا سبيا وخدما للمسلمين في الدنيا فهم كذلك خدم لهم في الجنة.

53 - تفسير علي بن إبراهيم: في قوله تعالى " إنما النجوى من الشيطان " حدثني أبي، عن محمد بن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان سبب نزول هذه الآية أن فاطمة عليه السلام رأت في منامها أن رسول الله صلى الله عليه وآله هم أن يخرج هو وفاطمة وعلي والحسن والحسين عليهم السلام من المدينة، فخرجوا حتى جاوزوا من حيطان المدينة فتعرض لهم طريقان، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله ذات اليمين حتى انتهى بهم إلى موضع فيه نخل وماء، فاشترى رسول الله صلى الله عليه وآله شاة كبراء وهي التي في إحدى أذنيها نقط بيض، فأمر بذبحها فلما أكلوا ما توا في مكانهم، فانتبهت فاطمة باكية ذعرة فلم تخبر رسول الله بذلك. فلما أصبحت جاء رسول الله صلى الله عليه وآله بحمار فأركب عليه فاطمة عليها السلام وأمر أن يخرج أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام من المدينة كما رأت فاطمة عليها السلام في نومها. فلما خرجوا من حيطان المدينة عرض له طريقان، فأخذ رسول الله ذات اليمين كما رأت فاطمة عليها السلام حتى انتهوا إلى موضع فيه نخل وماء فاشترى رسول الله صلى الله عليه وآله شاة كبراء كما رأت فاطمة، فأمر بذبحها فذبحت وشويت فلما أرادوا أكلها قامت فاطمة وتنحت ناحية منهم تبكي مخافة أن يموتوا، فطلبها

رسول الله صلى الله عليه وآله حتى وقع عليها وهي تبكي، فقال: ما شأنك يا بنية؟ قالت يا رسول الله [إني] رأيت كذا وكذا في نومي وقد فعلت أنت كما رأيته فتحنيت عنكم فلا أراكم تموتون. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى ركعتين ثم ناجى ربه، فنزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد هذا شيطان يقول له الدهار، وهو الذي أرى فاطمة هذه الرؤيا ويؤذي المؤمنين في نومهم ما يغتمون به، فأمر جبرئيل فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: أنت أريت فاطمة هذه الرؤيا؟ فقال: نعم يا محمد، فبزق عليه ثلاث بزقات، فشجه في ثلاث مواضع. ثم قال جبرئيل لمحمد: قل يا محمد إذا رأيت في منامك شيئا تكرهه، أو رأى أحد من المؤمنين، فليقل: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياؤه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت ومن رؤياي وتقرأ الحمد والمعوذتين وقل هو الله أحد وتتفل عن يسارك ثلاث تفلات، فإنه لا يضره ما رأى، وأنزل الله على رسوله: " إنما النجوى من الشيطان - الآية - " بيان: ما رأيت الكبراء بهذا المعنى فيما عندنا من كتب اللغة. وتعرض الشيطان لفاطمة عليها السلام وكون منامها المضاهي للوحي شيطانيا وإن كان بعيدا، لكن باعتبار عدم بقاء الشبهة وزوالها سريعا وترتب المعجز من الرسول صلى الله عليه وآله في ذلك، والمنفعة المستمرة للأمة ببركتها يقل الاستبعاد. والحديث مشهور ومتكرر في الأصول، والله يعلم.

54 - البصائر: عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمد بن فلان الواقفي، قال:

كان لي ابن عم يقال له الحسن ابن عبد الله، وكان زاهدا، وكان من أعبد أهل زمانه وكان يلقاه السلطان، وربما استقبل السلطان بالكلام الصعب يعظه ويأمر بالمعروف

وكان السلطان يحتمل له ذلك لصلاحه، فلم يزل هذه حاله حتى كان يوما دخل أبو الحسن موسى عليه السلام المسجد فرآه فدنا إليه ثم قال له: يا با علي، ما أحب إلي ما أنت فيه وأسرني بك! إلا أنه ليست بك معرفة، فاذهب فاطلب المعرفة. قال: جعلت فداك وما المعرفة؟ قال له: اذهب وتفقه واطلب الحديث، قال: عمن؟ قال: عن مالك بن أنس وعن فقهاء أهل المدينة، ثم أعرض الحديث علي. قال: فذهب فتكلم معهم ثم جاءه فقرأه عليه، فأسقطه كله، ثم قال له: اذهب واطلب المعرفة، وكان الرجل معنيا بدينه، فلم يزل يترصد أبا الحسن عليه السلام حتى خرج إلى ضيعة له فتبعه ولحقه في الطريق، فقال له: جعلت فداك، إني أحتج عليك بين يدي الله، فدلني على المعرفة. قال فأخبره بأمير المؤمنين وقال له: كان أمير المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره بأمر أبي بكر وعمر فقبل منه، ثم قال: فمن كان بعد أمير المؤمنين؟ قال:

الحسن، ثم الحسين، حتى انتهى إلى نفسه عليه السلام ثم سكت. قال: جعلت فداك، فمن هو اليوم؟ قال: إن أخبرتك تقبل؟ قال: بلى جعلت فداك، فقال. أنا هو. قال:

جعلت فداك، فشئ أستدل به. قال: اذهب إلى تلك الشجرة - وأشار إلى أم غيلان - فقل لها: يقول لك موسى بن جعفر أقبلي. قال فأتيتها، قال: فرأيتها والله تجب الأرض جبوبا حتى وقفت بين يديه، ثم أشار إليها فرجعت. قال: فأقر به ثم لزم السكوت، فكان لا يراه أحد يتكلم بعد ذلك. وكان من قبل ذلك يرى الرؤيا الحسنة وترى له، ثم انقطعت عنه الرؤيا، فرأى ليلة أبا عبد الله عليه السلام فيما يرى النائم فشكى إليه انقطاع الرؤيا، فقال: لا تغتم فإن المؤمن إذا رسخ في الايمان رفع عنه الرؤيا.

بيان: الجب القطع.

55 - الكافي: عن بعض أصحابه، عن علي بن العباس، عن الحسن بن عبد الرحمان، عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال: إن الا حلام لم تكن في ما مضى في أول الخلق، وإنما حدثت. فقلت: وما العلة في ذلك؟ فقال: إن الله عز ذكره - بعث رسولا إلى أهل زمانه فدعا هم إلى عبادة الله وطاعته، فقالوا: إن فعلنا ذلك فما لنا؟

فوالله ما أنت بأكثرنا مالا ولا بأعزنا عشيرة. فقال: إن أطعتموني أدخلكم الله الجنة وإن عصيتموني أدخلكم الله النار. فقالوا: وما الجنة وما النار؟ فوصف لهم ذلك فقالوا: متى نصير إلى ذلك؟ فقال : إذا متم. فقالوا: لقد رأينا أمواتنا صاروا عظاما ورفاتا، فازدادوا له تكذيبا وبه استخفافا، فأحدث الله عز وجل فيهم الأحلام، فأتوه فأخبروه بما رأوا وما أنكروا من ذلك، فقال: إن الله عز ذكره أراد أن يحتج عليكم بهذا، هكذا تكون أرواحكم إذا متم، وإن بليت أبدانكم تصير الأرواح إلى عقاب حتى تبعث الأبدان.

بيان: الرفات: كل ما دق وكسر. " وما أنكروا من ذلك " أي استغرابهم من ذلك، أو ما أصابوا من المنكر والعذاب في النوم، أو ما أنكروا أولا من عذاب البرزخ، والأول أظهر. " هكذا تكون أرواحكم " كما أن في النوم تتألم أرواحكم بما لم يظهر أثره على أجسادكم ولا يطلع من ينظر إليكم عليه، كذلك نعيم البرزخ وعذابه. وقد مر الكلام فيه في كتاب المعاد.

56 - الدرة الباهرة: قال أبو محمد العسكري عليه السلام: من أكثر المنام رأى الأحلام.

بيان: قال مؤلفة - قدس سره - الظاهر أنه عليه السلام يعنى أن طلب الدنيا كالنوم وما يصير منها كالحلم (انتهى).

أقول: يتحمل أن يكون المعنى: أن كثرة الغفلة عن ذكر الله وعن الموت وأمور الآخرة موجبة للأماني الباطلة والخيالات الفاسدة التي هي كأضغاث الأحلام ولا يلتفت إليها الكرام. مع أن الحمل على ظاهره أظهر وأصوب بحمل الأحلام على الفاسدة منها، كما ورد أن الحلم من الشيطان.

57 - كتاب الغايات: لجعفر بن أحمد القمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خياركم أولوا النهي. قيل: يا رسول الله، ومن أولوا النهى؟ فقال: أولو النهى أولو الأحلام الصادقة.

58 - كتاب التبصرة لعلي بن بابويه: عن سهل بن أحمد، عن محمد بن محمد بن الأشعث، عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الرؤيا ثلاثة: بشرى من الله، وتحزين من الشيطان، والذي يحدث به الانسان نفسه فيراه في منامه. وقال صلى الله عليه وآله: الرؤيا من الله والحلم من الشيطان.

59 - كتاب المؤمن: للحسين بن سعيد: بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

رأي المؤمن ورؤياه جزء من سبعين جزء من النبوة، ومنهم من يعطى على الثلث.

بيان: " ومنهم من يعطى " لعل المعنى أن بعض الكمل من المؤمنين يكون راية ورؤياه ثلثا من أجزاء النبوة.

60 - الدر المنثور: من عدة كتب بأسانيد عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه آله في قوله تعالى " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، فهي بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة.

وروى مثله بأسانيد عن عبادة بن الصامت وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وغيرهم.

61 - وعن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى " لهم البشرى في الحياة الدنيا " قال: الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة فمن رأى ذلك فليخبر بها وادا، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثا ولا يخبر بها أحدا. 62 - وعن أبي جعفر عليه السلام عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل من أهل البادية رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله " الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما قوله " لهم البشرى في الحياة الدنيا " فهي الرؤيا الحسنة ترى للمؤمن فيبشر بها في دنياه، وأما قوله " وفي

الآخرة " فإنها بشارة المؤمن عند الموت أن الله قد غفر لك ولمن يحملك إلى قبرك 63 - وعن ابن عباس " لهم البشرى في الحياة الدنيا " قال: هي الرؤيا الحسنة يراها المسلم لنفسه أو لبعض إخوانه. 64 - وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله: قال: ألا إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له.

65 - وعن أبي الطفيل عنه صلى الله عليه وآله قال: لا نبوة بعدي إلا المبشرات. قيل يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة. 66 - وعن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الرؤيا الصالحة بشرى من الله وهي جزء من أجزاء النبوة.

67 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا، ورؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة. والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، والرؤيا من تحزين الشيطان، والرؤيا مما يحدث الرجل نفسه. وإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم وليتفل ولا يحدث به الناس. وأحب القيد في النوم، وأكره الغل، القيد ثبات في الدين.

فإن رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم يصلي.

68 - وعن عباد بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وآله قال: رؤيا المؤمن جزء من ستة.

وأربعين جزء من النبوة. وعن أنس مثله.

69 - وعن أبي سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وآله قال: إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها، وإذا رأى غيره مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لاحد فإنها لا تضره.

70 - وعن أبي سعيد أيضا عنه صلى الله عليه وآله قال: الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزء من النبوة.

71 - وعن عبادة بن الصامت عنه صلى الله عليه وآله في قوله تعالى " لهم البشرى في الحياة الدنيا " قال: هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو ترى له، وهو كلام يكلم به ربك عبده في المنام.

72 - وعن أبي قتادة قال: الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات ثم ليستعذ بالله من شرها فإنها لا تضره.

73 - وعن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الرؤيا على ثلاثة: منها تخويف من الشيطان ليحزن به ابن آدم، ومنها الامر يحدث به نفسه في اليقظة فيراه في المنام، ومنها جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة.

74 - وعن سليم بن عامر أن عمر بن الخطاب قال: العجب من رؤيا الرجل إنه يبيت فيرى الشئ لم يخطر له على بال، فيكون رؤياه كأخذ باليد. ويرى الرجل الرؤيا فلا يكون رؤياه شيئا. فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين؟ إن الله يقول: " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى " فالله يتوفى الأنفس كلها، فما رأت وهي عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت إذا أرسلت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فكذبت فيها. فعجب عمر من قوله.

بيان: " فلينفث " أي فليتفل تفلا خفيفا وإن لم يخرج معه شئ من البزاق.

75 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن درست بن أبي منصور، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، الرؤيا الصادقة والكاذبة مخرجهما من موضع واحد، قال: صدقت، أما الكاذبة المختلفة فإن الرجل يراها في أول ليلة في سلطان المردة الفسقة، وإنما هي شئ

يخيل إلى الرجل وهي كاذبة مخالفة لا خير فيها، وأما الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملائكة - وذلك قبل السحر - فهي صادقة لا تختلف إن شاء الله، إلا أن يكون جنبا أو يكون على غير طهور أو لم يذكر الله عز وجل حقيقة ذكره، فإنها تختلف وتبطئ على صاحبها. بيان: قوله " مخرجهما من موضع واحد " لعل المراد أن ارتسامهما في محل واحد، أو أن علتهما معا الارتسام لكن علة الارتسام فيهما مختلفة، وقيل: يعني كليهما صورة علمية يخلقها الله تعالى في قلب عباده بأسباب روحانية أو شيطانية أو طبيعية. قوله عليه السلام في " سلطان المردة الفسقة " أي في أول الليل يستولي على الانسان شهوات ما رآه في النهار، وكثرت في ذهنه الصور الخيالية واختلطت بعضها ببعض، و بسبب كثرة مزاولة الأمور الدنيوية بعد عن ربه وغلبت عليه القوى النفسانية والطبيعية فبسبب هذه الأمور تبعد عنه ملائكة الرحمان وتستولي عليه جنود الشيطان، فإذا كان وقت السحر سكنت قواه وزالت عنه ما اعتراه من الخيالات الشهوانية، فأقبل عليه مولاه بالفضل والاحسان، وأرسل عليه ملائكته ليدفعوا عنه أحزاب الشيطان، فلذا أمره الله تعالى في ذلك الوقت بعبادته ومناجاته، وقال: " إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا " فما يراه في الحالة الأولى فهو من التسويلات والتخييلات الشيطانية، ومن الوساوس النفسانية، وما يراه في الحالة الثانية فهو من الإفاضات الرحمانية بتوسط الملائكة الروحانية. ثم ذكر عليه السلام علة تخلف بعض الرؤيا مع كونها في السحر، فقال:

إنه إما بسبب جنابة أو حدث أو غفلة عن ذكر الله تعالى، فإنها توجب البعد عن الله و استيلاء الشيطان.

وقال في شرح السنة: قال أرباب التعبير: رؤيا الليل أقوى من رؤيا النهار، و

أصدق ساعات الرؤيا وقت السحر. وروي عن أبي سعيد قال: أصدق الرؤيا بالاسحار.

وقال ابن حجر - في فتح الباري -: ذكر الدينوري أن رؤيا أول الليل يبطئ تأويلها، ومن النصف الثاني يسرع، وإن أسرعها تأويلا وقت السحر ولا سيما عند طلوع الفجر. وعن جعفر الصادق عليه السلام: أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة.

تفصيل وتبيين ولما كان أمر الرؤيا وصدقها وكذبها مما اختلفت فيه أقاويل الناس، فلا بأس

أن نذكر ههنا بعض أقوال المتكلمين والحكماء، ثم نبين ما ظهر لنا فيه من أخبار أئمة الأنام عليهم السلام.

فأما الحكماء فقد بنوا ذلك على ما أسسوه من انطباع صور الجزئيات في النفوس المنطبعة الفلكية، وصور الكليات في العقول المجردة، وقالوا: إن النفس في حالة النوم قد تتصل بتلك المبادئ العالية فتحصل لها بعض العلوم الحقة الواقعة، فهذه هي الرؤيا الصادقة، وقد يركب المتخيلة بعض الصور المخزونة في الخيال ببعض، فهذه هي الرؤيا الكاذبة. وقال بعضهم: إن للنفوس الانسانية اطلاعا على الغيب في حال المنام وليس أحد من الناس إلا وقد جرب ذلك من نفسه تجارب أوجبته التصديق، وليس ذلك بسبب الفكر، فإن الفكر في حال اليقظة التي هو فيها أمكن يقصر عن تحصيل مثل ذلك ، فكيف في حال النوم، بل بسبب أن النفوس الانسانية لها مناسبة الجنسية إلى المبادئ العالية المنتقشة بجميع ما كان وما سيكون وما هو كائن في الحال، ولها أن تتصل بها اتصالا روحانيا وأن تنتقش بما هو مرتسم فيها، لان اشتغال النفس ببعض أفاعيلها يمنعها عن الاشتغال بغير تلك الأفاعيل، وليس لنا سبيل إلى إزالة عوائق النفس بالكلية عن الانتقاش بما في المبادئ العالية، لان أحد العائقين هو اشتغال النفس بالبدن، و لا يمكن لنا إزالة هذا العائق بالكلية ما دام البدن صالحا لتدبيرها، إلا أنه قد يسكن

أحد الشاغلين في حالة النوم، فإن الروح ينتشر إلى ظاهر البدن بواسطة الشرايين و ينصب إلى الحواس الظاهرة حالة الانتشار ويحصل الادراك بها، وهذه الحالة هي اليقظة فتشتغل النفس بتلك الادراكات، فإذا انخنس الروح إلى الباطن تعطلت هذه الحواس وهذه الحالة هي النوم، وبتعطلها يخف إحدى شواغل النفس عن الاتصال بالمبادئ العالية والانتقاش ببعض ما فيها، فيتصل حينئذ بتلك المبادئ اتصالا روحانيا، ويرتسم في النفس بعض ما انتقش في تلك المبادئ مما استعدت هي لان تكون منتقشة به، كالمرايا إذا حوذي بعضها ببعض، والقوة المتخيلة جبلت محاكية لما يرد عليها، فتحاكي تلك المعاني المنتقشة في النفس بصور جزئية مناسبة لها، ثم تصير تلك الصور الجزئية في الحس المشترك فتصير مشاهدة، وهذه هي الرؤيا الصادقة.

ثم إن الصور التي تركبها القوة المتخيلة إن كانت شديدة المناسبة لتلك المعاني المنطبعة في النفس حتى لا يكون بين المعاني التي أدركتها النفس وبين الصور التي ركبتها القوة المتخيلة تفاوت إلا في الكلية والجزئية، كانت الرؤيا غنية عن التعبير، وإن لم تكن شديدة المناسبة إلا أنه مع ذلك تكون بينهما مناسبة بوجه ما، كانت الرؤيا محتاجة إلى التعبير، وهو أن يرجع من الصورة التي في الخيال إلى المعنى الذي صورته المتخيلة بتلك الصورة. وأما إذا لم تكن بين المعنى الذي أدركته النفس وبين الصورة التي ركبتها القوة المتخيلة مناسبة أصلا لكثرة انتقالات المتخيلة من صورة إلى صورة لا تناسب المعنى الذي أدركته النفس أصلا، فهذه الرؤيا من قبيل أضغاث الأحلام، و لهذا قالوا: لا اعتماد على رؤيا الشاعر والكاذب، لان قوتهما المتخيلة قد تعودت الانتقالات الكاذبة الباطلة (انتهى).

ولا يخفى أن هذا رجم بالغيب، وتقول بالظن والريب، ولم يستند إلى دليل وبرهان، ولا إلى مشاهدة وعيان، ولا إلى وحي إلهي، مع ابتنائه على إثبات العقول المجردة والنفوس الفلكية المنطبعة، وهما مما نفتهما الشريعة المقدسة، كما تقرر في محله.

وقال الرازي في - المطالب العالية - في بيان طريقة الفلاسفة في كيفية صدور

المعجزات والكرامات عن الأنبياء والأولياء: قالوا: قد عرفت أن انطباع الصور في الحس المشترك على وجهين: أحدهما أن الحواس الظاهرة إذا أخذت صور المحسوسات الموجودة في الخارج وأدتها إلى الحس المشترك فحينئذ تنطبع في الحس المشترك و تصير مشاهدة له. والثاني: أن القوة المتخيلة التي من شأنها تركيب الصور بعضها بالبعض إذا ركبت صورة فإن تلك الصورة قد تنطبع في الحس المشترك، ومتى حصل الانطباع وجب أن تصير مشاهدة، وذلك لان في القسم الأول إنما صارت تلك الصورة مشاهدة لأجل أن تلك الصور انطبعت في الحس المشترك، لا لأجل أنها وردت عليه من الخارج، وإذا كان كذلك وجب أيضا في الصور المنحدرة عليه من جانب المتخيلة أن تصير مشاهدة. ومثال الحس المشترك المرآة، فإن كل صورة تنطبع فيها من أي جانب كان صارت مشاهدة، فكذلك الصور المنطبعة في الحس المشترك إذا انطبعت فيه من أي جانب كان وجب أن تصير محسوسة.

إذا عرفت هذا فنقول: الصور التي تشاهدها الأبرار والكهنة والنائمون والممرورون ليست موجودة في الخارج. فإنها لو كانت موجودة في الخارج لوجب أن يراها كل من كان سليم الحس، بناء على أنه متى كانت الحاسة سليمة وكان الشئ الحاضر بحيث تصح رؤيته ولم يحصل القرب القريب والبعد البعيد واللطافة والصغر وحصلت المقابلة فعند حضور هذه الشرائط يكون الادراك والابصار واجبا، إذ لو جاز أن لا يحصل الادراك عند حضور هذه الشرائط لجاز أن يصير عندنا جبال عظيمة وأصوات هائلة ولا نراها ولا نسمعها، ومعلوم أن تجويزه يوجب الجهالات العظيمة.

فثبت بهذا أن تلك الصور غير موجودة في الخارج، فيجب الجزم بأن ورودها على الحس المشترك إنما كان من الداخل، وهو أن القوة المتخيلة ركبت تلك الصور فانحدرت إلى الحس المشترك فصارت مرئية. وقد كان الواجب أن تحصل هذه الحاصلة أبدا، إلا أن العائق عنه أمران: الأول أن الحس المشترك إذا حصلت فيه الصور المأخوذة من الخارج لم يتسع للصور التي يركبها المتخيلة، فحينئذ تصير الصور التي يركبها المتخيلة بحيث لا يمكن انطباعها في الحس المشترك. والثاني أن القوة

العاقلة تكون مسلطة على القوة المتخيلة فيمنعها عن تركيب تلك الصور.

إذا عرفت هذا فنقول: إنه إذا انتفى الشاغلان معا أو أحدهما فإنه يحصل ذلك التلويح وذاك التشبيح، أما في وقت النوم فقد زال أحد الشاغلين وهو الحس الظاهر، فلا ينتقل من الحواس الظاهرة إلى الحس المشترك شئ من الصور، فيبقى لوح الحس المشترك خاليا عن النقوش الخارجية، فيستعد لقبول الصور التي تركبها المتخيلة، فتنحدر تلك الصورة من المتخيلة إلى لوح الحس المشترك، فتصير محسوسة.

وأما في وقت المرض فإن النفس تصير مشغولة بتدبير البدن فلا تتفرغ لمنع القوة المتخيلة من تركيب تلك الصور، فحينئذ تقوى القوة المتخيلة على عملها، وإذا قويت على هذا العمل عصت الحس المشترك عن قبول الصور الخارجية، فوردت عليه هذه الصور، فتصير مشاهدة محسوسة. والصور الهائلة التي تصير مشاهدة في حالة الخوف فهي من هذا الباب، فإن الخوف المستولي على النفس يصدها عن تأديب المتخيلة، فلا جرم تقدر المتخيلة على رسم صورها في الحس المشترك كصورة الغول وغيرها.

وكذلك قد يستولي على النفوس الضعيفة العقل قوى أخرى كشهوة شئ، فتشتد تلك الشهوة حتى تغلب العقل، فالمتخيلة تركب صورة ذلك المشتهى، وتنطبع تلك الصورة في لوح الحس المشترك فتصير محسوسة.

إذا عرفت هذا فنقول: إنه يتفرع عليه أشياء كثيرة:

الفرع الأول: في سبب المنامات الصادقة والكاذبة اعلم أن الصور التي تركبها المتخيلة قد تكون كاذبة وقد تكون صادقة، أما الكاذبة فوقوعها على ثلاثة أوجه:

الأول أن الانسان إذا أحس بشئ وبقيت صورة ذلك المحسوس في خزانة الخيال فعند النوم ترتسم تلك الصورة في الحس المشترك فتصير مشاهدة محسوسة. والثاني أن القوة المفكرة إذا ألفت صورة ارتسمت تلك الصورة في الخيال، ثم وقت النوم تنتقل تلك إلى الحس المشترك فتصير محسوسة، كما أن الانسان إذا تفكر في الانتقال من بلد إلى بلد وحصل في خاطرة شئ أو خوف عن شئ فإنه يرى تلك الأحوال في النوم والثالث أن مزاج الروح الحامل للقوة المفكرة إذا تغير فإنه تتغير أحوال القوة

المفكرة، ولهذا السبب فإن الذي يميل مزاجه إلى الحرارة يرى في النوم النيران والحريق والدخان ومن مال مزاجه إلى البرودة يرى الثلوج، ومن مال مزاجه إلى الرطوبة يرى الأمطار، ومن مال مزاجه إلى اليبوسة يرى التراب والألوان المظلمة.

فهذه الأنواع الثلاثة لا عبرة بها البتة، بل هي من قبيل أضغاث الأحلام.

وأما الرؤيا الصادقة فالكلام في ذكر سببها متفرع على مقدمتين: إحداهما أن جميع الأمور الكائنة في هذا العالم الأسفل مما كان ومما سيكون ومما هو كائن موجود في علم الباري تعالى وعلم الملائكة العقلية والنفوس السماوية. والثانية: أن النفس الناطقة من شأنها أن تتصل بتلك المبادئ وتنتقش فيها الصور المنتقشة في تلك المبادئ وعدم حصول هذا المعنى ليس لأجل البخل من تلك المبادئ، أو لأجل أن النفس الناطقة غير قابلة لتلك الصور، بل لأجل أن استغراق النفس في تدبير البدن صار مانعا من ذلك الاتصال العام.

إذا عرفت هذا فنقول: النفس إذا حصل لها أدنى فراغ من تدبير البدن اتصلت بطباعها بتلك المبادئ، فينطبع فيها بعض تلك الصور الحاضرة عند تلك المبادئ وهو الصور التي هي أليق بتلك النفس، ومعلوم أن أليق الأحوال بها ما يتعلق بأحوال ذلك الانسان وبأصحابه وبأهل بلده وإقليمه. وأما إن كان ذلك الانسان منجذب الهمة إلى تحصيل علوم المعقولات لاحت له منها أشياء، ومن كانت همته مصالح الناس رآها. ثم إذا انطبعت تلك الصور في جوهر النفس الناطقة أخذت المتخيلة التي من طباعها محاكاة الأمور، في حكاية تلك الصور المنطبعة في النفس بصور جزئية يناسبها. ثم إن تلك الصور تنطبع في الحس المشترك فتصير مشاهدة، فهذا هو سبب الرؤيا في المنام. ثم إن تلك الصور التي ركبتها المتخيلة لأجل تلك المعاني قد تكون شديدة المناسبة لتلك المعاني، فتكون هذه الرؤيا غنية عن التعبير، وقد لا تكون كذلك إلا أنها أيضا مناسبة لتلك المعاني من بعض الوجوه، وههنا تحتاج هذه المنامات إلى التعبير. وفائدة التعبير التحليل بالعكس، يعني أن يرجع المعبر من

هذا الصور الحاضرة في الخيال إلى تلك المعاني. والقسم الثالث أن لا تكون هذه الصور مناسبة لتلك المعاني البتة، وذلك يكون لاحد وجهين: أحدهما أن يكون حدوث هذا الخيال الغريب إنما كان لوجه واحد من الوجوه الثلاثة المذكورة في سبب أضغاث الأحلام. والثاني: أن يكون ذلك لأجل أن القوة المتخيلة ركبت لأجل ذلك المعنى صورة، ثم ركبت لأجل تلك الصورة صورة ثانية، وللثانية ثالثة، وأمعنت في هذه الانتقالات، فانتهت بالآخرة إلى صورة لا تناسب المعنى التي أدركته النفس أولا البتة، وحينئذ يصير هذا القسم أيضا من باب أضغاث الأحلام، ولهذا السبب قيل:

إنه لا اعتماد على رؤيا الكاذب والشاعر، لان القوة المتخيلة منهما قد عودت الانتقالات الكاذبة الباطلة - والله أعلم -.

الفرع الثاني في كيفية الاخبار عن الغيب. اعلم أن النفس الناطقة إذا كانت كاملة القوة وافية في الوصول إلى الجوانب العالية والسافلة، وتكون في القوة بحيث لا يصير اشتغالها بتدبير البدن عائقا لها عن الاتصال بالمبادئ المفارقة، ثم اتفق أيضا أن كانت قوته الفكرية [قوية] قادرة على انتزاع لوح الحس المشترك عن الحواس الظاهرة، فحينئذ لا يبعد أن يقع لمثل هذه النفس في حال اليقظة مثل ما يقع للنائمين من الاتصال بالمبادئ المفارقة، فحينئذ يرتسم عن بعض تلك المفارقات صور تدل على وقائع هذا العالم في جوهر النفس الناطقة. ثم إن القوة لأجل قوتها تركب صورة مناسبة لها، ثم تنحدر تلك الصورة إلى لوح الحس المشترك فتصير مشاهدة، وعند هذه الحال يسمع ذلك الانسان كلاما منظوما من هاتف، وقد يشاهد منظرا في أكمل هيئة وأجل صورة تخاطبه تلك الصورة بما يهمه من أحوال من يتصل به. ثم إن كانت هذه الصورة المحسوسة منطبقة على تلك المعاني التي أدركتها النفس الناطقة كان ذلك وحيا صريحا، وإن كانت الصورة الخيالية مخالفة لذلك المعنى العقلي من بعض الوجوه كان ذلك وحيا محتاجا إلى التأويل. والصارف للقوة المتخيلة عن هذا التغير والتبديل أمران:

الأول: أن الصورة المنطبقة في النفس الناطقة الفائضة من جانب المبادئ العالية لما فاضت على غاية الجلاء والوضوح صارت تلك القوة مانعة للخيال عن التصرف فيها، كما أن الصور المحسوسة المأخوذة من الخارج إذا كانت في غاية القوة فحينئذ يقوى على منع القوة المتخيلة من التصرف في تلك الصورة بالتغيير والتبديل.

النوع الثاني: أن النفوس التي ليس لها من القوة ما يقوى علي الاتصال بعالم الغيب في حال اليقظة فر بما استعانت في حال اليقظة بما يدهش الحس ويحير الخيال كما يستعين بعضهم بشد حثيث، وبعضهم بتأمل شئ شفاف أو برق لامع يورث البصر ارتعاشا، فإن كل ذلك مما يدهش الخيال فيستعد النفس بسبب حيرتها وانقطاعها في تلك اللحظة عن تدبير البدن لانتهاز فرصة إدراك الغيب. والشرط في هذا أن يكون ذلك الانسان ضعيف العقل مصدقا لكل ما يحكى له من مسيس الجن، مثل الصبيان والنسوان والبله، فهؤلاء إذا ضعفت حواسهم وكانت أوهامهم شديدة الانجذاب إلى مطلوب معين، فحينئذ يقع لنفوسهم التفات في تلك اللحظة إلى عالم الغيب، ويتأمل ذلك المطلوب، فتارة يسمع خطابا ويظن أنه جني، وتارة تتراءى له صور مشاهدة فيظن أنها من إخوان الجن، فيلقى إليه من الغيب ما ينطق به في أثناء الغشي فيأخذه السامعون ويبنون عليه تدابير هم في مهماتهم. فهذا ما قرره الشيخ الرئيس في هذا الباب واعلم أن الأصل في جملة هذه التفاريع أمران:

الأول أن يقال: هذه الصور التي تشاهدها الأنبياء والأولياء وغير هم ليست موجودة في الخارج، لأنها لو كانت موجودة في الخارج لوجب أن يدركها كل من كان [له] سليم الحس، إذ لو جوزنا أن لا يحصل الادراك مع حصول هذه الشرائط لجاز أن تكون بحضرتنا جبال ورعود ونحن لا نراها ولا نسمعها، وذلك يوجب السفسطة.

ولا يخفى أن الجهالات التي ألزمتموها على هذا القول هي على قولكم ألزم، وذلك لأنا لو جوزنا أن يرى الانسان صورا ويشاهدها ويتكلم معها ويسمع أصواتها ويرى

أشكالها ثم إنها لا تكون موجودة البتة في الخارج، جاز أيضا في كل هذه الأشياء التي نراها ونسمعها من صور الناس والجبال والبحار وأصوات الرعود أن لا يكون لشئ منها وجود في الخارج، بل يكون محض الخيالات ومحض الصور المرتسمة في الحس المشترك، ومعلوم أن القول به محض السفسطة. بل نقول: هذا في البعد عن الحق والغوص في الجهالة أشد من الأول، لان على القول الذي نقول نحن جازمون بأن كل ما رأيناه فهو موجود حق، إلا أنه يلزمنا تجويز أن يكون قد حضر عندنا أشياء ونحن لا نراها، وتجويز هذا لا يوجب الشك في وجود ما رأيناه وسمعناه، أما على القول الذي يقولونه فإنه يلزم وقوع الشك في وجود كل صورة رأيناها وكل صوت سمعناه وذلك هو الجهالة والسفسطة الكاملة. فثبت أن القول الذي اختر تموه في غاية الفساد.

فإن قالوا: إن حصول هذه الحالة لحصول أحوال، منها أن يكون كامل النفس قوي العقل كما في حق الأنبياء والأولياء، فإذا لم يحصل شئ من هذه الأحوال وكان الانسان باقيا على مقتضى المزاج المعتدل لم يحصل شئ من هذه الأحوال، فحينئذ يحصل القطع بوجود هذه الأشياء في الخارج. فنقول في الجواب: إن بالطريق الذي ذكرتم ظهر أنه لا يمتنع أن يحس الانسان بوجود صور مع أنها لا تكون موجودة أصلا وإذا ظهر جواز هذا المعنى فنحن إنما يمكننا انتفاء هذه الحالة إذا دللنا على أن الأسباب الموجبة لحصول هذه الحالة محصورة في كذا وكذا، ونقيم علي هذا الحصر برهانا يقينيا، ثم نبين في المقام الثاني أنها بأسرها منتفية زائلة بالبرهان اليقيني ثم نبين في المقام الثالث أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن السبب، فإن بتقدير أن يكون الامر كذلك لم يلزم من زوال تلك الأسباب زوال هذه الحالة، ثم على تقدير إقامة البراهين القاطعة على صحة هذه المقدمات يصير جزمنا بحصول هذه المحسوسات في الخارج موقوفا على إثبات هذه المقدمات النظرية الغامضة، والموقوف على النظري الغامض أولى أن يكون نظريا غامضا، وحينئذ تبطل هذه العلوم المستفادة

من الحواس بطلانا كليا، فثبت أن القول الذي ذكر تموه قول باطل يوجب التزام السفسطة.

واعلم أن الذي حمل هؤلاء الفلاسفة على ذكر هذه العلل والأسباب إطباقهم على إنكار الملائكة وعلى إنكار الجن، وقد بينا في كتاب الأرواح أنه ليس لهم شبهة ولا خيال يدل على نفي هذه الأشياء، وإذا كان أصل هذه الأقوال نفي الملائكة والجن - وقد عرفت أنه ليس لهم فيه دليل وفرعه مما يوجب القول بالسفسطة - كان هذا القول في غاية الفساد والبطلان. فهذا تمام الكلام في هذا الأصل.

وأما الأصل الثاني فهو أن هذه الكلمات متفرعة على إثبات إدراك الحواس الباطنة، ونحن قد بينا بالبرهان القاهر القاطع أن المدرك لجميع الادراكات هو النفس الناطقة، وأن القول بتوزيع الادراكات على قوى متفرقة قول باطل وكلام فاسد، فثبت بهذه البيانات أن كلامهم في غاية الضعف والفساد.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.