پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

10 باب علم النجوم والعمل به وحال المنجمين

ج ۵۵، ص ۲۷۲–۲۹۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۵

61 - دلائل الإمامة للطبري وكتاب النجوم عن عبد الله بن محمد البلوي عن عمار بن زيد المدني، عن إبراهيم بن سعيد ومحمد بن مسعر، عن محمد بن إسحاق صاحب المغازي، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس، قال: مرت بالحسن بن علي عليهما السلام بقرة فقال: هذه حبلى بعجلة اثنى لها غرة في جبهتها ورأس ذنبها أبيض فانطلقنا مع القصاب حتى ذبحها فوجدنا العجلة كما وصف على صورتها. فقلنا له:

أوليس الله عز وجل يقول (ويعلم ما في الأرحام) فكيف علمت؟ قال: إنا نعلم المخزون المكتوم الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل غير محمد وذريته عليهم السلام.

بيان: يدل على أنه ليس للمنجمين وأمثالهم علم بأمثال ذلك.

62 - الكافي: بسند فيه إرسال عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان بيني وبين رجل قسمة أرض، وكان الرجل صاحب نجوم، وكان يتوخى ساعة السعود فيخرج

فيها، وأخرج أنا في ساعة النحوس، فاقتسمنا فخرج لي خير القسمين، فضرب الرجل يده اليمنى على اليسرى ثم قال: ما رأيت كاليوم قط! قلت: ويل الآخر، ما ذاك؟

قال: إني صاحب النجوم، أخرجتك في ساحة النحوس وخرجت أنا في ساعة السعود، ثم قسمنا فخرج لك خير القسمين. فقلت: ألا أحدثك بحديث حدثني به أبي عليه السلام؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سره أن يدفع الله عنه نحس يومه فليفتتح يومه بصدقة يذهب الله بها عنه نحس يومه، ومن أحب أن يذهب الله عنه نحس ليلته فليفتتح ليلته بصدقة يدفع الله عنه نحس ليلته. وإني افتتحت خروجي بصدقة فهذا خير لك من النجوم.

بيان: يدل على أنه لو كانت لها نحوسة فهي تندفع بالصدقة، وأنه لا ينبغي مراعاتها بل ينبغي التوسل في دفع أمثال ذلك بما ورد عن المعصومين عليهم السلام من الدعاء والتصدق والتوكل وأمثاله.

63 - معاني الأخبار: عن القطان، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن عبد الله بن الفضل، عن أبيه، عن أبي خالد الكابلي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: الذنوب التي تظلم الهواء السحر والكهانة والايمان بالنجوم والتكذيب بالقدر الخبر).

بيان: ظلمة الهواء كناية عن التحير في الأمور، أو شدة البلية وظهور آثار غضب الله في الجو.

64 - النجوم: روى الشيخ الفاضل أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في كتاب العرائس: إنما سمي إدريس لكثرة درسه للكتب وصحف آدم وشيث، وكان أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب، ولبس المخيط، وأول من نظر في علم النجوم والحساب.

قال السيد - ره -: وذكر علي بن المرتضى في كتاب (ديوان النسب) فيما حكاه عن التورية أن إدريس عليه السلام أول من خط بالقلم وأول من حسب حساب النجوم. قال: ورأيت في رسالة أبي إسحاق الطرسوسي إلى عبد الله بن مالك في باب معرفة أصل العلم ما هذا لفظه: إن الله تبارك وتعالى أهبط آدم من الجنة، وعرفه علم كل شئ، فكان مما عرفه النجوم والطب. قال: ووجدت في كتاب (المنتخب) من طريق أصحابنا في دعاء كل يوم من رجب (ومعلم إدريس عدد النجوم والحساب والسنين والشهور والأزمان) وذكر عبد الله بن محمد بن طاهر في كتاب (لطائف المعارف):

أول من أظهر علم النجوم ودل على تركيب وقدر مسير الكواكب وكشف عن وجوه تأثيرها هرمس.

65 - الدر المنثور: عن قتادة، قال: إن الله إنما جعل هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوما للشياطين، فمن تعالى فيها غير ذلك فقد فال رأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلم ما لا علم له به، وإن ناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا [كان كذا وكذا]، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود، والطويل والقصير، والحسن والدميم، ولو أن أحدا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شئ.

66 - وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر، ثم انتهوا.

67 - وعن مجاهد، قال: لا بأس أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به في البر والبحر، ويتعلم منازل القمر.

68 - وعن حميد الشامي، قال: النجوم هي علم آدم عليه السلام.

69 - وعن الحسن بن صالح قال: سمعت عن ابن عباس أنه قال: ذلك علم ضيعه الناس النجوم.

70 - وعن عكرمة أنه سأل رجلا عن حساب النجوم، وجعل الرجل يتحرج أن يخبره، فقال عكرمة سمعت ابن عباس يقول علم عجز الناس عنه، وددت أني علمته قال الخطيب مراده الضرب المباح الذي كانت العرب تختص به.

69 - وعن عبد الله بن حفص قال: خصت العرب بخصال: بالكهانة، و القيافة، والعيافة، والنجوم، والحساب، فهدم الاسلام الكهانة وثبت الباقي بعد ذلك.

70 - وعن القرطي قال: والله ما لاحد من أهل الأرض في السماء من نجم ولكن يتبعون الكهنة ويتخذون النجوم علة.

71 - وعن سمرة بن جندب، أنه خطب فذكر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: أما بعد فإن ناسا يزعمون أن كسوف الشمس وكسوف هذا القمر وزوال هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وإنهم قد كذبوا ولكنها آيات من آيات الله يعتبر بها عباده، لينظر ما يحدث له منهم توبة.

72 - وعن علي عليه السلام قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وآله عن النظر في النجوم، و أمرني بإسباغ، الطهور.

73 - وعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن النظر في النجوم.

74 - وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا

وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا.

75 - وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخاف على أمتي خصلتين:

تكذيبا بالقدر، وتصديقا بالنجوم. وفي لفظ: وحذقا بالنجوم.

76 - وعن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد.

77 - وعن ابن عباس قال: إن قوما ينظرون في النجوم، ويحسبون أبا جاد، وما أرى للذين يفعلون ذلك من خلاق.

78 - وعن ميمون بن مهران قال: قلت لابن عباس: أوصني، قال: أوصيك بتقوى الله، وإياك وعلم النجوم، فإنه يدعو إلى الكهانة.

79 - وعن الحسن بن علي عليه السلام قال: لما فتح الله على نبيه صلى الله عليه وآله خيبر دعا بقوسه فاتكأ على سيتها، وحمد الله وذكر ما فتح الله عليه ونصره، ونهى عن خصال: عن مهر البغي، وعن خاتم الذهب، وعن المياثر الحمر، وعن لبس الثياب القسي، وعن ثمن الكلب، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية، وعن الصرف الذهب بالذهب والفضة بالفضة [و] بينهما فضل، وعن النظر في النجوم.

80 - وعن مكحول قال: قال ابن عباس: لا تعلم النجوم، فإنها تدعو إلى الكهانة.

81 - وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله: لقد طهر الله هذه الجزيرة من الشرك ما لم تضلهم النجوم.

82 - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان متعلم حروف أبي جاد ليري في النجوم ليس له عند الله خلاق يوم القيامة.

بيان: قال الفيروزآبادي (فال رأيه) أخطأ وضعف. وقال: عفت الطير أعيفها عيافة زجرتها، وهو أن يعتبر بأسمائها ومساقطها وأنوائها فيتسعد أو يتشأم والعائف المتكهن بالطير أو غيرها. وفي النهاية: الميثرة من مراكب العجم تعمل من حرير أو ديباج، وتتخذ كالفراش الصغير، وتحشى بقطن أو صوف يجعلها الراكب تحته على الرحال فوق الجمال، ويدخل فيه مياثر السروج وقال:

فيه أنه نهى عن لبس القسي، هي ثياب من كتان مخلوط بحرير يؤتى بها من مصر نسبت إلى قرية على ساحل البحر قريبا من تنيس يقال لها (القس) بفتح القاف وبعض أهل الحديث يكسرها، وقيل: أصل القسي (القزي) بالزاي منسوب إلى القز وهو ضرب من الإبريسم، فأبدل من الزاي سينا، وقيل:

منسوب إلى القس، وهو الصقيع لبياضه. والصقيع: الساقط من السماء بالليل كأنه ثلج.

تذييل جليل وتفصيل جميل - نذكر فيه أقوال بعض أجلاء أصحابنا - رضوان الله عليهم - في حكم النظر في علم النجوم، والاعتقاد به، والاخبار عن الحوادث بسببه، ورعاية الساعات المسعودة والمنحوسة بزعمهم، والقول بتأثيرها، ثم نذكر ما ظهر لنا من الأخبار السابقة في جميع ذلك.

قال الشيخ السعيد المفيد - ره - في كتاب المقالات على ما نقل عنه السيد بن طاووس - ره - في كتاب (فرج المهموم بمعرفة علم النجوم) وإن لم نجد فيما عندنا من نسخه حيث قال: أقول إن الشمس والقمر وسائر النجوم أجسام نارية لا حياة لها ولا موت ولا تميز، خلقها الله تعالى لينتفع بها عباده، وجعلها زينة لسماواته، و آيات من آياته، كما قال سبحانه (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل

الآيات لقوم يعلمون) وقال تعالى (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون) وقال تعالى (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) وقال تعالى (وزينا السماء الدنيا بمصابيح) فأما الاحكام على الكائنات بدلائلها أو الكلام على مدلول حركاتها فإن العقل لا يمنع منه، ولسنا ندفع أن يكون الله تعالى أعلمه بعض أنبيائه، وجعله علما له على صدقه غير أنا لا نقع عليه ولا نعتقد استمراره في الناس إلى هذه الغاية، وأما ما نجده من أحكام المنجمين في هذا الوقت وإصابة بعضهم فيه فإنه لا ينكر أن يكون ذلك بضرب من التجربة وبدليل عادة، وقد تختلف أحيانا ويخطئ المعتمد عليه كثيرا ولا يصح إصابته فيه ابدا، لأنه ليس بجار مجرى دلائل العقول، ولا براهين الكتاب وأخبار الرسول صلى الله عليه وآله، وهذا مذهب جمهور متكلمي أهل العدل، وإليه ذهب بنو نوبخت من الامامية، وأبو القاسم وأبو علي من المعتزلة (انتهى).

وقال الشيخ محمد بن الحسين الكيدري في شرح نهج البلاغة في تهجين أحكام النجوم: كيف يمكن أن يكون الانسان يعرف الحوادث وأسبابها في الحال حتى

يعرف المسببات في المستقبل كما في الجزر والمد، ومن ادعى أنه يعرف أسباب الكائنات فمقدماته ليست برهانية وإنما هي تجربية أو شعرية أو خطابية مؤلفة من المشهورات في الظاهر أو المقبولات والمظنونات، ومع ذلك فلا يمكنه أن يتعرض إلا لجنس من أجناس الأسباب، وهو تعرض بعض الأسباب العلوية، ولا يمكنه أن يتعرض لجميع الأسباب السماوية والقوابل، وإذا تغيرت القوابل عن أحوالها تغير أثر الفاعل فيها، فإن النار في الحطب اليابس مؤثرة تأثيرا لا تؤثر في الرماد وكذا معرفة بقائها على استعداد القبول شرط، ويمكن أن يكون للقوابل عوائق فلا يعلم تلك الأسباب والمسببات إلا الله تعالى وأيضا فإن المنجم يحكم على مفردات الكواكب ولا يحكم على جميعها ممتزجة، وكما أن أحكام مفردات الترياق وسائر المعاجين غير أحكام المركب الذي حصلت له صورة نوعية كذلك حكم الكواكب المركوزة في الأفلاك غير حكم أفرادها، وإذا لم يمكن للمنجم الحكم إلا على المفردات كان الحكم ناقصا غير موثوق به. ثم إنه ربما يحصل التوأمان في غشاء فيكشف عنهما فإذا فيه صبيان حيان، وعلى قوانين الاحكاميين يجب أن يكونا مثلين في الصورة والعمر والحركات، حتى لا يجوز أن يختلفا في شئ من الأشياء، ولا يجوز أن يسكت أحدهما في وقت كلام الآخر، ولا يقوم في وقت قعود الآخر، ولا ينام في وقت لا ينام فيه الآخر، وإذا دخلا بيتا فيه باب ضيق فلا يمكنهما الدخول فإنه لابد ههنا من التقدم والتأخر، ولا يجوز أن يمس انسان أحدهما دون الآخر، ولا يجوز أن يكون في التزويج امرأة أحدهما غير امرأة الآخر ولا أن يكون مكان أحدهما غير مكان الآخر في الأرض، وهذا مما لا يخفى فساده وأيضا فإن الحكم الكلي عند أكثرهم يغلب الجزئي، ألا ترى أن طالع ناحية أو بلد إذا كان فساد فإنه لا يفيد عطية الكدخدا لإنسان، فكيف يعتمد على الطوالع والاختيارات مع نفي العلم بالكليات؟! ومن شنيع قولهم أنهم يقولون إذا ولد للملك في حال ولد لسوقي ولد، فإن الكواكب تدل لابن الملك بخلاف ما تدل لابن السوقي مع اتفاقهما في كمية العمر، لان هيلاجهما وكذخداهما

لا يختلفان، فإذا جاز أن تكون دلالة النجوم مختلفة في سعادة هذين الولدين فما أنكروا أن يكون مقادير أعمارهما أيضا مختلفة؟ واختلفوا في تقويم الكواكب باختلاف الزيجات، ولا برهان على فساد بعضها وصواب بعضها، فربما يوجد في تقويم الشمس من التفاوت خمس درج، وتختلف درج الطوالع وبروج التحاويل بسبب ذلك فتفسد الاحكام.

ثم أورد عليهم كثيرا من الاختلافات والتناقضات لا نطيل الكلام بإيرادها.

وقال الشيخ إبراهيم بن نوبخت في كتاب (الياقوت): قول المنجمين يبطله قدم الصانع واشتراط اختياره، ويلزم عليهم أن لا يستقر الفعل على حال من الأحوال، وقول أهل الطبائع يبطل بمثل ذلك.

وقال العلامة - ره - في شرحه: اختلف قول المنجمين على قسمين: أحدهما قول من قال إن الكواكب السبعة حية مختارة، والثاني قول من قال إنها موجبة والقولان باطلان، أما الأول فلأنهما أجسام محدثة فلا تكون آلهة، ولأنها محتاجة إلى محدث غير جسم فلا بد من القول بالصانع. وأما الثاني فلان الكوكب المعين كالمريخ مثلا إذا كان مقتضيا للحرب لزم دوام وقوع الهرج والمرج في العالم، و أن لا يستقر أفعالهم على حال من الأحوال، ولما كان ذلك باطلا كان ما ذكروه باطلا. وأما القائلون بالطبائع الذين يسندون الأفعال إلى مجرد الطبيعة فيبطل قولهم بمثل ذلك أيضا، فإن الطبيعة قوة جسمانية وكل جسم محدث فكل قوة حالة فهي محدثة تفتقر إلى محدث غير طبيعته، وإلا لزم التسلسل، فلا بد من القول بالصانع سبحانه وتعالى.

وقال السيد الشريف المرتضى - ره - في كتاب (الغرر والدرر) في أجوبة

المسائل السلارية، حيل سئل - ره -: ما القول فيما يخبر به المنجمون من وقوع حوادث ويضيفون ذلك إلى تأثيرات النجوم؟ وما المانع من أن تؤثر الكواكب على حد تأثير الشمس الأدمة فينا؟ وإن كان تأثير الكواكب مستحيلا فما المانع من أن تكون التأثيرات من فعل الله تعالى بمجرى العادة عند طلوع هذه الكواكب أو انتقالها؟ فلينعم ببيان ذلك، فإن الأنفس إليه متشوقة، وكيف تقول إن المنجمون حادسون مع أنه لا يفسد من أقوالهم إلا القليل؟ حتى أنهم يخبرون بالكسوف ووقته ومقداره فلا تكون إلا على ما أخبروا به، فأي فرق بين إخبارهم بحصول هذا التأثير في هذا الجسم وبين حصول تأثيرها في أجسامنا؟

الجواب: اعلم أن المنجمين يذهبون إلى أن الكواكب تفعل في الأرض ومن عليها أفعالا يسندونها إلى طباعها، وما فيهم [من] أحد يذهب إلى أن الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل عند قرب بعضها من بعض أو بعده أفعالا من غير أن يكون للكواكب أنفسها تأثير في ذلك، ومن ادعى هذا المذهب الآن منهم فهو قائل بخلاف ما ذهبت القدماء في ذلك، ومتجمل بهذا المذهب عند أهل الاسلام ومتقرب إليهم بإظهاره، وليس هذا بقول لاحد ممن تقدم، وكان الذي كان يجوز أن يكون صحيحا - وإن دل الدليل على فساده - لا يذهبون إليه، وإنما يذهبون إلى المحال الذي لا يمكن صحته. وقد فرغ المتكلمون من الكلام في أن الكواكب لا يجوز أن تكون فينا فاعلة، وتكلمنا نحن أيضا في مواضع على ذلك، وبينا بطلان الطبائع الذين يهذون بذكرها وإضافة الأفعال إليها، وبينا أن الفاعل لابد أن يكون حيا قادرا، وقد علمنا أن الكواكب ليست بهذه الصفة، وكيف تفعل وما يصحح الأفعال مفقود فيها؟ وقد سطر المتكلمون طرقا كثيرة في أنها ليست بحية ولا قادرة أكثرها معترض، وأشف ما قيل في ذلك أن الحياة معلوم أن الحرارة الشديدة كحرارة النار تنفيها ولا تثبت معها، ومعلوم أن حرارة الشمس أشد و أقوى من حرارة النار بكثير، لان الذي يصل إلينا على بعد المسافة من حرارة الشمس بشعاعها يماثل أن يزيد على حرارة النار، وما كان بهذه الصفة من الحرارة

يستحيل كونه حيا، وأقوى من ذلك كله في نفي كون الفلك وما فيه من شمس وقمر وكوكب أحياء، السمع والاجماع وأنه لا خلاف بين المسلمين في ارتفاع الحياة عن الفلك وما يشتمل عليه من الكواكب، وأنها مسخرة مدبرة مصرفة وذلك معلوم من دين رسول الله صلى الله عليه وآله ضرورة، وإذا قطعنا على نفي الحياة والقدرة عن الكواكب فكيف تكون فاعلة. وعلى أننا قد سلمنا لهم استظهارا في الحجة أنها قادرة، قلنا: إن الجسم وإن كان قادرا فإنه لا يجوز أن يفعل في غيره إلا على سبيل التوليد، ولا بد من وصلة بين الفاعل والمفعول فيه، والكواكب غير مماسة لنا ولا وصلة بينها وبيننا، فكيف تكون فاعلة فينا؟ فإن ادعى أن الوصلة بيننا هي الهواء، فالهواء أولا لا يجوز أن يكون آلة في الحركات الشديدة وحمل الأثقال ثم لو كان الهواء آلة تحركنا بها الكواكب لوجب أن نحس بذلك ونعلم أن الهواء يحركنا ويصرفنا كما نعلم في غيرنا من الأجسام إذا حركناه بآلة، على أن في الحوادث الحادثة فينا ما لا يجوز أن يفعل بآلة ولا يتولد عن سبب كالإرادات والاعتقادات وأشياء كثيرة، فكيف فعلت الكواكب ذلك فينا وهي لا تصح أن يكون مخترعة للأفعال، لان الجسم لا يجوز أن يكون قادرا إلا بقدرة، والقدرة لا يجوز لامر يرجع إلى نوعها أن تخترع بها الأفعال، فأما الأدمة فليس تؤثرها الشمس على الحقيقة في وجوهنا وأبداننا، وإنما الله تعالى هو المؤثر لها وفاعلها بتوسط حرارة الشمس، كما أنه تعالى هو المحرق على الحقيقة بحرارة النار والهاشم لما يهشمه الحجر بثقله وحرارة الشمس مسودة للأجسام من جهة معقولة مفهومة، كما أن النار تحرق الأجسام على وجه معقول، فأي تأثير للكواكب فينا يجري هذا المجرى في تمييزه والعلم بصحته فليشر إليه، فإن ذلك مما لا قدرة عليه.

ومما يمكن أن يعتمد في إبطال أن تكون الكواكب فاعلة فينا ومصرفة لنا أن ذلك يقتضي سقوط الأمر والنهي والذم عنا ونكون معذورين في كل إساءة تقع منا ونجنيها بأيدينا، وغير مشكورين على شئ من الاحسان والافضال، و كل شئ نفسد به قول المجبرة فهو مفسد لهذا المذهب. وأما الوجه الآخر وهو أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل أفعالا مخصوصة عند طلوع الكوكب أو غروبه واتصاله أو مفارقته، وقد بينا أن ذلك ليس بمذهب المنجمين البتة وإنما يتجملون الآن بالتظاهر به وأنه قد كان جائزا أن يجري الله تعالى العادة بذلك لكن لا طريق إلى العلم بأن ذلك قد وقع وثبت، ومن أين لنا بأن الله تعالى قد أجرى العادة بأن يكون زحل أو المريخ إذا كان في درجة الطالع كان نحسا، وأن المشتري إذا كان كذلك كان سعدا؟ وأي سمع مقطوع به جاء بذلك؟ وأي نبي خبر به، واستفيد من جهته؟ فإن عولوا في ذلك على التجربة بأنا جربنا ذلك ومن كان قبلنا فوجدناه على هذه الصفة، وإذا لم يكن موجبا وجب أن يكون معتادا قلنا: ومن سلم لكم صحة هذه التجربة وانتظامها واطرادها؟ وقد رأينا خطأكم أكثر من صوابكم فيها، وصدقكم أقل من كذبكم، فألا نسبتم الصحة إذا اتفقت منكم إلى الاتفاق الذي يقع من المخمن والمرجم، فقد رأينا من يصيب من هؤلاء أكثر ممن يخطئ، وهو على غير أصل معتمد ولا قاعدة صحيحة. فإذا قلتم: سبب خطاء المنجم زلل دخل عليه في أخذ الطالع أو تسير الكواكب، قلنا: ولم لا كانت إصابته سببها التخمين؟ وإنما كان يصح لكم هذا التأويل والتخريج لو كان على صحة أحكام النجوم دليل قاطع هو غير إصابة المنجم، فأما إذا كان دليل صحة الاحكام الإصابة فألا كان دليل فسادها الخطاء؟ فما أحدهما في المقابلة إلا كصاحبه.

ومما أفحم به القائلون بصحة الاحكام ولم يتحصل منهم عنه جواب أن قيل لهم في شئ بعينه: خذوا الطالع واحكموا هل يؤخذ أو يترك؟ فإن حكموا

إما بالأخذ أو الترك خولفوا وفعل خلاف ما خبروا به. وقد أعضلتهم هذه المسألة واعتذروا عنها بأعذار ملفقة لا يخفى على عاقل سمعها بعدها من الصواب، فقالوا في هذه المسألة: يجب أن يكتب هذا المبتلى بها ما يريد أن يفعل أو يخبر به غيره فإنا نخرج ما قد عزم عليه من أحد الامرين. وهذا التعليل منهم باطل، لأنه إذا كان النظر في النجوم يدل على جميع الكائنات التي من جملتها ما يختاره أحدنا من أخذ هذا الشئ أو تركه فأي فرق بين أن يطوى ذلك فلا يخبر به ولا يكتبه حتى يقول المنجم ما عنده وبين أن يخبره به ويكتبه قبل ذلك؟ وإنما فزعوا إلى الكتابة وما يجري مجراها حتى لا يخالف المنجم فيما يذكره ويحكم به من أخذ أو ترك، ولو كانت الاحكام صحيحة وفيها دلالة على الكائنات لوجب أن يعرف المنجم ما اختاره من أحد الامرين على كل حال. ولو نزلنا تحت حكمهم وكتبنا ما نريد أن نفعله لما وجدنا إصابتهم في ذلك إلا أقل من خطائهم، ولم يزيدوا فيه على ما يفعله المخمن المرجم من غير نظر في طالع ولا غارب ولا رجوع إلى أصل وإلا فالبلوى بيننا وبينهم.

وكان بعض الرؤساء بل الوزراء ممن كان فاضلا في الأدب والكتابة ومشغوفا بالنجوم عاملا عليها قال لي يوما - وقد جرى حديث يتعلق بأحكام النجوم ورأي من مخائلي التعجب ممن يتشاغل بذلك ويفني زمانه به -: أريد أن أسألك عن شئ في نفسي، فقلت: سل عما بدا لك، قال: أريد أن تعرفني هل بلغ بك التكذيب بأحكام النجوم إلى أن لا تختار يوما لسفر ولبس ثوب جديد وتوجه في حاجة؟

فقلت: قد بلغت إلى ذلك - والحمد لله - وزيادة عليه، وما في داري تقويم، ولا أنظر فيه، وما رأيت مع ذلك إلا خيرا. ثم أقبلت عليه فقلت: ندع ما يدل على بطلان أحكام النجوم مما يحتاج إلى ظن دقيق وروية طويلة، وههنا شئ قريب لا يخفى على أحد ممن علت طبقته في الفهم أو انخفضت، خبرني لو فرضنا جادة مسلوكة وطريقا يمشي فيه الناس ليلا ونهارا ، وفي محجته آبار متقاربة، وبين بعضها و بعض طريق يحتاج سالكه إلى تأمل وتوقف حتى يتخلص من السقوط في بعض

تلك الآبار، هل يجوز أن تكون سلامة من يمشي في هذا الطريق من العميان كسلامة من يمشي فيه من البصراء - وقد فرضنا أنه لا يخلو طرفة عين من المشاة فيه بصراء وعميان -؟ وهل يجوز أن يكون عطب البصراء يقارب عطب العميان، أو سلامة العميان مقاربة لسلامة البصراء؟ فقال: هذا مما لا يجوز، بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العميان، ولا يجوز في مثل هذا التقارب. فقلت:

إذا كان هذا محالا فأحيلوا نظيره وما لا فرق بينه وبينه، وأنتم تجيزون شبيه ما ذكرنا وعديله، لان البصراء هم الذين يعرفون أحكام النجوم ويميزون سعدها ونحسها، ويتوقون بهذه المعرفة مضار الزمان ويتخطونها، ويعتمدون منافعه ويقصدونها، ومثال العميان كل من لا يحسن تعلم النجوم ولا يتلفت إليه من الفهماء والفقهاء، وأهل الديانات والعبادات، ثم سائر العوام والاعراب والأكراد وهم أضعاف أضعاف من يراعي عدد النجوم. ومثال الطريق الذي فيه الآبار الزمان الذي يمضي عليه الخلق أجمعون، ومثال آباره مصائبه ونوائبه ومحنه، وقد كان يجب لو صح العلم بالنجوم وأحكامها أن تكون سلامة المنجمين أكثر ومصائبهم أقل لأنهم يتوقون المحن لعلمهم بها قبل كونها، وتكون محن كل من ذكرناه من الطبقات الكثيرة أوفر وأظهر، حتى تكون السلامة هي الطريفة الغريبة، وقد علمنا خلاف ذلك وأن السلامة أو المحن في الجميع متقاربة غير متفاوتة. فقال: ربما اتفق مثل ذلك، فقلت له، فيجب أن نصدق من خبرنا في ذلك الطريق المسلوك الذي فرضناه بأن سلامة العميان كسلامة البصراء ونقول: لعل ذلك اتفق، و بعد فإن الاتفاق لا يستمر بل ينقطع، وهذا الذي ذكرناه مستمر غير منقطع.

فلم يكن عنده عذر صحيح.

ومما يفسد مذهب المنجمين ويدل على أن ما لعله يتفق لهم من الإصابة على غير أصل أنا قد شاهدنا جماعة من الزراقين الذين لا يعرفون شيئا من علم النجوم ولا نظروا قط في شئ منه يصيبون فيما يحكمون به إصابات مستطرفة، وقد كان المعروف بالشعراني الذي شاهدناه وهو لا يحسن أن يأخذ الأسطرلاب للطالع، ولا

نظر قط في زيج ولا تقويم، غير أنه زكي حاضر الجواب فطن بالزرق معروف به كثير الإصابة وبلوغ الغاية فيما يخرجه من الاسرار، ولقد اجتمع يوما بين يدي جماعة كانوا عندي، وكنا قد اعتزمنا جهة نقصدها لبعض الأغراض، فسأله أحدنا عما نحن بصدده، فابتدأه من غير أخذ طالع ولا نظر في تقويم، فأخبرنا بالجهة التي أردنا قصدها، ثم عدل إلى كل واحد من الجماعة فأخبره عن كثير من تفصيل أمره وأغراضه، حتى قال لأحدهم: وأنت من بين الجماعة قد وعدك واعد بشئ يوصله إليك، وقلبك به متعلق، وفي كمك شئ مما يدل على هذا، وقد انقضت حاجتك وانتجزت. وجذب يده إلى كمه فاستخرج ما فيه! فاستحيى ذلك الرجل ووجم و منع من الوقوف على ما في كمه بجهده، فلم ينفعه ذلك وأعان الحاضرون على اخراج ما في كمه لما أحسوا بالإصابة من الزرق، فأخرج من كمه رقاع كثيرة في جملتها صك على دار الضرب بصلة من خليفة الوزارة في ذلك الوقت، فعجبنا مما اتفق من إصابته مع بعده من صناعة النجوم. وكان لنا صديق يقول أبدا: من أدل دليل على بطلان أحكام النجوم إصابة الشعراني.

وجرى يوما مع من يتعاطى علم النجوم هذا الحديث، فقال: عند المنجمين إن السبب في إصابة من لا يعلم شيئا من علم النجوم أن مولده وما يتولاه ويقتضيه كواكبه اقتضى له ذلك. فقلت له: لعل بطلميوس وكل عالم من عامة المنجمين

ومصيب في أحكامه عليها إنما سبب إصابته مولده وما يقتضيه كواكبه من غير علم ولا فهم، فلا يجب أن يستدل بالإصابة على العلم إذا كانت تقع من جاهل ويكون سببها المولد، وإذا كانت الإصابة بالمواليد فالنظر في علم النجوم عبث ولعب لا يحتاج إليه، لان المولد إن اقتضى الإصابة أو الخطاء فالتعلم لا ينفع وتركه لا يضر، وهذه علة تسري إلى كل صنعة، حتى يلزم أن يكون كل شاعر مفلق وصانع حاذق، وناسج للديباج مونق لا علم له بتلك الصناعة، وإنما اتفقت الصنعة بغير علم لما تقتضيه كواكب مولده، وما يلزم على هذا من الجهالات لا يحصى.

واعلم أن التعب بعلم مراكز الكواكب وأبعادها وأشكالها وتسيراتها متى لم يكن ثمرته العلم بالاحكام والاطلاع على الحوادث قبل كونها لا معنى له ولا غرض فيه، لأنه لا فائدة في أن يعلم ذلك كله ويختص نفس العلم به، وما يجري الاطلاع على ذلك إذا لم تتعد المعرفة إلى العلم بالاحكام إلا مجرى العلم بعدد الحصى وكيل النوى ومعرفة أطوال الجبال وأوزانها، وكما أن العناء في تعرف ذلك عبث وسفه لا يجدي نفعا فكذلك العلم بشكل الفلك وتسيرات كواكبها وأبعادها والمعرفة بزمان قطع كل كوكب للفلك وتفاصيلها فيه، وما شقي القوم بهذا الشأن وأفنوا أعمارهم إلا لتقديرهم أنه يفضي إلى معرفة الاحكام، فلا تغتر بقول من يقول منهم: إننا ننظر في ذلك لشرف نفوسنا بعلم الهيئة، ولطيف ما فيها من الأعاجيب فإن ذلك تجمل منهم وتقرب إلى أهل الاسلام، ولولا أن غرضهم معرفة الاحكام لما تعنوا بشئ من ذلك كله، ولا كانت فيه فائدة، ولا منه عائدة. ومن أدل الدليل على بطلان أحكام النجوم أنا قد علمنا أن من جملة معجزات الأنبياء عليهم السلام الاخبار عن الغيوب، وعد ذلك خارقا للعادات كإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص ولو كان العلم بما يحدث طريقا نجوميا لم يكن ما ذكرناه معجزا ولا خارقا للعادات فكيف يشتبه على مسلم بطلان أحكام النجوم وقد أجمع المسلمون قديما

وحديثا على تكذيب المنجمين والشهادة فساد مذاهبهم وبطلان أحكامهم، ومعلوم من دين الرسول صلى الله عليه وآله ضرورة التكذيب بما يدعيه المنجمون والازراء عليهم و التعجيز لهم، وفي الروايات عنه صلى الله عليه وآله من ذلك مالا يحصى كثرة وكذا عن علماء أهل بيته عليهم السلام وخيار أصحابه، فما زالوا يبرؤون من مذاهب المنجمين ويعدونها ضلالا ومحالا، وما اشتهر هذه الشهرة في دين الاسلام كيف يغتر بخلافه منتسب إلى الملة، ومصل إلى القبلة؟ فأما إصابتهم في الاخبار عن الكسوفات وما مضى في أثناء المسألة من طلب الفرق بين ذلك وبين سائر ما يخبرون به من تأثيرات الكواكب في أجسامنا، فالفرق بين الامرين أن الكسوفات واقترانات الكواكب وانفصالها طريقة الحساب وتسير الكواكب، وله أصول صحيحة، وقواعد سديدة، وليس كذلك ما يدعونه من تأثيرات الكواكب في الخير والشر، والنفع والضر، ولو لم يكن في الفرق بين الامرين إلا الإصابة الدائمة المتصلة في الكسوفات وما يجري مجراها، فلا يكاد يبين فيها خطاء البتة، وإن الخطاء المعهود الدائم إنما هو في الاحكام الباقية، حتى أن الصواب هو العزيز فيها وما يتفق لعله فيها من الإصابة قد يتفق من المخمن أكثر منه، فحمل أحد الامرين على الآخر بهت وقلة دين (انتهى كلامه ضاعف الله إنعامه).

ونقل عنه السيد بن طاووس - ره - أنه كتب في أجوبة بعض ما سئل عنه:

قلنا إن الذي جاء بعلم النجوم من الأنبياء هو إدريس عليه السلام وإنما علم من جهته على الحد الذي ذكرناه ونعلم أنه لا يجوز كونها دلالة إلا على هذا الوجه فقط لان الشئ إنما يدل على هذا الحد أو على الوجه الذي يدل الدليل العقلي عليه وقد بينا تعذر ذلك في النجوم، فلم يبق إلا ما ذكرناه، والقطع على أن كيفية دلالتها معلوم الآن غير ممكن، لان شريعة إدريس عليه السلام وما علم من قبله كالمندرس فلا نعلم الحال فيه، فإن كان بعض تلك العلوم قد بقي محفوظا عند قوم

تناقلوه وتداولوه لم نمنع أن يكون معلوما لهم إذا اتصل التواتر، وإن لم يكن كذلك لم نمنع أن يكون العلم به وإن بطل وزال أن يكون أمارة يقتضي غالب الظن عند كثير منهم، وهذا هو الأقرب فيما يتمسك به أهل النجوم، لأنهم إذا تدبرت أحوالهم وجدتهم غير واثقين بما يحكمون، وإنما يتقدم أحدهم في ذلك العلم كتقدم الطبيب في الطب، فكما أن علوم الطب مبنية على الامارات التي تقتضيها التجارب وغالب الظن فكذلك القول في علم النجوم، إلا في أمور مخصوصة يمكن أن يعلم بضروب من الاخبار (انتهى).

وقال العلامة - ره - في كتاب (منتهى المطلب): التنجيم حرام، وكذا تعلم النجوم مع اعتقاد أنها مؤثرة، أو أن لها مدخلا في التأثير بالنفع والضرر، و بالجملة كل من يعتقد ربط الحركات النفسانية والطبيعية بالحركات الفلكية و الاتصالات الكوكبية كافر، وأخذ الأجرة على ذلك حرام، وأما من يتعلم النجوم فيعرف قدر سير الكواكب وبعده وأحواله من التربيع والكسف وغيرهما فإنه لا بأس به. ونحوه قال في التحرير والقواعد.

وقال الشيخ الشهيد - ره - في قواعده: كل من اعتقد في الكواكب أنها مدبرة لهذا العالم وموجدة ما فيه فلا ريب أنه كافر، وإن اعتقد أنها تفعل الآثار المنسوبة إليها والله سبحانه هو المؤثر الأعظم كما يقوله أهل العدل فهو مخطئ، إذ لا حياة لهذه الكواكب ثابتة بدليل عقلي ولا نقلي، وبعض الأشعرية يكفرون هذا كما يكفرون الأول، وأوردوا على أنفسهم عدم تكفير المعتزلة وكل من قال بفعل العبد، وفرقوا بأن الانسان وغيره من الحيوان يوجد فعله من أن التذلل ظاهر عليه فلا يحصل منه اهتضام لجانب الربوبية، بخلاف الكواكب فإنها غائبة عنه، فربما أدى ذلك إلى اعتقاد استقلالها وفتح باب الكفر. وأما ما يقال من أن استناد الأفعال إليها كاستناد الاحراق إلى النار وغيرها من العاديات بمعنى أن الله تعالى أجرى عادته أنها إذا كانت على شكل مخصوص أو وضع مخصوص يفعل ما ينسب إليها، ويكون ربط المسببات بها كربط مسببات الأدوية والأغذية بها

مجازا باعتبار الربط العادي لا الفعل الحقيقي، فهذا لا يكفر معتقده ولكنه مخطئ أيضا، وإن كان أقل خطاء من الأول، لان وقوع هذه الآثار عندها ليس بدائم ولا أكثري.

وقال - ره - في الدروس: ويحرم اعتقاد تأثير النجوم مستقلة أو بالشركة والاخبار عن الكائنات بسببها أما لو أخبر بجريان العادة أن الله تعالى يفعل كذا عند كذا لم يحرم وإن كره، على أن العادة فيها لا تطرد إلا فيما قل، وأما علم النجوم فقد حرمه بعض الأصحاب، ولعله لما فيه من التعرض للمحظور من اعتقاد التأثير، أو لان أحكامه تخمينية، وأما علم هيئة الأفلاك فليس حراما بل ربما كان مستحبا لما فيه من الاطلاع على حكم الله وعظم قدرته.

وقال المحقق الشيخ علي - أجزل الله تشريفه -: التنجيم الاخبار عن أحكام النجوم باعتبار الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية التي مرجعها إلى القياس والتخمين - إلى أن قال - وقد ورد عن صاحب الشرع النهي عن تعلم النجوم بأبلغ وجوهه، إذا تقرر ذلك فاعلم أن التنجيم مع اعتقاد أن للنجوم تأثيرا في الموجودات السفلية ولو على جهة المدخلية حرام، وكذا تعلم النجوم على هذه الوجه، بل هذا الاعتقاد كفر في نفسه - نعوذ بالله - أما التنجيم لا على هذا الوجه مع التحرز عن الكذب فإنه جائز، فقد ثبت كراهية التزويج وسفر الحج في العقرب، وذلك من هذا القبيل، نعم هو مكروه ولا ينجر إلى الاعتقاد الفاسد، وقد ورد النهي عنه مطلقا حسما للمادة.

وقال الشيخ البهائي - ره -: ما يدعيه المنجمون من ارتباط بعض الحوادث السفلية بالاجرام العلوية إن زعموا أن تلك الاجرام هي العلة المؤثرة في تلك الحوادث بالاستقلال أو أنها شريكة في التأثير فهذا لا يحل للمسلم اعتقاده، وعلم النجوم المبتني على هذا كفر والعياذ بالله، وعلى هذا حمل ما ورد في الحديث من التحذير عن علم النجوم والنهي عن اعتقاد صحته، وإن قالوا إن اتصالات تلك

الاجرام وما يعرض لها من الأوضاع علامات على بعض حوادث هذا العالم مما يوجده الله سبحانه بقدرته وإرادته، كما أن حركات النبض واختلافات أوضاعه علامات يستدل بها الطبيب على ما يعرض للبدن من قرب الصحة أو اشتداد المرض ونحو ذلك، وكما يستدل باختلاج بعض الأعضاء على بعض الأحوال المستقبلة، فهذا لا مانع منه ولا حرج في اعتقاده، وما روي من صحة علم النجوم وجواز نقله محمول على هذا المعنى.

ثم قال - ره -: الأمور التي يحكم بها المنجمون من الحوادث الاستقبالية أصول بعضها مأخوذة من أصحاب الوحي سلام الله عليهم، وبعض الأصول يدعون فيها التجربة، وبعضها مبتن على أمور متشعبة لا تفي القوة البشرية في الأغلب بضبطها والإحاطة بها، كما يومئ إليه قول الصادق عليه السلام (كثيرة لا يدرك وقليله لا ينتج) فلذلك وجد الاختلاف في كلامهم، وتطرق الخطاء إلى بعض أحكامهم ومن اتفق له الجري على الأصول الصحيحة صح كلامه وصدقت أحكامه لا محالة كما نطق به كلام الصادق عليه السلام في الرواية المذكورة قبيل هذا الفصل - يعني رواية ابن سيابة - ولكن هذا أمر عزيز المنال، لا يظفر به إلا القليل، والله الهادي إلى سواء السبيل.

ولابن سينا كلام في هذا الباب، قال في فصل المبدء والمعاد من إلهيات الشفاء:

لو أمكن إنسانا من الناس أن يعرف الحوادث التي في الأرض والسماء جميعا وطبائعها لفهم كيفية ما يحدث في المستقبل، وهذا المنجم القائل بالاحكام مع أن أوضاعه الأولى ومقدماته ليست مستندة إلى برهان بل عسى أن يدعي فيها التجربة أو الوحي وربما حاول قياسات شعرية أو خطابية في إثباتها فإنه إنما يعول على دلائل جنس واحد من أسباب الكائنات، وهي التي في السماء، على أنه لا يضمن الإحاطة بجميع الأحوال التي في السماء، ولو ضمن لنا في ذلك ووفي به لم يمكنه أن يجعلنا بحيث نقف على وجود جميعها في كل وقت، وإن كان جميعها من حيث فعله وطبعه معلوما عنده. ثم قال في آخر كلامه: فليس لنا إذن اعتماد على أقوالهم، وإن سلمنا

متبرعين أن جميع ما يعطونا من مقدماتهم الحكمية صادقة (انتهى).

وقال الشيخ أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي - ره - في كتاب كنز الفوائد في الرد على من قال إن الشمس والقمر والنجوم علل موجبات كلاما طويل الذيل يرجع حاصله إلى أن هذه الكواكب والأوضاع إن كانت عللا للحوادث فما الحاجة إلى الاطلاع على الاحكام، وأخذ الطوالع عند المواليد، وعمل الزوايج وتحاويل السنين، مع أن الانسان لا يقدر على أن يزيد فيه في سعده ولا أن ينقص به من نحسه، وما أوجبه مولده فهو كائن لا مغير له، مع أنه إذا علم حصول سعادة قبل وقوعها يكون قلق النفس، منقسم الخاطر، يستبعد قرب الساعات، ويستطيل قصر الأوقات، تشوقا إلى ما يرد، وتطلعا إلى ما وعد، وفي ذلك ما يقطعه عن منافعه، ويقصر به عن حركاته في مصالحه اتكالا على ما يأتيه، وربما أخلف الوعد وتأخر السعد، فليس جميع أحكامكم تصيب، ولا الغلط منكم بعجيب فتصير المنفعة مضرة، وأما متوقع المنحسة فلا شك أنه قعد تعجل الشدة رهبة من قدومها، وعظم هلعه بهجومها، وإن قلتم إن الانسان يمكنه أن يحترز من المنحسة فيدفعها أو ينقص منها فقد أبطلتم دعواكم أنها مدبرة.

ثم قال: وأنا أخبرك بعد هذا بطرق من بطلان أفعالهم، ونكت من فساد استدلالهم. اعلم أن تسمية البروج الاثني عشر بالحمل والثور والجوزاء وغيرها لا أصل لها ولا حقيقة، وإنما وضعها الراصدون لهم فحصل متعارفا بينهم، وكذلك جميع الصور التي عن جنبي منطقة البروج والجميع ثمان وأربعون صورة عندهم مشهورة، وعلماؤهم معترفون بأن ترتيب هذه الصور وتشبيهها وقسمة الكواكب عليها وتسميتها صنعها حذاقهم الراصدون لها، وقد ذكر هذا أبو الحسين عبد الرحمن ابن عمر الصوفي، وهو من جملتهم، وله مصنفات لم يعمل مثلها في عملهم، وبينه في الجزء الأول من كتابه الذي عمله في الصور، وقد ذكر رصد الأوائل منهم الكواكب وأنهم رتبوها في المقادير والعظم ست مراتب، وبين أنهم الفاعلون لذلك، وقال:

إنهم وجدوا من هذه الكواكب تسعمائة وسبعة عشر كوكبا ينتظم منها ثمانية

وأربعون صورة، كل صورة منها تشتمل على كواكبها، وهي الصور التي أثبتها بطلميوس في المجسطي، بعضها في النصف الشمالي من الكرة، وبعضها على منطقة البروج التي هي طريقة الشمس والقمر والكواكب السريعة السير، وبعضها في النصف الجنوبي منها، فسموا كل صورة منها باسم الشئ المشبه بها، فبعضها على صورة الانسان مثل كوكبة الجوزاء، وكوكبة الجاثي على ركبتيه وكوكبة العواء وبعضها على صورة الحيوانات البرية والبحرية، مثل الحمل والثور والسرطان والأسد والعقرب والحوت والدب الأكبر والدب الأصغر، وبعضها خارج عن شبه الانسان وسائر الحيوانات، مثل الإكليل والميزان، وإنما فعلوا ذلك ليكون لكل كوكب اسم يعرف به متى أشاروا إليه، لمعرفة أوقات الليل والطالع في كل وقت وأشياء عظيمة المنفعة (انتهى).

ثم قال الكراجكي: وهو دليل واضح على أن الصور والاشكال والأسماء والألقاب ليست على سبيل الواجب والاستحقاق، وإنما هي اصطلاح واختيار، ولو غيرت عن ذلك إلى تشبيه آخر لأمكن وجاز. ثم إنهم بعد هذه الحال جعلوا كثيرا من الاحكام مستخرجا من هذه الصور والاشكال، ومنتسبا إلى الأسماء الموضوعة والألقاب، حتى كأنها على ما ذكروه بنحو واجب ودليل عقل ثبت!

فقالوا إن الحكم على الكسوف على ما حكاه ابن هنبثي عن بطلميوس أنه إذا كان البرج الذي يقع فيه الكسوف من ذوات الأجنحة مثل العذراء والرامي والدجاجة والنسر وما أشبهها كان الحادث في الطير الذي يأكله الناس، وإن كان في صورة الحيوان مثل السرطان والدلفين كان الحادث في الحيوانات البحرية أو النهرية. وفي هذه فضيحة عظيمة. أما يعلم هؤلاء القوم أنهم الذين جعلوا ذوات الأجنحة بأجنحة والصور البحرية بحرية؟! وأنه لولا ما فعلوه لم يكن شئ مما ذكروه، فكيف صارت أفعالهم التي ابتدعوها وتشبيهاتهم التي وضعوها موجبة لان يكون حكم

الكسوف مستخرجا منها وصادرا عنها؟! وهذا يؤدي إلى أنهم المدبرون للعالم إذ كانت أفعالهم سببا لما توجبه الكوكب.

ثم أورد - ره - كثيرا من هذه الالزامات المسكتة عليهم، ثم قال: والصور عندهم لا تثبت في مواضعها ولا تستقر على أقسامها، وصورة الحمل التي يقولون إنها أول البروج قد سفل إلى مكان البرج الثاني، والحمل في الحوت، إذ الثوابت متحركة عندهم بحركة بطيئة خفية، ولخفاء حركتها سموها الثابتة، وإن وجدوها في الارصاد مختلفة. وقال الصوفي في كتاب الصور: إن مواضع هذه الصور التي على منطقة فلك البروج كانت منذ ثلاثة آلاف سنة في غير هذه الأقسام، وإن صورة الحمل كانت في القسم الأول وكان يسمى الأول من البروج الثور، والثاني الجوزاء، والثالث السرطان، ولما جددوا الارصاد في أيام (طيموخارس) وجدوا صورة الحمل قد انتقلت إلى القسم الأول من الأقسام الاثني عشر الذي هو بعد نقطة التقاطع غيروا أساميها، فسموا القسم الأول الحمل، والثاني الثور والثالث الجوزاء. قال: ولا يخالفنا أحد في أن هذه الصور تنتقل حركاتها على مر الدهور على أماكنها، حتى تصير صورة الحمل في القسم التاسع الذي للميزان وصورة الميزان في القسم الأول الذي للحمل، فيسمى أول البروج الميزان، و الثاني العقرب ثم مر في كلامه موضحا عما ذكرناه من تنقلها الموجب لتغير أسماء بروجها: وهم مجمعون على أن الكوكبين المتقاربين المعروفين بالشرطين على قرني الحمل، وهما أول منازل القمر، فيجب أن يكونا أول البروج الاثني عشر ومن امتحنهما في وقتنا هذا وهو من سنة ثمان وعشرين وأربعمائة للهجرة الموافقة لسنة ألف وثلاثمائة وثمان وأربعين لذي القرنين وجد أحدهما في عشرين درجة من من الحمل والأخرى في إحدى وعشرين منه، أعني من البرج الأول، فأي برج من البروج الاثني عشر يبقى على صورة واحدة؟ وكيف يثبت الحكم لأول البروج بأنه دال على الوحوش وعلى كل ذي ظلف؟ وقد انتقلت إليه أكثر صورة الحوت وكذلك حال جميع البروج.

ثم ذكر - ره - كثيرا من أغلاطهم واشتباهاتهم إلى أن قال: وأنا أذكر لك بعد هذا مقالتنا في النجوم وما نعتقده فيها لتعرف الطريقة في ذلك فتعتمد عليها: اعلم أيدك الله أن الشمس والقمر والنجوم أجسام محدثة من جنس أجسام العالم، مؤتلفة من أجزاء تحلها الاعراض، وليست بفاعلة في الحقيقة ولا ناطقة، ولا حية قادرة، وقد قال شيخنا المفيد - ره - إنها أجسام نارية، فأما حركتها فهي فعل الله تعالى فيها، وهو المحرك لها، وهي من آياته الباهرة في خلقه، وزينة لسمائه، وفيها منافع لعباده لا تحصى، وبها يهتدي السائرون برا وبحرا، قال الله تعالى (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) وفيها للخلق مصالح لا يعلمها إلا الله، فأما التأثير المنسوب إليها فإنا لا ندفع كون الشمس والقمر مؤثرين في العالم، ونحن نعلم أن الأجسام وإن كان لا يؤثر أحدها في الآخر إلا مع مماسة بينهما بأنفسهما أو بواسطة فإن للشمس والقمر شعاعا متصلا بالأرض وما عليها، يقوم مقام المماسة، وتصح به التأثيرات الحادثة، ومن ذا الذي ينكر تأثير الشمس والقمر وهو موجود مشاهد؟

وإن كان تأثير الشمس أظهر للحس وأبين من تأثير القمر في الأزمان والبلدان والنبات والحيوان، فأما غيرهما من الكواكب فلسنا نجد لها تأثيرا نحس، ولا نقطع على وجوبه بالعقل، ولا هو أيضا من الممتنع المستحيل، بل من الجائز في العقول، لان لها شعاعا متصلا بالأرض، وإن كان دون شعاع الشمس والقمر فغير منكر أن يكون لها تأثير يخفى عن الحس خارج عن أفعال الخلق، فإن كان لها تأثير كما يقال كان تأثيرها مع تأثير الشمس والقمر في الحقيقة من أفعال الله عز وجل، وليس يصح إضافته إليها إلا على وجه التوسع والتجوز، كما تقول:

أحرقت النار، وبرد الثلج، وقطع السيف، وشج الحجر، وفي الحقيقة إن النار احرق بها، والثلج برد بها، وقطع أيضا بالسيف، وشج بالحجر، وكذلك قولنا: أحمت الشمس الأرض ونفعت الزرع، وفي الحقيقة إن الله تعالى أحمى بها ونفع، ومما يدل على أن الله تعالى يستعمل شيئا بشئ قوله عز وجل (وهو

الذي أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا) وقوله تعالى (وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون) وليس فيما ذكرناه رجوع إلى قول أصحاب الاحكام، والاقرار بما أنكرناه عليهم في متقدم الكلام، لأنا أنكرنا عليهم إضافتهم تأثيرات الشمس والقمر إليهما من دون الله سبحانه، وقطعهم على ما جوزناه من تأثيرات الكواكب بغير حجة عقلية ولا سمعية، وإضافتهم إلى جميع الأفعال في الحقيقة، مع دعواهم لها بالحياة والقدرة، فأنكرنا عليهم أن يكون الشمس والقمر أو شئ من الكواكب فاعلا لأفعالنا، أو تكون حركته شيئا موجبا لوقوع الأفعال عنا، لشهادة العقل الصحيح بأن أفعالنا لو كانت مخترعة فينا أو كائنة عن سبب أوجبها من غيرنا لم تقع بحسب قصودنا وإراداتنا، وكانت لا فرق بينها وبين جميع ما يفعل فينا من صحتنا وسقمنا وتأليف أجسامنا، وفي حصول الفرق دلالة على اختصاصها بنا، وبرهان واضح على أنها حدثت عن قدرتنا، وأنه لا سبب لها غير اختيارنا، وأنكرنا عليهم قولهم إن الله لا يفعل في العالم فعلا إلا والكواكب دالة عليه، فإن كل شئ تدل عليه فلا بد من كونه، وهذا باطل لأنه لو ثبت لها تأثير أو دلالة فإن الله تعالى أجرى بذلك العادة، وليس بمستحيل منه تغيير تلك العادة لما يراه من المصلحة، وقد يصرف الله تعالى السوء عن عبده بدعوة ويزيد في أجله بصلة رحم أو صدقة. هذا الذي ثبتت لنا عليه الأدلة، وهو الموافق للشريعة، وليس هو بملائم لما يدعيه المنجمون - والحمد لله - وأنكرنا عليهم اعتمادهم في الاحكام على أصول متناقضة، ومقدمات مفتعلة، ودعاو مظنونة وليس لهم على شئ منها بينة، فإن كان لهذا العلم أصل صحيح على وجه يسوغ في العقل ويجوز، فليس هو مما في أيديهم، ولا من جملة دعاويهم، وقد قال شيخنا المفيد

رحمه الله: إن الاستدلال بحركات النجوم على كثير مما سيكون لا يمنع العقل منه ولسنا نمنع أن يكون الله جل اسمه أعلمه بعض أنبيائه، وجعله علما على صدقه (انتهى كلام الكراجكي ره).

وقال شيخ المتكلمين محمود بن علي الحمصي ره في ذكر علم النجوم:

إنا لا نرد عليهم فيما يتعلق بالحساب في تسيير النجوم واتصالاتها التي يذكرونها فان ذلك مما لا يهمنا ولا هو مما يقابل بإنكار ورد. ثم قال - ره - في إنكار كون النجوم عللا موجبة: يبطل ذلك بكل ما يبطل به دعوة المجبرة بأننا غير مختارين.

ثم قال: فإن قيل: كيف تنكرون الاحكام وقد علمنا أنهم يحكمون بالكسوف والخسوف ورؤية الأهلة ويكون الامر على ما يحكمون في ذلك؟ وكذلك يخبرون عن أمور مستقبلة تجري على الانسان وتجري تلك الأمور على ما أخبروا عنها فمع وضوح الامر فيما ذكرناه كيف تدفع الاحكام؟

قلنا: إن إخبارهم عن الكسوف والخسوف ورؤية الأهلة فليس من الاحكام وإنما هو من باب الحساب، إنما الحكم أن يقولوا إذا كان كسوف أو خسوف كان من الحوادث كذا وكذا.

ثم قال: فأما الأمور المستقبلة التي يخبرون عنها فأكثرها لا تقع على ما يخبرون عنه، وإنما يقع قليل منه بالاتفاق، ومثل ذلك يتفق لأصحاب الفال والزجر الذين لا يعرفون النجوم، بل للعاجز اللواتي يتفألن بالأحجار، و الذي قد يخبر المصروع وكثير من ناقصي العقول عن أشياء فيتفق وقوع ما يخبرون عنه (انتهى).

والسيد الجليل النبيل علي بن طاووس - ره - لأنس قليل له بهذا العلم عمل في ذلك رسالة، وبالغ في الانكار على من اعتقد أن النجوم ذوات إرادة أو فاعلة أو مؤثرة، واستدل على ذلك بدلائل كثيرة، وأيده بكلام جم غفير من الأفاضل إلا أنه أنكر على السيد الاجل المرتضى - ره - في تحريمه، وذهب إلى أنه من العلوم المباحات، وأن النجوم علامات ودلالات على الحادثات، لكن يجوز للقادر

الحكيم أن يغيرها بالبر والصدقة والدعاء وغير ذلك من الأسباب والدواعي على وفق إرادته وحكمته، وجوز تعليم علم النجوم وتعلمه والنظر فيه والعمل به إذا لم يعتقد أنها مؤثرة، وحمل أخبار النهي والذم على ما إذا اعتقدت ذلك، ثم ذكر - ره - تأييدا لصحة هذا العلم أسماء جماعة من الشيعة كانوا عارفين به: فقال:

إن جماعة من بني نوبخت كانوا علماء بالنجوم، وقدوة في هذا الباب، ووقفت على عدة مصنفات لهم في النجوم، وأنها دلالات على الحادثات، منهم الحسن بن موسى النوبختي، ومن علماء المنجمين من الشيعة أحمد بن محمد بن خالد البرقي، وذكر النجاشي في كتبه كتاب النجوم، ومنهم أحمد بن محمد بن أحمد بن طلحة، فقد عد الشيخ والنجاشي من كتبه كتاب النجوم، والشيخ النجاشي كان له تصنيف في النجوم ومن المذكورين بعلم النجوم الجلودي البصري، ومنهم علي بن محمد بن العدوي الشمشاطي، فإنه ذكر النجاشي أن له رسالة في إبطال أحكام النجوم، ومنهم علي بن محمد بن العباس، فإن النجاشي ذكر في كتبه كتاب الرد على المنجمين وكتاب الرد على الفلاسفة، ومنهم محمد بن أبي عمير - واستند إلى الخبر السابق وقد عرفت ما فيه - قال: ومنهم محمد بن مسعود العياشي، فإنه ذكر في تصانيفه كتاب النجوم، ومنهم موسى بن الحسن بن عباس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت قال النجاشي: كان حسن المعرفة بالنجوم، وله مصنفات فيه، وكان مع ذلك حسن العبادة والدين، ومنهم الفضل بن أبي سهل بن نوبخت، وصل إلينا من تصانيفه ما يدل على قوة معرفته بالنجوم، وذكر عن العيون ما أوردته في أبواب تاريخ الرضا عليه السلام من أنه أخبر المأمون بخطاء المنجمين في الساعة التي اختاروها لولاية العهد، فزجره المأمون ونهاه أن يخبر به أحدا، فعلم أنه تعمد ذلك. ومنهم السيد الفاضل علي ابن أبي الحسن العلوي المعروف بابن الأعلم، وكان صاحب الزيج، ومنهم أبو الحسن النقيب الملقب (أباقيراط) ومنهم الشيخ الفاضل الشيعي علي بن الحسين بن علي المسعودي مصنف كتاب (مروج الذهب) ومنهم أبو القاسم بن نافع من أصحابنا الشيعة، ومنهم إبراهيم الفزاري صاحب القصيدة في النجوم وكان منجما للمنصور

ومنهم الشيخ الفاضل أحمد بن يوسف بن إبراهيم المصري كاتب آل طولون، ومنهم الشيخ الفاضل محمد بن عبد الله بن عمر البازيار القمي تلميذ أبي معشر، ومنهم الشيخ الفاضل أبو الحسين بن أبي الخضيب القمي، ومنهم أبو جعفر السقاء المنجم ذكره الشيخ في الرجال، ومنهم محمد بن أحمد بن سليم الجعفي مصنف كتاب الفاخر، و منهم محمود بن الحسين بن السندي بن شاهك المعروف بكشاجم، ذكر ابن شهرآشوب أنه كان شاعرا منجما متكلما، ومنهم العفيف بن قيس أخو الأشعث، ذكره المبرد وقد مر أنه قيل: هو الذي أشار إلى أمير المؤمنين عليه السلام بترك قتال الخوارج في الساعة التي أراد.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.