بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
9. باب الشمس والقمر وأحوالهما وصفاتهما والليل والنهار وما
ج ۵۵، ص ۱۱۲–۱۴۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۴
البقرة: يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج.
آل عمران: تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل.
الانعام: فالق الاصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم.
الأعراف: يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره.
يونس: هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون.
وقال تعالى: هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون.
الرعد: وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى إلى قوله يغشي الليل النهار.
إبراهيم: وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار.
النحل: وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك الآيات لقوم يعقلون.
الاسراء: وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئ فصلناه تفصيلا.
الكهف: حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما إلى قوله تعالى حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا.
الأنبياء: وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون.
الحج: ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير.
المؤمنون: وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون.
النور: يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الابصار.
الفرقان: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا * وهو الذي جعل الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا وقال سبحانه: تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا * وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا.
النمل: أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر وقال تعالى: ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكن وفيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون.
القصص: قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيمة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون * ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون.
العنكبوت: ولئن سئلتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس و القمر ليقولن الله فأنى يؤفكون.
الروم: ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله.
لقمان: ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير.
فاطر: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك.
يس: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون * والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون.
الصافات: ورب المشارق.
الزمر: خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور
النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار.
المؤمن: الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر لا يشكرون.
السجدة: ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون.
الرحمن: الشمس والقمر بحسبان وقال تعالى: رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ربكما تكذبان.
الحديد: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.
المعارج: فلا اقسم برب المشارق والمغارب.
نوح: وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا.
المدثر: كلا والقمر * والليل إذ أدبر * والصبح إذا أسفر * إنها لاحدى الكبر.
النبأ: وجعلنا نومكم سباتا * وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا * وبنينا فوقكم سبعا شدادا * وجعلنا سراجا وهاجا.
التكوير: إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت إلى قوله تعالى والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس.
الفجر: والفجر وليال عشر * والشفع والوتر * والليل إذا يسر.
الشمس: والشمس وضحيها * والقمر إذا تليها * والنهار إذا جليها * و الليل إذا يغشيها.
الضحى: والضحى والليل إذا سجى.
الفلق: قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب.
تفسير: (يسألونك عن الأهلة) قال البيضاوي: سأله معاذ بن جبل وثعلبة ابن غنم فقالا: ما بال الهلال يبدو دقيقا كالخيط ثم يزيد حتى يستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ؟ فنزلت (قل هي مواقيت للناس والحج) إنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال القمر وتبدل أمره فأمره الله أن يجيب بأن الحكمة الظاهرة في ذلك أن يكون معالم للناس يواقتون بها أمورهم، ومعالم للعبادات الموقتة يعرف بها أوقاتها، وخصوصا الحج، فإن الوقت مراعى فيه أداء وقضاء والمواقيت جمع ميقات من الوقت. وقال في قوله تعالى (تولج الليل في النهار) إيلاج الليل والنهار إدخال أحدهما في الآخر بالتعقيب أو الزيادة والنقص.
وقال في قوله تعالى (فالق الاصباح) شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل أو عن بياض النهار، أو شاق ظلمة الاصباح وهو الغبش الذي يليه، والاصباح في الأصل مصدر
(أصبح) إذا دخل في الصبح سمي به الصبح. وقرئ بفتح الهمزة على الجمع (وجاعل الليل سكنا) يسكن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه، من (سكن إليه) إذا اطمأن إليه استئناسا به، أو يسكن فيه الخلق من قوله (لتسكنوا فيه) ونصبه بفعل دل عليه (جاعل) لا به، فإنه في معنى الماضي، ويدل عليه قراءة الكوفيين (وجعل الليل) حملا على معنى المعطوف عليه، فإن فالق بمعنى فلق فلذلك قرئ به، أو به على أن المراد منه جعل مستمر في الأزمنة المختلفة، وعلى هذا يجوز أن يكون (والشمس والقمر) عطفا على محل الليل ويشهد له قراءتهما بالجر، و الأحسن نصبهما بجعل مقدر، وقرئ بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي مجعولان (حسبانا) أي على أدوار مختلفة تحسب بها الأوقات ويكونان علمي الحساب وهو مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب بالكسر وقيل: جمع حساب كشهاب وشهبان. (ذلك) إشارة إلى جعلهما حسبانا أي ذلك السير بالحساب المعلوم (تقدير العزيز) الذي قهرهما وسيرهما على الوجه المخصوص (العليم) بتدبيرهما والأنفع من التداوير الممكنة لهما.
وفي قوله تعالى (يغشي الليل النهار) يغطيه به، ولم يذكر عكسه للعلم به أو لان اللفظ يحتملهما، ولذلك قرئ (يغشي الليل النهار) بنصب الليل ورفع النهار، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم بالتشديد وفي الرعد للدلالة على التكرير (يطلبه حثيثا) يعقبه سريعا كالطالب له لا يفصل بينهما شئ والحثيث : فعيل من الحث، وهو صفة مصدر محذوف، أو حال من الفاعل بمعنى حاثا، أو المفعول بمعنى محثوثا. (والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره) أي بقضائه وتصريفه، ونصبها بالعطف على السماوات ونصب مسخرات على الحال وقرأ ابن عامر كلها بالرفع على الابتداء والخبر (انتهى).
وقال الرازي في قوله سبحانه (يطلبه حثيثا): اعلم أنه سبحانه وصف هذه الحركة بالسرعة والشدة، وذلك هو الحق لان تعاقب الليل والنهار إنما يحصل بحركة الفلك الأعظم وتلك الحركة أشد الحركات سرعة وأكملها شدة، حتى أن الباحثين عن أحوال الموجودات قالوا الانسان إذا كان في العدو الشديد الكامل فإلى أن يرفع رجله ويضعها يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل وإذا كان الامر كذلك كانت تلك الحركة في غاية السرعة والشدة، فلهذا السبب قال تعالى (يطلبه حثيثا) ثم قال: في هذه الآية لطائف فالأولى أن الشمس لها نوعان من الحركة:
أحدهما حركتها بحسب ذاتها وهي إنما تتم في سنة كاملة، وبسبب هذه الحركة تحصل السنة، والثاني حركتها بسبب حركة الفلك الأعظم، وهذه الحركة تتم في اليوم بليلته، إذا عرفت هذا فنقول: الليل والنهار لا يحصلان بسبب حركة الشمس بل بحركة السماء الأقصى التي يقال لها العرش، ولهذا السبب لما ذكر العرش بقوله (ثم استوى على العرش) ربط به قوله (يغشي الليل النهار) تنبيها على أن سبب حصول الليل والنهار هو حركة الفلك الأقصى لا حركة الشمس و القمر.
والثانية: أنه تعالى لما شرح كيفية تخليق السماوات قال (فقضيهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها) فدلت تلك الآلة على أنه سبحانه خص كل ذلك بلطيفة نورانية ربانية من عالم الامر، ثم قال بعده (ألا له الخلق والامر) وهو إشارة إلى أن كل ما سوى الله إما من عالم الخلق أو من عالم الامر، أما الذي هو من عالم الخلق فالخلق عبارة عن التقدير وكل ما كان جسما أو جسمانيا كان مخصوصا بمقدار معين فكان من عالم الخلق، وكل ما كان بريئا عن الحجمية والمقدار كان من عالم الأرواح ومن عالم الامر، فدل على أنه سبحانه خص كل واحد من أجرام الأفلاك والكواكب التي هي من عالم الخلق بملك
من الملائكة وهم من عالم الامر، والأحاديث الصحيحة مطابقة لذلك، وهي ما روي من الاخبار أن لله ملائكة يحركون الشمس والقمر عند الطلوع والغروب وكذا القول في سائر الكواكب، وأيضا قوله سبحانه (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) إشارة إلى أن الملائكة الذين يقومون بحفظ العرش ثمانية، ثم إذا دققت النظر قلت إن عالم الخلق في تسخير الله، وعالم الامر في تدبير الله، و استيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقدير الله، فلهذا المعنى قال (ألا له الخلق والامر).
ثم كون الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره يحتمل وجوها:
أحدها: أنا قد دللنا أن الأجسام متماثلة، ومتى كان كذلك كان اختصاص جسم الشمس بذلك النور المخصوص والضوء الباهر والتسخين الشديد والتدبيرات العجيبة في العالم العلوي والسفلي لابد وأن يكون لأجل أن الفاعل الحكيم والمقدر العليم خص ذلك الجسم بهذه الصفات، فجسم كل واحد من الكواكب والنيرات كالمسخر في قبول تلك القوى والخواص عن قدرة المدير الحكيم.
وثانيها: أن يقال إن لكل واحد من أجرام الشمس والقمر والكواكب سيرا خاصا بطيئا من المشرق إلى المغرب وسيرا آخر سريعا بسبب حركة الفلك الأعظم فالحق سبحانه خص جرم الفلك الأعظم بقوة زائدة على أجرام سائر الأفلاك باعتبارها صارت مستولية عليها قادرة على تحريكها على سبيل القهر من المشرق إلى المغرب، فأجرام الأفلاك والكواكب صارت كالمسخرة لهذا القهر و القسر.
أقول: ثم ذكر وجوها أخرى لا طائل تحتها، وفيما نقل عنه أيضا مخالفات لأصول المسلمين ومناقشات لا يخفى على المتدبرين.
(هو الذي جعل الشمس ضياء) قال البيضاوي: أي ذات ضياء، وهو مصدر كقيام، أو جمع ضوء كسياط وسوط، والياء فيه منقلبة عن الواو، وعن ابن كثير (ضئاء) بهمزتين في كل القرآن على القلب بتقديم اللام على العين (والقمر نورا) أي ذا نور، أو سمي نورا للمبالغة وهو أعم من الضوء، وقيل: ما بالذات ضوء و ما بالعرض نور، وقد نبه سبحانه بذلك على أنه خلق الشمس نيرة بذاتها و القمر نيرا بعرض مقابلة الشمس (وقدره منازل) الضمير لكل واحد أي قدر مسير كل واحد منهما منازل، أو قدره ذا منازل، أو للقمر، وتخصيصه بالذكر لسرعة سيره ومعاينة منازله وإناطة أحكام الشرع به، ولذلك علله بقوله (لتعلموا عدد السنين والحساب) أي حساب الأوقات من الأشهر والأيام في معاملاتكم و تصرفاتكم (ما خلق الله ذلك إلا بالحق) إلا متلبسا بالحق مراعيا فيه مقتضى الحكمة البالغة (يفصل الآيات لقوم يعلمون) فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها (انتهى).
(إن في اختلاف الليل والنهار) أي مجيئ كل منهما خلف الآخر، أو اختلافهما بالزيادة والنقصان المستلزم لحصول الفصول الأربعة (وما خلق الله في السماوات والأرض)) أي من الكواكب والملائكة والمواليد وأنواع الأرزاق و النعم (لآيات) أي دلالات على وجود الصانع تعالى وعلمه وقدرته وحكمته و لطفه ورحمته (لقوم يتقون) الشرك والمعاصي، فإنهم المنتفعون بها. (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) أي لسكونكم وراحتكم وراحة قواكم من التعب
والكلال (والنهار مبصرا) أي مضيئا تبصرون فيه، ونسبة الابصار إليه على المجاز (لقوم يسمعون) أي الحجج سماع تدبر وتعقل. (وسخر الشمس والقمر) قال الرازي: هذا الكلام اشتمل على نوعين من الدلالة: الأول الاستدلال على وجود الصانع القادر بحركات هذه الاجرام، وذلك لان الأجسام متماثلة فاختصاصها بالحركة الدائمة دون السكون لابد له من مخصص، وأيضا إن كل واحد من تلك الحركات مختصة بكيفية معينة من البطء والسرعة فلا بد أيضا من مخصص وأيضا تقدير تلك الحركات بمقادير مخصوصة على وجه تحصل عوداتها ودوراتها متساوية بحسب المدة حالة عجيبة فلا بد فيه من مقدر، وبعض تلك الحركات مشرقية وبعضها مغربية وبعضها مائلة إلى الشمال وبعضها إلى الجنوب وهذا أيضا لا يتم إلا بتدبير كامل وحكمة بالغة. والنوع الثاني قوله (كل يجري لأجل مسمى) وفيه قولان الأول قال ابن عباس: للشمس مائة وثمانون منزلا كل يوم لها منزل وذلك في ستة أشهر، ثم إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في ستة أشهر مرة أخرى، وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلا فالمراد بقوله (كل يجري لأجل مسمى) هذا. والثاني كونهما متحركين إلى يوم القيامة وعنده تنقطع تلك الحركات.
وقال في قوله تعالى (دائبين): معنى الدؤوب في اللغة مرور الشئ في العمل على عادة مطردة. قال المفسرون: معناه يد أبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان، فإن الشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل ولولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية.
وقال في قوله (وجعلنا الليل والنهار آيتين): فيه قولان
الأول أن يكون المراد من الآيتين نفس الليل والنهار والمعنى أنه تعالى جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا، أما في الدين فلان كل واحد منهما مضاد للآخر معاند له فكونهما متعاقبين على الدوام من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين لذاتيهما بل لابد لهما من فاعل يدبرهما ويقدرهما بالمقادير المخصوصة، وأما في الدنيا فلان مصالح الدنيا لا تتم إلا بالليل والنهار، فلولا الليل لما حصل السكون والراحة، ولولا النهار لما حصل الكسب والتصرف في وجوه المعاش، ثم قال تعالى (فمحونا آية الليل) فعلى هذا القول تكون الإضافة للتبيين، والتقدير: فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. الثاني أن يكون المراد وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين يريد الشمس والقمر فمحونا آية الليل وهي القمر، وفي تفسير محوا القمر قولان: الأول المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور فيبدو في أول الأمر في صورة الهلال ثم لا يزال يتزايد نوره حتى يصير بدرا كاملا ثم يأخذ في الانتقاص قليلا قليلا وذلك هو المحو إلى أن يعود إلى المحاق، والثاني أن المراد من محو القمر الكلف الذي يظهر في وجهه، يروي أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله جبرئيل فأمر جناحه على وجه القمر فطمس عنه الضوء، ومعنى المحو في اللغة إذهاب الأثر. وأقول: حمل المحو على الوجه الأول أولى لقوله (لتبتغوا فضلا من ربكم الآية) لان المحو إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله إذا حملناه على زيادة نور القمر ونقصانه، لان بسبب حصول هذه الحالة تختلف أحوال نور القمر وأهل التجارب بينوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحها، مثل أحوال البحار في المد والجزر، ومثل أحوال البحرانات على ما يذكره الأطباء في كتبهم. وأيضا بسبب زيادة نور القمر ونقصانه تحصل الشهور، وبسبب معاودة الشهور تحصل السنون العربية المبتنية على رؤية الأهلة كما قال (ولتعلموا عدد السنين والحساب) وأقول أيضا لو حملنا المحو على
الكلف الحاصل في وجه القمر فهو أيضا برهان قاطع على صحة قول المسلمين في المبدء والمعاد، أما دلالته على صحة قولهم في المبدء فلان جرم القمر جرم بسيط عند الفلاسفة فوجب أن يكون متشابه الصفات، فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدل على أنه ليس بسبب الطبيعة بل لأجل أن الفاعل المختار خصص بعض أجزائه بالنور القوي وبعض أجزائه بالنور الضعيف، وذلك يدل على أن مدبر العالم فاعل مختار لا موجب بالذات. وآخر ما ذكره الفلاسفة في الاعتذار عنه أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، فلما كانت تلك الاجرام أقل ضوءا من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الاجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الانسان. وهذا لا يفيد مقصود الخصم لان جرم القمر لما كان متشابه الاجزاء فلم ارتكزت تلك الاجرام الظلمانية في بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء، وبمثل هذا الطريق يتمسك في أحوال الكواكب وذلك لان الفلك جرم بسيط متشابه الاجزاء فلم يكن حصول جرم الكواكب في بعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب، وذلك يدل على أن اختصاص ذلك الكواكب بذلك الموضع المعين من الفلك لأجل تخصيص الفاعل المختار الحكيم.
وأما قوله (وجعلنا آية النهار مبصرة) ففيه وجهان: الأول أن معنى كونها مبصرة أي مضيئة، وذلك لان الإضاءة سبب لحصول الابصار، فأطلق اسم الابصار على الإضاءة إطلاقا لاسم المسبب على السبب. والثاني قال أبو عبيدة: يقال قد أبصر النهار إذا صار الناس يبصرون فيه، كقوله (رجل مخبث) إذا كان أصحابه خبثاء، و (رجل مضغف) إذا كان دوابه ضغافا، فكذا قوله (والنهار مبصرا) أي أهله بصراء (لتبتغوا فضلا من ربكم) أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم (ولتعلموا عدد السنين والحساب) أعلم أن الحساب يبنى على أربع مراتب: الساعات
والأيام، والشهور، والسنون. فالعدد للسنين، والحساب لما دون السنين وهي الشهور والأيام والساعات، وبعد هذه المراتب الأربعة لا يحصل إلا التكرار كما أنهم رتبوا العدد على أربع مراتب: الآحاد، والعشرات، والمئات، والألوف وليس بعدها إلا التكرار.
(وكل شئ فصلناه تفصيلا) أي كل شئ بكم إليه حاجة في مصالح دينكم ودنياكم فصلنا وشرحنا. وقال في قوله سبحانه (وجدها تغرب في عين حمئة) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم (في عين حامية) بالألف من غير همزة أي حارة. وعن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله على جمل، فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر أين تغرب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تغرب في عين حامئة وهي قراءة ابن مسعود وطلحة، وأبو عمرو والباقون (حمئة) وهي قراءة ابن عباس. واتفق أن ابن عباس كان عند معاوية فقرأ معاوية (حامية) فقال ابن عباس: حمئة، فقال معاوية لعبد الله بن عمر: كيف تقرأ؟ فقال: كما يقرء أمير المؤمنين، ثم وجه إلى كعب الأحبار وسأله كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التورية. والحمئة ما فيه حمأة سوداء. واعلم أنه لا تنافي بين الحمئة والحامية، فجائز أن يكون الماء جامعا للوصفين. ثم اعلم أنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة، وأن السماء محيطة بها ولا شك أن الشمس في الفلك. وأيضا قال: (وجد عندها قوما) ومعلوما أن جلوس القوم في قرن الشمس غير موجود، وأيضا فالشمس أكبر من الأرض مرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟!
إذا ثبت هذا فنقول: في تأويله وجوه:
الأول: أن ذا القرنين لما بلغ موضعا ما في المغرب لم يبق بعده شئ من
العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في وهدة مظلمة وإن لم يكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغرب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر، ذكره الجبائي.
الثاني: أن بالجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية، وهي أيضا حمئة لكثرة ما فيها من الباه وهي الحمأة السوداء، فقوله (تغرب في عين حمئة) إشارة إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط البحر به، وهو موضع شديد السخونة.
الثالث: قال أهل الأخبار إن الشمس تغرب في عين حمئة كثيرة الحاء والحمأة وهذا في غاية البعد، وذلك أنا إذا رصدنا كسوفا قمريا ورأينا أهل المغرب قالوا حصل هذا الكسوف أول الليل. رأينا أهل المشرق قالوا حصل في أول النهار فعلمنا أن ما هو أول الليل عند أهل المغرب فهو أول النهار عند أهل المشرق، بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد ووقت الظهر في بلد آخر ووقت الضحوة في بلد ثالث ووقت طلوع الشمس في بلد رابع ونصف الليل في بلد الخامس، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقراء والاختبار وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال إنها تغيب في الطين والحمأة كلاما على خلاف اليقين، وكلام الله مبرأ عن البهمة فلم يبق إلا أن يضاف إلى التأويل الذي ذكرنا، والضمير في قوله (عندها)) عائد إلى الشمس لان الانسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك فكان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس، أو عائد إلى العين.
وقال في قوله (وجدها تطلع) أي وجد الشمس تطلع (على قوم لم نجعل
لهم من دونها سترا) فيه قولان: الأول أنه شاطئ بحر لا جبل ولا شئ يمنع من وقوع شعاع الشمس عليهم، فلهذا السبب إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب وأغلة في الأرض أو غاصوا في الماء فيكون عند طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف في المعاش، وعند غروبها يشتغلون بتحصيل مهمات المعاش، وحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق.
والقول الثاني: أن معناه لا ثياب لهم ويكونون كسائر الحيوانات عراة أبدا وفي كتب الهيئة أن حال أكثر الزنج كذلك، وحال كل من سكن البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك، وذكر في كتب التفسير أن بعضهم قال: سافرت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء القوم فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فبلغتهم وإذا أحدهم يفرش إحدى أذنيه ويلبس الأخرى، فلما قرب طلوع الشمس سمعت صوتا كهيئة الصلصلة فغشي علي ثم أفقت فلما طلعت الشمس إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلوا في سربالهم، فلما ارتفع النهار جعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج.
(كل في فلك) أي كل منهما أو مع النجوم بقرينة الجمع في فلك واحد أو كل واحد منهما أو منها في فلك على حدة (يسبحون) أي يجرون. قال الرازي:
لا يجوز أن يقول كل في فلك يسبحون إلا ويدخل في الكلام مع الشمس والقمر النجوم ليثبت معنى الجمع والكل. ثم قال: الفلك في كلام العرب كل شئ دائر (وجمعه أفلاك) واختلف العقلاء فيه فقال بعضهم: الفلك ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم، وهو قول الضحاك، وقال الأكثرون بل هي أجسام تدور النجوم عليها وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن، ثم اختلفوا في كيفيته فقال بعضهم:
الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه، وقال الكلبي: ماء
مكفوف أي مجموع تجري فيه الكواكب، واحتج بأن السباحة لا تكون إلا في الماء. قلنا: لا نسلم، فإنه يقال للفرس الذي يمد يديه في الجري (سابح) وقال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة: إنها أجرام صلبة لا خفيفة ولا ثقيلة غير قابلة للخرق والالتئام والنمو والذبول. والحق أنه لا سبيل إلى معرفة السماوات إلا بالخبر. واختلف الناس في حركات الكواكب، والوجوه الممكنة فيها ثلاثة: فإنه إما أن يكون الفلك ساكنا والكواكب تتحرك فيه، كحركة السمكة في الماء الراكد، وإما أن يكون الفلك متحركا والكواكب تتحرك فيه أيضا، إما مخالفا لجهة حركته أو موافقا لجهته، إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة، وإما أن يكون الفلك متحركا والكواكب ساكنة، أما الرأي الأول فقالت الفلاسفة إنه باطل لأنه يوجب خرق الفلك وهو محال عندهم وأما الرأي الثاني فحركة الكواكب إن فرضت مخالفة لحركة الفلك فذاك أيضا يوجب الخرق، وإن كانت حركتها إلى جهة حركة الفلك فإن كانت مخالفة لها في السرعة والبطء لزم الانخراق وإن استويا في الجهة والسرعة والبطء فالخرق أيضا لازم لان الكواكب تتحرك بسبب حركته فتبقى حركته الذاتية زائدة فيلزم الخرق فلم يبق إلا القسم الثالث وهو أن يكون الكواكب مغروزا في الفلك واقفا فيه، والفلك يتحرك، فيتحرك الكواكب بسبب حركة الفلك. واعلم أن مدار هذا الكلام على امتناع الخرق على الأفلاك وهو باطل، بل الحق أن الأقسام الثلاثة ممكنة والله تعالى قادر على كل الممكنات، والذي يدل عليه لفظ القرآن أن تكون الأفلاك واقفة والكواكب تكون جارية فيها كما تسبح السمكة في الماء. واحتج (ابن سينا) على أن الكواكب أحياء ناطقة بقوله (يسبحون) فإن الجمع بالواو والنون لا يكون إلا للعقلاء، وبقوله تعالى: (والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)
والجواب: إنما جعل واو الضمير للعقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة.
فان قلت: لكل واحد من القمرين فلك على حدة فكيف قيل جميعهم يسبحون في فلك؟
قلت هذا كقوله (كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفا) أي كل واحد منهم.
(وله اختلاف الليل والنهار) قال البيضاوي: أي ويختص به تعاقبهما لا يقدر عليه غيره، فيكون ردا لنسبته إلى الشمس حقيقة أو مجازا أو لامره وقضائه تعاقبهما أو انتقاص أحدهما وازدياد الآخر. وفي قوله سبحانه (يقلب الله الليل والنهار) بالمعاقبة بينهما، أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور، أو ما يعم ذلك (إن في ذلك) فيما تقدم ذكره (لعبرة لأولي الابصار) لدلالته على وجود الصانع القديم وكمال قدرته وإحاطة علمه ونفاذ مشيته وتنزهه على الحاجة وما يفضي إليها لمن يرجع إلى بصيرة.
قوله تعالى (ألم تر إلى ربك) أقول: للعلماء في تأويل هذه الآية مسالك:
الأول ألم تنظر إلى صنع ربك كيف بسطه، أو ألم تنظر إلى الظل كيف بسطه ربك فغير النظم إشعارا بأن المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه، أو ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل وهو فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الأحوال، فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس يسخن الهواء ويبهر البصر ولذلك وصف به الجنة فقال (وظل ممدود. (ولو شاء لجعله ساكنا) أي ثابتا من السكنى، أو غير .
متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد. (ثم جعلنا الشمس عليه دليلا) فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوؤها على بعض الاجرام إذ لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها (ثم قبضناه إلينا) أي أزلناه بإيقاع الشعاع موقعه (قبضا يسيرا) أي قليلا قليلا حسب ما ترتفع الشمس لتنتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق، و (ثم) في الموضعين لتفاضل الأمور، أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها.
الثاني أن المعنى مد الظل لما بنى السماء بلا نيرودحا الأرض تحتها وألقت عليها ظلها (ولو شاء لجعله ثابتا) على تلك الحال، ثم خلق الشمس عليه دليلا أي مسلطا عليهم مستتبعا إياه كما يستتبع الدليل المدلول، أو دليل الطريق من يهديه يتفاوت بحركتها ويتحول بتحولها (ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا) شيئا فشيئا إلى أن ينتهى نقصانه، أو قبضا سهلا عند قيام الساعة بقبض أسبابه من الاجرام المظلة والمظل عليها. وهذان الوجهان ذكرهما البيضاوي وغيره من المفسرين.
الثالث: أن يكون المراد بالظل الروح كما يطلق عالم الظلال على عالم الأرواح لأنها تابعة للبدن كالظل، أو لكونها أجساما لطيفة، أو لتجردها إن قيل به (ولو شاء لجعله ساكنا) بعدم تعلقها بالأجساد، والمراد بالشمس شمس عالم الوجود وهو الرب تعالى لأنه دليل الممكنات إلى الوجود وسائر الكمالات، و قبضه عبارة عن قبض الروح شيئا فشيئا إلى أن يموت الشخص، وفي قوله (ثم جعلنا الشمس) نوع التفاوت.
الرابع: أن يراد بالظل الأنبياء والأوصياء عليهم السلام فإنهم ظلاله سبحانه لكونهم تابعين لإرادته متخلقين بأخلاقه، وكونهم ظلال رحمته على عباده (ولو شاء لجعله ساكنا) أي لم يبعثهم إلى الخلق (ثم جعلنا الشمس) أي شمس الوجود (عليه دليلا) أي لهم دليلا، هاديا لهم إلى كمالاتهم، وقبضه جذبهم إلى عالم القدس.
الخامس: أن يكون المراد بالظلال الأعيان الثابتة والحقائق الإمكانية على مذاق الصوفية، ومدها عبارة عن الفيض الأقدس بزعمهم، أي جعل الماهيات
ماهيات، والشمس عبارة عن الفيض المقدس وهو إفاضة الوجود، والقبض اليسير بزعمهم إشارة إلى تجدد الأمثال وإعدام كل شئ وإيجاده في كل آن، وبه أو لوا قوله سبحانه (بل هم في لبس من خلق جديد) أيضا، وربما يحمل الظل على عالم المثال كما هو ذوق المتألهين من الحكماء، وهذه احتمالات في هذه الآية التي هي من المتشابهات وما يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم.
وفسر علي بن إبراهيم الظل بما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
(وهو الذي جعل الليل لباسا) قال الطبرسي ره: أي غطاء ساترا للأشياء بالظلام كاللباس الذي يشتمل على لابسه، فالله سبحانه ألبسنا الليل وغشانا به لنسكن فيه ونستريح عن كد الاعمال (والنوم سباتا) أي راحة لأبدانكم وقطعا لاعمالكم قال الزجاج: السبات أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه (وجعل النهار نشورا) لانتشار الروح باليقظة فيه، مأخوذ من نشور البعث، وقيل: لان الناس ينتشرون فيه لطلب حوائجهم ومعايشهم، فالنشور بمعنى التفرق لابتغاء الرزق عن ابن عباس.
(تبارك) تفاعل من البركة، معناه: عظمت بركاته وكثرت عن ابن عباس والبركة: الكثرة من الخير، وقيل: معناه تقدس وجل بما لم يزل عليه من الصفات ولا يزال كذلك فلا يشاركه فيها غيره، وأصله من بروك الطير فكأنه قال:
ثبت ودام فيما لا يزل ولا يزال، عن جماعة من المفسرين. وقيل: معناه قام بكل بركة وجاء بكل بركة. ((الذي جعل في السماء بروجا) يريد منازل النجوم السبعة السيارة، وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، و السنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. وقيل:
هي النجوم الكبار، وسميت بروجا لظهورها. (وجعل فيها سراجا) أي وخلق
في السماء شمسا، ومن قرأ (سرجا) أراد الشمس والكواكب معها (وقمرا منيرا) أي مضيئا بالليل إذا لم تكن شمس (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة) أي يخلف كل واحد منهما صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه، فمن فاته عمل الليل استدركه بالنهار، ومن فاته عمل النهار استدركه بالليل، وهو قوله (لمن أراد أن يذكر) روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقضى صلاة الليل بالنهار. وقيل: معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفا لصاحبه، فجعل أحدهما أسود والآخر أبيض (لمن أراد أن يذكر) أي يتفكر ويستدل بذلك على أن لهما مدبرا ومصرفا لا يشبههما ولا يشبهانه فيوجه العبادة إليه (أو أراد شكورا) أي أراد شكر نعمة ربه عليه فيهما، وعلى القول الأول فمعناه: أراد النافلة بعد أداء الفريضة.
(أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر) قال البيضاوي: بالنجوم وعلامات الأرض، والظلمات ظلمات الليالي، والإضافة إلى البر والبحر للملابسة أو مشتبهات الطرق، يقال (طريقة ظلماء وعمياء) للتي لا منار بها.
(ليسكنوا فيه) بالنوم والقرار (والنهار مبصرا) أصله ليبصروا فيه فبولغ فيه بجعل الابصار حالا من أحواله المجعول عليها بحيث لا ينفك عنها.
(سرمدا) أي دائما، من السرد وهو المتابعة، والميم كميم (دلامص) (إلى يوم القيامة) بإسكان الشمس تحت الأرض أو تحريكها حول الأفق الغائر (من إله غير الله يأتيكم بضياء) كان حقه هل إله فذكر بمن على زعمهم أن غيره آلهة (أفلا تسمعون) سماع تدبر واستبصار. (إن جعل الله عليكم النهار سرمدا)
بإسكانها في وسط السماء أو تحريكها على مدار فوق الأفق (بليل تسكنون فيه) استراحة عن متاعب الاشغال، ولعله لم يصف الضياء بما يقابله لان الضوء نعمة في ذاته مقصود بنفسه ولا كذلك الليل، ولان منافع الضوء أكثر مما يقابله، و لذلك قرن به (أفلا تسمعون) وبالليل (أفلا تبصرون) لان استفادة العقل من السمع أكثر من استفادة من البصر (لتسكنوا فيه) أي في الليل (ولتبتغوا من فضله) أي بالنهار بأنواع المكاسب (ولعلكم تشكرون) أي ولكي تعرفوا نعمة الله في ذلك فتشكروه عليها. (ولئن سألتهم) المسؤول عنهم أهل مكة (ليقولن الله) لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود.
(ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله) منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية وقوة القوى الطبيعية وطلب معاشكم فيهما، أو منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار، فلف وضم بين الزمانين والفعلين بعاطفين إشعارا بأن كلا من الزمانين وإن اختص بأحدهما فهو صالح للآخر عند الحاجة ويؤيده سائر الآيات الواردة فيه (كل يجري) أي كل من النيرين يجري في فلكه (إلى أجل مسمى) أي إلى منتهى معلوم، الشمس إلى آخر السنة، والقمر إلى آخر الشهور، وقيل: إلى يوم القيامة.
وقال في قوله (لأجل مسمى) مدة دوره أو منتهاه أو يوم القيامة. (نسلخ منه النهار) أي نزيله ونكشفه عن مكانه، مستعار من سلخ الجلد (فإذا هم مظلمون) أي داخلون في الظلام.
أقول: وفي الكافي عن الباقر عليه السلام: يعني قبض محمد صلى الله عليه وآله وظهرت الظلمة فلم يبصروا فضل أهل بيته. وهو من بطون الآية.
(والشمس تجري لمستقر لها) أي لحد معين ينتهي إليه دورها، فشبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، أو لكبد السماء فإن حركتها فيه توجد إبطاء، بل ورد في الرواية أن لها هناك ركودا، أو لاستقرار لها على نهج مخصوص، أو لمنتهى مقدر لكل يوم من المشارق والمغارب فإن لها في دورها ثلاثمائة وستين مشرقا ومغربا يطلع كل يوم من مطلع ويغرب في مغرب ثم لا تعود إليهما إلى العام القابل، أو لمنقطع جريها عند خراب العالم. قال الطبرسي: روي عن السجاد والباقر والصادق عليهم السلام وابن عباس وابن مسعود وعكرمة وعطاء (لا مستقر لها) بنصب الراء (ذلك)) الجري على هذا التقدير المتضمن للحكم التي تكل الفطن عن إحصائها (تقدير العزيز) الغالب بقدرته على كل مقدور (العليم) المحيط علمه بكل معلوم.
(والقمر قدرناه منازل) أي قدرنا مسيره منازل، أو سيره في منازل، وهي ثمانية وعشرون: الشرطين والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، و
الهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة والزبرة، والصرفة، والعواء والسماك، والغفر، والزبانى، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرع الدلو المقدم وفرع الدلو المؤخر، والرشاء وهو بطن الحوت، ينزل كل ليلة في واحدة منها، فإذا كان في آخر منازله وهو الذي يكون فيه قبل الاجتماع دق واستقوس (حتى عاد كالعرجون) أي كالشمراخ المعوج (القديم) العتيق. وعن الرضا عليه السلام أنه يصير كذلك ستة أشهر، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في باب السنين والشهور انشاء الله.
(لا الشمس ينبغي لها) أي يصح ويتسهل لها (أن تدرك القمر) في سرعة سيره، فإن ذلك يخل بتكون النبات وتعيش الحيوان، أو في آثاره ومنافعه، أو مكانه بالنزول إلى محله وسلطانه فيطمس نوره (ولا الليل سابق النهار) بأن يسبقه فيفوته ولكن يعاقبه، وقيل: المراد بهما آيتاهما وهما نيران وبالسبق سبق القمر إلى سلطان الشمس فيكون عكسا للأول، وقد مر عن الرضا عليه السلام برواية العياشي أن المراد به أن النهار خلق قبل الليل، وسيأتي ما يشعر بذلك أيضا.
(وكل) أي كلهم، والتنوين عوض المضاف إليه، والضمير للشموس والأقمار
فإن اختلاف الأحوال يوجب تعددا ما في الذات، أو إلى الكواكب فإن ذكرهما مشعر بها، وقد مر معنى السباحة. (ورب المشارق) قال البيضاوي: أي مشارق الكواكب، أو مشارق الشمس في السنة، وهي ثلاثمائة وستون تشرق كل يوم في واحد وبحسبها تختلف المغارب، ولذلك اكتفى بذكرها مع أن الشروق أدل على القدرة وأبلغ في النعمة، وما قيل إنها مائة وثمانون إنما يصح لو لم تختلف أوقات الانتقال (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) أي يغشي كل واحد منهما الآخر كأنه يلف عليه لف اللباس باللابس، أو يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفافة أو يجعله كارا عليه كرورا متتابعا تتابع أكوار العمامة (ألا هو العزيز) القادر على كل ممكن الغالب على كل شئ (الغفار) حيث لم يعاجل بالعقوبة وسلب ما في هذه الصنائع من الرحمة وعموم المنفعة.
(لتسكنوا فيه) أي لتستريحوا فيه بأن خلقه باردا مظلما ليؤدي إلى ضعف المحركات وهدوء الحواس (والنهار مبصرا) يبصر فيه أو به، وإسناد الابصار إليه مجاز ومبالغة، ولذلك عدل به عن التعليل إلى الحال.
(لا تسجدوا للشمس ولا للقمر) قال الطبرسي ره: وإن كان فيهما منافع كثيرة لأنهما ليسا بخالقين (واسجدوا لله الذي خلقهن) وتأنيث الضمير لان غير ما يعقل يجمع على لفظ التأنيث، ولأنه في معنى الآيات (إن كنتم إياه تعبدون) أي إن كنتم تقصدون بعبادتكم الله كما تزعمون فاسجدوا لله دون غيره.
(الشمس والقمر بحسبان) أي يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها وهما يدلان على عدد الشهود والسنين والأوقات عن ابن عباس وغيره، فأضمر يجريان وحذفه لدلالته الكلام عليه. وتحقيق معناه أنهما يجريان على وتيرة واحدة وحساب بين
متفق على الدوام لا يقع فيه تفاوت، فالشمس تقطع بروج الفلك في ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وشئ والقمر في ثمانية وعشرين يوما فيجريان أبدا على هذا الوجه، و إنما خصهما بالذكر لما فيهما من المنافع الكثيرة للناس من النور والضياء ومعرفة الليل والنهار ونضج الثمار إلى غير ذلك، فذكرهما لبيان النعمة بهما على الخلق.
(رب المشرقين ورب المغربين)) أي مشرق الشتاء والصيف ومغربيهما، وقيل مشرقي الشمس والقمر ومغربيهما. (وجعل القمر فيهن نورا) قيل: فيه وجوه:
أحدها أن المعنى: وجعل القمر نورا في السماوات والأرض عن ابن عباس، قال:
يضئ ظهره لما يليه من السماوات ويضئ وجهه لأهل الأرض وكذلك الشمس.
وثانيها: أن معنى (فيهن) معهن، يعني: وجعل القمر معهن أي مع خلق السماوات نورا لأهل الأرض. وثالثها: أن معنى (فيهن) في حيزهن، وإن كان في واحدة منها كما تقول (إن في هذه الدور لبئرا) وإن كانت في واحدة منها، لان ما كان في إحديهن كان فيهن، وكما تقول (أتيت بني تميم) وإنما أتيت بعضهم.
(وجعل الشمس سراجا) أي مصباحا تضيئ لأهل الأرض، فهي سراج العالم كما أن المصباح سراج الانسان. وقال ره في قوله تعالى (كلا) أي حقا، و قيل: معناه ليس الامر على ما يتوهمونه (والقمر) اقسم بالقمر لما فيه من الآيات العجيبة في طلوعه وغروبه ومسيره وزيادته ونقصانه (والليل إذا أدبر) قرأ نافع وحمزة وحفص ويعقوب وخلف (إذ) بغير ألف (أدبر) بالألف، والباقون (إذا) بالألف (دبر) بغير الألف، فعلى الأول اقسم بالليل إذا ولى وذهب، يقال دبر وأدبر عن قتادة، وقيل: دبر إذا جاء بعد غيره وأدبر إذا ولى مدبرا، فعلى هذا يكون المعنى في (إذا دبر) إذا جاء الليل في أثر النهار، وفي (إذ أدبر) إذا ولى الليل فجاء
الصبح عقيبه، وعلى القول الأولى فيهما لغتان معناهما ولى وانقضى (والصبح إذا أسفر) أي أضاء وأنار، وقيل: معناه إذا كشف الظلام وأضاء الاشخاص، وقال قوم: التقدير في هذه الأقسام (ورب هذه الأشياء) لان اليمين لا يكون إلا بالله تعالى. (إنها) أي السقر التي هي النور (لاحدى الكبر) أي لاحدى العظائم (والكبر) جمع الكبرى.
(وجعلنا نومكم سباتا) أي راحة ودعة لأجسادكم، أو قطعا لاعمالكم وتصرفكم إذ ليس بموت على الحقيقة ولا مخرجا عن الحياة والادراك (وجعلنا الليل لباسا) أي غطاء وسترة يستر كل شئ بظلمته وسواده (وجعلنا النهار معاشا) أي مطلب معاش ومبتغاه، أو وقت معاشكم لتتصرفوا في معايشكم (وبنينا فوقكم سبعا) أي سبع سماوات (شدادا محكمة أحكمنا صنعها وأوثقنا بناءها (وجعلنا سراجا وهاجا) يعني الشمس جعلها سبحانه سراجا للعالم وقادا متلألئا بالنور يستضيئون به، قال مقاتل:
جعل فيه نورا وحرا، والوهج مجمع النور والحر.
(إذا الشمس كورت) أي نهب ضوؤها ونورها فأظلمت واضمحلت عن ابن عباس وغيره، وقيل: ألقيت ورمي بها، وقيل: جمع ضوؤها ولفت كما تلف العمامة.
(وإذا النجوم انكدرت) أي تساقطت وتناثرت يقال: انكدر الطائر، من الهواء إذا انقض، وقيل: تغيرت، والأول أولى لقوله (وإذا الكواكب انتثرت).
(والليل إذا عسعس) أي [إذا] أدبر بظلامه عن علي عليه السلام، وقيل: أقبل بظلامه و قيل: أظلام. (والصبح إذا تنفس)) أي إذا أسفر وأضاء، والمعنى: امتد ضوؤه حتى يصير نهارا.
(والفجر) أقسم سبحانه بفجر النهار وهو انفجار الصبح كل يوم، وقيل:
فجر ذي الحجة، وقيل: فجر أول المحرم، وقيل: فجر يوم النحر، وقيل: أراد بالفجر النهار (وليال عشر) يعني العشر من ذي الحجة، وقيل: العشر الآخر من شهر رمضان، وقيل: عشر موسى للثلاثين ليلة التي أتمها الله بها (والليل إذا يسر) أراد جس الليالي، أقسم بالليل إذا مضى بظلامه، وقيل: إنما أضاف اليسر إليه لان الليل يسير بمسير الشمس في الفلك وانتقالها من أفق إلى أفق، وقيل: إذا يسر: إذا جاء وأقبل إلينا ويرد كل ليلة، وقيل: إنها ليلة المزدلفة وفيها يسري الحاج من عرفة إليها ويغدي منها إلى منى وأصل (يسر) يسري، حذفت الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفا ولرعاية الفواصل.
(والشمس وضحيها) أقسم سبحانه بالشمس لكثرة الانتفاع بها وبضحاها وهو امتداد ضوئها وانبساطه، وقيل: هو النهار كله، وقيل: حرها (والقمر إذا تليها) أي تبعها فأخذ من ضوئها وسار خلفها، قالوا: وذلك في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور، وقيل: تلاها ليلة الهلال وهي أول ليلة من الشهر، وقيل: في الخامس عشر، وقيل: في الشهر كله فهو في النصف الأول يتلوها وتكون أمامه وهو وراءها وفي النصف الأخير يتلو غروبها بالطلوع (والنهار إذا جليها) أي جلى الظلمة وكشفها، أو أبرز الشمس وأظهرها (والليل إذا يغشيها) أي يغشى الشمس حتى تغيب فتظلم الآفاق ويلبسها سواده.
أقول: وقد مر تأويلها في الاخبار بأن الشمس رسول الله صلى الله عليه وآله به أوضح الله للناس دينهم، والقمر أمير المؤمنين عليه السلام تلا رسول الله صلى الله عليه وآله ونفثه بالعلم نفثا، و الليل أئمة الجور الذين استبدوا بالأمر دون آل الرسول وجلسوا مجلسا كان آل الرسول أولى به منهم فغشوا دين الله بالظلم والجور، والنهار الامام من ذرية فاطمة
عليها السلام يسأل عن دين الله فيجليه لمن سأله، وقد مر شرحها وبيانها.
(والضحى) قال الطبرسي ره: أقسم سبحانه بضوء النهار كله من قولهم (ضحى فلان للشمس) إذا ظهر لها، ويدل عليه قوله [سبحانه] في مقابلته (والليل إذا سجى) أي سكن واستقر ظلامه، وقيل: المراد بالضحى أول ساعة من النهار، وقيل: صدر النهار وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس واعتدال النهار في الحر والبرد والشتاء والصيف، وقيل: معناه ورب الضحى ورب الليل إذا سجى، وقيل: إذا سجى: إذا أغطى بالظلمة كل شئ، وقيل: إذا أقبل ظلامه.
(برب الفلق) أي برب الصبح وخالقه ومدبره ومطلعه متى شاء على ما يرى من الصلاح فيه (من شر ما خلق) من الجن والإنس وسائر الحيوانات، وإنما سمي الصبح (فلقا) لانفلاق عموده بالضياء عن الظلام، وقيل: الفلق المواليد، و جب في جهنم (ومن شر غاسق إذا وقب) أي ومن شر الليل إذا دخل بظلامه فالمراد من شر ما يحدث في الليل من الشر والمكروه وإنما خص لان الفساق يقدمون على الفساد بالليل، وكذلك الهوام والسباع تؤذي فيه أكثر.
1 - الكافي: عن علي بن إبراهيم وعدة من أصحابه، عن سهل بن زياد جميعا، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الصباح الكناني، عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن للشمس ثلاثمائة وستين برجا، كل برج منها مثل جزيرة من جزائر العرب فتنزل كل يوم على برج منها فإذا غابت انتهت إلى حد بطنان العرش، فلم تزل ساجدة إلى الغد، ثم ترد إلى موضع مطلعها ومعها ملكان يهتفان معها، وإن وجهها لأهل السماء وقفاها لأهل الأرض، ولو
كان وجهها لأهل الأرض لأحرقت الأرض ومن عليها من شدة حرها. ومعنى سجودها ما قال سبحانه وتعالى (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس).
توضيح: (ثلاثمائة وستين برجا) لعل المراد بالبرج الدرجات التي تنتقل إليها بحركاتها الخاصة، أو المدارات التي تنتقل إلى واحد منها كل يوم فيكون هذا العدد مبنيا على هو ما الشائع بين الناس من تقدير السنة به وإن لم يكن مطابقا لشئ من حركتي الشمس والقمر. (مثل جزيرة من جزائر العرب) أي نسبتها إلى الفلك نسبة جزيرة من الجزائر إلى الأرض، أو الغرض التشبيه في أصل العظمة
لا خصوص المقدار، والمقصود بيان سرعة حركتها وإن كانت بطيئة بالنسبة إلى الحركة اليومية. قال الفيروزآبادي: جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولا ومن جدة إلى ريف العراق عرضا. (فإذا غابت) أي بالحركة اليومية (إلى حد بطنان العرش) أي وسطه، ولعل المراد وصولها إلى دائرة نصف النهار من تحت الأرض فإنها بحذاء أوساط العرش بالنسبة إلى أكثر المعمورة، إذا ورد في الاخبار أن العرش محاذ للكعبة (فلم تزل ساجدة) أي مطيعة خاضعة منقادة جارية بأمره تعالى (حتى ترد إلى مطلعها) والمراد بمطلعها ما قدر أن تطلع منه في هذا اليوم، أو ما طلعت فيه في السنة السابقة في مثله. وقوله (ومعنى سجودها) يحتمل أن تكون من تتمة الخبر لبيان أنه ليس المراد بالسجود ما هو المصطلح، ولعل الأظهر أنه من كلام الكليني أو غيره من الرواة، وسيأتي تفسير الآية في محله.
2 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن عيسى وأحمد بن محمد بن خالد جميعا عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن مهزم، عن رجل، عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الشمس تطلع ومعها أربعة أملاك: ملك ينادي (يا صاحب الخير أتم وأبشر) وملك ينادي (يا صاحب الشر انزع واقصر) وملك ينادي (أعط منفقا خلفا وآت ممسكا تلفا) وملك ينضحها بالماء، ولولا ذلك اشتعلت الأرض.
بيان: يحتمل أن يكون النضح بالماء كناية عن بث الاجزاء المائية في الهواء
بسبب الأنهار والبحار والآبار وغيرها، فإنه لولاها لكان تأثير الحرارة في الهواء والأرض والأبدان والأشجار والنباتات أكثر. وأقول: قال السيد الداماد في بعض زبره: فيما نقله رهط من المفسرين عن ابن عباس مما استفاد عن أمير المؤمنين عليه السلام في تفسير قوله تعالى (كل يجري لأجل مسمى) أن للشمس مائة وثمانين منزلا في مائة وثمانين يوما ثم إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة، وقال علامتهم المفسر الأعرج النيسابوري في تفسيره:
إن صح هذا عنه فلعله أراد تصاعدها على دائرة نصف النهار وتنازلها منها في أيام السنة، أو أراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج، فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من تلك الأيام تعديلا خاصا زائدا أو ناقصا، ونحن نقول: ذلك تجشم وتكلف بل أراد بمنازلها في أيام السنة مداراتها اليومية بحسب أجزاء مدارها الذي عليه طول السنة بحركتها الخاصة، فإن ذلك المدار في سطح منطقة البروج مقاطعا لمنطقة معدل النهار على نقطتي الاعتدالين، وكل جزئين من أجزائه شماليين أو جنوبيين هما متساويا البعد عن إحدى نقطتي الانقلابين، وبعد أحدهما عن إحدى نقطتي الاعتدالين كبعد الآخر عن الأخرى، فإنهما متحدان في المدار اليومي فالشمس بحسب كونها في أجزاء مدارها بحركتها الخاصة تعود بالحركة الشرقية في الربع الصيفي من أرباع السنة إلى مداراتها اليومية الربيعية، وفي الربع الشتوي إلى مداراتها اليومية الخريفية، ففي النصف الشتوي والربيعي من السنة تعود إلى مداراتها الخريفية والصيفية، وفي النصف الصيفي والخريفي إلى مداراتها الربيعية والشتوية فاحفظ بذلك فإنه من بدائع الصنائع الإلهية.
3 - التوحيد والمجالس للصدوق: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد ابن جعفر الأسدي، عن موسى بن عمران النخعي، عن النوفلي، عن السكوني عن أبي نعيم البلخي، عن مقاتل بن حيان، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن
أبي ذر الغفاري، قال: كنت آخذا بيد النبي صلى الله عليه وآله ونحن نتماشى جميعا، فما زلنا ننظر إلى الشمس حتى غابت، فقلت: يا رسول الله أين تغيب؟ قال: في السماء ثم ترفع من سماء إلى سماء حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا حتى تكون تحت العرش، فتخر ساجدة فتسجد معها الملائكة الموكلون بها، ثم تقول: يا رب من أين تأمرني أن أطلع أمن مغربي أم من مطلعي؟ فذلك قوله عز وجل (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم) يعني بذلك صنع الرب العزيز في ملكه بخلقه. قال: فيأتيها جبرئيل بحلة ضوء من نور العرش على مقادير ساعات النهار في طوله في الصيف أو قصره في الشتاء أو ما بين ذلك في الخريف والربيع، قال:
فتلبس تلك الحلة كما يلبس أحدكم ثيابه. ثم تنطلق بها في جو السماء حتى تطلع من مطلعها. قال النبي صلى الله عليه وآله فكأني بها قد حبست مقدار ثلاث ليال ثم لا تكسي ضوء وتؤمر أن تطلع من مغربها، فذلك قوله عز وجل (إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت) والقمر كذلك من مطلعه ومجراه في أفق السماء ومغربه وارتفاعه إلى السماء السابعة ويسجد تحت العرش، وجبرئيل يأتيه بالحلة من نور الكرسي، فذلك قوله عز وجل (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا) قال أبو ذر ره ثم اعتزلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله فصلينا المغرب.
بيان: قد يحمل أكثر ما ورد في الخبر على الاستعارة التمثيلية والمجاز الشائع في كلام العرب والله يعلم حقائق الأمور.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.