بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
10 باب علم النجوم والعمل به وحال المنجمين
ج ۵۵، ص ۲۱۶–۲۴۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۴
الصافات: فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم.
تفسير: استشكل السيد المرتضى - ره - في كتاب (تنزيه الأنبياء) في هذه الآية بوجهين: أحدهما أنه حكي عن نبيه النظر في النجوم، وعندكم أن الذي يفعله المنجمون في ذلك ضلال. والآخر قوله (إني سقيم) وذلك كذب. ثم أجاب بوجوه:
الأول: أن إبراهيم عليه السلام كانت به علة تأتيه في أوقات مخصوصة، فلما دعوه إلى الخروج معهم نظر إلى النجوم ليعرف منها قرب نوبة علته، فقال إني سقيم وأراد أنه حضر وقت العلة وزمان نوبتها، وشارفت الدخول فيها، وقد تسمي العرب المشارف للشئ باسم الداخل فيه، كما قال تعالى (إنك ميت وإنهم ميتون).
فان قيل: لو أراد ما ذكرتموه لقال فنظر إلى النجوم لان لفظة (في) لا تستعمل إلا فيمن ينظر كما ينظر المنجم.
قلنا: حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، قال سبحانه (ولأصلبنكم في جذوع النخل) وإنما أراد على جذوعها.
الثاني: أنه يجوز أن يكون الله أعلمه بالوحي أنه سيمتحنه بالمرض في وقت مستقبل، وإن لم يكن قد جرت بذلك المرض عادته، وجعل تعالى العلامة على ذلك
ظاهرا له من قبل النجوم، إما لطلوع نجم على وجه مخصوص أو اقترانه بآخر، فلما نظر إبراهيم عليه السلام في الامارة التي نصبت له من النجوم قال إني سقيم تصديقا لما أخبره الله تعالى.
الثالث: ما قاله قوم في ذلك أن من كان آخر أمره الموت فهو سقيم، وهذا لان تشبيه الحياة المفضية إلى الموت بالسقم من أحسن التشبيه.
الرابع: أن يكون قوله إني سقيم معناه أني سقيم القلب أو الرأي، خوفا من إصرار قومه على عبادة الأصنام، وهي لا تسمع ولا تبصر، ويكون قوله (فنظر نظرة في النجوم) على هذا معناه أنه نظر وفكر في أنها محدثة مدبرة مصرفة، و عجب كيف يذهب على العقلاء ذلك من حالها حين يعبدونها ويجوز أيضا أن يكون قوله (فنظر نظرة في النجوم) معناه أنه شخص ببصره إلى السماء كما يفعل المفكر المتأمل فإنه ربما أطرق إلى الأرض وربما نظر إلى السماء استعانة على فكره وقد قيل: إن النجوم ههنا نجوم النبت، لأنه يقال لكل ما خرج من الأرض و غيرها وطلع: أنه ناجم ونجم، ويقال للجميع نجوم، ويقولون: نجم قرن الظبي ونجم ثدي المرأة، وعلى هذا الوجه يكون إنما نظر في حال الفكر والاطراق إلى الأرض. فرأى ما نجم منها وقيل أيضا إنه أراد بالنجوم ما نجم له من رأيه وظهر له بعد أن لم يكن ظاهرا، وهذا وإن كان يحتمله الكلام فالظاهر بخلافه، لان الاطلاق في قول القائل (نجوم) لا يفهم من ظاهره إلا نجوم السماء دون نجوم الأرض ونجوم الرأي، وقال أبو مسلم الأصفهاني: إن معنى قوله (فنظر نظرة في النجوم) أراد في القمر والشمس لما ظن أنهما آلهة في حال مهلة النظر على ما قصه الله تعالى من قصته في سورة الأنعام، ولما استدل بأفولها وغروبها على أنها محدثة غير قديمة ولا آلهة، وأراد بقوله (إني سقيم) أني لست على يقين من الامر ولا شفاء من العلم، وقد يسمى الشك بأنه سقم كما يسمى العلم بأنه شفاء. ثم اعترض عليه بأنه مخالف لسياق الآيات (انتهى ملخص كلامه).
وأقول: يمكن أن يقال إن حرمة النظر في النجوم على الأنبياء والأئمة
العالمين بها حق العلم غير مسلم، وإنما يحرم على غيرهم لعدم إحاطتهم بذلك و نقص علمهم كما ستعرف عند شرح الاخبار.
1 - الاحتجاج: عن أبن بن تغلب، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من أهل اليمن فسلم عليه، فرد أبو عبد الله عليه السلام. فقال له: مرحبا يا سعد. فقال له الرجل: بهذا الاسم سمتني أمي، وما أقل من يعرفني به. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: صدقت يا سعد المولى، فقال الرجل: جعلت فداك بهذا كنت القب. فقال أبو عبد الله عليه السلام: لا خير في اللقب، إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه (ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان) ما صناعتك يا سعد؟ فقال: جعلت فداك أنا من أهل بيت ننظر في النجوم، لا يقال إن باليمن أحدا أعلم بالنجوم منا. فقال أبو عبد الله عليه السلام: فكم ضوء المشتري على ضوء القمر درجة؟ فقال اليماني؟ لا أدري، فقال أبو عبد الله عليه السلام: صدقت، فكم ضوء المشتري على ضوء عطارد درجة؟ فقال اليماني: لا أدري، فقال أبو عبد الله عليه السلام: صدقت فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الإبل، فقال اليماني: لا أدري، فقال أبو عبد الله عليه السلام: صدقت، فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت البقر؟ فقال اليماني:
لا أدري، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: صدقت، فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الكلاب؟ فقال اليماني: لا أدري، فقال أبو عبد الله عليه السلام: صدقت في قولك لا أدري فما زحل عندكم في النجوم؟ فقال اليماني؟ نجس نحس، فقال أبو عبد الله عليه السلام: لا تقل هذا، فإنه نجم أمير المؤمنين عليه السلام وهو نجم الأوصياء عليهم السلام وهو النجم الثاقب الذي قال الله في كتابه. فقال اليماني: فما معنى الثاقب؟ فقال: إن مطلعه في
السماء السابعة، فإنه ثقب بضوئه حتى أضاء في السماء الدنيا، فمن ثم سماه الله النجم الثاقب، ثم قال: يا أخا العرب! عندكم عالم؟ قال اليماني: نعم جعلت فداك، إن باليمن قوما ليسوا كأحد من الناس في علمهم! فقال أبو عبد الله عليه السلام:
وما يبلغ من علم عالمهم؟ قال اليماني: إن عالمهم ليزجر الطير ويقفو الأثر في ساعة واحدة مسيرة شهر للراكب المحث المجد فقال أبو عبد الله عليه السلام: فإن عالم المدينة أعلم من عالم اليمن قال اليماني: وما يبلغ من علم عالم المدينة؟ قال عليه السلام: إن علم عالم المدينة ينتهي إلى أن لا يقفو الأثر ولا يزجر الطير و يعلم ما في اللحظة الواحدة مسيرة الشمس تقطع اثني عشر برجا، واثني عشر برا واثني عشر بحرا، واثني عشر عالما! فقال له اليماني: ما ظننت أن أحدا يعلم هذا وما يدري ما كنهه قال: ثم قام اليماني.
ايضاح: (لا خير في اللقب) أي في الألقاب الردية، وذكره عليه السلام كان لبيان الاعجاز، أو المنهي عنه التنابز بها أولا، فأما بعد الاشتهار فلا بأس للتعريف وغيره. (هاجت الإبل) أي للسفاد، قال الجوهري: الهائج الفحل الذي يشتهي الضراب (انتهى) وزجر الطير: الحكم بصياحها وطيرانها على الحوادث تفؤلا وتشؤما، قال الجزري: الزجر للطير هو التيمن والتشؤم [بها والتفؤل] بطيرانها كالسانح والبارح وهو نوع من الكهانة والعيافة (انتهى) والمراد بقفو الأثر إما ما كان شائعا عند العرب من الاستدلال برؤية أثر القدم على تعيين الذاهب وأنه إلى أين ذهب كما فعلوا ليلة الغار، أو الاستدلال بالعلامات والآثار والأوضاع الفلكية على الحوادث، وقوله (في ساعة واحدة مسيرة شهر) أي يحكم في ساعة واحدة بتلك الأمور على حدوث الحوادث في مسافة وناحية تكون مسيرة
شهر. قوله عليه السلام (إلى أن لا يقفوا الأثر) أي لا يحتاج في علمه بالحوادث إلى تلك الأمور، بل يعلم في لحظة واحدة بما أعطاه الله من العلم ما يقع فيما تطلع عليه الشمس وتقطعه، وهي مقدار اثني عشر برجا في السماء في يوم، أو أصل البروج في سنة واثني عشر نوعا من أنواع البراري وبحرا من أنواع البحور، واثني عشر عالما من أصناف الخلق كما مر ومنها جابلقا وجابرسا، فلفظة (ما) زائدة، ويحتمل أن يكون المراد يعلم ما يحدث في اللحظة الواحدة في جميع تلك العوالم، ويحتمل أن يكون (يقطع) بالياء، أي يقطع العالم تلك العوالم بعلمه، أو بطي الأرض كما سيأتي.
2 - الاحتجاج: عن سعيد بن جبير، قال: استقبل أمير المؤمنين عليه السلام دهقان من دهاقين الفرس فقال له بعد التهنئة: يا أمير المؤمنين! تناحست النجوم الطالعات وتناحست السعود بالنحوس، وإذا كان مثل هذا اليوم وجب على الحكيم الاختفاء ويومك هذا يوم صعب قد انقلب فيه كوكبان، وانقدح من برجك النيران، وليس الحرب لك بمكان! فقال أمير المؤمنين عليه السلام ويحك يا دهقان المنبئ بالآثار، المحذر من الاقدار، ما قصة صاحب الميزان وقصة صاحب السرطان؟ وكم المطالع من الأسد والساعات من المحركات؟ وكم بين السراري والدراري؟ قال: سأنظر وأومأ بيده إلى كمه وأخرج منه أسطرلابا ينظر فيه فتبسم عليه السلام فقال: أتدري ما حدث البارحة؟ وقع بيت بالصين، وانفرج برج ماجين، وسقط سور سرانديب وانهزم بطريق الروم بأرمنية، وفقد ديان اليهود بإيلة، وهاج النمل بوادي النمل وهلك ملك إفريقية، أكنت عالما بهذا؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، فقال: البارحة سعد سبعون ألف عالم، وولد في كل عالم سبعون ألفا، والليلة يموت مثلهم وهذا منهم، وأومأ بيده إلى سعد بن مسعدة الحارثي، وكان جاسوسا للخوارج في عسكر أمير المؤمنين عليه السلام فظن الملعون أنه يقول (خذوه) فأخذ بنفسه فمات، فخر الدهقان ساجدا، فقال أمير المؤمنين عليه السلام ألم أروك من عين التوفيق؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين
فقال: أنا وصاحبي لا شرقي ولا غربي، نحن ناشئة القطب، وأعلام الفلك أما قولك (انقدح من برجك النيران) فكان الواجب أن تحكم به لي لا علي أما نوره وضياؤه فعندي، وأما حريقه ولهبه فذهب عني، فهذه مسألة عميقة احسبها إن كنت حاسبا.
بيان: (ما قصة صاحب الميزان) أي الكواكب التي الآن في برجع الميزان أو الكواكب المتعلقة بتلك البرج المناسبة لها، وكذا صاحب السرطان (وكم المطالع من الأسد) أي كم طلع من ذلك البرج الآن؟ (والساعات) أي كم مضى من الساعات من طلوع سائر المتحركات، ولعل المراد بالسراري الكواكب الخفية، تشبيها لها بالسرية، والدراري الكواكب الكبيرة المضيئة أو اصطلاحان في الكواكب لا يعرفهما المنجمون، والغرض أنه لو كان هذا العلم حقا فإنما يمكن الحكم به بعد الإحاطة بجميع أوضاع الكواكب وأحوالها وخواصها في كل آن وزمان، والمنجمون لم يرصدوا من الكواكب إلا أقلها، و مناط أحكامهم أوضاع السيارات فقط مع عدم إحاطتهم بأحوال تلك أيضا، ثم نبهه عليه السلام على عدم إحاطته بذلك العلم، أو عدم كفايته للعلم بالحوادث بجهله بكثير من الأمور الحادثة. وفي القاموس: البطريق ككبريت القائد من قواد الروم تحت يده عشرة آلاف رجل (انتهى) وديان اليهود عالمهم، وفي بعض النسخ بالنون جمع (دن) وهو الحب العظيم، و (صاحبي) أي النبي صلى الله عليه وآله (لا شرقي ولا غربي) إيماء إلى قوله سبحانه (لا شرقية ولا غربية) والغرض: لسنا كسائر الناس
حتى تحكم علينا بأحكامهم كالنجوم المنسوبة إلى العرب أو إلى الملوك أو إلى العلماء والاشراف فإنا فوق ذلك كله (نحن ناشئة القطب) أي الفرقة الناشئة المنسوبة إلى القطب. أي حقيقة لثباتهم واستقرارهم في درجات العز والكمال، أو كناية عن أنهم عليهم السلام غير منسوبين إلى الفلك والكواكب، بل هي منسوبة إليهم وسعادتها بسببهم، وأنهم قطب الفلك، إذ الفلك يدور ببركتهم، وهم أعلام الفلك بهم يتزين ويتبرك ويسعد. ثم ألزم عليه السلام عليه في قوله (انقدح من برجك النيران) بأن للنار جهتين: جهة نور، وجهة إحراق، فنورها لنا وإحراقها على عدونا، ويحتمل أن يكون المراد به أن الله يدفع ضررها عنا بتوسلنا به تعالى وتوكلنا عليه (فهذه مسألة عميقة) أي كوننا ممتازين عن سائر الخلق في الاحكام، أو كون النيران خيرا لنا وشرا لعدونا، أو أن التوسل و الدعاء يدفع النحوس والبلاء مسألة عميقة خارجة عن قانون نجومك وحسابك، و يبطل جميع ما تظن من ذلك.
3 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم، قال سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام فقال: ما تقول فيمن زعم أن هذا التدبير الذي يظهر في هذا العالم تدبير النجوم السبعة؟ قال عليه السلام: يحتاجون إلى دليل أن هذا العالم الأكبر والعالم الأصغر من تدبير النجوم التي تسبح في الفلك، وتدور حيث دارت، متعبة لا تفتر، وسائرة لا تقف. ثم قال: وإن كل نجم منها موكل مدبر، فهي بمنزلة العبيد المأمورين المنهيين، فلو كانت قديمة أزلية لم تتغير من حال إلى حال. قال: فما تقول في علم النجوم؟ قال: هو علم قلت منافعه وكثرت مضراته، لأنه لا يدفع به المقدور ولا يتقى به المحذور، إن أخبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرز من القضاء، وإن أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله، وإن حدث به سوء لم يمكنه صرفه، والمنجم يضاد الله في علمه بزعمه أنه يرد قضاء الله عن خلقه (الخبر).
4 - مجالس الصدوق: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن أبي القاسم
عن محمد بن علي القرشي عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن يوسف بن يزيد عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، قال: لما أراد الله أمير المؤمنين عليه السلام المسير إلى النهروان أتاه منجم، فقال له: يا أمير المؤمنين! لا تسر في هذه الساعة وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ولم ذاك؟ قال: لأنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك أذى وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك ظفرت و ظهرت وأصبت كلما طلبت! فقال له أمير المؤمنين عليه السلام تدري ما في بطن هذه الدابة أذكر أم أنثى! قال: إن حسبت علمت: قال له أمير المؤمنين عليه السلام من صدقك على هذا القول فقد كذب بالقرآن، قال الله تعالى (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) ما كان محمد صلى الله عليه وآله يدعي ما ادعيت، أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي ما سار فيها صرف عنه السوء والساعة التي من سار فيها حاق به الضر؟! من صدقك بهذا استغنى بقولك عن الاستعانة بالله عز وجل في ذلك الوجه، وأحوج إلى الرغبة إليك في دفع المكروه عنه، وينبغي له أن يوليك الحمد دون ربه عز وجل فمن آمن لك بهذا فقد أتخذك من دون الله ندا وضدا. ثم قال عليه السلام: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا ضير إلا ضيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك. بل نكذبك ونخالفك ونسير في الساعة التي نهيت عنها.
بيان: (فقال له) روي أن هذا القائل كان عفيف بن قيس أخا الأشعث، و كان يتعاطى علم النجوم. ويقال (ظفر بمطلوبه) كفرح أي فاز. (أتزعم) أي تقول وأكثر ما يستعمل في الباطل والحديث الذي لا مستند له (وحاق به الامر) أي لزمه ونزل به، والضر - بالضم -: سوء الحال (من صدقك على هذا القول فقد كذب بالقرآن) لادعائه العلم الذي أخبر الله سبحانه أنه مختص به، إذ ظاهر قوله تعالى (عنده) الاختصاص. فإن قيل: فقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام بالخمسة المذكورة في الآية في مواطن كثيرة فكيف ذلك؟ قلنا: المراد أنه لا يعلمها أحد بغير
تعليمه سبحانه، وما أخبروه من ذلك فإنما كان بالوحي والالهام أو التعلم من النبي صلى الله عليه وآله الذي علمه بالوحي. لا يقال: علم النجوم أيضا من هذا القبيل لما سيأتي من الأخبار الدالة على أن له أصلا وأنه مما علمه الله أنبياءه فكيف يكون تصديق المنجم تكذيبا للقرآن؟ لأنا نقول: الذي سيظهر من الاخبار أن نوعا من هذا العلم حق يعلمه الأنبياء والأوصياء عليهم السلام وأما أن ما في أيدي الناس من ذلك فلا كما سنبينه.
(أن يوليك الحمد) على بناء الأفعال أو التفعيل، أي يقربك من الحمد من الولي بمعنى القرب، أو من قولهم (ولاه الأمير عمل كذا) أي قلده إياه، أي يجعلك وليا للحمد وأهلا له، أو من قولهم (أوليته معروفا) أي أنعمت عليه. (لا طير إلا طيرك) الطير من الطيرة وهي التشؤم بالشئ أي لا تأثير للطيرة أي قضاؤك وقدرك على المشاكلة، ويدل على أن ضرر النجوم من جهة الطيرة، والضير:
الضرر.
6 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار عن العباس بن معروف عن الحسن بن علي بن فضال، عن ظريف بن ناصح عن أبي الحصين، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الساعة فقال: عند إيمان بالنجوم وتكذيب بالقدر.
بيان: يومئ إلى أن الايمان بالنجوم متضمن للتكذيب بالقدر.
6 - الخصال: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن أبي الحسين الفارسي، عن سليمان بن جعفر البصري، عن عبد الله بن الحسين بن
زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربعة لا تزال في أمتي إلى يوم القيامة. الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب. والاستسقاء بالنجوم، والنياحة. وإن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب.
بيان: الاستسقاء بالنجوم اعتقاد أن للنجوم تأثيرا في نزول المطر.
7 - الخصال: عن إبراهيم بن محمد بن حمزة بن عمارة، عن سالم بن سالم وأبي عروبة معا، عن أبي الخطاب، عن هارون بن مسلم، عن القاسم بن عبد الرحمن الأنصاري، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن الحسين بن علي عليهم السلام قال:
نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن خصال إلى أن قال: وعن النظر في النجوم.
ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار، عن الحسن بن علي الكوفي، عن إسحاق بن إبراهيم، عن نصر بن قابوس، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: المنجم ملعون، والكاهن ملعون، والساحر ملعون، والمغنية ملعونة، ومن آواها وأكل كسبها ملعون. وقال عليه السلام: المنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار.
قال الصدوق - ره -: المنجم الملعون هو الذي يقول بقدم الفلك ولا يقول بمفلكه وخالقه عز وجل.
8 - البصائر: عن محمد بن عبد الله بن أحمد الرازي، عن إسماعيل بن موسى
عن أبيه، عن جده، عن عمه عبد الصمد بن علي، قال: دخل رجل على علي بن الحسين عليهما السلام فقال له علي بن الحسين: من أنت؟ قال: أنا منجم، قال:
فأنت عراف، قال: فنظر إليه ثم قال: هل أدلك على رجل قد مر مذ دخلت علينا في أربع عشر عالما كل عالم أكبر من الدنيا ثلاث مرات لم يتحرك من مكانه؟!
قال: من هو؟ قال: أنا، وإن شئت أنبأتك بما أكلت وما ادخرت في بيتك.
بيان: قال في النهاية: فيه من أتى عرافا أو كاهنا، أراد بالعراف المنجم أو الحازي الذي يدعى علم الغيب وقد استأثر الله به (انتهى) وقال الطيبي في شرح المشكاة: هو قسم من الكهان يستدل على معرفة المسروق والضالة بكلام أو فعل أو حالة.
9 - البصائر: عن محمد بن الحسين، عن علي بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن عمير بن أبان الكلبي، عن أبان بن تغلب، قال: كنت عند أبي - عبد الله عليه السلام حيث دخل عليه رجل من علماء أهل اليمن، فقال أبو عبد الله عليه السلام:
يا يماني أفيكم علماء؟ قال: نعم، قال: فأي شئ يبلغ من علم علمائكم؟ قال:
إنه ليسير في ليلة واحدة مسيرة شهرين، يزجر الطير، ويقفو الآثار! فقال له:
فعالم المدينة أعلم من عالمكم! قال: فأي شئ يبلغ من علم عالمكم بالمدنية؟ قال:
إنه يسير في صباح واحد مسيرة سنة كالشمس إذا أمرت، إنها اليوم غير مأمورة ولكن إذا أمرت تقطع اثني عشر شمسا، واثني عشر قمرا واثني عشر مشرقا، واثني
عشر مغربا، واثني عشر برا، واثني عشر بحرا، واثني عشر عالما قال، فما بقي في يدي اليماني فما درى ما يقول، وكف أبو عبد الله عليه السلام.
10 - ومنه: عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب، عن أبان بن تغلب، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه رجل من أهل اليمن، فقال له: يا أخا أهل اليمن عندكم علماء؟ قال: نعم، قال:
فما بلغ من علم عالمكم؟ قال: يسير في ليلة مسيرة شهرين، يزجر الطير، ويقفو الأثر! فقال أبو عبد الله عليه السلام: عالم المدنية أعلم من عالمكم! قال: فما بلغ من علم عالم المدينة؟ قال: يسير في ساعة من النهار مسيرة الشمس سنة حتى يقطع اثني عشر ألف عالم مثل عالمكم هذا ما يعلمون أن الله خلق آدم ولا إبليس! قال: فيعرفونكم؟
قال: نعم، ما افترض عليهم إلا ولايتنا والبراءة من عدونا.
11 - المحاسن: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن سفيان بن عمر قال: كنت أنظر في النجوم فأعرفها وأعرف الطالع فيدخلني من ذلك، فشكوت ذلك إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال: إذا وقع في نفسك شئ فتصدق على أول مسكين ثم امض، فإن الله عز وجل يدفع عنك.
بيان: (فيدخلني من ذلك) أي هم أو حالة تمنعني عن التوجه إلى عمل، لما أطن، من نحوسة الساعة، ويدل على أن أثر نحس الكواكب والأوضاع أو تأثير التطير بها يزول بالصدقة.
12 - رسالة الاستخارات: للسيد بن طاووس قال: ذكر الشيخ الفاضل محمد بن علي بن محمد في كتاب له في العمل ما هذا لفظه: دعاء الاستخارة عن الصادق عليه السلام تقوله
بعد فراغك من صلاة الاستخارة تقول: اللهم إنك خلقت أقواما يلجؤون إلى مطالع النجوم لأوقات حركاتهم وسكونهم وتصرفهم وعقدهم وخلقتني أبرأ إليك من اللجأ إليها ومن طلب الاختيارات بها، وأتيقن أنك لم تطلع أحدا على غيبك في مواقعها ولم تسهل له السبيل إلى تحصيل أفاعيلها، وأنك قادر على نقلها في مداراتها في مسيرها على السعود العامة والخاصة إلى النحوس، ومن النحوس الشاملة والمفردة إلى السعود، لأنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، ولأنها خلق من خلقك، وصنعة من صنيعك، وما أسعدت من اعتمد على مخلوق مثله، واستمد الاختيار لنفسه، وهم أولئك، ولا أشقيت من اعتمد على الخالق الذي أنت هو، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأسألك بما تملكه وتقدر عليه، وأنت به ملئ وعنه غني وإليه غير محتاج، وبه غير مكترث، من الخيرة الجامعة للسلامة والعافية والغنيمة لعبدك - إلى آخر الدعاء -. وقد أوردناه في أبواب الاستخارات.
بيان: (وعقدهم) أي عزمهم أو إيقاعهم العقود. وفي النهاية: الملئ بالهمز الثقة الغني، وقد أولع الناس بترك الهمز وتشديد الياء. وقال: ما أكترث به:
أي ما أبالي.
13 -: النجوم: روينا بإسنادنا إلى الشيخ السعيد محمد بن جرير الطبري الامامي، عن الحسين بن عبد الله الجرمي، ومحمد بن هارون التلعكبري، عن محمد بن أحمد بن محروم، عن أحمد بن القاسم، عن يحيى بن عبد الرحمن، عن علي بن صالح بن حي الكوفي، عن زياد بن المنذر، عن قيس بن سعد، قال: كنت كثيرا أساير أمير المؤمنين عليه السلام إذا سار إلى وجه من الوجوه، فلما قصد أهل النهروان
وصرنا بالمدائن وكنت يومئذ مسائرا له إذ خرج إليه قوم من أهل المدائن من دهاقينهم معهم براذين قد جاؤوا بها هدية إليه فقبلها، وكان فيمن تلقاه دهقان من دهاقين المدائن يدعى (سرسفيل) وكانت الفرس تحكم برأيه فيما مضى وترجع إلى قوله فيما سلف، فلما بصر بأمير المؤمنين عليه السلام قال له: يا أمير المؤمنين لترجع عما قصدت! قال: ولم ذاك يا دهقان؟ قال: يا أمير المؤمنين! تناحست النجوم الطوامع، فنحس أصحاب السعود، وسعد أصحاب النحوس، ولزم الحكيم في مثل هذا اليوم الاستخفاء والجلوس، وإن يومك هذا يوم مميت، قد اقترن فيه كوكبان قتالان، وشرف فيه بهرام في برج الميزان، واتقدت من برجك النيران وليس الحرب لك بمكان. فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام ثم قال أيها الدهقان المنبئ بالاخبار، والمحذر من الاقدار، ما نزل البارحة في آخر الميزان؟ وأي نجم حل في السرطان؟ قال: سأنظر ذلك، واستخرج من كمه أسطرلابا وتقويما، قال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنت مسير الجاريات؟ قال: لا، قال: فأنت تقضي على الثابتات؟ قال: لا، قال: فأخبرني عن طول الأسد وتباعده من المطالع والمراجع وما الزهرة من التوابع والجوامع؟ قال: لا علم لي بذلك. قال فما بين السراري إلى الدراري؟ وما بين الساعات إلى المعجرات؟ وكم قدر شعاع المبدرات؟
وكم تحصل الفجر في الغدوات؟ قال: لا علم لي بذلك، قال: فهل علمت يا دهقان أن الملك اليوم انتقل من بيت إلى بيت بالصين، وانقلب برج ماجين، و احترق دور بالزنج، وطفح جب سرانديب، وتهدم حصن الأندلس، وهاج نمل الشيح، وانهزم مراق الهندي، وفقد ديان اليهود بإيلة، وهدم بطريق الروم برومية، وعمي راعب عمورية، وسقطت شرفات القسطنطنية أفعالم أنت بهذه الحوادث وما الذي أحدثها شرقيها أو غربيها من الفلك؟ قال: لا علم لي بذلك
قال: وبأي الكواكب تقضي في أعلى القطب؟ وبأيها تنحس من تنحس؟ قال:
لا علم لي بذلك، قال: فهل علمت أنه سعد اليوم اثنان وسبعون عالما، في كل عالم سبعون عالما، منهم في البر، ومنهم في البحر، وبعض في الجبال، وبعض في الغياض وبعض في العمران، وما الذي أسعدهم؟ قال: لا علم لي بذلك، قال: يا دهقان:
أظنك حكمت على اقتران المشتري وزحل لما استنارا لك في الغسق، وظهر تلألؤ شعاع المريخ وتشريقه في السحر، وقد سار فاتصل جرمه بجرم تربيع القمر وذلك دليل على استحقاق ألف ألف من البشر كلهم يولدون اليوم والليلة ويموت مثلهم - وأشار بيده إلى جاسوس في عسكره لمعاوية فقال -: ويموت هذا، فإنه منهم فلما قال ذلك ظن الرجل أنه قال خذوه، فأخذه شئ بقلبه، وتكسرت نفسه في صدره، فمات لوقته. فقال عليه السلام: يا دهقان ألم أرك غير التقدير في غاية التصوير؟
قال: بلى يا أمير المؤمنين، قال: يا دهقان! أنا مخبرك أني وصحبي هؤلاء لا شرقيون ولا غربيون، إنما نحن ناشئة القطب، وما زعمت أن البارحة انقدح من برجي النيران فقد كان يجب أن تحكم معه لي، لان نوره وضياءه عندي، فلهبه ذاهب عني يا دهقان هذه قضية عيص، فأحسبها وولدها إن كنت عالما بالأكوار والأدوار.
قال: لو علمت ذلك لعلمت أنك تحصي عقود القصب في هذه الأجمة ومضى أمير - المؤمنين عليه السلام فهزم أهل النهروان وقتلهم، وعاد بالغنيمة والظفر. فقال الدهقان:
ليس هذا العلم بما في أيدي أهل زماننا، هذا علم مادته من السماء.
14 - أقول: وروى السيد الخبر أيضا عن الأصبغ بن نباتة، قال: لما رحل أمير المؤمنين عليه السلام من (نهر بين أتينا النهروان وقد قطع جسرها وسمرت سفنها فنزل - صلى الله على محمد وعليه - وقد سرح الجيش إلى جسر بوران ومعه رجل من أصحابه، وقد شك في قتال الخوارج، فإذا برجل يركض فلما رأى أمير المؤمنين عليه السلام قال: البشرى يا أمير المؤمنين! قال له: وما بشراك؟ قال: لما بلغ الخوارج نزولك البارحة نهر بين ولوا هاربين. قال علي عليه السلام: أنت رأيتهم حين ولوا؟ قال: نعم، قال علي عليه السلام: كلا والله لا عبروا النهروان ولا تجاوزوا الأنثلات ولا النخيلات حتى يقتلهم الله على يدي، عهد معهود، وقدر مقدور، ولا يقتلون منا عشرة، ولا ينجو منهم عشرة، إذا أقبل عليه رجل من الفرس يقتدى برأيه في حساب النجوم لمعرفته بالطوامع والمراجع، وتقويم القطب في الفلك، ومعرفته بالحساب والضرب والجبر والمقابلة وتاريخ السنداباد وغير ذلك، وهو الدهقان، فلما بصر بأمير المؤمنين عليه السلام نزل عن فرسه وسلم عليه فقال له: أيها الأمير! لتعرجن عما قصدت إليه وكان اسم الدهقان (سرسفيل سوار) وكان دهقانا من دهاقين المدائن فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ولم يا سرسفيل سوار؟! قال: تناحست النجوم الطالعات، وتباعدت النجوم الناحسات، ولزم الحكيم في مثل هذا اليوم الاختفاء والقعود، ويومك هذا مميت يقلب فيه رجمان، وانكشفت فيه الميزان، واقتدح من برجك النيران، وليس الحرب لك بمكان. قال له أمير المؤمنين عليه السلام: أخبرني يا دهقان عن قصة الميزان، وفي أي مجرى كان برج السرطان؟ قال: سأنظر لك في ذلك، ثم ضرب يده إلى كمه فأخرج منها زيجا واصطرلابا، فتبسم أمير المؤمنين
عليه السلام ثم قال له: يا دهقان! أنت مسير الثابتات؟ قال: لا، قال: فأنت تقضي على الحادثات؟ قال: لا، قال له: يا دهقان! فما ساعة الأسد من الفلك؟ وماله من المطالع والمراجع؟ وما الزهرة من التوابع والجوامع؟ قال: لا علم لي أيها الأمير قال: فعلى أي الكواكب تقضي على القطب؟ وما هي الساعات المتحركات؟ وكم قدر الساعات المدبرات؟ وكم تحصل المقدرات؟ قال: لا علم لي بذلك، قال له:
يا دهقان! إن صح لك علمك [علمت] أن البارحة انقلب بيت في الصين وانقلب بيتانسين واحترقت دور الزنج، وانحطم منار الهند، وطفع جب سرانديب، وهلك ملك إفريقية، وانقض حصن أندلس، وهاج نمل الشيح، وفقد ديان اليهود، وجذم شطرنج الرومي بأرمنية، وعتاعب عمورية، وسقطت شرافات القسطنطنية، و هاجت سباع البحر واثبة على أهلها، ورجعت رجال النوبة المراجيح، والتفت الزرق مع الفيلة، وطار الوحش إلى العلقين، وهاجت الحيتان في الأخضرين، و اضطربت الوحوش بالأنقلين، أفأنت عليم بهذه الحوادث وما أحدثها من الفلك شرقية أو غربية؟ ومن أي برج سعد صاحب النحس؟ وأي برج انتحس صاحب السعد؟ قال الدهقان: لا علم لي بذلك، قال: فهل دلك علمك أن اليوم فيه سعد سبعون عالما، في كل عالم سبعون ألف عالم، منهم في البحر، ومنهم في البر، ومنهم في الجبال، ومنهم في السهل والغياض والخراب والعمران؟ فأبن لنا ما الذي من الفلك أسعدهم؟ قال الدهقان: لا علم لي بذلك، قال له: يا دهقان! أظنك حكمت على اقتران المشتري بزحل حين لاحا لك في الغسق قد شارفها واتصل جرمه بجرم القمر، وذلك دليل على استحقاق ألف ألف من البشر كلهم مولدون في يوم واحد ومائة ألف من البشر كلهم يموتون الليلة وغدا، وهذا منهم وأومأ بيده إلى سعد
ابن مسعود الحارثي وكان في عسكره جاسوسا للخوارج فظن أن عليا عليه السلام يقول خذوا هذا، فقبض على فؤاده فمات في وقته. فقال علي عليه السلام: لم ارك عين التوفيق، أنا وأصحابي هؤلاء لا شرقيون ولا غربيون، إنما نحن ناشئة القطب، و أعلام الفلك، وأما ما زعمت أن البارحة اقتدح من برجي النيران، فقد يجب عليك أن تحكم به لي، لان ضياءه ونوره عندي، ولهبه وحريقه ذاهب عني، فهذه قضية عميقة، فأحسبها إن كنت حاسبا، واعرفها إن كنت عارفا بالأكوار والأدوار، ولو علمت ذلك لعلمت عدد كل قصبة في هذه الأجمة وكانت عن يمينه أجمة قصب، فتشهد الدهقان وقال: يا مولاي! الذي فهم إبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا عليهم السلام مفهمهم مفهمكما يا أمير المؤمنين، فهو والله المشار إليه، ولا أثر بعد عين، مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك الامام والوصي المفترض الطاعة.
بيان: أكثر السؤالات المذكورة في الرواية على تقدير صحتها وضبطها مبنية على اصطلاحات معرفتها مختصة بهم عليهم السلام أوردها عليه السلام لبيان عجزه وجهله وعدم إحاطة علمه بما لابد منه في هذا العلم. (وكم تحصل الفجر في الغدوات) يحتمل أن يكون المراد به زمان ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإن ذلك يختلف في الفصول (وطفح جب سرنديب) أي امتلأ وارتفع، ومنه (سكران طافح) والشيح: نبت معروف، ويحتمل أن يكون المراد هنا الوادي الذي هو منبته، و العمورية ماء للنصارى يغمسون فيه أولادهم (وما الذي أحدثها) أي بزعمك (شرقيها) أي الكواكب (لم ارك غير التقدير) بكسر الغين وفتح الياء أي التغيرات الناشئة من تقديرات الله تعالى، وفي بعض النسخ (عين التقدير) أي أصله
(هذه قضية عيص) بالإضافة أي أصل في القاموس: العيص - بالكسر -: الأصل.
وفي بعض النسخ (عويصة) أي صعبة شديدة (وولدها) بصيغة الامر وتشديد اللام أي استنتج منها، والعمورية - مشددة الميم -: بلد بالروم، ولعل المراد بالعب الماء العظيم، وبعتوة طغيانه وكثرته، والمراجيح: الحلماء، والزرق كسكر طائر صياد، ذكره الفيروزآبادي. وفي حياة الحيوان: طائر يصاد به بين الباز والباشق، وقيل هو الباز الأبيض (انتهى) والفيلة بكسر الفاء وفتح الفاء جمع الفيل.
(فهو الله) أي مفهمك الله (المشار إليه) بالدلائل والآيات (ولا أثر بعد عين) أي لا أطلب الآثار والدلائل والاخبار على حقيتك بعد ما عاينت.
أقول: وكان في الخبرين فيما عندنا من النسخ تصحيفات كثيرة تركناها كما وجدنا.
15 - النجوم: رويت بعدة طرق إلى يونس بن عبد الرحمن في جامعه الصغير بإسناده قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك أخبرني عن علم النجوم ما هو؟ فقال : هو علم من علم الأنبياء، قال: فقلت: كان علي بن أبي طالب عليه السلام يعلمه؟ فقال: كان أعلم الناس به.
16 - ومنه: نقلا من أصل من أصول أصحابنا اسمه (كتاب التجمل) بإسناده عن جميل عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام عمن ذكره قال: كان قد علم نبوة نوح عليه السلام بالنجوم.
بيان: لعل من ذكره من باب الارسال من أحد الرواة، وضمير قال للإمام عليه السلام ، و (علم) بصيغة المعلوم والمعنى أنه عليه السلام أخبر بأن فلانا قد علم نبوة نوح بالنجوم، ويحتمل أن يكون الارسال من الامام، وضمير (قال) عائدا إلى من ذكره، و (علم) على بناء المجهول، وعلى الثاني ليس الاخبار من كلامه
عليه السلام والظاهر أنه من تصحيف النساخ وقوله (عمن ذكره) كان مقدما على قوله (عن أبي جعفر) عليه السلام و (علم) على بناء المجهول.
17 - النجوم: وجدت في كتاب عتيق عن عطا قال: قيل لعلي بن أبي طالب عليه السلام: هل كان للنجوم أصل؟ قال: نعم، نبي من الأنبياء قال له قومه: إنا لا نؤمن بك حتى تعلمنا بدء الخلق وآجاله، فأوحى الله عز وجل إلى غمامة فأمطرتهم، واستنقع حول الجبل ماء صاف، ثم أوحى الله عز وجل إلى الشمس والقمر والنجوم أن تجري في ذلك الماء، ثم أوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي أن يرتقي هو وقومه على الجبل فارتقوا الجبل فقاموا على الماء حتى عرفوا بدء الخلق وآجاله بمجاري الشمس والقمر والنجوم وساعات الليل والنهار، وكان أحدهم يعلم متى يموت ومتى يمرض، ومن ذا الذي يولد له ومن ذا الذي لا يولد له، فبقوا كذلك برهة من دهرهم، ثم إن داود عليه السلام قاتلهم على الكفر، فأخرجوا إلى داود في القتال من لم يحضره أجله، ومن حضر أجله خلفوه في بيوتهم، فكان يقتل من أصحاب داود عليه السلام ولا يقتل من هؤلاء أحد! فقال داود عليه السلام: رب أقاتل على طاعتك، ويقاتل هؤلاء على معصيتك، يقتل أصحابي ولا يقتل من هؤلاء أحد فأوحى الله عز وجل: إني كنت علمتهم بدء الخلق وآجاله، وإنما أخرجوا إليك من لم يحضره أجله، ومن حضر أجله خلفوه في بيوتهم، فمن ثم يقتل من أصحابك ولا يقتل منهم أحد. قال داود عليه السلام: يا رب على ما ذا علمتهم؟ قال: على مجاري الشمس والقمر والنجوم وساعات الليل والنهار. قال: فدعا الله عز وجل فحبس الشمس عليهم، فزاد النهار واختلطت الزيادة بالليل والنهار فلم يعرفوا قدر الزيادة فاختلط حسابهم. وقال علي عليه السلام: فمن ثم كره النظر في علم النجوم.
18 - الدر المنثور: قال: قيل لعلي بن أبي طالب عليه السلام: هل كان للنجوم أصل؟ قال: نعم، كان نبي من الأنبياء يقال له (يوشع بن نون) فقال له قومه
- وساق إلى قوله - ثم أوحى الله إلى يوشع بن نون أن يرتقي - إلى آخر الخبر - بيان: (أن تجري في ذلك الماء) يمكن أن يكون المراد جريان عكس الكواكب فيها، فيكون الماء كالزيج لهم لاستعلام مقدار الحركات، أو خلق الله للكواكب أمثالا فأجراها في الماء على قدر حركة أصلها في السماء أو صغرها وأنزلها وأجراها فيه. وفي القاموس: البرهة - ويضم -: الزمان الطويل أو أعم (انتهى) (فمن ثم كره) أي من أجل أن الحساب اختلط فلا يمكنهم الحكم الواقعي على الكواكب وحركاتها فيكذبون، أو من جهة أنه يصير سببا لترك الأمور الضرورية بسبب علمهم بما يترتب عليه، والخبر ضعيف عامي، وفيه إشكال آخر وهو أنهم لو كانوا بحسب تقدير الله تعالى وأحكام النجوم من الخارجين فلم لم يخرجوا؟ ولو لم يكونوا فلم يكن ترك خروجهم بسبب ذلك، وهذا من المسائل الغامضة من فروع مسألة القضاء والقدر، والعقل قاصر عن فهمها.
19 - النجوم: وأما دلالة النجوم على إبراهيم عليه السلام فقد روى صاحب كتاب التجمل أن آزر أبا إبراهيم كان منجما لنمرود، ولم يكن صدر إلا عن أمره فنظر ليلة في النجوم فأصبح وهو يقول لنمرود: لقد رأيت في النجوم عجبا! قال:
وما هو؟ قال: رأيت مولودا يولد في زماننا يكون هلاكنا على يديه، ولا يلبث إلا قليلا حتى يحمل به. قال: فتعجب من ذلك، ثم قال: هل حملت به النساء بعد؟
قال: لا، فحجب الرجال عن النساء ولم يدع امرأة إلا جعلها في المدينة، ولا يخلص إليها بعلها. قال: فوقع آزر على أهله، فحملت بإبراهيم، فظن أنه صاحبه فأرسل إلى قوابل ذلك الزمان - وكن أعلم الناس بالجنين ولا يكون في الرحم شئ إلا عرفنه وعلمن به - فنظرن فألزم ما في الرحم الظهر، فقلن: ما نرى في
بطنها شيئا. قال: وكان مما أوتي من العلم أن المولود سيحرق بالنار، ولم يؤت علما أن الله سينجيه منها.
أقول: ورويت هذا الحديث عن إبراهيم الخزاز عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام من أصل قرئ على هارون بن موسى التلعكبري - ره - وقد روى هذا الحديث علي بن إبراهيم في كتاب تفسير القرآن بأبسط من هذه الرواية و رواه أيضا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في الجزء الأول من تاريخه، ورآه أيضا سعيد بن هبة الله الراوندي في كتاب قصص الأنبياء ورواه الثعلبي في تفسيره وغيره من العلماء. وممن أخبر المنجمون عن نبوته ورسالته موسى بن عمران عليه السلام وقد تضمنت كتب التواريخ وغيرها من الصنفات ما يغني عن ذكر جميع الروايات فمن ذلك ما رواه الثعلبي في كتاب العرائس في المجالس فقال: إن فرعون رأى في منامه أن نارا قد أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقتها وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فدعا فرعون السحرة والكهنة والمعبرين والمنجمين وسألهم عن رؤياه، فقالوا له: إنه يولد في بني إسرائيل غلام يسلبك ملكك، ويغلبك على سلطانك، ويخرجك وقومك من أرضك، ويذل دينك، وقد أظلك زمانه الذي يولد فيه. ثم ذكروا ولادة موسى عليه السلام وما صنع فرعون في قتل ذكور الأولاد، وليس في ذكر ذلك ههنا ما يليق بالمراد. وذكر حكم المنجمين بولادة موسى عليه السلام ونبوته الزمخشري في كتاب (الكشاف) وروى حديث دلالة النجوم على ولادة موسى عليه السلام وهب بن منبه في الجزء الأول من كتاب (المبتدء) بأبسط من رواية الثعلبي، وذكر أبو جعفر بن بابويه في كتاب النبوة في باب سياقه حديث عيسى بن مريم عليه السلام فقال ما هذا لفظه: وقدم عليها وفد من [عظماء] علماء المجوس زائرين معظمين لامر ابنها، وقالوا: إنا قوم ننظر في النجوم، فلما ولد
ابنك طلع بمولده نجم من نجوم الملك، فنظرنا فيه فإذا ملكه ملك نبوة لا يزول عنه ولا يفارقه حتى يرفعه إلى السماء فيجاور ربه عز وجل ما كانت الدنيا مكانها ثم يصير إلى ملك هو أطول وأبقى مما كان فيه، فخرجنا من قبل المشرق حتى رفعنا إلى هذا المكان فوجدنا النجم متطلعا عليه من فوقه، فبذلك عرفنا موضعه وقد أهدينا له هدية جعلناها له قربانا لم يقرب مثله لاحد قط، وذلك أنا وجدنا هذا القربان يشبه أمره، وهو الذهب والمر واللبان، لان الذهب سيد المتاع كله وكذلك ابنك هو سيد الناس ما كان حيا، ولان المر جبار الجراحات والجنون والعاهات كلها، ولان اللبان يبلغ دخانه السماء ولن يبلغها دخان شئ غيره، و كذلك ابنك يرفعه الله عز وجل إلى السماء وليس يرفع من أهل زمانه غيره.
20 - ووجدت في كتاب دلائل النبوة جمع أبي القاسم الحسين بن محمد السكوني روى عن محمد بن علي بن الحسين، عن الحسن بن عبد الله بن غانم، عن هناد، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن صالح بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن أسعد، عن ابن مسيب عن حسان بن ثابت، قال: إني والله لغلام يفعاء ابن سبع أو ثمان سنين أعقل كل ما سمعت إذا سمعت يهوديا وهو على أكمة يثرب يصرخ: يا معشر اليهود فلما اجتمعوا قالوا: ويلك مالك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي يبعث به الليلة.
ووجدت كتابا عندنا الآن اسمه كتاب (اليد الصيني) عمله (كشينا) ملك الهند يذكر فيه تفصيل دلالة النجوم على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله.
أقول: قد أوردنا ما ذكره السيد من أمر هرقل وكسرى، واطلاعهما من جهة النجوم على نبوة نبينا صلى الله عليه وآله في باب البشائر به وباب مولده.
ثم قال: وأما دلالة النجوم على ظهوره المسلمين على ملوك الفرس فالاخبار يمكن أن يكون بها كثيرة في التواريخ الكبيرة، فمن ذلك ما ذكره الطبري في تاريخه فقال: ولما أمر يزدجرد رستم بالخروج من ساباط بعث إلى أخيه بنحو من الكتاب الأول زاد فيه: فإن السمكة قد كدرت الماء، وإن النعائم قد حبست وحسنت الزهرة، فاعتدل الميزان، وذهب بهرام، ولا أرى هؤلاء القوم إلا سيظهرون علينا، وسيولون على ما يلينا، وإن أشد ما رأيت أن الملك قال لتسيرن إليهم أو لأسيرن إليهم أنا بنفسي وأنا سائر إليهم. قال: وكان الذي جرأ يزدجرد على إرسال رستم غلام جابان منجم كسرى، وكان من أهل فرات باد قلي فأرسل إليه فقال: ما ترى في مسير رستم وحرب العرب، فخافه على الصدق فكذبه وكان رستم يعلم نحوا من علم ذلك المنجم، فثقل عليه مسيره، وخف على الملك لما غره به وقال: إني أحب أن تخبرني بشئ أراه أطمئن له إلى قولك. فقال الغلام لدر بالهندي: سلني مسألة فقال: أيها الملك يقبل طائر فيقع على أيوانك فيقع منه شئ في فيه ههنا - وخط دائرة - فقال العبد، صدق، والطائر غراب، و الذي في فيه درهم، وبلغ جابان أن الملك طلبه فأقبل حتى دخل عليه فسأله عما قال غلامه فحسبه فقال صدق ولم يصب هو عقعق والذي في فيه درهم، فيقع منه على هذا المكان وكذب دربا، ينزو الدرهم فيستقر ههنا، ودور دائرة أخرى. فما قاموا حتى وقع على الشراقات عقعق، فسقط منه درهم في الخط الأول، فنزا فاستقر في الخط الآخر، ونافر الهندي جابان حيث خطاه، فأتى ببقرة نتوج فقال الهندي: سخلتها غراء سوداء، فقال جابان: كذبت، بل سوداء سفعاء. فنحرت البقرة واستخرجت سخلتها فإذا ذنبها أبيض، فقال جابان: من ههنا أتى دربا، و شجعاه على اخراج رستم فأمضاه. ثم قال الطبري ما معناه: أن جابان كتب إلى من يشفق عليه من العسكر يأمره بالدخول مع العرب فيما يريدون، وأخبره أن
ملك الفرس ذهب، فقبل منه وكان الامر كما اقتضاه دلالة النجوم من ظهور العرب على الفرس.
أقول: ثم ذكر دلالة النجوم على إمامة القائم عليه السلام وولادته على ما أوردناه في باب ولادته عليه السلام.
بيان: قال في القاموس: العقعق طائر أبلق بسواد وبياض، صوته العين والقاف. وقال: أنتجت الفرس: حان نتاجها فهي نتوج لا منتج. وقال:
سفع الشئ: أعلمه ووسمه، والسفع - بالضم -: السواد تضرب إلى الحمرة و في النهاية: السفعة نوع من السواد مع لون آخر.
21 - الكافي: عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن فضال، عن الحسن بن أسباط، عن عبد الرحمن بن سيابة، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، إن الناس يقولون إن النجوم لا يحل النظر فيها، و هو يعجبني، فإن كانت تضر بديني فلا حاجة لي في شئ يضر بديني، وإن كانت لا تضر بديني فوالله إني لأشتهيها وأشتهي النظر فيها. فقال: ليس كما يقولون لا تضر بدينك. ثم قال: إنكم تنظرون في شئ منها كثيره لا يدرك، وقليله لا ينتفع به، تحسبون على طالع القمر، ثم قال: أتدري كم بين المشتري والزهرة من دقيقة؟ قلت: لا والله، قال: أفتدري كم بين الزهرة وبين القمر من دقيقة؟
قلت: لا والله، قال أفتدري كم بين الشمس وبين السكينة من دقيقة؟ قلت:
لا والله، ما سمعته من أحد من المنجمين قط. قال: أفتدري كم بين السكينة وبين اللوح المحفوظ من دقيقة؟ قلت: لا ما سمعته من منجم قط، قال: ما بين كل واحد منهما إلى صاحبه ستين أو تسعين دقيقة - شك عبد الرحمن - ثم قال: يا عبد الرحمن! هذا حساب إذا حسبه الرجل ووقع عليه عرف القصبة التي في وسط الأجمة، وعدد ما عن يمينها، وعدد ما عن يسارها، وعدد ما خلفها، وعدد ما أمامها، حتى لا يخفى عليه من قصب الأجمة واحدة.
النجوم: بإسناده عن الكليني مثله، ثم قال السيد: وروى هذا الحديث أصحابنا في المصنفات والأصول، ورواه محمد بن أبي عبد الله في أماليه، ورواه محمد بن يحيى أخو مقلس، عن حماد بن عثمان.
بيان: (تحسبون على طالع القمر)) يظهر منه أنه كان مدار أحكام هؤلاء على حركات القمر وأوضاعه، وكانوا لا يلتفتون إلى أوضاع سائر الكواكب (كم بين المشتري والزهرة) أي بحسب الدرجات والأوضاع الحاصلة من الحركات، أو بعد فلك أحدهما عن الآخر، والأول أظهر، (وبين السكينة) هو اسم كوكب غير معروف عند المنجمين له مدخل في الاحكام، وفي بعض النسخ (السنبلة) والأول أنسب بقوله (ما سمعته من منجم).
22 - النجوم: بإسناده عن الكليني في كتاب تعبير الرؤيا، بإسناده عن محمد بن سام، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: قوم يقولون النجوم أصح من الرؤيا، و
ذلك كانت صحيحة حين لم يرد الشمس على يوشع بن نون، وعلى أمير المؤمنين عليه السلام فلما رد الله عز وجل الشمس عليهما ضل فيها علوم علماء النجوم.
23 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل ابن صالح، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن النجوم فقال: ما يعلمها إلا أهل بيت من العرب وأهل بيت من الهند.
النجوم: بإسناده عن الكليني مثله، وزاد في آخره (أولاد وصي إدريس عليه السلام) ثم قال: وروينا هذا الحديث بإسناده إلى ابن أبي عمير من أصله عن أبي عبد الله عليه السلام.
بيان: (أهل بيت من العرب) أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ولا يدل على جواز النظر فيه والعمل به، بل على خلافهما أدل، لان علم أكثر الخلق به ناقص فيكون حكمهم به قولا بغير علم.
24 - الكافي: عن أحمد بن محمد وعلي بن محمد جميعا، عن علي بن الحسن الميثمي عن محمد بن خطاب الواسطي، عن يونس بن عبد الرحمن، عن أحمد بن عمر الحلبي، عن حماد الأزدي، عن هشام الخفاف، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كيف بصرك بالنجوم؟ قال: قلت : ما خلفت بالعراق أبصر بالنجوم مني؟ فقال: كيف دوران الفلك عندكم؟ قال: فأخذت قلنسوتي من رأسي فأدرتها، قال: فقال لي:
إن كان الامر على ما تقول فما بال بنات نعش والجدي والفرقدين لا يرون يدورون يوما من الدهر في القبلة؟ قال: قلت: هذا والله شئ لا أعرفه ولا سمعت أحدا من أهل الحساب يذكره، فقال لي: كم السكينة من الزهرة جزءا في ضوئها؟
قال: قلت: هذا والله نجم ما سمعت به ولا سمعت أحدا من الناس يذكره، قال:
سبحان الله! فأسقطتم نجما بأسره (3)! فعلى ما تحسبون؟ ثم قال: فكم الزهرة
من القمر جزءا في ضوئه؟ قال: فقلت: هذا شئ لا يعلمه إلا الله عز وجل، قال:
فكم القمر جزءا من الشمس في ضوئها؟ قال: قلت: ما أعرف هذا، قال: صدقت ثم قال: فما بال العسكرين يلتقيان، في هذا حاسب، وفي هذا حاسب، فيحسب هذا لصاحبه بالظفر ثم يلتقيان فيهزم أحدهما الآخر، فأين كانت النجوم؟
قال: فقلت: لا والله، ما أعلم ذلك قال: فقال: صدقت، إن أصل الحساب حق ولكن لا يعلم ذلك إلا من علم مواليد الخلق كلهم.
بيان: (فأدرتها) لعله زعم أن حركة الفلك في جميع المواضع رحوية (ما بال العسكرين) هذا دليل تام على خطاء المنجمين، فإن ملكين إذا تقابلا وكان لكل منهما منجم فإنهما يختاران لهما ساعة واحدة، ويحكم كل منهما لصاحبه بالظفر، مع أنه يظفر أحدهما وينهزم الآخر، وذلك لعدم إحاطتهم بارتباط النجوم بالاشخاص فإنه يمكن أن يكون لكل نجم مناسبة لشخص من الاشخاص يكون سعادته أو علوه علامة لغلبته، أو يقال كما أن لتأثير الفواعل مدخلا في حدوث الحوادث فكذا لاستعداد القوابل مدخل فيه، وهم على تقدير إحاطة علمهم بالأول لم يحط علمهم بالثاني كما قاله ابن سينا، وسيأتي تفصيله في قصة هاروت وماروت. فقوله عليه السلام (لا يعلم ذلك إلا من علم مواليد الخلق) يمكن أن يكون إشارة إلى الأول، كما أن المنجمين يعتبرون طالع المولود في الاحكام، أو إلى الثاني بأن يكون المراد بمواليدهم خصوصيات موادهم واستعداداتهم وقابلياتهم وأسباب ولادتهم، وهذا علم لا يمكن الإحاطة به إلا بالوحي أو الالهام من الخالق الحكيم، ويمكن أن يكون المراد به أن من أحاط بذلك العلم يعلم به جميع مواليد الخلق، ولما لم يعلم المنجمون جميع ذلك ظهر أنهم لا يحيطون به علما، وعلى التقادير ظاهره حقية هذا العلم، وعدم جواز النظر فيه لسائر الخلق، لعدم إحاطتهم به وتضمنه القول بما لا يعلم - والله يعلم -.
25 - النجوم: وجدت في كتاب (نوادر الحكمة) تأليف محمد بن أحمد بن يحيى ابن عمران بن عبد الله القمي رواه عن الرضا عليه السلام قال: قال أبو الحسن عليه السلام للحسن ابن سهل: كيف حسابك للنجوم؟ فقال: ما بقي منها شئ إلا وقد تعلمته. فقال أبو الحسن عليه السلام: كم لنور الشمس على نور القمر فضل درجة؟ وكم لنور القمر على نور المشتري فضل درجة؟ وكم نور المشتري على نور الزهرة فضل درجة؟ فقال:
لا أدري، فقال: ليس في يدك شئ، هذا أيسر!
بيان: أي هذا أيسر شئ من هذا العلم.
26 - النجوم: وجدت في كتاب مسائل الصباح بن نصر الهندي لمولانا علي ابن موسى الرضا عليهما السلام رواية أبي العباس بن نوح وأبي عبد الله محمد بن أحمد الصفواني من أصل كتاب عتيق لنا الآن ربما كان قد كتب في حياتهما بالاسناد المتصل فيه عن الريان بن الصلت، وذكر اجتماع العلماء بحضرة المأمون وظهور حجته عليه السلام على جميع العلماء وحضور الصباح بن نصر الهندي عند مولانا الرضا عليه السلام وسؤاله عن مسائل كثيرة منها سؤاله عن علم النجوم فقال عليه السلام ما هدا لفظه: هو علم في أصل صحيح ذكروا أن أول من تكلم في النجوم إدريس عليه السلام، وكان ذو القرنين بها ماهرا، وأصل هذا العلم من عند الله عز وجل، ويقال: إن الله بعث النجم الذي يقال له المشتري إلى الأرض في صورة رجل، فأتى بلد العجم فعلمهم في حديث طويل، فلم يستكملوا ذلك، فأتى بلد الهند فعلم رجلا منهم، فمن هناك صار علم النجوم بها. وقد قال قوم: هو علم من علم الأنبياء، خصوا به لأسباب شتى، فلم يستدرك المنجمون الدقيق منها، فشابوا الحق بالكذب. هذا آخر لفظ مولانا علي بن موسى الرضا عليهما السلام في هذه الرواية الجليلة الاسناد، وقوله عليه السلام حجة على العباد، وقوله عليه السلام (ذكروا) و (يقال) فإن عادته عليه السلام عند التقية من المخالفين والعامة
يقول نحو هذا الكلام، وتارة يقول (كان أبي يقول) وتارة (روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله).
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.