پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

9. باب الشمس والقمر وأحوالهما وصفاتهما والليل والنهار وما

ج ۵۵، ص ۱۴۵–۱۷۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۵

4 - تفسير علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن يسار عن معروف بن خربوذ، عن الحكم بن المستنير، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال:

إن من الآيات التي قدرها الله للناس مما يحتاجون إليه البحر الذي خلقه الله بين السماء والأرض، قال: وإن الله قدر فيه مجاري الشمس والقمر والنجوم والكواكب، ثم قدر ذلك كله على الفلك، ثم وكل بالفلك ملكا معه سبعون ألف ملك، فهم يديرون الفلك فإذا أداروه دارت الشمس والقمر والنجوم والكواكب معه، فنزلت في منازلها

التي قدرها الله فيها ليومها وليلتها وإذا كثرت ذنوب العباد وأراد الله أراد يستعتبهم بآية من آياته أمر الملك الموكل بالفلك أن يزيل الفلك الذي عليه مجاري الشمس والقمر والنجوم والكواكب، فيأمر الملك أولئك السبعين الألف الملك أن يزيلوا الفلك عن مجاريه، قال: فيزيلونه فتصير الشمس في ذلك البحر الذي يجري الفلك فيه، فيطمس ضوءها ويغير لونها، فإذا أراد الله أن يعظم الآية طمست الشمس في البحر على ما يحب الله أن يخوف خلقه بالآية، فذلك عند شدة انكشاف الشمس، وكذلك يفعل بالقمر، فإذا أراد الله أن يخرجهما ويردهما إلى مجراهما أمر الملك الموكل بالفلك أن يرد الشمس إلى مجراها فيرد الملك الفلك إلى مجراه فتخرج من الماء وهي كدرة، والقمر مثل ذلك.

ثم قال علي بن الحسين عليهما السلام: أما إنه لا يفزع لهما ولا يرهب إلا من كان من شيعتنا، فإذا كان ذلك فافزعوا إلى الله وراجعوا [ه] قال: وقال أمير المؤمنين عليه السلام: الأرض مسيرة خمسمائة عام، الخراب منها مسيرة أربعمائة عام والعمران منها مسيرة مائة [عام] والشمس ستون فرسخا في ستين فرسخا، والقمر

أربعون فرسخا في أربعين فرسخا بطونهما يضيئان لأهل السماء وظهورهما لأهل الأرض، والكواكب كأعظم جبل على الأرض، وخلق الشمس قبل القمر.

وقال سلام بن المستنير: قلت لأبي جعفر عليه السلام لم صارت الشمس أحر من القمر؟

قال: إن الله خلق الشمس من نور النار وصفو الماء طبقا من هذا وطبقا من هذا، حتى إذا صارت سبعة أطباق ألبسها لباسا من نار، فمن هنالك صارت أحر من القمر.

قلت: فالقمر؟ قال: إن الله خلق القمر من ضوء نور النار وصفوا الماء طبقا من هذا وطبقا من هذا حتى إذا صارت سبعة أطباق ألبسها لباسا من ماء، فمن هنالك صار القمر أبرد من الشمس.

الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن الحكم بن المستورد عن علي بن الحسين عليهما السلام مثله - إلى قوله - فإذا كان كذلك فافزعوا إلى الله عز وجل ثم ارجعوا إليه.

الفقيه: عنه عليه السلام مرسلا مثله.

توضيح: (إن من الآيات) كذا في الفقيه وبعض نسخ التفسير، وفي بعضها (الأوقات) والأول أصوب، وفي الكافي (من الأقوات) أي أسبابها (قدر فيه) أي في البحر أي عليه، ومحاذيا له، أو جعله بحيث يمكن أن يجري الكواكب فيه عند الحاجة، وفي الكتابين (فيها) فالمراد أيضا البحر بتأويل الآية، ويمكن إرجاعه إلى الآيات أو إلى السماء، (وقدر ذلك) أي الجريان (كله على الفلك) أي الفلك الأعظم أو فلك الكوكب والأول أظهر، وفي الفقيه هكذا (أمر الملك الموكل بالفلك أن يزيل الفلك عن مجاريه قال فيأمر الملك السبعين الألف الملك أن أزيلوا الفلك إلى قوله في ذلك البحر الذي كان فيه الفلك) وفيهما (فإذا أراد الله أن يجليها ويردها إلى مجراها أمر الملك الموكل بالفلك أن يرد الفلك إلى مجراه فيرد الفلك وترجع الشمس إلى مجراها قال فتخرج) وفي الفقيه (أما إنه لا يفزع للآيتين ولا يرهب إلا من كان من شيعتنا). قوله عليه السلام (أن يستعتبهم) أي يطلب

عتباهم ورجوعهم أو يحملهم على ما يوجب الرضا، وفي القاموس: العتب: الموجدة والغضب، والعتبى: الرضا، واستعتبه: أعطاه العتبى كأعتبه، وطلب إليه العتبى ضد. (وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين) أي إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم، أي لم يردهم إلى الدنيا. قوله (فيطمس ضوءها) أي بعض ضوئها، قوله (طمست الشمس) أي كلها أو أكثرها بحسب ما يراء في تأديبهم من المصلحة. قوله عليه السلام (وهي كدرة) أي بعد ما كانت كدرة، أو تبقى فيها كدورة قليلة بعد الخروج أيضا في زمان قليل قوله عليه السلام (إلا من كان من شيعتنا) لأنهم يؤمنون بهذا، وأما أكثر الخلق الذين يسندونهما إلى حركات الأفلاك فلا يرهبون لهما.

تفصيل كلام لرفع أوهام: اعلم أن الفلاسفة ذهبوا إلى أن جرم القمر مظلم كثيف صقيل يقبل من الشمس الضوء لكثافته وينعكس عنه لصقالته، فيكون أبدا المضئ من جرمه الكري أكثر من النصف بقليل، لكون جرمه أصغر من جرم الشمس، وقد ثبت في الأصول أنه إذا قبل الضوء كرة صغرى من كرة أعظم منها كان المضئ من الصغرى أعظم من نصفها، وتفصل بين المضئ والمظلم دائرة قريبة من العظيمة تسمى دائرة النور، وتفصل بين ما يصل إليه نور البصر من جرم القمر وبين ما لا يصل دائرة تسمى دائرة الرؤية، وهي أيضا قريبة من العظيمة لما ثبت في من مناظر أقليدس أن ما يرى من الكرة يكون أصغر من نصفها، وهاتان الدائرتان يمكن أن تتطابقا، وقد تتفارقان إما متوازيتين، وأو متقاطعتين، أو لا ذا ولا ذاك، وقد تؤخذان عظيمتين إذ لا تفاوت في الحس بين كل منهما وبين العظيمة ويجعل ما يقارب التطابق تطابقا، فإذا اجتمعت الشمس والقمر صار وجهه المضئ إليها والمظلم إلينا وتطابق الدائرتان وهو المحاق، فإذا بعد عنها يسيرا تقاطعت الدائرتان على حواد ومنفرجات، فإذا بعد منها قريبا من اثنتي عشرة درجة يرى من وجهه المضيئ ما وقع منه بين الدائرتين في جهة الحادتين اللتين إلى صوب الشمس وهو الهلال، ولا تزال هذه القطعة تتزايد بتزايد البعد عن الشمس، والحواد تتعاظم

والمنفرجات تتصاغر حتى يصير التقاطع بين الدائرتين على قوائم، ويحصل التربيع فيرى من الوجه المضئ نصفه، ولا يزال يتزايد المرئي من المضئ ويتعاظم انفراج الزاويتين الأولتين إلى وقت الاستقبال، فتطابق الدائرتان مرة ثانية ويصير الوجه المضئ إلينا وإلى الشمس معا وهو البدر، ثم يقع التقارب فيعود تقاطع الدائرتين على المختلفات أولا ثم على قوائم ثانيا وحصل التربيع الثاني، ثم يؤول الحال إلى التطابق فيعود المحاق، وهكذا إلى ما شاء الله سبحانه.

والكسوف عندهم حالة تعرض للشمس من عدم الاستنارة والإنارة بالنسبة إلى الابصار حين ما يكون من شأنها ذلك بسبب توسط القمر بينها وبين الابصار، وذلك إذا وقع القمر على الخط الخارج من البصر إلى الشمس، ويسمى ذلك بالاجتماع المرئي، ويكون لا محالة على إحدى العقدتين: الرأس أو الذنب، أو بقربهما بحيث لا يكون للقمر عرض مرئي بقدر مجموع نصف قطره وقطر الشمس، فلا محالة يحول بين الشمس وبين البصر ويحجب بنصفه المظلم نورها من الناظرين بالكل وهو الكسوف الكلي، أو البعض فالجزئي، ولكونه حالة تعرض للشمس لا في ذاتها بل بالنسبة إلى الابصار جاز أن يتفق الكسوف بالنسبة إلى قوم دون قوم، كما إذا سترت السراج بيدك بحيث يراه القوم وأنت لا تراه وأن يكون كليا لقوم جزئيا لآخرين أو جزئيا للكل لكن على التفاوت وأما إذا كان عرض القمر المرئي بقدر نصف مجموع القطرين فيما بين جرم القمر ومخروط شعاع الشمس فلا يكون كسوف.

وأما خسوف القمر فيكون عندهم عند استقبال الشمس إذا كان على إحدى العقدتين أو بقربها بحيث يكون عرضه أقل من مجموع نصف قطره وقطر مخروط ظل الأرض انحجبت بالأرض عن نور الشمس، فيرى إن كان فوق الأرض على ظلامه الأصلي كلا أو بعضا وذلك هو الخسوف الكلي أو الجزئي، وأما إذا كان عرضه عن منطقة البروج بقدر نصف القطرين فلا ينخسف.

إذا عرفت هذا فالكلام في هذا الخبر على وجوه. الأول: أن يقال إن هذه مقدمات حدسية ظنية فإنه يمكن أن تكون هذه الاختلافات لجهة أخرى كما

قال ابن هيثم في اختلاف تشكلات القمر أنه يجوز أن يكون ذلك لان القمر كرة مضيئة نصفها دون نصف، وأنها تدور على مركز نفسها بحركة متساوية لحركة فلكها، فإذا كان نصفه المضئ إلينا فبدر، أو المظلم فمحاق، وفيما بينهما يختلف قدر ما تراه من المضئ. وأيضا يمكن أن يكون الفاعل المختار يحدث فيه نورا بحسب إرادته في بعض الأحيان ولا يحدث في بعضها، فالحكم ببطلان الخبر أو تأويله غير مستقيم.

الثاني: انه يمكن أن يكون عند حدوث تلك الأسباب يقع المرور على البحر أيضا ويكون له أيضا مدخل في ذلك، وامتناع الخرق والالتئام على الأفلاك وعدم جواز الحركة المستقيمة فيها وامتناع اختلاف حركاتها وأمثال ذلك لم يثبتوها إلا بشبهات واهية وخرافات فاسدة لا يخفى وهنها على من تأمل بالانصاف فيها، مع أن القول بها يوجب نفي كثير من ضروريات الدين من المعراج، ونزول الملائكة وعروجهم، وخرق السماوات وطيها، وانتشار الكواكب وأكسفها في القيامة إلى غير ذلك مما صرح به في القرآن المجيد والأخبار المتواترة.

الثالث: ما ذكره الصدوق - ره - في الفقيه حيث قال: إن الذي يخبر به المنجمون فيتفق على ما يذكرونه ليس من هذا الكسوف في شئ وإنما يجب الفزع فيه إلى المساجد والصلاة لأنه آية تشبه آيات الساعة. وقال الشهيد - ره - في الذكرى في جملة فروع أوردها في أحكام صلاة الكسوف: الرابع لو جامعت صلاة العيد بأن تجب بسبب الآيات المطلقة، أو بالكسوفين نظرا إلى قدرة الله تعالى وإن لم يكن معتادا على أنه قد اشتهر أن الشمس كسفت يوم عاشورا لما قتل الحسين عليه السلام كسفة بدت الكواكب فيها نصف النهار في ما رواه البيهقي وغيره، وقد قدمنا أن الشمس كسفت يوم مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وآله وروى الزبير بن بكار في كتاب الأنساب أنه توفي في العاشر من شهر ربيع الأول، وروى الأصحاب

أن من علامات المهدي عليه السلام كسوف الشمس في النصف الأول من شهر رمضان.

إلى آخر ما قال:

وأقول: رأيت في كثير من كتب الخاصة والعامة وقوع الكسوف والخسوف في يوم عاشوراء وليلته، وروى الشيخ المفيد في الارشاد بإسناده إلى الفضل بن شاذان عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن ثعلبة الأزدي، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: آيتان تكونان قبل القائم عليه السلام: كسوف الشمس في النصف من شهر رمضان، وخسوف القمر في آخره. قال: قلت: يا ابن رسول الله تنكسف الشمس في نصف الشهر والقمر في آخره؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: أنا أعلم بما قلت، إنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم عليه السلام ورواه في الكافي عن عدة من أصحابه، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن ثعلبة بن ميمون، عن بدر بن الخليل الأزدي، قال: كنت جالسا عند أبي جعفر عليه السلام فقال: آيتان تكونان قبل قيام القائم عليه السلام لم تكونا منذ هبط آدم عليه السلام إلى الأرض: تنكسف الشمس في النصف من شهر رمضان، والقمر في آخره. فقال رجل: يا ابن رسول الله تنكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف، فقال أبو جعفر عليه السلام إني أعلم ما تقول، ولكنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم عليه السلام والاخبار في ذلك كثيرة أوردتها في سائر المجلدات لا سيما في الثالث عشر.

الرابع: ما أوله بعض المتفلسفين، وهو أن المراد بالبحر في الكسوف ظل القمر، وفي الخسوف ظل الأرض على الاستعارة. ووجدت في بعض الكتب مناظرة لطيفة وقعت بين رجل من المدعين للاسلام يذكر هذا التأويل للخبر وبين رجل من براهمة الهند، قال له حين سمع ذلك التأويل منه: لا يخلو من أن يكون مراد

صاحب شريعتك ما ذكرت أم لا، فإن لم يكن مراده ذلك فالويل لم حيث اجترأت على الله وعليه وحملت كلامه على ما لم يرده وافتريت عليه، وإن كان مراده ذلك فله غرض في التعبير بهذه العبارة ومصلحة في عدم التصريح بالمراد، لقصور أفهام عامة الخلق عن فهم الحقائق، فالويل لك أيضا حيث نقضت غرضه وأبطلت مصلحته وهتكت سره.

وأقول: هذا الكلام متين وإن كان قائله على ما نقل من الكافرين، لان عقول العباد قاصرة عن فهم الأسباب والمسببات، وكيفية نزول الانكال والعقوبات، فإذا سمعوا المنجم يخبر بوقوع الكسوف أو الخسوف في الساعة الفلانية بمقتضى حركات الأفلاك لم يخافوا عند ذلك، ولم يفزعوا إلى ربهم، ولم يرتدعوا به عن معصيته، ولم يعدوه من آثار غضب الله تعالى، لأنهم لا يعلمون أنه يمكن أن يكون الصانع القديم والقادر الحكيم لما خلق العالم، وقدر الحركات، وسبب الأسباب والمسببات، وعلم بعلمه الكامل أحوالهم وأفعالهم في كل عصر وزمان، وكل دهر وأوان، وعلم ما يستحقون من التحذير والتنذير قدر حركات الأفلاك على وجه يطابق الخسوف والكسوف و غيرهما من الآيات بقدر ما يستحقونه بحسب أحوالهم من الانذارات والعقوبات وهذا باب دقيق يعجز عنه أفهام أكثر الخلق. وبالجملة الحديث وإن كان خبرا واحدا غير نقي السند لكن لا يحسن الجرأة على رده، وينبغي التسليم له في الجملة وإن صعب على العقل فهمه، فإنه سبيل أرباب التسليم، الثابتين على الصراط المستقيم.

قوله عليه السلام (والأرض مسيرة خمسمائة عام) لعل المراد أنه إذا أراد انسان أن يدور جميع الأرض ويطلع على جميع بقاعه الظاهرة والغائرة لا يكون إلا في خمسمائة سنة، وكذا المعمور وغير المعمور إذ لو كان المراد المسير على عظيمة محيطة بالأرض يكون ذلك في قليل من السنين إن كانت مساحتهم المذكورة في كتبهم حقة لأنهم قالوا مساحة

محيط دائرة عظيمة تفرض على الأرض ثمانية آلاف فرسخ، فيمكن قطعه في ثلاث سنين تقريبا، وكون الشمس ستون فرسخا لعله بالفراسخ السماوية، أو المراد أن نسبتها إلى فلكها كنسبة تلك الفراسخ إلى الأرض، وكذا القمر، أو المراد به العدد الكثير، عبر هكذا تقريبا إلى فهم السائل، وكذا المراد بكون الكواكب كأعظم جبل أن نسبة كل منها إلى السماء كنسبة أعظم جبل إلى الأرض، كل ذلك بناء على صحة ما ذكره أصحاب الهيئة وهو غير معلوم، فإنهم عولوا في ذلك على مساحات وأرصاد تصدى جماعة من الكفرة لتحقيقها وضبطها، وخلق الشمس قبل القمر يدل على حدوثهما والله يعلم حقائق مخلوقاته ومن عرفهم تلك من حججه عليهم السلام.

5 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن سهل بن زياد، عن علي بن حسان عن علي بن أبي النوار، عن محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك، لأي شئ صارت الشمس أشد حرارة من القمر؟ فقال: إن الله خلق الشمس من نور النار وصفو الماء طبقا من هذا وطبقا من هذا، حتى إذا كانت سبعة أطباق ألبسها لباسا من نار، فمن ثم صارت أشد حرارة من القمر. قلت: جعلت فداك والقمر (2)؟ قال: إن الله تعالى ذكره خلق القمر من ضوء نور النار وصفو الماء طبقا من هذا وطبقا من هذا، حتى إذا كانت سبعة أطباق ألبسها لباسا من ماء، فمن ثم صار القمر أبرد من الشمس.

العلل والخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد الأشعري، عن عيسى بن محمد، عن علي بن مهزيار، عن علي بن حسان

عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم مثله.

توضيح: قوله عليه السلام (حتى إذا كانت سبعة أطباق) يحتمل أن يكون المعنى أن الطبقة السابعة فيها من نار، فيكون حرارتها لجهتين: لكون طبقات النار أكثر بواحدة، وكون الطبقة العليا من النار، ويحتمل أن يكون لباس النار طبقة ثامنة فتكون الحرارة للجهة الثانية فقط، وكذا في القمر يحتمل الوجهين. ثم إنه يحتمل أن يكون خلقهما من النار والماء الحقيقيين من صفوهما وألطفهما، وأن يكون المراد جوهرين لطيفين مشابهين لهما في الكيفية، ولم يثبت امتناع كون العنصريات في الفلكيات ببرهان، وقد دل الشرع على وقوعه في مواضع شتى.

6 - الاحتجاج: روى القاسم بن معاوية عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لما خلق الله عز وجل القمر كتب عليه (لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين) وهو السواد الذي ترونه.

7 - الخصال: عن علي بن أحمد بن موسى، عن علي بن الحسن الهسنجاني عن سعد بن كثير بن عفير، عن ابن لهيعة ورشيد بن سعد، عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الجبلي، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه

الذي توفي فيه: ادعوا إلي أخي. قال: فأرسلوا إلى علي عليه السلام فدخل، فوليا وجوههما إلى الحائط وردا عليهما ثوبا فأسر إليه والناس محتوشون وراء الباب فخرج علي عليه السلام فقال له رجل من الناس: أسر إليك نبي الله شيئا؟ قال: نعم أسر إلي ألف باب في كل باب ألف باب. وقال: وعيته؟ قال: نعم، وعقلته.

فقال: فما السواد الذي في القمر؟ قال: إن الله عز وجل قال (وجعلنا الليل و النهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) قال له الرجل: عقلت يا علي.

بيان: (فوليا) أي النبي وعلي عليهما السلام ويقال (احتوش القوم على فلان) أي جعلوه وسطهم، ويقال (وعاه) أي حفظه، والظاهر أن السؤال كان عن علة الكلف في القمر فأجاب عليه السلام بأنه إنما جعل فيه ذلك ليقل نوره ويحصل الفرق بينه وبين الشمس فيمتاز الليل من النهار كما يدل عليه خبر ابن سلام فالمحو في الآية تقليل نور القمر بإحداث الكلف فيه. واعلم أنهم اختلفوا في سبب الكلف فقيل:

خيال لا حقيقة له، وأورد عليه بأنه يستحيل عادة توافق جميع الناس في خيال واحد لا حقيقة له. وقيل: هو شبح ما ينطبع فيه من السفليات من الجبال والبحار وغيرها وزيف بأنه لو كان كذلك لكان يختلف باختلاف القمر في قربه وبعده وانحرافه عما ينطبع فيه. وقيل: هو السواد الكائن في الوجه الآخر، وأورد عليه بأنه لو كان كذلك لم ير متفرقا. وقيل: وهو سحق النار للقمر، وأجيب بأنه غير مماس للنار لأنه مركوز في تدوير هو في ثخن حامل، فبينه وبين النار بعد بعيد، ولو فرض أنه في حضيض التدوير مع كونه في حضيض الحامل لم يتصور هناك مماسة إلا بنقطة واحدة، وأيضا فهو غير قابل للتسخن عندهم فكيف ينسحق بها. وقيل: هو جزء منه لا يقبل النور كسائر أجزائه القابلة له، وأورد عليه أنه مخالف لما ذهبوا إليه من بساطة الفلكيات فيبطل جميع قواعدهم المبنية على بساطتها. وقيل: هو وجه القمر فإنه مصور بصورة انسان، فله عينان وحاجبان وأنف وفم، وأجيب بأنه

لا فائدة في جعل هذه الاجزاء فيه. وقيل: هو أجسام سماوية مختلفة معه في تدويره غير قابلة للإنارة حافظة لوضعها معه دائما، وهذا أقرب الوجوه عندهم، وكل ذلك قول بغير علم، ولا نعلم من ذلك إلا أنه سبحانه خلقه كذلك، والبحث عن سببه لا طائل تحته، وسنذكر وجوها اخر بعد ذلك إن شاء الله.

8 - العيون والعلل: في خبر يزيد بن سلام أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله: ما بال الشمس والقمر لا يستويان في الضوء والنور؟ قال: لما خلقهما الله عز وجل أطاعا ولم يعصيا شيئا، فأمر الله عز وجل جبرئيل أن يمحو ضوء القمر فمحاه، فأثر المحو في القمر خطوطا سوداء، ولو أن القمر ترك على حاله بمنزلة الشمس لم يمح لما عرف الليل من النهار ولا النهار من الليل، ولا علم الصائم كم يصوم، ولا عرف الناس عدد السنين، وذلك قول الله عز وجل (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب) قال: صدقت يا محمد، فأخبرني لم سمي الليل ليلا؟ قال: لأنه يلايل الرجال من النساء، جعله الله عز وجل ألفة ولباسا، وذلك قول الله عز وجل (وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا) قال: صدقت يا محمد (الخبر).

بيان: يظهر من الخبر أن الليل مشتق من الملايلة، وهي بمعنى المؤالفة والموافقة، والمشهور عند اللغويين عكس ذلك، قال الفيروزآبادي: لايلته استجرته لليلة، وعامله ملايلة كمياومة.

9 - العلل والعيون: في خبر الشامي أنه سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن طول الشمس والقمر وعرضها، قال: تسعمائة فرسخ (الخبر).

10 - الاحتجاج: عن الأصبغ: قال: سأل ابن الكواء أمير المؤمنين عليه السلام عن المحو الذي يكون في القمر، قال عليه السلام: الله أكبر، الله أكبر، رجل أعمى يسأل عن مسألة عمياء! أما سمعت الله تعالى يقول (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة؟) (الخبر).

العياشي: عن أبي الطفيل مثله.

بيان: (عن مسألة عمياء) أي غامضة مشتبهة يصعب فهمها.

11 - تفسير علي بن إبراهيم في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) يقول: الشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، لا ينبغي للشمس أن تكون مع ضوء القمر بالليل (ولا يسبق الليل النهار) يقول: لا يذهب الليل حتى يدركه النهار (وكل في فلك يسبحون) يقول: يجئ وراء الفلك بالاستدارة.

بيان: (يجئ وراء الفلك) لعل المعنى : تابعا لسير الفلك فكأنه وراءه.

12 - العيون: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن أحمد بن محمد، عن حماد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة اتي بالشمس والقمر في صورة ثورين عقيرين فيقذفان بهما وبمن يعبدهما في النار، وذلك أنهما عبدا فرضيا بيان: قال في النهاية: في حديث كعب (إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار) قيل: لما وصفهما الله تعالى بالسباحة في قوله (كل في فلك يسبحون) ثم أخبر أنه يجعلهما في النار يعذب بهما أهلها بحيث لا يبرحانها صارا كأنهما زمنان

عقيران، حكى ذلك أبو موسى وهو كما تراه. وقال: العقير: المنحور لأنهم كانوا إذا أرادوا نحر البعير عقروه، أي قطعوا إحدى قوائمه ثم نحروه.

13 - التفسير: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) قال: المحو في القمر.

14 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم، قال: سأل الزنديق أبا عبد الله عليه السلام عن الشمس أين تغيب؟ قال: إن بعض العلماء قالوا: إذا انحدرت أسفل القبة دار بها الفلك إلى بطن السماء صاعدة أبدا إلى أن تنحط إلى موضع مطلعها، يعني أنها تغيب في عين حامية ثم تخرق الأرض راجعة إلى موضع مطلعها، فتحير تحت العرش حتى يؤذن لها بالطلوع، ويسلب نورها كل يوم وتتجلل نورا آخر. قال:

فخلق النهار قبل الليل؟ قال: نعم، خلق النهار قبل الليل، والشمس قبل القمر والأرض قبل السماء (الخبر).

بيان: قوله عليه السلام (صاعدة) أشار عليه السلام بذلك إلى أن الشمس إذا غابت عندنا تطلع على قوم آخرين، فهي عندهم صاعدة إلى أن تصل إلى قمة الرأس عندهم وهي قمة القدم عندنا، ثم تنحط عندهم إلى أن تصل إلى مشرقنا. وتحيرها و إذنها لعلهما كنايتان عن أنها مسخرة للرب متحركة بقدرته، إذا شاء حركها ومتى شاء سكنها، ففي كل آن من آنات حركتها في مطلع قوم، وطلوعها عليهم بإذنه وقدرته سبحانه، ولو شاء لجعلها ساكنة، ولما كان الباقي في البقاء محتاجا إلى المؤثر فهي في كل آن باعتبار إمكانها مسلوبة النور والصفات والوجود بحسب ذاتها، وإنما تكتسب جميع ذلك من خالقها ومدبرها فهي في جميع الأوقات والأزمان

تحت عرش الرحمن وقدرته، متحيرة في أمرها، ساجدة خاضعة لربها، تسأله بلسان إمكانها وافتقارها الاذن في طلوعها وغروبها، وتكسى حلة من نوره تعالى. و القائلون بتجدد الأمثال يمكنهم التمسك بأمثال هذا الخبر، لكن على ما حققناه لا دلالة لها على مذهبهم. وإنما أومأت لك إلى بعض الاسرار، ليمكنك فهم غوامض الاخبار، وقد مر تحقيق خلق النهار قبل الليل في الباب الأول.

15 - التوحيد: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزء من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزء من نور الستر (الخبر).

16 - قصص الراوندي: بالاسناد إلى الصدوق، عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن العلاء عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن موسى سأل ربه أن يعلمه زوال الشمس فوكل الله بها ملكا فقال: يا موسى قد زالت الشمس، فقال موسى: متى؟ فقال:

حين أخبرتك وقد سارت خمسمائة عام!

17 - العياشي: عن أبي بصير: عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى (فمحونا آية الليل) قال: هو السواد الذي في جوف القمر.

18 - ومنه: عن نصر بن قابوس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: السواد الذي في القمر محمد رسول الله.

بيان: يحتمل أن يكون المراد أن هذا السواد لما كان من أعظم أسباب نظام العالم كما مر، والعلة الغائية لخلق العالم ونظامه هو صلى الله عليه وآله فكأنه يدل عليه، أو

أنه لما دل على حكمة الصانع وعدم تفويته ما فيه صلاح الخلق ورسالته صلى الله عليه وآله أعظم المصالح فهو يدل عليه، مع أنه لا حاجة إلى هذه التكلفات ويمكن حمله على الحقيقة.

19 - العياشي: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام تغرب الشمس في عين حامية في بحر دون المدينة التي تلي المغرب يعني جابلقا.

20 - كتاب النجوم للسيد بن طاووس بأسانيده إلى محمد بن إبراهيم النعماني في كتاب الدلائل، عن محمد بن همام، عن محمد بن موسى بن عبيد، عن إبراهيم بن أحمد اليقطيني، قال: حدثني ابن ذي العلمين قال: كنت واقفا بين يدي ذي الرياستين بخراسان في مجلس المأمون وقد حضره أبو الحسن الرضا عليه السلام فجرى ذكر الليل والنهار وأيهما خلق قبل، فخاضوا في ذلك واختلفوا، ثم إن ذا الرياستين سأل الرضا عليه السلام عن ذلك وعما عنده فيه، فقال له: أتحب أن أعطيك الجواب من كتاب الله أو من حسابك؟ فقال: أريده أولا من جهة الحساب، فقال:

أليس تقولان إن طالع الدنيا السرطان، وأن الكواكب كانت في شرفها؟

قال: نعم، قال: فزحل في الميزان، والمشتري في السرطان، والمريخ في الجدي والزهرة في الحوت، والقمر في الثور، والشمس في وسط السماء في الحمل، وهذا لا يكون إلا نهارا. قال: نعم، فمن كتاب الله؟ قال: قول الله عز وجل (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار) أي النهار يسبقه.

قال السيد: ورويناه أيضا بعدة أسانيد عن ابن جمهور العمي وكان عالما فاضلا في كتاب الواحدة، قال: ومن مسائل ذي الرياستين للرضا عليه السلام أنهم تذاكروا بين يدي المأمون خلق الليل والنهار، فبعض قال: خلق الله النهار قبل الليل، و بعض قال: خلق الليل قبل النهار، فرجعوا بالسؤال إلى أبي الحسن عليه السلام فقال:

إن الله جل ذكره خلق النهار قبل الليل، وخلق الضياء قبل الظلمة، فإن شئتم أوجدتكم من القرآن، وإن شئتم أوجدتكم من النجوم. فقال ذو الرياستين:

أوجدنا من الجهتين جميعا. فقال: أما النجوم فقد علمت أن طالع العالم السرطان ولا يكون ذلك إلا والشمس في بيت شرفها في نصف النهار، وأما القرآن ألم تسمع إلى قوله تبارك وتعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) (الآية).

21 ومنه: نقلا من كتاب ابن جمهور أيضا بإسناده أن أمير المؤمنين عليه السلام لما صعد المنبر وقال سلوني قبل أن تفقدوني، قال: فقام إليه رجل فسأله عن السواد الذي في القمر فقال عليه السلام: أعمى سأل عن عمياء! أما سمعت الله عز وجل يقول:

(فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) والسواد الذي تراه في القمر أن الله عز وجل خلق من نور عرشه شمسين فأمر جبرئيل فأمر جناحه الذي سبق من علم الله جلت عظمته لما أراد أن يكون من اختلاف الليل والنهار، والشمس والقمر وعدد الساعات والأيام والشهور، والسنين والدهور، والارتحال والنزول، و الاقبال والادبار، والحج والعمرة، ومحل الدين، وأجر الأجير، وعدد أيام الحبل، والمطلقة، والمتوفى عنها زوجها، وما أشبه ذلك.

بيان: (الذي) أي على الذي سبق في علم الله أن يكون قمرا، والظاهر أنه كان هكذا على أحدهما للذي سبق.

22 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أخيه إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الرضا عليه السلام قال: قلت له: بلغني أن يوم الجمعة أقصر الأيام، قال: كذلك هو، قلت: جعلت فداك كيف ذلك؟ قال: إن الله تعالى يجمع أرواح المشركين تحت عين الشمس، فإذا ركدت الشمس عذب الله أرواح المشركين بركود الشمس ساعة فإذا كان يوم الجمعة لا يكون للشمس ركود

رفع الله عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة، فلا يكون للشمس ركود.

23 - الاختصاص: عن محمد بن أحمد العلوي، عن أحمد بن زياد، عن علي ابن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات والأرض و الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب) (الآية) فقال: إن للشمس أربع سجدات كل يوم وليلة: سجدة إذا صارت في طول السماء قبل أن يطلع الفجر، قلت: بلى جعلت فداك، قال: ذاك الفجر الكاذب، لان الشمس تخرج ساجدة وهي في طرف الأرض، فإذا ارتفعت من سجودها طلع الفجر و دخل وقت الصلاة. وأما السجدة الثانية فإنها إذا صارت في وسط القبة وارتفع النهار ركدت قبل الزوال، فإذا صارت بحذاء العرش ركدت وسجدت، فإذا ارتفعت من سجودها زالت عن وسط القبة فيدخل وقت صلاة الزوال. وأما السجدة الثالثة أنها إذا غابت من الأفق خرت ساجدة، فإذا ارتفعت من سجودها زال الليل، كما أنها حين زالت وسط السماء دخل وقت الزوال زوال النهار.

بيان: السجود في الآية بمعنى غاية الخضوع والتذلل والانقياد، سواء كان بالإرادة والاختيار أو بالقهر والاضطرار، فالجمادات لما لم يكن لها اختيار وإرادة فهي كاملة في الانقياد والخضوع لما أراد الرب تعالى منها، فهي على الدوام في السجود

والانقياد للمعبود، والتسبيح والتقديس له سبحانه بلسان الذل والامكان والافتقار وكذا الحيوانات العجم، وأما ذوو العقول فلما كانوا ذوي إرادة واختيار فهم من جهة الامكان والافتقار والانقياد للأمور التكوينية كالجمادات في السجود و التسبيح، ومن حيث الأمور الإرادية والتكليفية منقسمون بقسمين: منهم الملائكة وهم جميعا معصومون ساجدون منقادون من تلك الجهة أيضا، ولعل المراد بقوله (من في السماوات والأرض) هم وأما الناس فهم قسمان: قسم مطيعون من تلك الجهة أيضا، ومنهم عاصون من تلك الجهة وإن كانوا مطيعين من الجهة الأخرى، فلم يتأت منهم غاية ما يمكن منهم من الانقياد، فلذا قسمهم سبحانه إلى قسمين فقال (وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب) فإذا حققت الآية هكذا لم تحتج إلى ما تكلفه المفسرون من التقديرات والتأويلات وسيأتي بعض ما ذكروه في هذا المقام. وأما الخبر فلعله كان ثلاث سجدات أو سقط الرابع من النساخ، ولعله بعد زوال الليل إلى وقت الطلوع، أو قبل زوال الليل كما في النهار، وإنما خص عليه السلام السجود بهذه الأوقات لأنه عند هذه الأوقات تظهر للناس انقيادها لله، لأنها تتحول من حالة معروفة إلى حالة أخرى ويظهر تغير تام في أوضاعها، وأيضا إنها أوقات معينة يترصدها الناس لصلواتهم وصيامهم وسائر عباداتهم ومعاملاتهم، وأيضا لما كان هبوطها وانحدارها وأفولها من علامات إمكانها وحدوثها كما قال الخليل عليه السلام (لا أحب الآفلين) خص السجود بتلك الأحوال، أو بما يشرف عليها والله يعلم أسرار الآيات والاخبار، و حججه الأبرار عليهم السلام.

24 - الاختصاص: قال الصادق عليه السلام: إذا كان عند غروب الشمس وكل الله بها ملكا ينادي (أيها الناس أقبلوا على ربكم، فإن ما قل وكفى خير مما كثر

وألهى) وملك موكل بالشمس عند طولها ينادي (يا ابن آدم لد للموت، وابن للخراب، واجمع للفناء).

25 - كتاب الغارات: لإبراهيم الثقفي رفعه إلى أبي عمران الكندري قال: سأل ابن الكواء أمير المؤمنين عليه السلام عن السواد الذي في جوف القمر، قال:

إن الله عز وجل يقول (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل) السواد الذي في جوف القمر. قال: فكم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس تطلع من مطلعها فتأتي مغربها، من حدثك غير ذلك كذبك.

26 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم، قال العالم عليه السلام: علة رد الشمس على أمير المؤمنين عليه السلام وما طلعت على أهل الأرض كلهم أنه جلل الله السماء بالغمام إلا الموضع الذي كان فيه أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه، فإنه جلاه حتى طلعت عليهم. قال: والعلة في قصر يوم الجمعة أن الله يجمع الأرواح أرواح الكفار والمشركين فيعذبهم تحت عين الشمس إلا يوم الجمعة، فإنه ليس للشمس ركود ولا يعذب الكفار لفضل يوم الجمعة.

27 - تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى (حتى عاد كالعرجون القديم) قال: العرجون طلع النخل، وهو مثل الهلال في أول طلوعه. قال: وحدثني أبي، عن داود بن محمد النهدي قال: دخل أبو سعيد المكاري على أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال له: أبلغ من قدرك أن تدعي ما ادعى أبوك؟ فقال له الرضا عليه السلام مالك أطفأ الله نورك وأدخل الفقر بيتك؟! أما علمت أن الله أوحى إلى عمران أني واهب لك ذكرا فوهب له مريم. ووهب لمريم عيسى، فعيسى من مريم ومريم من عيسى ومريم وعيسى واحد، وأنا من أبي، وأبي مني، وأنا وأبي شئ واحد. فقال له

أبو سعيد: فأسألك عن مسألة؟ قال: سل ولا إخالك تقبل مني ولست من غنمي ولكن هاتها. فقال له: ما تقول في رجل قال عند موته كل مملوك له قديم فهو حر لوجه الله؟ قال: نعم، ما كان لستة أشهر فهو قديم وهو حر، لان الله يقول (و القمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم) فما كان لستة أشهر فهو قديم وهو حر، قال: فخرج من عنده وافتقر وذهب بصره ثم مات لعنه الله وليس عنده مبيت ليلة.

بيان: هذا التفسير للعرجون غريب لم أره في غير هذا الكتاب، ولا يناسب وصفه بالقديم أيضا. وفي القاموس: الطلع من النخل شئ يخرج كأنه نعلان مطبقان، أو ما يبدو من ثمرته في أول ظهورها. وأبو سعيد كان من الواقفة و كان ينكر إمامة الرضا عليه السلام وإطفاء النور كناية عن ذهاب العز أو ذهاب نور البصر ولعل جوابه عليه السلام مبني على أن الواقفة كانوا متمسكين بما روي عن الصادق عليه السلام أن القائم عليه السلام من ولدي، فأجاب عن استدلالهم بأن ولد الولد أيضا ولد، ولو سلم كونه مجازا فعلاقة المجاز هنا قوية للاتحاد في الكمالات والأنوار وفي القاموس خال الشئ خيلولة: ظنه، وتقول في مستقبله: إخاله - بكسر الألف - ويفتح في لغية. قوله (ولست من غنمي)) أي ممن يقول بإمامتي و من شيعتي (وليس عنده مبيت ليلة) أي قوت ليلة.

28 - الفقيه: بإسناده عن محمد بن مسلم أنه سأل أبا جعفر عليه السلام عن ركود الشمس فقال: يا محمد، ما أصغر جثتك وأعضل مسألتك! وإنك لأهل للجواب إن الشمس إذا طلعت جذبها سبعون ألف ملك بعد أن أخذ بكل شعاع منها خمسة آلاف من الملائكة من بين جاذب ودافع، حتى إذا بلغت الجو وجازت

الكوة قلبها ملك النور ظهر البطن، فصار ما يلي الأرض إلى السماء وبلغ شعاعها تخوم الأرض فعند ذلك نادت الملائكة (سبحان الله، ولا إله إلا الله، والحمد الله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا) فقلت له: جعلت فداك أحافظ على هذا الكلام عند زوال الشمس؟ فقال: نعم، حافظ عليه كما تحافظ على عينك فإذا زالت الشمس صارت الملائكة من ورائها يسبحون الله في فلك الجو إلى أن تغيب.

29 - وسئل الصادق عليه السلام عن الشمس كيف تركد كل يوم ولا يكون لها يوم الجمعة ركود؟ قال: لان الله عز وجل جعل يوم الجمعة أضيق الأيام، فقيل له: ولم جعله أضيق الأيام؟ قال: لأنه لا يعذب المشركين في ذلك اليوم لحرمته عنده.

بيان: (الركود) السكون والثبات (ما أصغر جثتك؟) تعجب من أن الانسان مع هذا الصغر يطلب فهم معاني الأمور ودقائقها، أو تأديب له بأنه لا ينبغي له أن يتكلف علم ما لم يؤمر بعلمه. وقال في النهاية: أصل العضل المنع و الشدة، يقال (أعضل بي الامر) إذا ضاقت عليك فيه الحيل، ومنه حديث عمر (أعوذ بالله من كل معضلة ليس لها أبو حسن) وروي (معضلة) أراد المسألة الصعبة أو الخطة الضيقة المخارج من الإعضال أو التعضيل، ويريد بأبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام (بعد أن أخذ) ليس في بعض النسخ (بعد أن) وعلى التقديرين يحتمل أن يكون خمسة آلاف من جملة السبعين أو غيرهم، وإن كان الثاني على

النسخة الأولى أظهر (من بين جاذب ودافع) على الأول يكون المعنى أن هؤلاء السبعين مرددون من بين جاذب يجذبها قدامها، ودافع يدفعها من خلفها، ومنقسمون إليهما، أو الشمس كائنة بين جاذب ودافع من تلك السبعين، فالمراد بالجذب أولا ما يصير سببا للحركة أعم من أن يكون بالجذب أو الدفع، أو يكون نسبة الجذب إلى الجميع على المجاز وعلى الثاني فالمعنى أن الشمس واقعة بين جاذب من سبعين ألف ملك، ودافع من خمسة آلاف، وعلى الوجهين يحتمل أن يكون المراد بحركة الجذب الحركة اليومية السريعة على خلاف التوالي التابعة لحركة الفلك الأطلس التي يحصل اليوم والليل منها، وبحركة الدفع حركة الفلك الرابع الذي فيه الشمس على توالي البروج وهي بطيئة تقطع بها في كل سنة دورة، فالمعنى أن الشمس إذا طلعت جذبها الملائكة السبعون ألفا إلى المغرب بالحركة اليومية مع أنه أخذ بكل شعاع منها أو بمكان كل شعاع منها خمسة آلاف من الملائكة تدفعها إلى جانب المشرق بالحركة الخاصة، فتسير الشمس بقدر فضل ما بين الحركتين (حتى إذا بلغت الجو) أي وسط السماء مجازا، وفي الأصل ما بين السماء والأرض (وجازت الكوة) في بعض النسخ بدون التاء، وفي القاموس: الكوة ويضم و الكو: الخرق في الحائط، أو التذكير للكبير والتأنيث للصغير، والجمع: كوى وكوا (انتهى) أي خرجت أشعة الشمس من الكوى المشرقية، وذلك عند قرب الزوال، وربما يؤول الكوة بدائرة نصف النهار على الاستعارة (قلبها ملك النور) ربما يؤول ذلك بأنه لما كانت الشمس صاعدة كان الجانب الذي منها يلي المشرق تحت الجانب الغربي منها، فإذا جازت نصف النهار وانحدرت صار الامر بالعكس، وصار ما كان يلي الأرض أي الجانب الشرقي إلى السماء أي إلى جهة الفوق، فلذا نسب إليه القلب، ولا يخفى أنه على هذا يصير الكلام قليل الجدوى مع أن ظاهره غير ممتنع. والتخوم: جمع التخم وهو منتهى كل قرية وأرض، و لعل المراد بفلك الجو جو الفلك، أي ما بين السماء الرابعة والخامسة.

ثم إنه يرد الاشكال على هذه الأخبار من وجوه: الأول أن ركود الشمس حقيقة مخالف لما يشهد به الحس من عدم التفاوت في أجزاء النهار وقطع قسي مدارات الشمس والثاني أن الشمس في كل آن في نصف النهار لقوم، فيلزم سكون الشمس دائما. الثالث أن التفاوت بين يوم الجمعة وغيره أيضا مما يشهد الحس بخلافه الرابع أن حرارة الشمس ليس باعتبار جرمه حتى يقع تعذيب أرواح المشركين بتقريبهم من عين الشمس، بل باعتبار انعكاس الأشعة عن الأجسام الكثيفة، ولذا كلما بعد عن الأرض كان تأثير الحرارة فيه أخف.

ويمكن الجواب عن الأول والثالث بأنه يمكن أن يكون الركود قليلا لا يظهر في الآلات التي تعرف بها الساعات، ولا يمكن الحكم على التواسع والعواشر وأقل منها على اليقين، وإنما مبناها على التخمين. وعلى الثاني بأنه يمكن أن يكون المراد نصف نهار موضع خاص كمكة أو المدينة أو قبة الأرض، وأورد عليه بأنه يلزم أن يقع الركود في البلاد الاخر في الضحى أو في العصر ولا يلتزمه أحد. وعن الرابع بأنه يمكن أن يكون للشمس حرارتان: حرارة من جهة الجرم وأخرى من جهة الانعكاس، وما قيل من أن الفلكيات لا تقبل تلك الكيفيات لم يثبت بدليل قاطع. وربما يؤول الركود بوجهين: الأول أنه عند القرب من نصف النهار يحس بحركة الشمس في غاية البطء، فكأنه ساكن فأطلق الركود عليه مجازا، أو بأنه يعدم الظل عند الزوال في بعض البلاد فلا حركة للظل حينئذ فركود الشمس ركود ظله، وما قيل من أن المراد ركود الظل بناء على ما تقرر من أن بين كل حركتين مستقيمتين سكون فلا بد من سكون بين زيادة الظل و نقصانه فلا يخفى بعد حمل الركود على مثل ذلك جدا، مع أن نسبة الحركة إلى الظل مجاز بل هو إيجاد لبعض أجزاء الظل وإعدام له، وعلى تقدير كونه حقيقة فليست بحركة مستقيمة. الثاني أنه لما كانت أيام الراحة عند الناس سريعة الانقضاء وأيام الشدة طويلة، فيوم الجمعة عند المشركين قصيرة لعدم تعذيبهم عند

زوال الشمس فيه، وسائر الأيام طويلة عندهم لتعذيبهم عند زواله، فالمراد بقول السائل في الخبر الثاني (كيف تركد؟) ما معنى ركودها، فأجاب عليه السلام بأن المراد هذا الركود والضيق المجازيان. وربما يحمل ضيق الجمعة وقصره على أن أعمال المؤمنين فيه كثيرة لا يسع اليوم لها، فكأنه لا تركد فيه الشمس. ولا يخفى بعد هذه الوجود كلها، والأولى في أمثال ذلك عدم الخوض فيها والتسليم لها بأي معنى صدرت عنهم عليهم السلام على تقدير صحتها، فإنها من متشابهات الأحبار ومعضلات الآثار، ولا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم.

30 - الفقيه: بسنده الصحيح عن حريز بن عبد الله، أنه قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فسأله رجل فقال له: جعلت فداك، إن الشمس تنقض ثم تركد ساعة من قبل أن تزول؟ فقال: إنها تؤامر: أتزول أم لا تزول.

بيان: انقضاض الطائر هويها ليقع، وهذا أسرع ما يكون من طيرانه، و المراد هنا سرعة حركة الشمس عند الصعود، وركودها بطء حركتها. والمؤامرة إما من الملائكة الموكلين بها، أو هي استعارة تمثيلية شبهت حالة الشمس في سرعتها عند الصعود وركودها ثم إسراعها في الهبوط بمن أتى سلطانا قاهرا ثم أمره هل يذهب إلى حاجة أخرى أم لا، والغرض هنا ليس محض الاستعارة بل بيان أن جميع المخلوقات مقهورة بقهره سبحانه، مسخرة لامره، وكل ما يقع منها بتقديره و تدبيره تعالى.

31 - الفقيه: عن الصادق عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى ابن عمران عليه السلام أن أخرج عظام يوسف عليه السلام من مصر ووعده طلوع القمر، فأبطأ طلوع القمر عليه فسأل عمن يعلم موضعه، فقيل له: ههنا عجوز تعلم علمه، فبعث إليها فاتي بعجوز مقعدة عمياء، فقال: تعرفين قبر يوسف؟ قالت: نعم، قال:

فأخبريني بموضعه، قالت: لا أفعل حتى تعطيني خصالا: تطلق رجلي، وتعيد

إلي بصري، وترد إلي شبابي، وتجعلني معك في الجنة. فكبر ذلك على موسى عليه السلام، فأوحى الله عز وجل إليه: إنما تعطي علي فأعطها ما سألت، ففعل فدلته على قبر يوسف عليه السلام فاستخرجه من شاطئ النيل في صندوق مرمر، فلما أخرجه طلع القمر فحمله إلى الشام.

أقول: قد مر نقلا عن العيون عن الرضا عليه السلام أنه قال: احتبس القمر عن بني إسرائيل، فأوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام أن أخرج عظام يوسف من مصر ووعده طلوع القمر إذا أخرج عظامه، فسأل موسى عليه السلام عمن يعلم موضعه وساق الخبر كما مر.

بيان: يدل ردا على الفلاسفة على جواز الاختلاف في حركة الفلكيات، و منعها عن الحركة بإذن خالق الأرضين والسماوات.

32 - المتهجد: روى محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت: بلغني أن يوم الجمعة أقصر الأيام. قال: كذلك هو، قلت: جعلت فداك، كيف ذاك؟ قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله يجمع أرواح المشركين تحت عين الشمس، فإذا كدرت الشمس عذبت أرواح المشركين بركود الشمس فإذا كان يوم الجمعة رفع عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة، فلا يكون للشمس ركود.

33 - توحيد المفضل: فكريا مفضل في مقادير النهار والليل كيف وقعت على ما فيه صلاح هذا الخلق، فصار منتهى كل واحد منهما إذا امتد إلى خمس عشرة ساعة لا يجاوز ذلك أفرأيت لو كان النهار يكون مقداره مائة ساعة أو مائتي ساعة ألم يكن في ذلك بوار كل ما في الأرض من حيوان ونبات؟ أما الحيوان فكان لا يهدأ ولا يقر طول هذه المدة، ولا البهائم كانت تمسك عن الرعي لو دام لها ضوء النهار، ولا الانسان كان يفتر عن العمل والحركة، وكان ذلك سيهلكها

أجمع ويؤديها إلى التلف. وأما النبات فكان يطول عليه حر النهار ووهج الشمس حتى يجف ويحترق، وكذلك الليل لو امتد مقدار هذه المدة كان يعوق أصناف الحيوان عن الحركة والتصرف في طلب المعاش حتى تموت جوعا، وتخمد الحرارة الطبيعية من النبات حتى يعفن ويفسد، كالذي تراه يحدث على النبات إذا كان في موضع لا تطلع عليه الشمس.

اعتبر بهذا الحر والبرد كيف يتعاوران العالم، ويتصرفان هذا التصرف من الزيادة والنقصان والاعتدال لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة، وما فيهما من المصالح، ثم هما بعد دباغ الأبدان التي عليها بقاؤها وفيها صلاحها، فإنه لولا الحر والبرد وتداولهما الأبدان لفسدت وأخوت وانتكثت. فكر في دخول أحدهما على الآخر بهذا التدريج والترسل، فإنك ترى أحدهما ينقص شيئا بعد شئ، والآخر يزيد مثل ذلك حتى ينتهي كل واحد منهما منتهاه في الزيادة و النقصان، ولو كان دخول أحدهما على الآخر مفاجأة لأضر ذلك بالأبدان وأسقمها كما أن أحدكم لو خرج من حمام حار إلى موضع البرودة لضره ذلك وأسقم بدنه، فلم جعل الله عز وجل هذا الرسل في الحر والبرد إلا للسلامة من ضرر المفاجأة؟ ولم جرى الامر على ما فيه السلامة من ضر المفاجأة لولا التدبير في ذلك؟ فإن زعم زاعم أن هذا الترسل في دخول الحر والبرد إنما يكون لابطاء مسير الشمس في الارتفاع والانحطاط سئل عن العلة في إبطاء مسير الشمس في ارتفاعها وانحطاطها، فإن اعتل في الابطاء ببعد ما بين المشرقين سئل عن العلة في ذلك، فلا تزال هذه المسألة ترقى معه إلى حيث رقى من هذا القول حتى استقر على العمد والتدبير. لولا الحر لما كانت الثمار الجاسية المرة تنضج فتلين وتعذب حتى يتفكه بها رطبة ويابسة، ولولا البرد لما كان الزرع يفرخ هكذا ويريع الريع الكثير الذي يتسع للقوت وما يرد في الأرض للبذر، أفلا ترى ما في الحر والبرد

من عظيم الغناء والمنفعة، وكلاهما مع غنائه والمنفعة فيه يؤلم الأبدان ويمضها وفي ذلك عبرة لمن فكر، ودلالة على أنه من تدبير الحكيم في مصلحة العالم و ما فيه.

توضيح: قوله عليه السلام (لا يجاوز ذلك) أي في معظم المعمورة، وفي المصباح:

خوت الدار: خلت من أهلها، وخوت الإبل تخوية: خمصت بطونها، وقال الفيروزآبادي : خوت الدار تهدمت، والنجوم خيا أمحلت فلم تمطر كأخوت وخوت وقال: المنتكث المهزول، وقال: الترسل الرفق والتؤدة (انتهى) قوله عليه السلام (ببعد ما بين المشرقين) أي المشرق والمغرب كناية عن عظم الدائرة التي يقطع عليها البروج، أو مشرق الصيف والشتاء، والأول أظهر. قوله عليه السلام (الجاسية) أي الصلبة (حتى يتفكه بها) أي يتمتع بها، والريع: النماء والزيادة، وقال الجوهري: أمضني الجرح إمضاضا إذا أوجعك، وفيه لغة أخرى: مضني الجرح ولم يعرفها الأصمعي.

34 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: فإن قالوا فلم يختلف فيه أي في ذاته تعالى وصفاته؟ قيل لهم: لقصر الافهام عن مدى عظمته، وتعديها أقدارها في طلب معرفته، وأنها تروم الإحاطة به وهي تعجز عن ذلك وما دونه فمن ذلك هذه الشمس التي تراها تطلع على العالم ولا يوقف على حقيقة أمرها، و لذلك كثرت الأقاويل فيها، واختلفت الفلاسفة المذكورون في وصفها، فقال بعضهم:

هو فلك أجوف مملو نارا له فم يجيش بهذا الوهج والشعاع، وقال آخرون: هو سحابة، وقال آخرون: هو جسم زجاجي يقبل نارية في العالم ويرسل عليه شعاعها وقال آخرون: هو صفو لطيف ينعقد من ماء بحر، وقال آخرون: هو أجزاء كثيرة مجتمعة من النار، وقال آخرون: هو من جوهر خامس سوى الجواهر الأربع.

ثم اختلفوا في شكلها فقال بعضهم: هي بمنزلة صفيحة عريضة، وقال آخرون: هي كالكرة المدحرجة، وكذلك اختلفوا في مقدارها فزعم بعضهم أنها مثل الأرض

سواء، وقال آخرون: بل هي أقل من ذلك، وقال آخرون: بل هي أعظم من الجزيرة العظيمة، وقال أصحاب الهندسة: هي أضعاف الأرض مائة وسبعون مرة ففي اختلاف هذه الأقاويل منهم في الشمس دليل على أنهم لم يقفوا على الحقيقة من أمرها، وإذا كانت هذه الشمس التي يقع عليها البصر ويدركها الحس قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها فكيف ما لطف عن الحس واستتر عن الوهم؟!

بيان: أقول: لعل ما ذكره عليه السلام من قول أصحاب الهندسة قول بعض قدمائهم، مع أنه قريب من المشهور كما عرفت، والاختلاف بين قدمائهم ومتأخريهم في أشباه ذلك كثير.

35 - توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام فكريا مفضل في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي النهار والليل، فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فلم يكن الناس يسعون في معايشهم، ويتصرفون في أمورهم، والدنيا مظلمة عليهم ولم يكونوا يتهنؤون بالعيش مع فقدهم لذة النور وروحه، والإرب في طلوعها ظاهر مستغن بظهوره عن الاطناب في ذكره، والزيادة في شرحه، بل تأمل المنفعة في غروبها، فلولا غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع عظم حاجتهم إلى الهدوء والراحة، لسكون أبدانهم، وجموم حواسهم، وانبعاث القوة الهاضمة لهضم الطعام وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، ثم كان الحرص سيحملهم من مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم نكايته في أبدانهم، فإن كثيرا من الناس لولا جثوم هذا الليل لظلمته عليهم لم يكن لهم هدوء ولا قرار، حرصا على الكسب والجمع والادخار، ثم كانت الأرض تستحمي بدوام الشمس بضيائها وتحمي كل ما عليها من حيوان و نبات، فقدرها الله بحكمته وتدبيره تطلع وقتا وتغرب وقتا، بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم، ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليهدؤوا ويقروا، فصار

النور والظلمة مع تضادهما منقادين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم وقوامه.

ثم فكر بعد هذا في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من التدبير والمصلحة، ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر والنبات، فيتولد فيهما مواد الثمار، ويستكثف الهواء، فينشأ منه السحاب والمطر وتشتد أبدان الحيوان وتقوى. وفي الربيع تتحرك وتظهر المواد المتولدة في الشتاء، فيطلع النبات، وتنور الأشجار، ويهيج الحيوان للفساد وفي الصيف يحتدم الهواء، فتنضج الثمار. وتتحلل فضول الأبدان، ويجف وجه الأرض فتهيأ للبناء والاعمال. وفي الخريف يصفو الهواء، ويرتفع الأمراض، وتصح الأبدان ويمتد الليل ويمكن فيه بعض الاعمال لطوله، ويطيب الهواء فيه إلى مصالح أخرى لو تقصيت لذكرها لطال فيها الكلام.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.