پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثالث عشر

29 باب الرجعة

ج ۵۳، ص ۱۲۸–۱۴۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۴ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۳

فان قال قائل: إن الله عز وجل قال " وتحسبهم أيقاظا وهم رقود " قيل له: فإنهم كانوا موتى وقد قال الله عز وجل " قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون " وإن قالوا كذلك فإنهم كانوا موتى ومثل هذا كثير.

إن الرجعة كانت في الأمم السالفة، وقال النبي صلى الله عليه وآله: يكون في هذه الأمة مثل ما يكون في الأمم السالفة حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، فيجب على هذا الأصل أن يكون في هذه الأمة رجعة.

وقد نقل مخالفونا أنه إذا خرج المهدي نزل عيسى بن مريم فصلى خلفه ونزوله إلى الأرض رجوعه إلى الدنيا بعد موته لأن الله تعالى قال: " إني متوفيك ورافعك إلي ".

وقال عز وجل " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " وقال عز وجل " ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا " فاليوم الذي يحشر فيه الجميع غير اليوم الذي يحشر فيه فوج.

وقال الله عز وجل " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون " يعني في الرجعة وذلك أنه يقول:

" ليبين لهم الذي يختلفون فيه " والتبيين يكون في الدنيا لا في الآخرة وسأجرد في الرجعة كتابا أبين فيها كيفيتها، والدلالة على صحة كونها إن شاء الله.

والقول بالتناسخ باطل، ومن دان بالتناسخ فهو كافر، لأن في التناسخ إبطال الجنة والنار.

وقال الشيخ المفيد في أجوبة المسائل العكبرية - حين سئل عن قوله تعالى " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا " وأجاب بوجوه فقال:

وقد قالت الامامية: إن الله تعالى ينجز الوعد بالنصر للأولياء قبل الآخرة عند قيام القائم والكرة التي وعد بها المؤمنين في العاقبة.

وروى قدس الله روحه في كتاب الفصول عن الحارث بن عبد الله الربعي أنه قال: كنت جالسا في مجلس المنصور، وهو بالجسر الأكبر، وسوار القاضي عنده والسيد الحميري ينشده:

إن الإله الذي لا شئ يشبهه * آتاكم الملك للدنيا وللدين آتاكم الله ملكا لا زوال له * حتى يقاد إليكم صاحب الصين وصاحب الهند مأخوذ برمته * وصاحب الترك محبوس على هون

حتى أتى على القصيدة والمنصور مسرور، فقال سوار: إن هذا والله يا أمير المؤمنين يعطيك بلسانه ما ليس في قلبه، والله إن القوم الذين يدين بحبهم لغيركم، وإنه لينطوي على عداوتكم، فقال السيد: والله إنه لكاذب، وإنني في مدحتك لصادق، وإنه حمله الحسد إذ رآك على هذه الحال، وإن انقطاعي إليكم ومودتي لكم أهل البيت لمعرق فينا من أبوي، وإن هذا وقومه لأعداؤكم في الجاهلية والإسلام، وقد أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وآله في أهل بيت هذا:

" إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ".

فقال المنصور: صدقت فقال سوار: يا أمير المؤمنين إنه يقول بالرجعة، ويتناول الشيخين بالسب والوقيعة فيهما، فقال السيد: أما قوله إني أقول بالرجعة، فاني أقول بذلك على ما قال الله تعالى " ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون " وقد قال في موضع آخر " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " فعلمنا أن ههنا حشرين أحدهما عام والآخر خاص، وقال سبحانه " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل " وقال تعالى " فأماته الله مائة عام ثم بعثه " وقال تعالى " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم " فهذا كتاب الله.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يحشر المتكبرون في صورة الذر يوم القيامة وقال صلى الله عليه وآله: لم يجر في بني إسرائيل شئ إلا ويكون في أمتي مثله، حتى الخسف والمسخ والقذف، وقال حذيفة: والله ما أبعد أن يمسخ الله عز وجل كثيرا من هذه الأمة قردة وخنازير.

فالرجعة التي أذهب إليها ما نطق به القرآن، وجاءت به السنة، وإني

لأعتقد أن الله عز وجل يرد هذا يعني سوارا إلى الدنيا كلبا أو قردا أو خنزيرا أو ذرة فإنه والله متجبر متكبر كافر.

قال: فضحك المنصور وأنشأ السيد يقول:

جاثيت سوارا أبا شملة * عند الامام الحاكم العادل إلى آخر الأبيات.

وقال رحمه الله في الكتاب المذكور: سأل بعض المعتزلة شيخا من أصحابنا الإمامية ، وأنا حاضر في مجلس فيهم جماعة كثيرة من أهل النظر والمتفقهة، فقال له: إذا كان من قولك أن الله عز وجل يرد الأموات إلى دار الدنيا قبل الآخرة عند القائم، ليشفي المؤمنين كما زعمتم من الكافرين، وينتقم لهم منهم كما فعل ببني إسرائيل فيما ذكرتموه، حيث تتعلقون بقوله تعالى: " ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا " فخبرني ما الذي يؤمنك أن يتوب يزيد وشمر وعبد الرحمن بن ملجم، ويرجعوا عن كفرهم وضلالهم ويصيروا في تلك الحال إلى طاعة الامام، فيجب عليك ولايتهم، والقطع بالثواب لهم، وهذا نقض مذاهب الشيعة.

فقال الشيخ المسؤول: القول بالرجعة إنما قلته من طريق التوقيف، وليس للنظر فيه مجال، وأنا لا أجيب عن هذا السؤال لأنه لا نص عندي فيه، وليس يجوز لي أن أتكلف من غير جهة النص الجواب فشنع السائل وجماعة المعتزلة عليه بالعجز والانقطاع.

فقال الشيخ أيده الله فأقول أنا: إن عن هذا السؤال جوابين أحدهما أن العقل لا يمنع من وقوع الايمان ممن ذكره السائل، لأنه يكون إذ ذاك قادرا عليه ومتمكنا منه، ولكن السمع الوارد عن أئمة الهدى عليهم السلام بالقطع عليهم بالخلود في النار، والتدين بلعنهم والبراءة منهم إلى آخر الزمان منع من الشك في حالهم، وأوجب القطع على سوء اختيارهم فجروا في هذا

الباب مجرى فرعون وهامان وقارون، ومجرى من قطع الله عز وجل على خلوده في النار، ودل القطع على أنهم لا يختارون أبدا الايمان ممن قال الله تعالى " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله " يريد إلا أن يلجئهم الله والذين قال الله تعالى فيهم " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ".

ثم قال جل قائلا في تفصيلهم وهو يوجه القول إلى إبليس " لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين " وقوله تعالى " وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين " وقوله تعالى " تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب " فقطع بالنار عليه وأمن من انتقاله إلى ما يوجب له الثواب، وإذا كان الأمر على ما وصفناه، بطل ما توهمتموه على هذا الجواب.

والجواب الآخر أن الله سبحانه إذا رد الكافرين في الرجعة لينتقم منهم لم يقبل لهم توبة، وجروا في ذلك مجرى فرعون لما أدركه الغرق " قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين " قال الله سبحانه له " الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين " فرد الله عليه إيمانه ولم ينفعه في تلك الحال ندمه وإقلاعه، وكأهل الآخرة الذين لا يقبل الله لهم توبة ولا ينفعهم ندم لأنهم كالملجئين إذ ذاك إلى الفعل، ولأن الحكمة تمنع من قبول التوبة أبدا، ويوجب اختصاص بعض الأوقات بقبولها دون بعض.

وهذا هو الجواب الصحيح، على مذهب أهل الإمامة، وقد جاءت به آثار متظاهرة عن آل محمد صلى الله عليه وآله فروي عنهم في قوله تعالى " يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون " فقالوا: إن هذه الآية هو القائم عليه السلام فإذا ظهر لم يقبل توبة

المخالف، وهذا يسقط ما اعتمده السائل.

سؤال: فان قالوا: في هذا الجواب ما أنكرتم أن يكون الله تعالى على ما أصلتموه قد أغرى عباده بالعصيان، وأباحهم الهرج والمرج والطغيان، لأنهم إذا كانوا يقدرون على الكفر وأنواع الضلال، وقد يئسوا من قبول التوبة لم يدعهم داع إلى الكف عما في طباعهم، ولا انزجروا عن فعل قبيح يصلون به إلى النفع العاجل ومن وصف الله تبارك وتعالى باغراء خلقه بالمعاصي، وإباحتهم الذنوب، فقد أعظم الفرية عليه.

جواب: قيل لهم: ليس الأمر على ما ظننتموه، وذلك أن الدواعي لهم إلى المعاصي ترتفع إذ ذاك، ولا يحصل لهم داع إلى قبيح على وجه من الوجوه ولا سبب من الأسباب لأنهم يكونون قد علموا بما سلف لهم من العذاب وقت الرجعة على خلاف أئمتهم عليهم السلام ويعلمون في الحال أنهم معذبون على ما سبق لهم من العصيان وأنهم إن راموا فعل قبيح تزايد عليهم العقاب، ولا يكون لهم عند ذلك طبع يدعوهم إلى ما يتزايد عليهم به العذاب، بل يتوفر لهم دواعي الطباع والخواطر، كلها إلى إظهار الطاعة، والانتقال عن العصيان.

وإن لزمنا هذا السؤال لزم جميع أهل الاسلام مثله في أهل الآخرة وحالهم في إبطال توبتهم وكون ندمهم غير مقبول، فمهما أجاب الموحدون لمن ألزمهم ذلك فهو جوابنا بعينه.

سؤال آخر: وإن سألوا على المذهب الأول والجواب المتقدم، فقالوا:

كيف يتوهم من القوم الإقامة على العناد، والاصرار على الخلاف، وقد عاينوا فيما تزعمون عقاب القبور، وحل بهم عند الرجعة العذاب على ما تزعمون أنهم مقيمون عليه، وكيف يصح أن يدعوهم الدواعي إلى ذلك، ويخطر لهم في فعله الخواطر ما أنكرتم أن تكونوا في هذه الدعوى مكابرين.

جواب: قيل لهم: يصح ذلك على مذهب من أجاب بما حكيناه من أصحابنا بأن يقول: إن جميع ما عددتموه لا يمنع من دخول الشبهة عليهم في استحسان

الخلاف، لأن القوم يظنون أنهم إنما بعثوا بعد الموت تكرمة لهم، وليلوا الدنيا كما كانوا، ويظنون أن ما اعتقدوه في العذاب السالف لهم كان غلطا منهم، وإذا حل بهم العقاب ثانية توهموا قبل مفارقة أرواحهم أجسادهم أن ذلك ليس من طريق الاستحقاق، وأنه من الله تعالى، لكنه كما يكون الدول، وكما حل بالأنبياء عليهم السلام.

ولأصحاب هذا الجواب أن يقولوا ليس ما ذكرناه في هذا الباب بأعجب من كفر قوم موسى عليه السلام وعبادتهم العجل، وقد شاهدوا منه الآيات، وعاينوا ما حل بفرعون وملائه على الخلاف، ولا هو بأعجب من إقامة أهل الشرك على خلاف رسول الله صلى الله عليه وآله وهم يعلمون عجزهم عن مثل ما أتى به من القرآن، ويشهدون معجزاته وآياته عليه السلام ويجدون مخبرات أخباره على حقائقها من قوله تعالى " سيهزم الجمع ويولون الدبر " وقوله عز وجل: " لتدخلن المسجد الحرام إنشاء الله آمنين " وقوله عز وجل: " ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون " وما حل بهم من العقاب بسيفه عليه السلام وهلاك كل من توعده بالهلاك، هذا وفيمن أظهر الإيمان به المنافقون ينضافون في خلافه إلى أهل الشرك والضلال.

على أن هذا السؤال، لا يسوغ لأصحاب المعارف من المعتزلة، لأنهم يزعمون أن أكثر المخالفين على الأنبياء كانوا من أهل العناد وأن جمهور المظهرين الجهل بالله تعالى يعرفونه على الحقيقة، ويعرفون أنبياءه وصدقهم، ولكنهم في الخلاف على اللجاجة والعناد، فلا يمتنع أن يكون الحكم في الرجعة وأهلها على هذا الوصف الذي حكيناه وقد قال الله تعالى: " ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ".

فأخبر سبحانه أن أهل العقاب لو ردهم إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر والعناد مع ما شاهدوا في القبور وفي المحشر من الأهوال وما ذاقوا من أليم العذاب.

وقال رحمه الله في الارشاد عند ذكر علامات ظهور القائم عليه السلام: وأموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون.

وفي المسائل السروية أنه سئل الشيخ قدس الله روحه عما يروى عن مولانا جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام في الرجعة، وما معنى قوله: " ليس منا من لم يقل بمتعتنا ويؤمن برجعتنا " أهي حشر في الدنيا مخصوص للمؤمن أو لغيره من الظلمة الجبارين قبل يوم القيامة.

فكتب الشيخ - رحمه الله - بعد الجواب عن المتعة وأما قوله عليه السلام " من لم يقل برجعتنا فليس منا " فإنما أراد بذلك ما يختصه من القول به في أن الله تعالى يحشر قوما من أمة محمد صلى الله عليه وآله بعد موتهم قبل يوم القيامة، وهذا مذهب يختص به آل محمد صلى الله عليه وآله، والقرآن شاهد به، قال الله عز وجل في ذكر الحشر الأكبر يوم القيامة: " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " وقال سبحانه في حشر الرجعة قبل يوم القيامة: " ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون " فأخبر أن الحشر حشران: عام وخاص.

وقال سبحانه مخبرا عمن يحشر من الظالمين أنه يقول يوم الحشر الأكبر " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل " وللعامة في هذه الآية تأويل مردود، وهو أن قالوا: إن المعني بقوله " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " أنه خلقهم أمواتا، ثم أماتهم بعد الحياة، وهذا باطل لا يستمر على لسان العرب، لأن الفعل لا يدخل إلا على من كان بغير الصفة التي انطوى اللفظ على معناها، ومن خلقه الله أمواتا لا يقال أماته، وإنما يقال ذلك فيمن طرء عليه الموت بعد الحياة، كذلك لا يقال أحيى الله ميتا إلا أن يكون قد كان قبل إحيائه ميتا وهذا بين لمن تأمله.

وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله " ربنا أمتنا اثنتين " الموتة التي تكون بعد حياتهم في القبور للمسألة فتكون الأولى قبل الاقبار، والثانية بعده، وهذا أيضا باطل من وجه آخر وهو أن الحياة للمسألة ليست للتكليف فيندم الانسان على ما فاته في حاله، وندم القوم على ما فاتهم في حياتهم المرتين يدل على أنه لم يرد حياة المسألة لكنة أراد حياة الرجعة، التي تكون لتكليفهم الندم على تفريطهم، فلا يفعلون ذلك فيندمون يوم العرض على ما فاتهم من ذلك.

فصل:

والرجعة عندنا يختص بمن محض الايمان ومحض الكفر، دون من سوى هذين الفريقين، فإذا أراد الله تعالى على ما ذكرناه أوهم الشياطين أعداء الله عز وجل أنهم إنما ردوا إلى الدنيا لطغيانهم على الله، فيزدادوا عتوا، فينتقم الله تعالى

منهم بأوليائه المؤمنين، ويجعل لهم الكرة عليهم، فلا يبقى منهم إلا من هو مغموم بالعذاب، والنقمة والعقاب، وتصفو الأرض من الطغاة، ويكون الدين لله تعالى.

والرجعة إنما هي لممحضي الإيمان من أهل الملة، وممحضي النفاق منهم دون من سلف من الأمم الخالية.

فصل:

وقد قال قوم من المخالفين لنا: كيف يعود كفار الملة بعد الموت إلى طغيانهم وقد عاينوا عذاب الله تعالى في البرزخ، وتيقنوا بذلك أنهم مبطلون، فقلت لهم:

ليس ذلك بأعجب من الكفار الذين يشاهدون في البرزخ ما يحل بهم من العذاب ويعلمونه ضرورة، بعد الموافقة لهم والاحتجاج عليهم بضلالهم في الدنيا فيقولون:

" يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين " فقال الله عز وجل " بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون " فلم يبق للمخالف بعد هذا الاحتجاج شبهة يتعلق بها فيما ذكرناه والمنة لله.

وقال السيد الشريف المرتضى رضي الله عنه وحشره مع آبائه الطاهرين في أجوبة المسائل التي وردت عليه من بلد الري حيث سألوا عن حقيقة الرجعة، لأن شذاذ الإمامية يذهبون إلى أن الرجعة رجوع دولتهم في أيام القائم عليه السلام من دون رجوع أجسامهم:

الجواب: اعلم أن الذي تذهب الشيعة الإمامية إليه أن الله تعالى يعيد عند ظهور إمام الزمان المهدي عليه السلام قوما ممن كان قد تقدم موته من شيعته، ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، ومشاهدة دولته، ويعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم فيلتذوا بما يشاهدون من ظهور الحق، وعلو كلمة أهله.

والدلالة على صحة هذا المذهب أن الذي ذهبوا إليه مما لا شبهة على عاقل في أنه مقدور لله تعالى، غير مستحيل في نفسه، فانا نرى كثيرا من مخالفينا ينكرون الرجعة إنكار من يراها مستحيلة غير مقدورة، وإذا ثبت جواز الرجعة

ودخولها تحت المقدور، فالطريق إلى إثباتها إجماع الإمامية على وقوعها، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وإجماعهم قد بينا في مواضع من كتبنا أنه حجة لدخول قول الإمام عليه السلام فيه، وما يشتمل على قول المعصوم من الأقوال، لا بد فيه من كونه صوابا.

وقد بينا أن الرجعة لا تنافي التكليف وأن الدواعي مترددة معنا حين لا يظن ظان أن تكليف من يعاد باطل، وذكرنا أن التكليف كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة، والآيات القاهرة، فكذلك مع الرجعة، فإنه ليس في جميع ذلك ملجئ إلى فعل الواجب، والامتناع من فعل القبيح.

فأما من تأول الرجعة في أصحابنا على أن معناها رجوع الدولة والأمر والنهي، من دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، فان قوما من الشيعة لما عجزوا عن نصرة الرجعة، وبيان جوازها، وأنها تنافي التكليف، عولوا على هذا التأويل للأخبار الواردة بالرجعة.

وهذا منهم غير صحيح، لأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيطرق التأويلات عليها، فكيف يثبت ما هو مقطوع على صحته بأخبار الآحاد التي لا توجب العلم وإنما المعول في إثبات الرجعة على إجماع الإمامية على معناها بأن الله تعالى يحيي أمواتا عند قيام القائم عليه السلام من أوليائه وأعدائه على ما بيناه فكيف يطرق التأويل على ما هو معلوم فالمعنى غير محتمل انتهى.

وقال السيد ابن طاوس نور الله ضريحه في كتاب الطرائف: روى مسلم في صحيحه في أوائل الجزء الأول باسناده إلى الجراح بن مليح قال: سمعت جابرا يقول:

عندي سبعون ألف حديث، عن أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله تركوها كلها ثم ذكر مسلم في صحيحه باسناده إلى محمد بن عمر الرازي قال: سمعت

حريزا يقول: لقيت جابر بن يزيد الجعفي فلم أكتب عنه لأنه كان يؤمن بالرجعة.

ثم قال: انظر رحمك الله كيف حرموا أنفسهم الانتفاع برواية سبعين ألف حديث عن نبيهم صلى الله عليه وآله برواية أبي جعفر عليه السلام الذي هو من أعيان أهل بيته الذين أمرهم بالتمسك بهم.

ثم وإن أكثر المسلمين أو كلهم قد رووا إحياء الأموات في الدنيا وحديث إحياء الله تعالى الأموات في القبور للمسألة، وقد تقدمت روايتهم عن أصحاب الكهف وهذا كتابهم يتضمن " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم " والسبعون الذين أصابتهم الصاعقة مع موسى عليه السلام وحديث العزير عليه السلام ومن أحياه عيسى بن مريم عليهما السلام وحديث جريج الذي أجمع على صحته أيضا وحديث الذين يحييهم الله تعالى في القبور للمسألة.

فأي فرق بين هؤلاء وبين ما رواه أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم من الرجعة وأي ذنب كان لجابر في ذلك حتى يسقط حديثه.

وقال رحمه الله أيضا في كتاب سعد السعود قال: الشيخ في تفسيره التبيان عند قوله تعالى " ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون " استدل بهذه الآية قوم من أصحابنا على جواز الرجعة، فان استدل بها على جوازها كان صحيحا لأن من منع منه وأحاله فالقرآن يكذبه، وإن استدل به على وجوب الرجعة وحصولها فلا.

ثم قال السيد رحمه الله اعلم أن الذين قال رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم أني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض لا يختلفون في إحياء الله جل جلاله قوما بعد مماتهم في الحياة الدنيا من هذه الأمة تصديقا لما روى المخالف والمؤالف عن صاحب النبوة صلى الله عليه وآله:

أما المخالف فروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى

لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم " قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال:

فمن.

وروى الزمخشري في الكشاف عن حذيفة: أنتم أشبه الأمم سمتا ببني إسرائيل لتركبن طريقهم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، حتى أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟.

قال السيد: فإذا كانت هذه بعض رواياتهم في متابعة الأمم الماضية، وبني إسرائيل واليهود، فقد نطق القرآن الشريف والأخبار المتواترة أن خلقا من الأمم الماضية واليهود لما قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأماتهم الله ثم أحياهم فيكون على هذا في أمتنا من يحييهم الله في الحياة الدنيا.

ورأيت في أخبارهم زيادة على ما تقوله الشيعة من الإشارة إلى أن مولانا عليا يعود إلى الدنيا بعد ضرب ابن ملجم وبعد وفاته كما رجع ذو القرنين: فمنها ما ذكره الزمخشري في الكشاف في حديث ذي القرنين، وعن علي عليه السلام سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور. وسئل عنه فقال: أحب الله فأحبه وسأل ابن الكوا ما ذو القرنين؟ أملك أم نبي فقال: ليس بملك ولا نبي لكن كان عبدا صالحا ضرب على قرنه [الأيمن] في طاعة الله فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات، فبعثه الله وسمي ذا القرنين وفيكم مثله.

ورأيت أيضا في كتب أخبار المخالفين عن جماعة من المسلمين أنهم رجعوا بعد الممات قبل الدفن وبعد الدفن، وتكلموا وتحدثوا ثم ماتوا، فمن ذلك ما رواه الحاكم النيسابوري في تاريخه في حديث حسام بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده، وكان قاضي نيسابور، دخل عليه رجل فقيل له: إن عند هذا حديثا عجبا فقال: يا هذا ما هو؟ فقال: اعلم أني كنت رجلا نباشا أنبش القبور فماتت امرأة فذهبت لأعرف قبرها فصليت عليها، فلما جن الليل قال: ذهبت لأنبش عنها وضربت يدي إلى كفنها لأسلبها، فقالت: سبحان الله رجل من أهل الجنة تسلب

امرأة من أهل الجنة؟ ثم قالت: ألم تعلم أنك ممن صليت علي وأن الله عز وجل قد غفر لمن صلى علي.

قال السيد: فإذا كان هذا قد رووه ودونوه عن نباش القبور فهلا كان لعلماء أهل البيت عليهم السلام أسوة به، ولأي حال تقابل روايتهم عليهم السلام بالنفور، وهذه المرأة المذكورة دون الذين يرجعون لمهمات الأمور؟ والرجعة التي يعتقدها علماؤنا وأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم تكون من جملة آيات النبي صلى الله عليه وآله ومعجزاته، ولأي حال تكون منزلته عند الجمهور دون موسى وعيسى ودانيال؟ وقد أحيى الله جل جلاله على أيديهم أمواتا كثيرة بغير خلاف عند العلماء لهذه الأمور.

162 - أقول: وروى الشيخ حسن بن سليمان في كتاب المحتضر مما رواه من كتاب السيد الجليل حسن بن كبش مما أخذه من كتاب المقتضب بإسناده عن سلمان الفارسي قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله يوما فلما نظر إلي قال: يا سلمان إن الله عز وجل لم يبعث نبيا ولا رسولا إلا جعل له اثني عشر نقيبا قال: قلت: يا رسول الله لقد عرفت هذا من أهل الكتابين، قال: يا سلمان فهل علمت من نقبائي الاثني عشر الذين اختارهم الله للإمامة من بعدي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم.

قال: يا سلمان خلقني الله من صفوة نوره ودعاني فأطعته، وخلق من نوري عليا فدعاه فأطاعه، وخلق من نوري ونور علي فاطمة فدعاها فأطاعته، وخلق مني ومن علي وفاطمة، الحسن والحسين فدعاهما فأطاعا فسمانا الله عز وجل بخمسة أسماء من أسمائه: فالله المحمود، وأنا محمد، والله العلي وهذا علي، والله فاطر وهذه فاطمة، والله ذو الاحسان وهذه الحسن، والله المحسن وهذا الحسين.

ثم خلق منا ومن نور الحسين تسعة أئمة فدعاهم فأطاعوا قبل أن يخلق الله عز وجل سماء مبنية وأرضا مدحية، أو هواء أو ماء أو ملكا أو بشرا، وكنا بعلمه أنوارا نسبحه ونسمع له ونطيع.

فقال سلمان: قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما لمن عرف هؤلاء؟ فقال: يا سلمان من عرفهم حق معرفتهم واقتدى بهم: فوالى وليهم، وتبرأ من عدوهم

فهو والله منا، يرد حيث نرد، ويسكن حيث نسكن، قلت: يا رسول الله فهل يكون إيمان بهم بغير معرفة بأسمائهم وأنسابهم؟ فقال: لا يا سلمان، قلت: يا رسول الله فأنى لي بهم؟ قال: قد عرفت إلى الحسين، قال: ثم سيد العابدين علي بن الحسين ثم ابنه محمد بن علي باقر علم الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين، ثم جعفر ابن ممد لسان الله الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبرا في الله، ثم علي ابن موسى الرضا لأمر الله، ثم محمد بن علي المختار من خلق الله، ثم علي بن محمد الهادي إلى الله، ثم الحسن بن علي الصامت الأمين على دين الله، ثم [م ح م د] سماه باسمه ابن الحسن المهدي الناطق القائم بحق الله.

قال سلمان: فبكيت ثم قلت: يا رسول الله فأنى لسلمان لإدراكهم؟ قال: يا سلمان إنك مدركهم وأمثالك ومن تولاهم حقيقة المعرفة قال سلمان: فشكرت الله كثيرا ثم قلت: يا رسول الله إني مؤجل إلى عهدهم؟ قال: يا سلمان اقرأ " فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ".

قال سلمان: فاشتد بكائي وشوقي وقلت: يا رسول الله بعهد منك؟ فقال: إي والذي أرسل محمدا إنه لبعهد مني ولعلي وفاطمة والحسن والحسين، وتسعة أئمة وكل من هو منا ومظلوم فينا إي والله يا سلمان ثم ليحضرن إبليس وجنوده وكل من محض الايمان [محضا] ومحض الكفر محضا حتى يؤخذ بالقصاص والأوتار والثارات ولا يظلم ربك أحدا ونحن تأويل هذه الآية " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ".

قال سلمان: فقمت من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وما يبالي سلمان متى لقي الموت أو لقيه.

أقول: رواه ابن عياش في المقتضب عن أحمد بن محمد بن جعفر الصولي عن عبد الرحمن بن صالح، عن الحسين بن حميد بن الربيع، عن الأعمش، عن محمد بن خلف الطاطري، عن شاذان، عن سلمان وذكر مثله.

ثم قال ابن عياش: سألت أبا بكر بن محمد بن عمر الجعابي، عن محمد بن خلف الطاطري قال: هو محمد بن خلف بن موهب الطاطري ثقة مأمون وطاطر سيف من أسياف البحر تنسج فيها ثياب تسمى الطاطرية كانت تنسب إليها.

وروى أيضا عن صالح بن الحسين النوفلي قال: أنشدني أبو سهل النوشجاني لأبيه مصعب بن وهب:

فان تسألاني ما الذي أنا دائن * به فالذي أبديه مثل الذي أخفي أدين بأن الله لا شئ غيره * قوي عزيز بارئ الخلق من ضعف وأن رسول الله أفضل مرسل * به بشر الماضون في محكم الصحف وأن عليا بعده أحد عشر * من الله وعد ليس في ذاك من خلف أئمتنا الهادون بعد محمد * لهم صفو ودي ما حييت لهم أصفي ثمانية منهم مضوا لسبيلهم * وأربعة يرجون للعدد الموف ولي ثقة بالرجعة الحق مثل ما * وثقت برجع الطرف مني إلى الطرف ووجدت بخط بعض الأعلام نقلا من خط الشهيد قدس الله روحه قال:

روى الصفواني في كتابه بإسناده قال: سئل الرضا عليه السلام عن تفسير " أمتنا اثنتين " الآية قال: والله ما هذه الآية إلا في الكرة].

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.