بحارالانوار · المجلد التاسع
97 باب قضاياه صلوات الله عليه، وما
ج ۴۰، ص ۲۴۸–۲۷۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۴
ثم جاءه ملك من المغرب فقال له: من أين جئت؟ فقال: من عند الله عز وجل، ثم جاءه ملك فقال: قد جئتك من السماء السابعة من عند الله عز وجل، وجاءه ملك آخر فقال له: قد جئتك من الأرض السفلى السابعة من عند الله تعالى، فقال موسى عليه السلام: سبحان من لا يخلو منه مكان ولا يكون إلى مكان أقرب من مكان، فقال اليهودي: أشهد أن هذا هو الحق، وأنك أحق بمقام نبيك ممن استولى عليه، وأمثال هذه الأخبار كثيرة. 23 - مناقب ابن شهرآشوب، الإرشاد: فصل في ذكر ما جاء في قضاياه في إمرة عمر بن الخطاب فمن ذلك ما جاءت به العامة والخاصة في قصة قدامة بن مظعون وقد شرب الخمر فأراد عمر أن يحده، فقال له قدامة: لا يجب علي الحد، لان الله تعالى يقول:
" ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات " فدرأ عنه عمر الحد، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فمشى إلى عمر فقال له: لم تركت إقامة الحد على قدامة في شرب الخمر؟ فقال: إنه تلا علي الآية، وتلاها عمر، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ليس قدامة من أهل هذه الآية، ولا من سلك سبيله في ارتكاب ما حرم الله، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يستحلون حراما، فاردد قدامة واستتبه مما قال، فان تاب فأقم عليه الحد، و إن لم يتب فاقتله فقد خرج عن الملة، فاستيقظ عمر لذلك، وعرف قدامة الخبر فأظهر التوبة والاقلاع، فدرأ عمر عنه القتل ولم يدر كيف يحده، فقال لأمير المؤمنين عليه السلام: أشر علي في حده، فقال: حده ثمانين، إن شارب الخمر إذا شربها
سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فجلده عمر ثمانين وصار إلى قوله عليه السلام في ذلك. الكافي: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام مثله بتغيير ما. 24 - الإرشاد: وروي أن مجنونة على عهد عمر فجر بها رجل، فقامت البينة عليها بذلك، فأمر عمر بجلدها، فمر بها على أمير المؤمنين عليه السلام لتجلد، فقال: ما بال مجنونة آل فلان تعتل؟ فقيل له: إن رجلا فجر بها وهرب، وقامت البينة عليها، فأمر عمر بجلدها، فقال لهم: ردوها إليه وقولوا له: أما علمت بأن هذه مجنونة آل فلان؟ وأن النبي صلى الله عليه وآله قد رفع القلم عن المجنون حتى يفيق؟
إنها مغلوبة على عقلها ونفسها، فردت إلى عمر وقيل له ما قال أمير المؤمنين عليه السلام فقال: فرج الله عنه لقد كدت أن أهلك في جلدها، ودرأ عنه الحد. مناقب ابن شهرآشوب: الحسن وعطاء وقتادة وشعبة وأحمد مثله، قال: وأشار البخاري إلى ذلك في صحيحه. بيان: عتلت الرجل أعتله وأعتله: إذا جذبته جذبا عنيفا، ذكره الجوهري.
25 - مناقب ابن شهرآشوب، الإرشاد: وروي أنه أتي بحامل قد زنت فأمر برجمها ، فقال له
أمير المؤمنين عليه السلام: هب أن لك سبيلا عليها أي سبيل لك على ما في بطنها؟ والله تعالى يقول: " ألا تزر وازرة وزر أخرى " فقال عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن، ثم قال: فما أصنع بها؟ قال: احتط عليها حتى تلد، فإذا ولدت ووجدت لولدها من يكفله فأقم عليها الحد، فسري ذلك عن عمر وعول في الحكم به على أمير المؤمنين عليه السلام.
وروي أنه كان استدعى امرأة كان يتحدث عندها الرجال، فلما جاءها رسله فزعت وارتاعت وخرجت معهم، فأملصت ووقع إلى الأرض ولدها يستهل، ثم مات، فبلغ عمر ذلك، فجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسألهم عن الحكم في ذلك، فقالوا بأجمعهم: نراك مؤدبا ولم ترد إلا خيرا ولا شئ عليك في ذلك، و أمير المؤمنين عليه السلام جالس لا يتكلم، فقال له عمر: ما عندك في هذا يا أبا الحسن؟
فقال: لقد سمعت ما قالوا، قال: فما عندك أنت؟ قال: قد قال القوم ما سمعت، قال: أقسمت عليك لتقولن ما عندك، قال: إن كان القوم قاربوك فقد غشوك، وإن كانوا ارتاؤوا فقد قصروا، الدية على عاقلتك، لان قتل الصبي خطأ تعلق بك، فقال: أنت والله نصحتني من بينهم، والله لا تبرح حتى تجرى الدية على بني عدي، ففعل ذلك أمير المؤمنين عليه السلام.
بيان: " أملصت ": ألقت ولدها ميتا و " قاربه ": ناغاه وداراه بكلام حسن قوله:
" وإن كانوا ارتاؤوا " أي قالوا ذلك برأيهم وظنوا أنه حق فقد قصروا في تحصيل الرأي وبيان الحكم.
أقول: ذهب إلى ما دل عليه الخبر ابن إدريس وجماعة من أصحابنا، و ذهب الأكثر إلى وجوب الدية في بيت المال، وقالوا: إنما حكم عليه السلام بذلك لأنه لم يكن له الحكم والاحضار وكان جائرا، ولو كان حاكم العدل لكان خطاؤه على بيت المال، وقال في المناقب بعد نقل الخبر: وقد أشار الغزالي إلى ذلك في الاحياء عند قوله: ووجوب الغرم على الامام إذا كان، كما نقل من إجهاض المرأة جنينها خوفا من عمر.
26 - مناقب ابن شهرآشوب، الإرشاد: روي أن امرأتين تنازعتا على عهد عمر في طفل ادعته كل واحدة منهما ولدا لها بغير بينة، ولم ينازعهما فيه غيرهما، فالتبس الحكم في ذلك على عمر، وفزع فيه إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فاستدعى المرأتين ووعظهما وخوفهما فأقامتا على التنازع والاختلاف، فقال عليه السلام عند تماديهما في النزاع: ائتوني بمنشار فقالت المرأتان: وما تصنع؟ فقال: أقده نصفين لكل واحدة منكما نصفه، فسكت إحداهما، وقالت الأخرى: الله الله يا أبا الحسن، إن كان لابد من ذلك فقد سمحت به لها، فقال: الله أكبر هذا ابنك دونها، ولو كان ابنها لرقت عليه وأشفقت، فاعترفت المرأة الأخرى أن الحق مع صاحبتها والولد لها دونها، فسري عن عمر ودعا لأمير المؤمنين عليه السلام بما فرج عنه في القضاء مناقب ابن شهرآشوب: وهذا حكم سليمان في صغره.
27 - الإرشاد: وروي عن يونس بن الحسن أن عمر اتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر، فهم برجمها، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك إن الله تعالى يقول: " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " ويقول جل قائلا:
" والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " فإذا تممت المرأة الرضاعة سنتين وكان حمله وفصاله ثلاثين شهرا كان الحمل منه ستة أشهر، فخلى عمر سبيل المرأة، وثبت الحكم بذلك، فعمل به الصحابة والتابعون ومن أخذ عنه إلى يومنا هذا.
وروي أن امرأة شهد عليها الشهود أنهم وجدوها في بعض مياه العرب مع رجل يطأها ليس ببعل لها، فأمر عمر برجمها وكانت ذات بعل، فقالت اللهم إنك تعلم أني بريئة، فغضب عمر وقال: وتجرح الشهود أيضا؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ردوها واسألوها فلعل لها عذرا، فردت وسئلت عن حالها، فقالت:
كان لأهلي إبل، فخرجت في إبل أهلي وحملت معي ماء، ولم يكن في إبل أهلي لبن، وخرج معي خليطنا وكان في إبله لبن، فنفد مائي فاستقيته، فأبى أن يسقيني حتى أمكنه من نفسي، فأبيت، فلما كادت نفسي تخرج أمكنته من نفسي كرها، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: الله أكبر " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه " فلما سمع ذلك عمر خلى سبيلها.
مناقب ابن شهرآشوب: أربعين الخطيب مثله.
28 - الإرشاد: فصل ومما جاء عنه عليه السلام في معنى القضاء وصواب الرأي وإرشاد القوم إلى مصالحهم وتداركه ما كان يفسد بهم لولا تنبيهه على وجه الرأي فيه ما حدث به شبابة بن سوار عن أبي بكر الهذلي قال: سمعت رجالا من علمائنا يقولون:
تكاتبت الأعاجم من أهل همدان وأهل الري وإصبهان وقومس ونهاوند، وأرسل بعضهم إلى بعض أن ملك العرب الذي جاءهم بدينهم وأخرج كتابهم قد هلك - يعنون النبي صلى الله عليه وآله - وأنه ملكهم من بعده رجل ملكا يسيرا ثم هلك - يعنون أبا بكر ثم قام بعده آخر قد طال عمره حتى تناولكم في بلادكم وأغزاكم جنوده - يعنون
عمر بن الخطاب - وأنه غير منته عنكم حتى تخرجوا من في بلادكم من جنوده، وتخرجوا إليه فتغزوه في بلاده، فتعاقدوا على هذا وتعاهدوا عليه، فلما انتهى الخبر إلى من بالكوفة من المسلمين أنهوه إلى عمر بن الخطاب، فلما انتهى إليه الخبر فزع لذلك فزعا شديدا، ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: معاشر المهاجرين والأنصار إن الشيطان قد جمع لكم جموعا وأقبل بها ليطفئ بها نور الله، ألا إن أهل همدان وأهل إصبهان وأهل الري وقومس و نهاوند مختلفة ألسنتها وألوانها وأديانها قد تعاهدوا وتعاقدوا أن يخرجوا من بلادهم إخوانكم من المسلمين، ويخرجوا إليكم فيغزوكم في بلادكم، فأشيروا على و أو جزوا ولا تطنبوا في القول، فان هذا يوم له ما بعده من الأيام فتكلموا، فقام طلحة بن عبيد الله وكان من خطباء قريش فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين قد حنكتك الأمور، وجرستك الدهور، وعجمتك البلايا، وأحكمتك التجارب، وأنت مبارك الامر، ميمون النقيبة، وقد وليت فخبرت، واختبرت وخبرت، فلم تنكشف من عواقب قضاء الله إلا عن خيار، فاحفر هذا الامر برأيك ولا تغب عنه، ثم جلس.
فقال عمر: تكلموا، فقام عثمان بن عفان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أمير المؤمنين فاني أرى أن تشخص أهل الشام من شامهم وأهل اليمن من يمنهم وتسير أنت في أهل هذين الحرمين وأهل المصرين الكوفة والبصرة، فتلقى جميع المشركين بجميع المؤمنين، فإنك يا أمير المؤمنين لا تستبقي من نفسك بعد العرب باقية، ولا تمتع من الدنيا بعزيز، ولا تلوذ منها بحريز، فأحضره برأيك ولا تغب عنه، ثم جلس.
فقال عمر: تكلموا، فقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: الحمد لله - حتى تم التحميد والثناء على الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله - ثم قال: أما بعد فإنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت أهل الروم إلى ذراريهم، وإن
أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإن أشخصت من هذين الحرمين انتقضت عليك العرب من أطرافها وأكنافها، حتى تكون ما تدع وراء ظهرك من عيالات العرب أهم إليك مما بين يديك، فأما ذكرك كثرة العجم ورهبتك من جموعهم فإنا لم نكن نقاتل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله بالكثرة، وإنما كنا نقاتل بالبصيرة، وأما ما بلغك من اجتماعهم على المسير إلى المسلمين فإن الله لمسيرهم أكره منك لذلك، وهو أولى بتغيير ما يكره، وإن الأعاجم إذا نظروا إليك قالوا: هذا رجل العرب، فإن قطعتموه قطعتم العرب، وكان أشد لكلبهم وكنت قد ألبتهم على نفسك، وأمدهم من لم يكن يمدهم، ولكني أرى أن تقر هؤلاء في أمصارهم وتكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا على ثلاث فرق، فلتقم فرقة على ذراريهم حرسا لهم، ولتقم فرقة على أهل عهدهم لئلا ينتقضوا، ولتسر فرقة منهم إلى إخوانهم مددا لهم: فقال: أجل هذا الرأي، وقد كنت أحب أن أتابع عليه، و جعل يكرر قول أمير المؤمنين عليه السلام وينسقه إعجابا به واختيارا له.
قال الشيخ المفيد رضي الله عنه: فانظروا أيدكم الله إلى هذا الموقف الذي ينبئ بفضل الرأي، إذ تنازعه أولو الألباب والعلم، وتأملوا في التوفيق الذي قرن الله به أمير المؤمنين في الأحوال كلها، وفزع القوم إليه في المعضل من الأمور، و أضيفوا إلى ذلك ما أثبتناه عنه من القضاء في الدين الذي أعجز متقدمي القوم حتى اضطروا في علمه إليه، تجدوه من باب المعجز الذي قدمناه، والله ولي التوفيق.
بيان: قال الفيروزآبادي: قومس بالضم وفتح الميم: صقع كبير بين خراسان وبلاد الجبل وإقليم بالأندلس. وقال الجزري: في حديث طلحة: " قال لعمر: قد حنكتك الأمور " أي راضتك وهذبتك، وأصله من حنك الفرس يحنكه إذا جعل في حنكه الأسفل حبلا يقوده به. وقال: جرستك الدهور، أي حنكتك وأحكمتك وجعلتك خبيرا بالأمور مجربا، ويروى بالشين المعجمة بمعناه. وقال: وعجمتك الأمور أي خبرتك، من العجم: العض، يقال: عجمت العود إذا عضضته لتنظر أصلب هو أم رخو. وقال: النقيبة: النفس، وقيل: الطبيعة والخليقة، انتهى.
قوله: " هذا رجل العرب " الرجل بالكسر شبهه برجلهم لأنه به تقوم العرب وتسير إلى عدوهم، وقد مر من النهج " أصل العرب " والتأليب التجميع.
29 - مناقب ابن شهرآشوب، الإرشاد: فأما قضاياه عليه السلام في إمرة عثمان بن عفان فمن ذلك ما رواه نقلة الآثار من العامة والخاصة أن امرأة نكحها شيخ كبير فحملت، فزعم الشيخ أنه لم يصل إليها، وأنكر حملها، فالتبس الامر على عثمان، وسأل المرأة: هل اقتضك الشيخ (5)؟ - وكانت بكرا - قالت: لا، فقال عثمان: أقيموا الحد عليها، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن للمرأة سمين سم للمحيض وسم للبول، فلعل الشيخ كان ينال منها فسال ماؤه في سم المحيض فحملت منه، فاسألوا الرجل عن ذلك فسئل فقال: قد كنت انزل الماء في قبلها من غير وصول إليها بالاقتضاض، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: الحمل له والولد ولده، وأرى عقوبته في الانكار، فصار عثمان
إلى قضائه بذلك. ورووا أن رجلا كانت له سرية فأولدها، ثم اعتزلها وأنكحها عبدا له، ثم توفي السيد، فعتقت بملك ابنها لها، وورث ولدها زوجها، ثم توفي الابن فورثت من ولدها زوجها، فارتفعا إلى عثمان يختصمان تقول: هذا عبدي، ويقول:
هي امرأتي ولست مفرجا عنها، فقال عثمان: هذه مشكلة، وأمير المؤمنين عليه السلام حاضر، قال: سلوها هل جامعها بعد ميراثها له؟ فقالت: لا، فقال: لو أعلم أنه فعل ذلك لعذبته، اذهبي فإنه عبدك ليس له عليك سبيل: إن شئت أن تسترقيه أو تعتقيه أو تبيعيه فذلك لك.
وروي أن مكاتبة زنت على عهد عثمان وقد عتق منها ثلاثة أرباع فسأل عثمان أمير المؤمنين عليه السلام فقال: تجلد منها بحساب الحرية وتجلد منها بحساب الرق وسأل زيد بن ثابت فقال: تجلد بحساب الرق، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: كيف تجلد بحساب الرق وقد عتق منها ثلاثة أرباعها؟ وهلا جلدتها بحساب الحرية فإنها فيها أكثر؟ فقال زيد: لو كان ذلك كذلك لوجب توريثها بحساب الحرية فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أجل ذلك واجب، فافحم زيد، وخالف عثمان أمير المؤمنين عليه السلام وصار إلى قول زيد، ولم يصغ إلى ما قال بعد ظهور الحجة عليه، وأمثال ذلك مما يطول به الكتاب وينتشر فيه الخطاب. 30 - الإرشاد: وكان من قضاياه عليه السلام بعد بيعة العامة له ومضي عثمان على ما رواه أهل النقل من حملة الآثار أن امرأة ولدت على فراش زوجها ولدا له بدنان
ورأسان على حقو واحد، فالتبس الامر على أهله، أهو واحد أو اثنان؟ فصاروا إلى أمير المؤمنين عليه السلام يسألونه عن ذلك ليعرفوا الحكم فيه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام:
اعتبروه إذا نام، ثم أنبهوا أحد البدنين والرأسين، فإن انتبها جميعا معا في حالة واحدة فهما إنسان واحد، وإن استيقظ أحدهما والآخر نائم فهما اثنان، وحقهما من الميراث حق اثنين.
وروى الحسن بن علي العبدي، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: بينما شريح في مجلس القضاء إذ عرض له شخص، فقال له: يا أبا أمية أخلني فإن لي حاجة، قال: فأمر من حوله أن يجفوا عنه، فانصرفوا وبقي خاصة من حضر، فقال له : أذكر حاجتك، فقال: يا أبا أمية إن لي ما للرجال وما للنساء، فما الحكم عندك في؟ أرجل أنا أم امرأة؟ فقال له: قد سمعت من أمير المؤمنين عليه السلام قضية أنا أذكرها، خبرني عن البول من أي الفرجين يخرج؟ قال الشخص: من كليهما، قال: فمن أيهما ينقطع؟ قال: منهما معا فتعجب شريح، قال الشخص: سأورد عليك من أمري ما هو أعجب، قال شريح:
ما ذاك؟ قال: زوجني أبي على أنني امرأة، فحملت من الزوج، وابتعت جارية تخدمني، فأفضيت إليها فحملت مني، فضرب شريح إحدى يديه على الأخرى متعجبا وقال: هذا أمر لابد من إنهائه إلى أمير المؤمنين عليه السلام فلا علم لي بالحكم فيه! فقام وتبعه الشخص ومن حضر معه حتى دخل على أمير المؤمنين عليه السلام، فقص عليه القصة، فدعا أمير المؤمنين عليه السلام بالشخص فسأله عما حكاه له شريح، فاعترف به، فقال له: من زوجك؟ قال: فلان ابن فلان - وهو حاضر بالمصر - فدعا
وسأل عما قال، فقال: صدق، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لانت أجرأ من صائد الأسد حتى تقدم على هذه الحالة، ثم دعا قنبرا مولاه فقال: أدخل هذا الشخص بيتا ومعه أربع نسوة من العدول ومرهن بتجريده وعد أضلاعه بعد الاستيثاق من ستر فرجه، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين ما آمن على هذا الشخص الرجال و النساء، فأمر أن يشد عليه تبان وأخلاه في بيت، ثم ولجه وعد أضلاعه، و كانت من الجانب الأيسر سبعة ومن الجانب الأيمن ثمانية، فقال: هذا رجل، وأمر بطم شعره، وألبسه القلنسوة والنعلين والرداء، وفرق بينه وبين الزوج.
وروى بعض أهل النقل أنه لما ادعى الشخص ما ادعاه من الفرجين أمر أمير المؤمنين عليه السلام عدلين من المسلمين أن يحضرا بيتا خاليا، وأحضر الشخص معهما، وأمر بنصب مرآتين إحداهما مقابلة لفرج الشخص والأخرى مقابلة لتلك المرآة، وأمر الشخص بالكشف عن عورته في مقابلة المرآة حيث لا يراه العدلان، و أمر العدلين بالنظر في المرآة المقابلة لها، فلما تحقق العدلان صحة ما ادعاه الشخص من الفرجين اعتبر حاله بعد أضلاعه، فلما ألحقه بالرجال أهمل قوله في ادعاء الحمل وألغاه ولم يعمل به، وجعل حمل الجارية منه وألحقه به.
ورووا أن أمير المؤمنين عليه السلام دخل ذات يوم المسجد فوجد شابا حدثا يبكي وحوله قوم، فسأل أمير المؤمنين عليه السلام عنه فقال: إن شريحا قضى علي قضية لم ينصفني فيها، فقال: وما شأنك؟ قال: إن هؤلاء النفر - وأومأ إلى نفر حضور - أخرجوا أبي معهم في سفر فرجعوا ولم يرجع أبي، فسألتهم عنه فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله الذي استصحبه فقالوا: ما نعرف له مالا، فاستحلفهم شريح وتقدم إلي
بترك التعرض لهم، فقال أمير المؤمنين عليه السلام لقنبر: أجمع القوم وادع لي شرطة الخميس ثم جلس ودعا النفر والحدث معهم، ثم سأله عما قال، فأعاد الدعوى وجعل يبكي ويقول: أنا والله أتهمهم على أبي يا أمير المؤمنين، فإنهم احتالوا عليه حتى أخرجوه معهم، وطمعوا في ماله، فسأل أمير المؤمنين عليه السلام القوم فقالوا كما قالوا لشريح: مات الرجل ولا نعرف له مالا، فنظر في وجوههم ثم قال: ماذا تظنون؟ أتظنون أني لا أعلم ما صنعتم بأبي هذا الفتى إني إذا لقليل العلم؟
ثم أمر بهم أن يفرقوا، ففرقوا في المسجد، وأقيم كل رجل منهم إلى جانب أسطوانة من أساطين المسجد، ثم دعا عبيد الله بن أبي رافع كاتبه يومئذ فقال له: اجلس، ثم دعا أحدا منهم فقال له: أخبرني ولا ترفع صوتك: في أي يوم خرجتم من منازلكم وأبو هذا الغلام معكم؟ فقال: في يوم كذا وكذا، فقال لعبيد الله: اكتب، ثم قال له: في أي شهر كان؟ قال: في شهر كذا، قال: اكتب، ثم قال: في أي سنة؟
قال: في سنة كذا، فكتب عبيد الله ذلك، قال: فبأي مرض مات؟ قال: بمرض كذا، قال: في أي منزل مات؟ قال: في موضع كذا، قال: من غسله وكفنه؟
قال: فلان، قال: فبم كفنتموه؟ قال: بكذا، قال: فمن صلى عليه؟ قال: فلان قال: فمن أدخله القبر؟ قال: فلان، وعبيد الله بن أبي رافع يكتب ذلك كله.
فلما انتهى إقراره إلى دفنه كبر أمير المؤمنين عليه السلام تكبيرة سمعها أهل المسجد ثم أمر بالرجل فرد إلى مكانه، ودعا بآخر من القوم فأجلسه بالقرب منه، ثم سأله عما سأل الأول عنه، فأجاب بما خالف الأول في الكلام كله، وعبيد الله بن أبي رافع يكتب ذلك، فلما فرغ من سؤاله كبر تكبيرة سمعها أهل المسجد، ثم أمر بالرجلين جميعا أن يخرجا من المسجد نحو السجن فيوقف بهما على بابه، ثم
دعا بالثالث فسأله عما سأل الرجلين، فحكى خلاف ما قالا، وأثبت ذلك عنه، ثم كبر وأمر بإخراجه نحو صاحبيه، ودعا برابع القوم فاضطرب قوله وتلجلج فوعظه وخوفه، فاعترف أنه وأصحابه قتلوا الرجل وأخذوا ماله، وأنهم دفنوه في موضع كذا وكذا بالقرب من الكوفة، فكبر أمير المؤمنين عليه السلام وأمر به إلى السجن، واستدعى بواحد من القوم وقال له: زعمت أن الرجل مات حتف أنفه وقد قتلته اصدقني عن حالك وإلا نكلت بك، فقد وضح الحق في قصتكم، فاعترف من قتل الرجل بما اعترف به صاحبه، ثم دعى الباقين فاعترفوا عنده بالقتل وسقطوا في أيديهم، واتفقت كلمتهم على قتل الرجل وأخذ ماله، فأمر من مضى معهم إلى موضع المال الذي دفنوه، فاستخرجوه منه وسلموه إلى الغلام ابن الرجل المقتول.
ثم قال له: ما الذي تريد؟ قد عرفت ما صنع القوم بأبيك، قال: أريد أن يكون القضاء بيني وبينهم بين يدي الله عز وجل، وقد عفوت عن دمائهم في الدنيا فدرأ أمير المؤمنين عليه السلام حد القتل وأنهكهم عقوبة، فقال شريح: يا أمير المؤمنين كيف هذا الحكم؟ فقال له: إن داود عليه السلام مر بغلمان يلعبون وينادون بواحد منهم يا " مات الدين " قال: والغلام يجيبهم، فدنا داود عليه السلام منهم فقال له:
يا غلام ما اسمك؟ فقال: اسمي " مات الدين " قال له داود: من سماك بهذا الاسم؟
قال: أمي، فقال داود: أين أمك؟ قال: في منزلها، قال داود: انطلق بنا إلى
أمك، فانطلق به إليها فاستخرجها من منزلها، فخرجت، فقال لها: يا أمة الله ما اسم ابنك هذا؟ قالت: اسمه (مات الدين) قال لها داود عليه السلام: ومن سماه بهذا الاسم؟ قالت: أبوه، قال لها: وما كان سبب ذلك؟ قالت: إنه خرج في سفر له و معه قوم وأنا حامل بهذا الغلام، فانصرف القوم ولم ينصرف زوجي، فسألتهم عنه قالوا: مات، فسألتهم عن ماله فقالوا: ما ترك مالا، فقلت: ما أوصاكم بوصية؟
قالوا: نعم يزعم أنك حبلى، فإن ولدت جارية أو غلاما فسميه " مات الدين " فسميته كما وصى ولم أحب خلافه، فقال لها داود عليه السلام: فهل تعرفين القوم؟ قالت:
نعم، قال: انطلقي مع هؤلاء - يعني قوما بين يديه - فاستخرجيهم من منازلهم، فلما حضروا حكم فيهم بهذه الحكومة، فثبت عليهم الدم واستخرج منهم المال، ثم قال لها: يا أمة الله سمي ابنك هذا بعاش الدين. الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام مثله وزاد في آخره: ثم إن الفتى والقوم اختلفوا في مال الفتى كم كان، فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام خاتمه وجميع خواتيم من عنده، ثم قال: أجيلوا هذه السهام فأيكم أخرج خاتمي فهو صادق في دعواه، لأنه سهم الله وسهم الله لا يخيب. الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن إسحاق بن إبراهيم الكندي عن خالد النوفلي، عن الأصبغ بن نباتة مثله.
مناقب ابن شهرآشوب: مرسلا مثله. 31 - مناقب ابن شهرآشوب، الإرشاد: وروي أن امرأة هوت غلاما، فدعته إلى نفسها فامتنع الغلام، فمضت وأخذت بيضة وألقت بياضها على ثوبها، ثم علقت بالغلام ورفعته إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقالت: إن هذا الغلام كابرني على نفسي وقد فضحني، ثم أخذت ثيابها فأرت بياض البيض وقالت: ماؤه على ثوبي، فجعل الغلام يبكي و يتبرأ مما ادعته ويحلف، فقال أمير المؤمنين عليه السلام لقنبر: مرمن يغلي ماء حتى يشتد حرارته، ثم لتأتني به على حاله، فجيئ بالماء فقال: ألقوه على ثوب المرأة، فألقوه عليه، فاجتمع بياض البيض والتأم، فأمر بأخذه ودفعه إلى رجلين من أصحابه، فقال: تطعماه والفظاه، فطعماه فوجداه بيضا، فأمر بتخلية الغلام وجلد المرأة عقوبة على ادعائها الباطل. 32 - الإرشاد: وروى الحسن بن محبوب، قال: حدثني عبد الرحمن بن الحجاج، قال:
سمعت ابن أبي ليلى يقول: لقد قضى أمير المؤمنين عليه السلام بقضية ما سبقه إليها أحد وذلك أن رجلين اصطحبا في سفر فجلسا يتغذيان، فأخرج أحدهما خمسة أرغفة وأخرج الآخر ثلاثة، فمر بهما رجل فسلم، فقالا له: الغداء، فجلس يأكل معهما، فلما فرغ من أكله رمى إليهما ثمانية دراهم وقال لهما: هذا عوض ما أكلت من طعامكما، فاختصما وقال صاحب الثلاثة: هذا نصفان بيننا، فقال صاحب الخمسة: بل لي خمسة ولك ثلاثة، فارتفعا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقصا
عليه القصة، فقال لهما: هذا أمر فيه دناءة، والخصومة غير جميلة فيه والصلح أحسن فقال صاحب الثلاثة أرغفة: لست أرضى إلا بمر القضاء، قال: أمير المؤمنين عليه السلام:
إذا كنت لا ترضى إلا بمر القضاء فإن لك واحدا من ثمانية ولصاحبك سبعة، فقال سبحان الله كيف صار هذا هكذا؟ فقال له: أخبرك أليس كان لك ثلاثة أرغفة؟
قال: بلى، ولصاحبك خمسة؟ قال: بلى، قال: هذه أربعة وعشرون ثلثا، أكلت أنت ثمانية وصاحبك ثمانية والضيف ثمانية، فلما أعطاكم الثمانية كان لصاحبك سبعة ولك واحد، فانصرف الرجلان على بصيرة من أمرهما في القضية. الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب مثله.
33 - الإرشاد: وروى علماء أهل السير أن أربعة نفر شربوا المسكر على عهد أمير المؤمنين عليه السلام فسكروا، فتباعجوا بالسكاكين ونال الجراح كل واحد منهم، ورفع خبرهم إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فأمر بحبسهم حتى يفيقوا، فمات في السجن منهم اثنان وبقي اثنان، فجاء قوم الاثنين إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا:
أقدنا يا أمير المؤمنين من هذين النفسين فإنهما قتلا صاحبينا، فقال لهم: وما علمكم بذلك؟ ولعل كل واحد منهما قتل صاحبه؟ قالوا: لا ندري فاحكم فيها بما علمك الله، فقال: دية المقتولين على قبائل الأربعة بعد مقاصة الحيين منهما بدية جراحهما، وكان ذلك هو الحكم الذي لا طريق إلى الحق في القضاء سواه
ألا ترى أنه لا بينة على القاتل تفرده من المقتول ولا بينة على العمد في القتل؟
فلذلك كان القضاء فيه على حكم الخطاء في القتل، واللبس في القاتل دون المقتول.
وروي أن ستة نفر نزلوا الفرات فتعاطوا فيه لعبا: فغرق واحد منهم، فشهد اثنان على ثلاثة منهم أنهم غرقوه، وشهد الثلاثة على الاثنين أنهما غرقاه، فقضى عليه السلام بالدية أخماسا على الخمسة نفر، ثلاثة [أخماس] منها على الاثنين بحساب الشهادة عليهما، وخمسان على الثلاثة بحساب الشهادة أيضا، ولم يكن في ذلك قضية أحق بالصواب مما قضى به عليه السلام.
34 - مناقب ابن شهرآشوب، الإرشاد: ورووا أن رجلا حضرته الوفاة، فوصى بجزء من ماله ولم يعينه، فاختلف الوراث في ذلك بعده، وترافعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقضى عليهم بإخراج السبع من ماله، وتلا قوله تعالى: " لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ".
وقضى عليه السلام في رجل وصى عند الموت بسهم من ماله ولم يبينه، فلما مضى اختلف الورثة في معناه، فقضى عليهم بإخراج الثمن من ماله، وتلا قوله تعالى جل ذكره: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " إلى آخر الآية، وهم ثمانية أصناف، لكل صنف منهم سهم من الصدقات.
وقضى عليه السلام في رجل وصى فقال: أعتقوا عني كل عبد قديم في ملكي، فلما مات ما يعرف الوصي ما يصنع، فسأله عن ذلك فقال: يعتق عنه كل عبد ملكه ستة أشهر، وتلا قوله جل اسمه: " والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم وقد ثبت أن العرجون إنما ينتهي إلى الشبه بالهلال في تقويسه بعد ستة
أشهر من أخذ الثمرة منه.
وقضى عليه السلام في رجل نذر أن يصوم حينا ولم يعين وقتا بعينه، أن يصوم ستة أشهر، وتلا قوله عز وجل: " تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها " وذلك في ستة أشهر. 35 - الإرشاد: وجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إنه كان بين يدي تمر، فبدرت زوجتي فأخذت منه واحدة فألقتها في فيها، فحلفت أنها لا تأكلها ولا تلفظها فقال عليه السلام: تأكل نصفها وترمي نصفها وقد تخلصت من يمينك.
وقضى عليه السلام في رجل ضرب امرأة فألقت علقة أن عليه ديتها أربعين دينارا، وتلا قوله عز وجل: " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين " ثم قال: في النطفة عشرون دينارا، وفي العلقة أربعون دينارا، وفي المضغة ستون دينارا وفي العظم قبل أن يستوي خلقا ثمانون دينارا، وفي الصورة قبل أن تلجها الروح مائة دينار، وإذا ولجتها الروح كان فيه ألف دينار.
فهذا طرف من ذكر قضاياه عليه السلام وأحكامه الغريبة التي لم يقض بها أحد قبله، ولا عرفها من العامة والخاصة أحد إلا عنه، واتفقت عترته على العمل
بها، ولو مني غيره بالقول فيها لظهر عجزه عن الحق في ذلك كما ظهر فيما هو أوضح منه، وفيما أثبتناه من قضاياه على الاختصار كفاية فيما قصدناه إن شاء الله.
36 - الفضائل: روي أن امرأة تركت طفلا ابن ستة أشهر على سطح، فمشى الطفل يحبو حتى خرج من السطح وجلس على رأس الميزاب، فجاءت أمه على السطح فما قدرت عليه، فجاؤوا بسلم ووضعوه على الجدار، فما قدروا على الطفل من أجل طول الميزاب وبعده عن السطح، والام تصيح وأهل الصبي يبكون و كان في أيام عمر بن الخطاب - فجاؤوا إليه، فحضر مع القوم فتحيروا فيه، فقالوا:
ما لهذا إلا علي بن أبي طالب عليه السلام: فحضر علي فصاحت أم الصبي في وجهه، فنظر أمير المؤمنين عليه السلام إلى الصبي، فتكلم الصبي بكلام لم يعرفه أحد، فقال عليه السلام: أحضروا ههنا طفلا مثله فأحضروه، فنظر بعضهما إلى بعض وتكلم الطفلان بكلام الأطفال، فخرج الطفل من الميزاب إلى السطح، فوقع فرح في المدينة لم ير مثله، ثم سألوا أمير المؤمنين عليه السلام علمت كلامهما؟ فقالت: أما خطاب الطفل فإنه سلم علي بإمرة المؤمنين فرددت عليه، وما أردت خطابه لأنه لم يبلغ حد الخطاب والتكليف، فأمرت بإحضار طفل مثله حتى يقول له بلسان الأطفال يا أخي ارجع إلى السطح ولا تحرق قلب أمك وعشيرتك بموتك، فقال: دعني يا أخي قبل أن أبلغ فيستولي علي الشيطان، فقال: ارجع إلى السطح فعسى أن تبلغ ويجيئ من صلبك ولد يحب الله ورسوله ويوالي هذا الرجل، فرجع إلى السطح بكرامة الله تعالى على يد أمير المؤمنين عليه السلام.
37 - الفضائل: روي عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: كنت بين يدي مولاي أمير المؤمنين عليه السلام وإذا بصوت عظيم قد أخذ بجامع الكوفة، فقال علي عليه السلام:
اخرج يا عمار وائتني بذي الفقار البتار للأعمار، وجئت به إليه فقال: يا عمار اخرج وامنع الرجل من ظلامة المرأة، فإن انتهى وإلا منعته بذي الفقار، فقال عمار: فخرجت فإذا أنا برجل وامرأة وقد تعلق الرجل بزمام جملها والامرأة تقول: إن الجمل جملي، والرجل يقول: إن الجمل جملي، فقلت له: إن أمير المؤمنين ينهاك عن ظلامة المرأة، فقال: يشتغل علي بشغله ويغسل يده من دماء المسلمين الذين قتلهم بالبصرة! يريد يأخذ جملي ويدفعه إلى هذه المرأة الكاذبة!
فقال عمار رضي الله عنه: فرجعت لاخبر مولاي وإذا به قد خرج والغضب في وجهه وقال: يا ويلك خل جمل هذه المرأة، فقال: هو لي، فقال أمير المؤمنين عليه السلام:
كذبت يا لعين، قال: فمن يشهد للامرأة؟ فقال عليه السلام: الشاهد الذي لا يكذبه أحد من أهل الكوفة، فقال الرجل: إذا شهد بشهادته وكان صادقا سلمته إلى المرأة فقال علي عليه السلام: تكلم أيها الجمل لمن أنت، فقال الجمل بلسان فصيح: يا أمير المؤمنين عليك السلام أنا لهذه المرأة منذ تسعة عشر سنة، فقال عليه السلام: خذي جملك وعارض الرجل بضربة قسمه نصفين.
38 - الروضة، الفضائل: الواقدي عن جابر عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قيل:
جاء إلى عمر بن الخطاب غلام يافع، فقال له: إن أمي جحدت حقي من ميراث أبي وأنكرتني وقالت: لست بولدي، فأحضرها وقال لها: لم جحدت ولدك هذا الغلام وأنكرتيه؟ قالت: إنه كاذب في زعمه، ولي شهود بأني بكر عاتق ما عرفت بعلا، وكانت قد أرشت سبع نفر من النساء كل واحدة بعشرة دنانير بأني بكر لم أتزوج ولا أعرف بعلا، فقال لها عمر: أين شهودك؟ فأحضرتهن بين يديه، فشهدن أنها بكر لم يمسها ذكر ولا بعل، فقال الغلام: بيني وبينها علامة أذكرها لها عسى تعرف ذلك، فقال له: قل ما بدا لك، فقال الغلام: كان والدي شيخ سعد بن مالك
يقال له الحارث المزني، ورزقت في عام شديد المحل، وبقيت عامين كاملين أرتضع من شاة، ثم إنني كبرت وسافر والدي مع جماعة في تجارة، فعادوا ولم يعد والدي معهم، فسألتهم عنه فقالوا: إنه درج، فلما عرفت والدتي الخبر أنكرتني و أبعدتني، وقد أضربي الحاجة، فقال عمر: هذا مشكل لا يحله إلا نبي أو وصي نبي، فقوموا بنا إلى أبي الحسن علي عليه السلام.
فمضى الغلام وهو يقول: أين منزل كاشف الكروب؟ أين خليفة هذه الأمة حقا! فجاؤوا به إلى منزل علي بن أبي طالب عليه السلام كاشف الكروب ومحل المشكلات فوقف هنا يقول: يا كاشف الكروب عن هذه الأمة، فقال له الامام: ومالك يا غلام؟
فقال: يا مولاي أمي جحدتني حقي وأنكرتني أني لم أكن ولدها، فقال الإمام عليه السلام : أين قنبر؟ فأجابه: لبيك يا مولاي، فقال له: امض واحضر الامرأة إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فمضى قنبر وأحضرها بين يدي الامام، فقال لها ويلك لم جحدت ولدك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين أنا بكر ليس لي ولد ولم يمسسني بشر، قال لها: لا تطيلي الكلام أنا ابن عم البدر التمام، وأنا مصباح الظلام، وإن جبرائيل أخبرني بقصتك، فقالت: يا مولاي أحضر قابلة تنظرني أنا بكر عاتق أم لا، فأحضروا قابلة أهل الكوفة، فلما دخلت بها أعطتها سوارا كان في عضدها وقالت لها: اشهدي بأني بكر، فلما خرجت من عندها قالت له: يا مولاي إنها بكر، فقال عليه السلام:
كذبت العجوز يا قنبر، فتش العجوز وخذ منها السوار، قال قنبر: فأخرجته من كتفها، فعند ذلك ضج الخلائق، فقال الإمام عليه السلام: اسكتوا فأنا عيبة علم النبوة ثم أحضر الجارية وقال لها: يا جارية أنا زين الدين، أنا قاضي الدين، أنا أبو الحسن والحسين، وإني أريد أن أزوجك من هذا الغلام المدعي عليك فتقبليه مني زوجا فقالت: لا يا مولاي أتبطل شرع محمد صلى الله عليه وآله؟ فقال لها: بماذا؟ فقالت: تزوجني
بولدي كيف يكون ذلك؟ فقال الإمام عليه السلام: " جاء الحق وزهق الباطل " وما يكون هذا منك قبل هذه الفضيحة، فقالت: يا مولاي خشيت على الميراث، فقال لها: استغفري الله وتوبي إليه، ثم إنه أصلح بينهما وألحق الولد بوالدته وبإرث أبيه.
39 - الروضة: روي من فضائله عليه السلام في حديث المقدسي ما يغني سامعه عما سواه وهو ما حكي لنا أنه كان رجل من أهل بيت المقدس ورد إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وهو حسن الشباب حسن الصورة، فزار حجرة النبي صلى الله عليه وآله وقصد المسجد ولم يزل ملازما له مشتغلا بالعبادة، صائم النهار وقائم الليل في زمن خلافة عمر بن الخطاب، حتى كان أعبد الخلق، والخلق تتمنى أن تكون مثله، وكان عمر يأني إليه ويسأله أن يكلفه حاجة، فيقول له المقدسي: الحاجة إلى الله تعالى، ولم يزل على ذلك إلى أن عزم الناس الحج، فجاء المقدسي إلى عمر بن الخطاب وقال:
يا أبا حفص قد عزمت على الحج ومعي وديعة أحب أن تستودعها مني إلى حين عودي من الحج، فقال عمر: هات الوديعة، فأحضر الشاب حقا من عاج عليه قفل من حديد، مختوم بختام الشاب، فتسلمه منه وخرج الشاب مع الوفد، فخرج عمر إلى مقدم الوفد وقال: أوصيك بهذا الغلام، وجعل عمر يودع الشاب، وقال للمقدم على الوافد: استوص به خيرا.
وكان في الوفد امرأة من الأنصار، فما زالت تلاحظ المقدسي وتنزل بقربه حيث نزل، فلما كان في بعض الأيام دنت منه وقالت: يا شاب إني أرق لهذا الجسم الناعم المترف كيف يلبس الصوف؟ فقال لها: يا هذه جسم يأكله الدود ومصيره التراب هذا له كثير، فقالت: إني أغار على هذا الوجه المضيئ تشعثه الشمس فقال لها: يا هذه اتقي الله وكفي فقد شغلني كلامك عن عبادة ربي، فقالت له:
لي إليك حاجة فإن قضيتها فلا كلام، وإن لم تقضها فما أنا بتاركتك حتى تقضيها لي، فقال لها: وما حاجتك؟ قالت: حاجتي أن تواقعني! فزجرها وخوفها من الله تعالى فلم يردعها ذلك، فقالت: والله لئن لم تفعل ما آمرك لأرمينك بداهية من دواهي النساء ومكرهم لا تنجو منها، فلم يلتفت إليها ولم يعبأ بها، فلما كان في بعض الليالي وقد سهر أكثر ليله بالعبادة فرقد في آخر الليل وغلب عليه النوم فأتته و تحت رأسه مزادة فيها زاده. فانتزعها من تحت رأسه وطرحت فيها كيسا فيه خمسمائة دينار، ثم أعادت المزادة تحت رأسه.
فلما ثور الوفد قامت الملعونة من نومها وقالت: يا لله ويا للوفد، يا وفد أنا امرأة مسكينة وقد سرقت نفقتي وما لي، وأنا بالله وبكم، فجلس المقدم على الوفد وأمر رجلا من المهاجرين والأنصار أن يفتشوا الوفد، ففتشوا الوفد فلم يجدوا شيئا، ولم يبق في الوفد إلا من فتش رحله، فلم يبق إلا المقدسي، فأخبروا مقدم الوفد بذلك فقالت المرأة: يا قوم ما ضركم لو فتشتموا رحله فله أسوة بالمهاجرين والأنصار، وما يدريكم أن ظاهره مليح وباطنة قبيح، ولم تزل المرأة حتى حملتهم على تفتيش رحله، فقصده جماعة من الوفد وهو قائم يصلي، فلما رآهم أقبل عليهم وقال لهم: ما حاجتكم؟ فقالوا له: هذه المرأة الأنصارية ذكرت أنها سرقت لها نفقة كانت معها، وقد فتشنا رحال الوفد بأسرها ولم يبق منها غيرك، و نحن لا نتقدم إلى رحلك إلا بإذنك لما سبق من وصية عمر بن الخطاب فيما يعود إليك، فقال: يا قوم ما يضرني ذلك ففتشوا ما أحببتم، وهو واثق من نفسه، فلما نفضوا المزادة التي فيها زاده وقع منها الهميان، فصاحت الملعونة: الله أكبر هذا والله كيسي ومالي، وهو كذا وكذا دينارا، وفيه عقد لؤلؤ ووزنه كذا وكذا مثقالا، فأحضروه فوجدوه كما قالت الملعونة، فمالوا عليه بالضرب الموجع و السب والشتم وهو لا يرد جوابا، فسلسلوه وقادوه راحلا إلى مكة، فقال لهم:
يا وفد بحق الله وبحق هذا البيت إلا تصدقتم علي وتركتموني أقضي الحج و
اشهد الله تعالى ورسوله علي بأني إذا قضيت الحج عدت إليكم وتركت يدي في أيديكم، فأوقع الله تعالى الرحمة في قلوبهم له فاطلقوه.
فلما قضى مناسكه وما وجب عليه من الفرائض عاد إلى القوم وقال لهم:
أما إني قد عدت إليكم فافعلوا بي ما تريدون، فقال بعضهم لبعض، لو أراد المفارقة لما عاد إليكم، فتركوه ورجع الوفد طالبا مدينة الرسول صلى الله عليه وآله، فأعوزت تلك المرأة الملعونة الزاد في بعض الطريق، فوجدت راعيا فسألته الزاد، فقال لها:
عندي ما تريدين غير أني لا أبيعه فإن آثرت أن تمكنيني من نفسك أعطيتك، ففعلت ما طلب وأخذت منه زادا، فلما انحرفت عنه اعترض لها إبليس لعنه الله فقال لها: أنت حامل، قالت: ممن؟ قال: من الراعي، فصاحت وا فضيحتاه، فقال: لا تخافي إذا رجعت إلى الوفد قولي لهم إني سمعت قراءة المقدسي فقربت منه، فلما غلب علي النوم دنا مني وواقعني ولم أتمكن من الدفاع عن نفسي بعد القراءة، وقد حملت منه وأنا امرأة من الأنصار، وخلفي جماعة من الأهل.
ففعلت الملعونة ما أشار به عليها إبليس لعنه الله، فلم يشكوا في قولها لما عاينوا أولا من وجود المال في رحله، فعكفوا على الشاب المقدسي وقالوا: يا هذا ما كفاك السرقة حتى فسقت؟ فأوجعوه شتما وضربا وسبا، وعادوه إلى السلسلة وهو لا يرد جوابا، فلما قربوا من المدينة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - خرج عمر بن الخطاب ومعه جماعة من المسلمين للقاء الوفد، فلما قربوا منه لم يكن له همة إلا السؤال عن المقدسي، فقالوا: يا أبا حفص ما أغفلك عن المقدسي! فقد سرق وفسق، وقصوا عليه القصة، فأمر بإحضاره بين يديه فقال له: يا ويلك يا مقدسي تظهر بخلاف ما تبطن حتى فضحك الله تعالى؟ لأنكلن بك أشد النكال، وهو لا يرد جوابا.
فاجتمع الخلق وازدحم الناس لينظروا ماذا يفعل به؟ وإذا بنور قد سطع و
شعاع قد لمع، فتأملوه وإذا به عيبة علم النبوة علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ما هذا الرهج في مسجد رسول الله؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين إن الشاب المقدسي الزاهد قد سرق وفسق، فقال عليه السلام: والله ما سرق ولا فسق ولا حج أحد غيره، فلما سمع عمر كلامه قام قائما على قدميه وأجلسه موضعه، فنظر إلى الشاب المقدسي وهو مسلسل وهو مطرق إلى الأرض والمرأة جالسة، فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام:
ويلك قصي قصتك، قالت: يا أمير المؤمنين إن هذا الشاب قد سرق مالي وقد شاهد الوفد مالي في مزادته، وما كفاه ذلك حتى كانت ليلة من الليالي حيث قربت منه فاستغرقني بقراءته واستنامني، فوثب إلي وواقعني، وما تمكنت من المدافعة عن نفسي خوفا من الفضيحة، وقد حملت منه.
فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام: كذبت يا ملعونة فيما ادعيت عليه، يا أبا حفص إن هذا الشاب مجبوب ليس معه إحليل، وإحليله في حق من عاج، ثم قال: يا مقدسي أين الحق؟ فرفع رأسه وقال: يا مولاي من علم بذلك يعلم أين الحق فالتفت إلى عمر وقال له: يا أبا حفص قم فأحضر وديعة الشاب، فأرسل عمر فأحضر الحق بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام، ففتحوه وإذا فيه خرقة من حرير وفيها إحليله فعند ذلك قال الإمام عليه السلام: قم يا مقدسي، فقام فجردوه من ثيابه لينظروه وليحقق من اتهمه بالفسق، فجردوه من ثيابه فإذا هو مجبوب، فعند ذلك ضج العالم فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: اسكتوا واسمعوا مني حكومة أخبرني بها رسول الله صلى الله عليه وآله.
ثم قال: يا ملعونة لقد تجرأت على الله تعالى، ويلك أما أتيت إليه وقلت له كيت وكيت فلم يجبك إلى ذلك؟ فقلت له: والله لأرمينك بحيلة من حيل النساء لا تنجو منها؟ فقالت: بلى يا أمير المؤمنين كان ذلك، فقال عليه السلام: ثم إنك استنمتيه وتركت الكيس في مزادته، أقري؟ فقالت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: اشهدوا
عليها، ثم قال لها: حملك هذا من الراعي الذي طلبت منه الزاد فقال لك: لا أبيع الزاد ولكن مكنيني من نفسك وخذي لحاجتك، ففعلت ذلك وأخذت الزاد وهو كذا وكذا، قالت: صدقت يا أمير المؤمنين قال: فضج العالم فسكتهم علي عليه السلام وقال لها: فلما خرجت عن الراعي عرض لك شيخ صفته كذا وكذا وقال لك يا فلانة: فإنك حامل من الراعي، فصرختي وقلتي: وا فضيحتاه، فقال: لا بأس عليك قولي للوفد: استنامني وواقعني وقد حملت منه، فصدقوك لما ظهر من سرقته ففعلك ما قال الشيخ، فقالت: نعم، فقال الإمام عليه السلام: أتعرفين ذلك الشيخ؟ قالت لا، قال: هو إبليس لعنه الله، فتعجب القوم من ذلك، فقال عمر: يا أبا الحسن ما تريد أن تفعل بها؟ قال: [اصبروا حتى تضع حملها وتجدوا من ترضعه] يحفر لها في مقابر اليهود وتدفن إلى نصفها وترجم بالحجارة، ففعل بها ما قال مولانا أمير - المؤمنين عليه السلام، وأما المقدسي فلم يزل ملازم مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أن توفي رضي الله عنه، فعند ذلك قام عمر بن الخطاب وهو يقول: لولا علي لهلك عمر - قالها:
ثلاثا - ثم انصرف الناس وقد تعجبوا من حكومة علي بن أبي طالب. 40 - الفضائل، الروضة: بالاسناد يرفعه إلى أبي جعفر ميثم التمار رضي الله عنه أنه قال: كنت بين يدي أمير المؤمنين علي عليه السلام في جامع الكوفة في جماعة من أصحابه وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وهو كأنه البدر بين الكواكب، إذ دخل علينا من باب المسجد رجل طويل عليه قباء خز أدكن، وقد اعتم بعمامة صفراء وهو متقلد بسيفين، فدخل وبرك بغير سلام، ولم ينطق بكلام، فتطاولت إليه الأعناق، ونظروا إليه بالآماق، وقد وقف عليه الناس من جميع الآفاق، ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام لا يرفع رأسه إليه، فلما هدأت من الناس الحواس أفصح عن لسانه كأنه حسام
جذب عن غمده: أيكم المجتبى في الشجاعة والمعمم بالبراعة؟ أيكم المولود في الحرم والعالي في الشيم والموصوف بالكرم؟ أيكم الأصلع الرأس والبطل الدعاس والمضيق للأنفاس والآخذ بالقصاص؟ أيكم غصن أبي طالب الرطيب و بطله المهيب والمسهم المصيب والقسم النجيب؟ أيكم خليفة محمد صلى الله عليه وآله الذي نصره في زمانه واعتز به سلطانه وعظم به شأنه؟.
فعند ذلك رفع أمير المؤمنين عليه السلام رأسه إليه فقال: مالك يا با سعد بن الفضل ابن الربيع بن مدركة بن نجيبة بن الصلت بن الحارث بن وعران بن الأشعث بن أبي السمع الرومي؟ اسأل عما شئت، أنا عيبة علم النبوة، قال: قد بلغنا عنك أنك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وخليفته على قومه بعده، وأنك محل المشكلات، وأنا رسول إليك من ستين ألف رجل يقال لهم العقيمة، وقد حملوني ميتا قد مات من مدة، و قد اختلفا في سبب موته وهو بباب المسجد، فإن أحييته علمنا أنك صادق نجيب الأصل، وتحققنا أنك حجة الله في أرضه وخليفة محمد صلى الله عليه وآله على قومه، وإن لم تقدر على ذلك رددناه إلى قومه وعلمنا أنك تدعي غير الصواب وتظهر من نفسك ما لا تقدر عليه.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا ميثم اركب بعيرك وناد في شوارع الكوفة ومحالها:
من أراد أن ينظر إلى ما أعطاه الله عليا أخا رسول الله وزوج ابنته من العلم الرباني فليخرج إلى النجف، فخرج الناس إلى النجف، فقال الإمام عليه السلام: يا ميثم هات الاعرابي وصاحبه، فخرجت ورأيته راكبا تحت القبة التي فيها الميت، فأتيت بهما إلى النجف، فعند ذلك قال علي عليه السلام: قولوا فينا ما ترون منا وارووا عنا ما تشاهدونه منا، ثم قال: يا أعرابي أبرك الجمل وأخرج صاحبك أنت وجماعة من المسلمين، قال ميثم: فأخرجت تابوتا وفيه وطأ ديباج أخضر، وفيها غلام أول
ماتم عذاره على خده، بذوائب كذوائب الامرأة الحسناء، فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: كم لميتكم؟ قال: أحد وأربعون يوما، قال: وما سبب موته؟ فقال الاعرابي: يا فتى إن أهله يريدون أن تحييه ليخبرهم من قتله، لأنه بات سالما وأصبح مذبوحا من اذنه إلى اذنه، ويطالب بدمه خمسون رجلا يقصد بعضهم بعضا فاكشف الشك والريب يا أخا محمد، قال الإمام عليه السلام: قتله عمه، لأنه زوجه ابنته فخلاها وتزوج بغيرها، فقتله حنقا عليه، قال الاعرابي: لسنا نقنع بقولك فإنا نريد أن يشهد لنفسه عند أهله لترتفع الفتنة والسيف والقتال.
فعند ذلك قام الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي صلى الله عليه وآله فصلى عليه وقال: يا أهل الكوفة ما بقرة بني إسرائيل بأجل عند الله مني قدرا، وأنا أخو رسول الله، وإنها أحيت ميتا بعد سبعة أيام، ثم دنا أمير المؤمنين عليه السلام من الميت وقال: إن بقرة بني إسرائيل ضرب ببعضها الميت فعاش، و أنا أضرب هذا الميت ببعضي لان بعضي خير من البقرة كلها، ثم هزه برجله و قال له: قم بإذن الله يا مدرك بن حنظلة بن غسان بن بحير بن فهر بن سلامة بن الطيب بن الأشعث، فها قد أحياك الله تعالى على يد علي بن أبي طالب، قال ميثم التمار: فنهض غلام أضوء من الشمس أضعافا ومن القمر أوصافا، فقال: لبيك لبيك يا حجة الله على الأنام المتفرد بالفضل والانعام، فعند ذلك قال: يا غلام من قتلك؟ قال: قتلني عمي الحارث بن غسان، قال له الإمام عليه السلام: انطلق إلى قومك فأخبرهم بذلك، فقال: يا مولاي لا حاجة لي إليهم، أخاف أن يقتلوني مرة أخرى ولا يكون عندي من يحييني، قال: فالتفت الامام إلى صاحبه وقال له: امض إلى أهلك فأخبرهم، قال: يا مولاي والله لا أفارقك بل أكون معك حتى يأتي الله بأجلي من عنده، فلعن الله من اتضح له الحق وجعل بينه وبين الحق سترا، ولم يزل بين يدي أمير المؤمنين حتى قتل بصفين، ثم إن أهل الكوفة رجعوا إلى الكوفة
واختلفوا أقوالا فيه عليه السلام. 41 - كشف الغمة: من مناقب الخوارزمي عن الزمخشري مرفوعا إلى الحسن عليه السلام أن عمر بن الخطاب اتي بامرأة مجنونة حبلى قد زنت، فأراد أن يرجمها، فقال له علي عليه السلام: يا عمر أما سمعت ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: وما قال؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ، وعن الغلام حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ، قال: فخلى عنها.
ومنه عن علي عليه السلام قال: لما كان في ولاية عمر اتي بامرأة حاملة، فسألها عمر فاعترفت بالفجور، فأمر بها عمر أن ترجم، فلقيها علي بن أبي طالب عليه السلام فقال:
ما بال هذه؟ فقالوا: أمر بها عمر أن ترجم، فردها علي عليه السلام فقال: أمرت بها أن ترجم؟ فقال: نعم اعترفت عندي بالفجور، فقال: هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها؟ ثم قال له علي عليه السلام: فلعلك انتهرتها أو أخفتها، فقال: قد كان ذلك، قال: أو ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لاحد على معترف بعد بلاء، إنه من قيدت أو حبست أو تهددت فلا إقرار له؟ فخلى عمر سبيلها، ثم قال: عجزت النساء أن تلد مثل علي بن أبي طالب عليه السلام لولا علي لهلك عمر.
ومن المناقب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أقضى أمتي علي بن أبي طالب عليه السلام. 42 - الفضائل، الروضة: بالاسناد يرفعه إلى عمار بن ياسر وزيد بن أرقم قالا: كنا بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام وكان يوم الاثنين لسبع عشر خلت من صفر، وإذا بزعقة عظيمة أملات المسامع، وكان على دكة القضاء، فقال: يا عمار ائتني بذي الفقار، و كان وزنه سبعة أمنان وثلثي من مكي، فجئت به، فانتضاه من غمده فتركه
على فخذه، وقال: يا عمار هذا يوم أكشف لأهل الكوفة الغمة ليزداد المؤمن وفاقا والمخالف نفاقا، يا عمار ائت بمن على الباب، قال عمار: فخرجت وإذا على الباب امرأة في قبة على جمل، وهي تشتكي وتصيح: يا غياث المستغيثين، ويا بغية الطالبين، ويا كنز الراغبين، وياذا القوة المتين، ويا مطعم اليتيم، ويا رازق العديم، ويا محيي كل عظم رميم، ويا قديم سبق قدمه كل قديم، ويا عون من ليس له عون ولا معين، يا طود من لا طود له، يا كنز من لا كنز له، إليك توجهت وبوليك توسلت وخليفة رسولك قصدت، فبيض وجهي وفرج عني كربتي.
قال عمار: وحولها ألف فارس بسيوف مسلولة، قوم لها وقوم عليها، فقلت:
أجيبوا أمير المؤمنين أجيبوا عيبة علم النبوة، قال: فنزلت المرأة من القبة ونزل القوم معها ودخلوا المسجد، فوقفت المرأة بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام وقالت: يا مولاي يا إمام المتقين إليك أتيت وإياك قصدت، فاكشف كربتي وما بي من غمة فإنك قادر على ذلك وعالم بما كان وما يكون إلى يوم القيامة، فعند ذلك قال: يا عمار ناد في الكوفة: من أراد أن ينظر إلى ما أعطاه الله أخا رسول الله فليأت المسجد قال: فاجتمع الناس حتى امتلأ المسجد، فقام أمير المؤمنين عليه السلام وقال: سلوني ما بدا لكم يا أهل الشام، فنهض من بينهم شيخ قد شاب، عليه بردة يمانية، فقال:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.