بحارالانوار · المجلد التاسع
98 - باب زهده وتقواه وورعه عليه السلام
ج ۴۰، ص ۳۱۷–۳۴۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
2 - الخرائج: من أعلامه عليه السلام قوله: واعلم أن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه يسد فورة جوعه بقرصيه، لا يطعم الفلذة في حوله إلا في ستة أضحية ولن تقدروا على ذلك، فأعينوني بورع واجتهاد، وكأني بقائلكم يقول: إذا كان قوت ابن أبي طالب هذا قعد به الضعف عن مبارزة الاقران ومنازعة الشجعان!
والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولا بحركة غذائية ولكني أيدت بقوة ملكية ونفس بنور بارئها مضيئة.
ومنها أن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ والتذكير والزواجر إذا فكر فيه المفكر ولم يدر أنه كلام علي عليه السلام لا يشك أنه كلام من لا شغل له بغير العبادة
ولاحظ له في غير الزهادة، وهذه من مناقبه العجيبة التي جمع بها بين الأضداد.
بيان: الفلذة بالكسر: القطعة من الكبد واللحم.
3 - مناقب ابن شهرآشوب: المعروفون من الصحابة بالورع: علي وأبو بكر وعمر وابن مسعود وأبو ذر وسلمان وعمار والمقداد وعثمان بن مظعون وابن عمر، ومعلوم أن أبا بكر توفي وعليه لبيت مال المسلمين نيف وأربعون ألف درهم، وعمر مات وعليه نيف و ثمانون ألف درهم، وعثمان مات وعليه مالا يحصى كثرة، وعلي صلوات الله عليه مات وما ترك إلا سبعمائة درهم فضلا عن عطائه أعدها لخادم، وقد ثبت من زهده أنه لم يحفل بالدنيا ولا بالرئاسة فيها دون أن انعكف على غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وتجهيزه، وقول أولئك: منا أمير ومنكم أمير إلى أن تقمصها أبو بكر، و قال الله تعالى: " إن أكرمكم عند الله أتقاكم ".
وقد قال تعالى: " للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا " الآية، واجتمعت الأمة على أنه من فقراء المهاجرين، وأجمعوا على أن أبا بكر كان غنيا.
وكان عليه السلام جلي الصفحة، نقي الصحيفة، ناصح الجيب، نقي الذيل عذب المشرب، عفيف المطلب، لم يتدنس بحطام، ولم يتلبس بآثام، وقد شهد النبي صلى الله عليه وآله بزهده بقوله صلى الله عليه وآله: علي لا يرزأ من الدنيا ولا ترزأ الدنيا منه.
أمالي الطوسي في حديث عمار: يا علي إن الله قد زينك بزينة لم تزين العباد بزينة أحب إلى الله منها، زينك بالزهد في الدنيا وجعلك لا ترزأ منها شيئا ولا ترزأ منك شيئا، ووهب لك حب المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعا و
يرضون بك إماما. بيان: قال الجزري: فيه " ما رزأنا من مالك شيئا " أي ما نقصنا منه شيئا ولا أخذنا. 4 - مناقب ابن شهرآشوب: اللؤلؤيان: قال عمر بن عبد العزيز: ما علمنا أحدا كان في هذه الأمة أزهد من علي بن أبي طالب عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله.
قوت القلوب: قال ابن عيينة: أزهد الصحابة علي بن أبي طالب عليه السلام.
سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن مجاهد، عن ابن عباس " فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا " هو علقمة بن الحارث بن عبد الدار " وأما من خالف مقام ربه " علي بن أبي طالب عليه السلام خاف فانتهى عن المعصية ونهى عن الهوى نفسه " فإن الجنة هي المأوى " خاصا لعلي عليه السلام ومن كان على منهاجه هكذا عاما.
قتادة، عن الحسن، عن ابن عباس في قوله: " إن للمتقين مفازا " هو علي بن أبي طالب عليه السلام سيد من اتقى عن ارتكاب الفواحش، ثم ساق التفسير إلى قوله: " جزاء من ربك " لأهل بيتك خاصا لهم وللمتقين عاما.
تفسير أبي يوسف: يعقوب بن سفيان، عن مجاهد وابن عباس " إن المتقين في ظلال وعيون " من اتقى الذنوب علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام
في ظلال من الشجر والخيام من اللؤلؤ، طول كل خيمة مسيرة فرسخ في فرسخ ثم ساق الحديث إلى قوله: " إنا كذلك نجزي المحسنين " المطيعين لله أهل بيت محمد في الجنة.
وجاء في تفسير قوله تعالى: " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " علي بن أبي طالب عليه السلام.
الحلية: قال سالم بن الجعد: رأيت الغنم تبعر في بيت المال في زمن أمير المؤمنين عليه السلام.
وفيها عن الشعبي قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام ينضحه ويصلي فيه.
وروى أبو عبد الله بن حمويه البصري بإسناده عن سالم الجحدري قال: شهدت علي بن أبي طالب عليه السلام اتي بمال عند المساء، فقال: اقتسموا هذا المال، فقالوا:
قد أمسينا يا أمير المؤمنين فأخره إلى غد، فقال لهم: تقبلون لي أن أعيش إلى غد؟ قالوا: ماذا بأيدينا، فقال: لا تؤخروه حتى تقسموه.
ويروى أنه كان يأتي عليه وقت لا يكون عنده قيمة ثلاثة دراهم يشتري بها إزارا وما يحتاج إليه، ثم يقسم كل ما في بيت المال على الناس، ثم يصلي فيه فيقول: الحمد لله الذي أخرجني منه كما دخلته.
وروى أبو جعفر الطوسي أن أمير المؤمنين عليه السلام قيل له: أعط هذه الأموال لمن يخاف عليه من الناس وفراره إلى معاوية! فقال عليه السلام: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور؟ لا والله لا أفعل ما طلعت شمس وما لاح في السماء نجم، والله لو كان ما لهم لي لواسيت بينهم، وكيف وإنما هو أموالهم؟.
واتي إليه بمال فكوم كومة من ذهب وكومة من فضة، وقال: يا صفراء اصفري يا بيضاء ابيضي وغري غيري.
هذا جناي وخياره فيه * وكل جان يده إلى فيه الباقر عليه السلام في خبر: ولقد ولى خمس سنين وما وضع آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة، ولا أقطع قطيعا، ولا أورث بيضاء ولا حمراء. ابن بطة عن سفيان الثوري أن عينا نبعت في بعض ماله فبشر بذلك، فقال عليه السلام: بشر الوارث، وسماها عين ينبع.
الفائق عن الزمخشري أن عليا عليه السلام اشترى قميصا فقطع ما فضل عن أصابعه ثم قال للرجل: حصه أي خط كفافه. بيان: قال الجزري بعد ذكر الحديث: أي خط كفافه، حاص الثوب يحوصه حوصا إذا خاطه. 5 - مناقب ابن شهرآشوب: خصال الكمال عن أبي الجيش البلخي أنه اجتاز بسوق الكوفة فتعلق به كرسي فتخرق قميصه، فأخذه بيده ثم جاء به إلى الخياطين فقال: خيطوا لي ذا بارك الله فيكم.
الأشعث العبدي قال: رأيت عليا اغتسل في الفرات يوم جمعة، ثم ابتاع قميصا كرابيس بثلاثة دراهم، فصلى بالناس الجمعة وما خيط جربانه بعد. عن شبيكة قال: رأيت عليا عليه السلام يأتزر فوق سرته ويرفع إزاره إلى أنصاف ساقيه.
الصادق عليه السلام كان علي عليه السلام يلبس القميص الزابي، ثم يمد يده فيقطع مع أطراف أصابعه، وفي حديث عبد الله بن الهذيل: كان إذا مده بلغ الظفر وإذا أرسله
كان مع نصف الذراع. بيان: الزاب: بلد بالأندلس، أو كورة ونهر بالموصل، ونهر بإربل، ونهر بين سوراء وواسط.
6 - مناقب ابن شهرآشوب: علي بن ربيعة: رأيت عليا عليه السلام يأتزر، فرأيت عليه ثيابا فقلت له في ذلك، فقال: وأي ثوب أستر منه للعورة ولا أنشف للعرق؟ وفي فضائل أحمد: رئي على علي عليه السلام إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم ورئي عليه إزار مرقوع، فقيل له في ذلك، فقال عليه السلام: يقتدي به المؤمنون، ويخشع له القلب، وتذل به النفس، ويقصد به المبالغ. وفي رواية: أشبه بشعار الصالحين. و في رواية: أحصن لفرجي. وفي رواية: هذا أبعد لي من الكبر وأجدر أن يقتدي به المسلم.
مسند أحمد إنه قال الجعدي بن نعجة الخارجي: اتق الله يا علي إنك ميت قال: بل والله قتلا، ضربة على هذا قضاء مقضيا وعهدا معهودا " وقد خاب من افترى " وكان كمه لا يجاوز أصابعه، ويقول: ليس للكمين على اليدين فضل، ونظر إلى فقير انخرق كم ثوبه، فخرق كم قميصه وألقاه إليه.
أمير المؤمنين عليه السلام: ما كان لنا إلا إهاب كبش، أبيت مع فاطمة بالليل ونعلف عليها الناضح بالنهار. مسند الموصلي: الشعبي، عن الحارث، عن علي عليه السلام قال: ما كان ليلة أهدي لي فاطمة عليها السلام شئ ينام عليه إلا جلد كبش.
واشترى عليه السلام ثوبا فأعجبه فتصدق به.
الغزالي في الاحياء: كان علي بن أبي طالب عليه السلام يمتنع من بيت المال حتى
يبيع سيفه، ولا يكون له إلا قميص واحد في وقت الغسل لا يجد غيره، ورأي عقيل ابن عبد الرحمن الخولاني عليا عليه السلام جالسا على برذعة حمار مبتلة، فقال لأهله في ذلك، فقالت: لا تلو متي فوالله ما يرى شيئا ينكره إلا أخذه فطرحه في بيت المال.
فضائل أحمد: قال زيد بن محجن: قال علي عليه السلام: من يشتري سيفي هذا؟
فوالله لو كان عندي ثمن إزار ما بعته.
الأصبغ وأبو مسعدة والباقر عليه السلام أنه أتى البزازين فقال لرجل: بعني ثوبين فقال الرجل: يا أمير المؤمنين عندي حاجتك، فلما عرفه مضى عنه، فوقف على غلام فأخذ ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم والآخر بدرهمين، فقال: يا قنبر خذ الذي بثلاثة، فقال:
أنت أولى به تصعد المنبر وتخطب الناس، فقال: وأنت شاب ولك شره الشباب، و أنا أستحيي من ربي أن أتفضل عليك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ألبسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تأكلون، فلما لبس القميص مدكم القميص فأمر بقطعه و اتخاذه قلانس للفقراء، فقال الغلام: هلم أكفه، قال: دعه كما هو فإن الامر أسرع من ذلك، فجاء أبو الغلام فقال: إن ابني لم يعرفك وهذان درهمان ربحهما فقال: ما كنت لافعل قد ما كست وما كسني واتفقنا على رضى. رواه أحمد في الفضائل.
علي بن أبي عمران قال: خرج ابن للحسن بن علي عليه السلام - وعلي في الرحبة - وعليه قميص خز وطوق من ذهب، فقال: ابني هذا؟ قالوا: نعم، قال: فدعاه فشقه عليه، وأخذ الطوق منه فجعله قطعا قطعا.
عمرو بن نعجة السكوني قال: اتي علي عليه السلام بدابة دهقان ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: " بسم الله " فلما وضع يده على القربوس زلت يده من
الضفة فقال: أديباج هي؟ قال: نعم، فلم يركب. بيان: الضفة بالفتح والكسر: الجانب.
7 - مناقب ابن شهرآشوب: الاحياء عن الغزالي أنه كان له سويق في إناه مختوم يشرب منه، فقيل له: أتفعل هذا بالعراق مع كثرة طعامه؟ فقال: أما إني لا أختمه بخلا به ولكني أكره أن يجعل فيه ما ليس منه، وأكره أن يدخل بطني غير طيب.
معاوية بن عمار عن الصادق عليه السلام قال: كان علي عليه السلام لا يأكل مما هنا حتى يؤتى به من ثم - يعني الحجاز.
الأصبغ بن نباتة قال علي عليه السلام: دخلت بلادكم بأشمالي هذه ورحلتي و راحلتي ها هي فإن أنا خرجت من بلادكم بغير ما دخلت فإنني من الخائنين. و في رواية: يا أهل البصرة ما تنقمون مني إن هذا لمن غزل أهلي؟ وأشار إلى قميصه.
وترصد غداءه عمرو بن حريث، فأتت فضة بجراب مختوم، فأخرج منه خبزا متغيرا خشنا، فقال عمرو: يا فضة لو نخلت هذا الدقيق وطيبتيه، قالت:
كنت أفعل فنهاني، وكنت أضع في جرابه طعاما طيبا فختم جرابه، ثم إن أمير المؤمنين عليه السلام فته في قصعة وصب عليه الماء ثم ذر عليه الملح وحسر عن ذراعه، فلما فرغ قال: يا عمرو لقد حانت هذه - ومد يده إلى محاسنه - وخسرت هذه أن ادخلها النار من أجل الطعام، وهذا يجزيني.
ورآه عدي بن حاتم وبين يديه شنة فيها قراح ماء وكسرات من خبز شعير وملح، فقال: إني لا أرى لك يا أمير المؤمنين لتظل نهارك طاويا مجاهدا و بالليل ساهرا مكابدا، ثم يكون هذا فطورك، فقال عليه السلام:
علل النفس بالقنوع وإلا * طلبت منك فوق ما يكفيها
وقال سويد بن غفلة: دخلت عليه يوم عيد فإذا عنده فاثور عليه خبز السمراء وصفحة فيها خطيفة وملبنة، فقلت: يا أمير المؤمنين يوم عيد وخطيفة؟ فقال: إنما هذا عيد من غفر له.
توضيح: قال الفيروزآبادي: الفاثور: الطست أو الطشتخان أو الخوان من رخام أو فضة أو ذهب.
وقال الجزري في حديث علي عليه السلام: " كان بين يديه يوم عيد فاثور عليه خبز السمراء " أي خوان. وقال السمراء: الحنطة. وقال: في حديث علي عليه السلام: " فإذا بين يديه صحفة فيها خطيفة وملبنة، الخطيفة: لبن يطبخ بدقيق ويخطتف بالملاعق بسرعة. وقال: الملبنة بالكسر هي الملعقة. هكذا شرح، و قال الزمخشري: الملبنة: لبن يوضع على النار ويترك عليه دقيق، والأول أشبه بالحديث.
8 - مناقب ابن شهرآشوب: ابن بطة في الإبانة عن جندب أن عليا عليه السلام قدم إليه لحم غث فقيل له؟ نجعل لك فيه سمنا، فقال عليه السلام: إنا لا نأكل إدامين جميعا. واجتمع عنده في يوم عيد أطعمة فقال: اجعلها بأجا، وخلط بعضها ببعض، فصار كلمته مثلا.
بيان: قال الفيروزآبادي: اجعل البأجات بأجا واحدا أي لونا وضربا، وقد لا يهمز.
مناقب آل أبي طالب 1: 305 و 306.
القاموس 2: 107.
النهاية 3: 184.
النهاية 2: 180.
النهاية 1: 304.
النهاية 4: 47.
الغث: المهزول.
مناقب آل أبي طالب 1: 306.
القاموس 1: 178.
9 - مناقب ابن شهرآشوب: العرني: وضع خوان من فالوذج بين يديه، فوجأ بإصبعه حتى بلغ أسفله، ثم سلها ولم يأخذ منه شيئا، وتلمظ بإصبعه وقال: طيب طيب وما هو بحرام، ولكن أكره أن أعود نفسي بما لم أعودها. وفي خبر عن الصادق عليه السلام أنه مد يده إليه ثم قبضها، فقيل له في ذلك، فقال: ذكرت رسول الله صلى الله عليه وآله أنه لم يأكله، فكرهت أن آكله. وفي خبر آخر عن الصادق عليه السلام أنه قالوا له: تحرمه؟ قال: لا ولكن أخشى أن تتوق إليه نفسي، ثم تلا: " أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا.
الباقر عليه السلام في خبر: كان ليطعم خبز البر واللحم وينصرف إلى منزله و يأكل خبز الشعير والزيت والخل.
فضائل أحمد: قال علي عليه السلام: ما أصبح بالكوفة أحد إلا ناعما، إن أدناهم منزلة ليأكل البر ويجلس في الظل ويشرب من ماء الفرات.
أبو صادق عن علي عليه السلام أنه تزوج ليلى فجعلت له حجلة، فهتكها وقال:
حسب آل علي ما هم فيه.
الحسن بن صالح بن حي قال: بلغني أن عليا عليه السلام تزوج امرأة فنجدت له بيتا، فأبى أن يدخله.
كلاب بن علي العامري قال: زفت عمتي إلى علي عليه السلام على حمار باكاف تحتها قطيفة وخلفها قفة معلقة.
ايضاح: القفة بالضم كهيئة القرعة تتخذ من الخوص.
10 - مناقب ابن شهرآشوب: ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله " الآية نزلت في علي وأبي ذر وسلمان والمقداد وعثمان بن مظعون وسالم، إنهم اتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم، ولا يقربوا النساء والطيب، ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الأرض، وهم بعضهم أن يجب مذاكيره، فخطب النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطيب والنوم وشهوات الدنيا؟
أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي ورهبانيتهم الجهاد إلى آخر الخبر.
أبو عبد الله عليه السلام نزلت في علي وبلال وعثمان بن مظعون، فأما علي فإنه حلف أن لا ينام بالليل أبدا إلا ما شاء الله، وأما بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا وأما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا.
دخل ابن عباس على أمير المؤمنين عليه السلام وقال: إن الحاج قد اجتمعوا ليسمعوا منك، وهو يخصف نعلا، قال: أما والله إن لي لهما أحب إلي من أمركم هذا إلا أن أقيم حدا أو أدفع باطلا.
وكتب عليه السلام إلى ابن عباس: أما بعد فلا يكن حظك في ولايتك مالا تستفيده ولا غيظا تشتفيه، ولكن إماتة باطل وإحياء حق.
وقال عليه السلام: يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت أم إلي تشوقت؟ لا حان حينك، هيهات غري غيري لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك.
وله عليه السلام:
طلق الدنيا ثلاثا واتخذ زوجا سواها * إنها زوجة سوء لا تبالي من أتاها جمل: أنساب الأشراف: إن أمير المؤمنين عليه السلام مر على قذر بمزبلة وقال:
هذا ما بخل به الباخلون.
ويروى أن أمير المؤمنين عليه السلام كان في بعض حيطان فدك وفي يده مسحاة،
فهجمت عليه امرأة من أجمل النساء فقالت: يا ابن أبي طالب إن تزوجني أغنك عن هذه المسحاة، وأدلك على خزائن الأرض، ويكون لك الملك ما بقيت، قال لها:
فمن أنت حتى أخطبك من أهلك؟ قالت: أنا الدنيا! فقال عليه السلام ارجعي فاطلبي زوجا غيري، فلست من شأني، فأقبل على مسحاته وأنشأ:
لقد خاب من غرته دنيا دنية * وما هي أن غرت قرونا بطائل أتتنا على زي العروس بثينة * وزينتها في مثل تلك الشمائل فقلت لها غري سواي فإنني * عزوف عن الدنيا ولست بجاهل وما أنا والدنيا وإن محمدا * رهين بقفر بين تلك الجنادل وهبنا أتتني بالكنوز ودرها * وأموال قارون وملك القبائل أليس جميعا للفناء مصيرنا * ويطلب من خزانها بالطوائل؟
فغري سوائي إنني غير راغب * لما فيك من عز وملك ونائل وقد قنعت نفسي بما قد رزقته * فشأنك يا دنيا وأهل الغوائل فإني أخاف الله يوم لقائه * وأخشى عذابا دائما غير زائل بيان: الطائل: النافع. والبثينة على التصغير بنت عامر الجحمي كانت يضرب المثل بحسنها. وعرفت نفسي عنه: زهدت فيه وانصرفت عنه. والجنادل: الأحجار ويقال: هبني فعلت أي احسبني فعلت واعددني. والطوائل: جمع الطائلة وهي العداوة والترة. والغوائل: الدواهي.
11 - مناقب ابن شهرآشوب: الباقر عليه السلام أنه ما ورد عليه أمران كلاهما لله رضى إلا أخذ بأشدهما على بدنه وقال معاوية لضرار بن ضمرة: صف لي عليا، قال: كان والله صواما بالنهار قواما بالليل، يحب من اللباس أخشنه، ومن الطعام أجشبه، وكان
يجلس فينا ويبتدئ إذا سكتنا ويجيب إذا سألنا، يقسم بالسوية ويعدل في الرعية لا يخاف الضعيف من جوره، ولا يطمع القوي في ميله، والله لقد رأيته ليلة من الليالي وقد أسدل الظلام سدوله وغارت نجومه وهو يتململ في المحراب تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، ولقد رأيته مسيلا للدموع على خده قابضا على لحيته يخاطب دنياه فيقول: يا دنيا أبي تشوقت ولي تعرضت؟ لا حان حينك، فقد أبنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعيشك قصير وخطرك يسير، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.
12 - المحاسن: إسماعيل بن مهران، عن حماد بن عثمان، عن زيد بن الحسن قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان أمير المؤمنين عليه السلام أشبه الناس طعمة برسول الله صلى الله عليه وآله يأكل الخبز والخل والزيت ويطعم الناس الخبز واللحم.
13 - كشف الغمة: من مناقب الخوارزمي عن أبي مريم قال: سمعت عمار بن ياسر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا علي إن الله تعالى زينك بزينة لم يزين العباد بزينة هي أحب إليه منها، زهدك فيها وبغضها إليك، وحبب إليك الفقراء فرضيت بهم أتباعا، ورضوا بك إماما، يا علي طوبى لمن أحبك و صدق عليك، والويل لمن أبغضك وكذب عليك، أما من أحبك وصدق عليك فإخوانك في دينك وشركاؤك في جنتك، وأما من أبغضك وكذب عليك فحقيق على الله تعالى يوم القيامة أن يقيمه مقام الكذابين.
ومنه عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: رأيت على علي عليه السلام قميصا زريا إذا مده بلغ الظفر، وإذا أرسله كان مع نصف الذراع.
ومنه قال عمر بن عبد العزيز: ما علمنا أن أحدا كان في هذه الأمة بعد
النبي صلى الله عليه وآله أزهد من علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: حدثنا أبو النجيب سعد بن عبد الله الهمداني المعروف بالمروزي بهذا الحديث عاليا عن الامام الحافظ سليمان ابن إبراهيم الأصفهاني.
ومنه عن سويد بن غفلة قال: دخلت على علي بن أبي طالب عليه السلام العصر فوجدته جالسا بين يديه صحيفة فيها لبن حازر، أجد ريحه من شدة؟ حموضته؟، وفي يده رغيف أرى قشار الشعير في وجهه، وهو يكسر بيده أحيانا، فإذا غلبه كسره بركبته وطرحه فيه، فقال: ادن فأصب من طعامنا هذا، فقلت: إني صائم، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من منعه الصوم من طعام يشتهيه كان حقا على الله أن يطعمه من طعام الجنة ويسقيه من شرابها، قال فقلت لجاريته وهي قائمة بقريب منه: ويحك يا فضة ألا تتقين الله في هذا الشيخ؟ ألا تنخلون له طعاما مما أرى فيه من النخالة؟ فقالت: لقد تقدم إلينا أن لا ننخل له طعاما، قال: ما قلت لها فأخبرته فقال: بأبي وأمي من لم ينخل له طعام ولم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام حتى قبضه الله عز وجل.
مناقب ابن شهرآشوب: عن ابن غفلة مثله، ثم قال: وقال لعقبة بن علقمة: يا أبا الجندب أدركت رسول الله صلى الله عليه وآله يأكل أيبس من هذا، ويلبس أخشن من هذا، فإن أنا لم آخذ به خفت أن لا ألحق به.
بيان: الحازر: الحامض من اللبن.
14 - كشف الغمة: المناقب عن أبي مطر قال: خرجت من المسجد فإذا رجل ينادي
من خلفي: ارفع إزارك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لك، وخذ من رأسك إن كنت مسلما، فمشيت من خلفه وهو مؤتزر بإزار ومرتد برداء ومعه الدرة كأنه أعرابي بدوي، فقلت: من هذا؟ فقال لي رجل: أراك غريبا بهذا البلد، قلت: أجل رجل من أهل البصرة، قال: هذا علي أمير المؤمنين، حتى انتهى إلى دار بني معيط وهو سوق الإبل، فقال: بيعوا ولا تحلفوا، فإن اليمين ينفق السلعة ويمحق البركة، ثم أتى أصحاب التمر فإذا خادمة تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: باعني هذا الرجل تمرا بدرهم فرده موالي وأبى أن يقبله، فقال: خذ تمرك وأعطها درهما، فإنها خادم ليس لها أمر، فدفعه، فقلت: أتدري من هذا؟ قال: لا، قلت:
علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فصب تمره وأعطاها درهمها وقال: أحب أن ترضى عني، فقال: ما أرضاني عنك إذا وفيتهم حقوقهم، ثم مر مجتازا بأصحاب التمر فقال: يا أصحاب التمر أطعموا المساكين يربو كسبكم، ثم مر مجتازا، ومعه المسلمون حتى أتى أصحاب السمك فقال: لا يباع في سوقنا طاف.
ثم أتى دار فرات وهو سوق الكرابيس فقال: يا شيخ أحسن بيعي في قميصي بثلاثة دراهم، فلما عرفه لم يشتر منه شيئا ثم أتى آخر فلما عرفه لم يشتر منه شيئا فأتى غلاما حدثا فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم، ولبسه ما بين الرسغين إلى الكعبين، وقال حين لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي فقيل له:
يا أمير المؤمنين هذا شئ ترويه عن نفسك أو شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال:
بل شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول عند الكسوة، فجاء أبو الغلام صاحب الثوب فقيل: يا فلان! قد باع ابنك اليوم من أمير المؤمنين قميصا بثلاثة دراهم، قال: أفلا
أخذت منه درهمين؟ فأخذ أبوه درهما وجاء به إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو جالس على باب الرحبة ومعه المسلمون، فقال: أمسك هذا الدرهم يا أمير المؤمنين، قال: ما شأن هذا الدرهم؟ قال: كان ثمن قميصك درهمين، فقال: باعني برضاي و أخذت برضاه.
ومنه عن قبيصة بن جابر قال : ما رأيت أزهد في الدنيا من علي بن أبي طالب عليه السلام.
ونقلت من كتاب اليواقيت لأبي عمر الزاهد: قال أمير المؤمنين عليه السلام وقد أمر بكنس بيت المال ورشه فقال: يا صفراء غري غيري، يا بيضاء غري غيري، ثم تمثل:
هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه وعنه قال ابن الاعرابي: إن عليا عليه السلام دخل السوق وهو أمير المؤمنين فاشترى قميصا بثلاثة دراهم ونصف، فلبسه في السوق فطال أصابعه، فقال للخياط قصه، قال: فقصه وقال الخياط: أحوصه يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، ومشى والدرة على كتفه وهو يقول: شرعك ما بلغك المحل، شرعك ما بلغك المحل. بيان: قال الجزري في النهاية: في حديث علي عليه السلام: " هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه " هذا مثل، أول من قاله عمرو بن أخت جذيمة الأبرش، كان يجني الكمأة مع أصحاب له، فكانوا إذا وجدوا خيار الكمأة أكلوها وإذا وجدها عمرو جعلها في كمه حتى يأتي بها خاله، فقال هذه الكلمة فصارت مثلا، وأراد علي عليه السلام بقوله: إنه لم يتلطخ بشئ من فئ المسلمين بل وضعه مواضعه، يقال: جنى واجتنى، والجنى اسم ما يجتني من الثمر، وقال:
وفي حديث علي عليه السلام: " شرعك ما بلغك المحلا " أي حسبك وكافيك، وهو مثل يضرب في التبليغ باليسير، وقال الميداني في مجمع الأمثال: أي حسبك من الزاد ما بلغك مقصدك. 15 - كشف الغمة: وروى الحافظ أبو نعيم بسنده في حليته أن النبي صلى الله عليه وآله قال:
يا علي إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إلى الله منها، هي زينة الأبرار عند الله تعالى، الزهد في الدنيا فجعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا ولا ترزأ منك الدنيا شيئا.
وقال هارون بن عنترة: حدثني أبي قال: دخلت على علي بن أبي طالب عليه السلام بالخورنق وهو يرعد تحت سمل قطيفة، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال ما يعم، وأنت تصنع بنفسك ما تصنع؟ فقال:
والله ما أرزأكم من أموالكم شيئا، وإن هذا لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي من المدينة، ما عندي غيرها.
وخرج عليه السلام يوما وعليه إزار مرقوع، فعوتب عليه، فقال: يخشع القلب بلبسه، ويقتدي به المؤمن إذا رآه علي.
واشترى يوما ثوبين غليظين، فخير قنبرا فيهما، فأخذ واحدا ولبس هو الآخر ورأي في كمه طولا عن أصابعه فقطعه.
وخرج يوما إلى السوق ومعه سيفه ليبيعه، فقال: من يشتري مني هذا السيف؟
فوالذي فلق الحبة لطال ما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ولو كان عندي من إزار لما بعته.
وكان عليه السلام قد ولى على عكبرا رجلا من ثقيف قال: قال له علي عليه السلام: إذا صليت الظهر غدا فعد إلي، فعدت إليه في الوقت المعين فلم أجد عنده حاجبا يحبسني دونه، فوجدته جالسا وعنده قدح وكوز ماء، فدعا بوعاء مشدود مختوم، فقلت في نفسي: لقد أمنني حتى يخرج إلي جوهرا، فكسر الختم وحله فإذا فيه سويق، فأخرج منه فصبه في القدح وصب عليه ماء، فشرب وسقاني، فلم أصبر فقلت: يا أمير المؤمنين أتصنع هذا في العراق وطعامه كما ترى في كثرته؟
فقال: أما والله ما أختم عليه بخلا به ولكني أبتاع قدر ما يكفيني، فأخاف أن ينقص فيوضع فيه من غيره، وأنا أكره أن ادخل بطني إلا طيبا، فلذلك أحترز عليه كما ترى، فإياك وتناول ما لا تعلم حله..
16 - الكافي: علي، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يسلم على النساء ويرددن عليه السلام، و كان أمير المؤمنين عليه السلام يسلم على النساء وكان يكره أن يسلم على الشابة منهن، و يقول: أتخوف أن تعجبني صوتها فيدخل علي أكثر مما أطلب من الاجر. بيان: لعله عليه السلام إنما فعل ذلك وقال ما قال تعليما للأمة.
17 - الكافي: محمد بن يحيى ، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن حماد، عن حميد وجابر العبدي قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله جعلني إماما لخلقه ففرض علي التقدير في نفسي ومطعمي ومشربي وملبسي كضعفاء الناس، كي يقتدي الفقير بفقري ولا يطغي الغني غناه. 18 - الكافي: العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن حماد بن عثمان قال: حضرت أبا عبد الله عليه السلام وقال له رجل: أصلحك الله ذكرت أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرى عليك اللباس الجديد! فقال له: إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر، ولو لبس مثل ذلك اليوم شهر به، فخير لباس كل زمان لباس أهله، غير أن قائمنا أهل البيت إذا قام لبس ثياب علي عليه السلام وسار بسيرة علي عليه السلام. 19 - نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي يعوده وهو من أصحابه، فلما رأى سعة داره قال: ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا؟ أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج، وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة تقري فيها الضيف، وتصل منها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة، فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد قال: وماله؟ قال: لبس العباء وتخلى من الدنيا، قال: علي به، فلما جاء قال:
يا عدي نفسه لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك؟ أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله من ذلك، قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك، قال: ويحك إني لست كأنت، إن
الله فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره. بيان: قوله: " كنت أحوج " " كنت " ههنا زائدة، مثل قوله تعالى: " من كان في المهد صبيا " ومطالع الحقوق: وجوهها الشرعية. قوله عليه السلام: " علي به " أي أحضره، والأصل: أعجل به علي، فحذف فعل الامر ودل الباقي عليه.
والعدي تصغير عدو، وقيل: إنما صغره من جهة حقارة فعله ذلك، لكونه عن جهل منه، وقيل: أريد به الاستعظام لعداوته لها، وقيل: خرج مخرج التحنن و الشفقة، كقولهم: يا بني. قوله: " لقد استهام بك الخبيث " أي جعلك الشيطان هائما ضالا، والباء زائدة، وطعام جشب أي غليظ، وتبيغ الدم بصاحبه إذا هاج.
20 - نهج البلاغة: قيل له عليه السلام: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: كيف يكون حال من يفنى ببقائه ويسقم بصحته ويؤتى من مأمنه؟. بيان: الباء في قوله: " ببقائه " للسببية، فإن البقاء مقرب للأجل موجب لضعف القوى، وفي قوله: " بصحته " للملابسة، ويمكن الحمل على السببية بتكلف فإن الصحة غالبا موجبة لجرأة الانسان وعدم تحرزه عن الأمور المضرة له. و قوله عليه السلام " يؤتى من مأمنه " أي يأتيه المصائب من الجهة التي لا يتوقع إتيانها منها وفي حال أمنه وغفلته، ويحتمل أن يكون المأمن مصدرا، فإن أمنه وغفلته من أسباب تركه للحزم وظفر الأعداء عليه.
21 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم. 22 - تنبيه الخاطر: ابن محبوب يرفعه عن علي بن أبي رافع قال: كنت على بيت مال علي بن أبي طالب عليه السلام وكاتبه، وكان في بيته عقد لؤلؤ [وهو] كان أصابه يوم البصرة
قال: فأرسلت إلى بنت علي بن أبي طالب عليه السلام فقالت لي: بلغني أن في بيت مال أمير المؤمنين عقد لؤلؤ وهو في يدك، وأنا أحب أن تعيرنيه أتجمل به في أيام عيد الأضحى، فأرسلت إليها وقلت: عارية مضمونة يا ابنة أمير المؤمنين، فقالت: نعم عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام، فدفعته إليها، وإن أمير المؤمنين رآه عليها فعرفه، فقال لها: من أين صار إليك هذا العقد؟ فقالت: استعرته من ابن أبي رافع خازن بيت مال أمير المؤمنين لأتزين به في العيد ثم أرده، قال: فبعث إلي أمير - المؤمنين عليه السلام فجئته فقال: أتخون المسلمين يا ابن أبي رافع؟ فقلت له: معاذ الله أن أخون المسلمين، فقال: كيف أعرت بنت أمير المؤمنين العقد الذي في بيت مال المسلمين بغير إذني ورضاهم؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنها ابنتك، وسألتني أن أعيرها إياه تتزين به، فأعرتها إياه عارية مضمونة مردودة، وضمنته في مالي وعلي أن أرده مسلما إلى موضعه، فقال: رده من يومك وإياك أن تعود لمثل هذا فتنالك عقوبتي، ثم أولى لابنتي لو كانت أخذت العقد على غير عارية مضمونة مردودة لكانت إذن أول هاشمية قطعت يدها في سرقة، قال: فبلغ مقالته ابنته فقالت له: يا أمير - المؤمنين أنا ابنتك وبضعة منك فمن أحق بلبسه مني؟ فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام:
يا بنت علي بن أبي طالب لا تذهبي بنفسك عن الحق، أكل نساء المهاجرين تتزين في هذا العيد بمثل هذا؟ فقبضته منها ورددته إلى موضعه. بيان: قال الجوهري قولهم: " أولى لك " تهدد ووعيد، قال الأصمعي:
معناه قاربه بما يهلكه أي نزل به.
23 - أقول: قال السيد بن طاوس في كشف المحجة: رأيت في كتاب إبراهيم ابن محمد الأشعري الثقة بإسناده، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قبض علي عليه السلام وعليه
دين ثمانمائة ألف درهم، فباع الحسن عليه السلام ضيعة له بخمسمائة ألف وقضاها عنه وباع له ضيعة أخرى بثلاثمائة ألف درهم فقضاها عنه، وذلك أنه لم يكن يذر من الخمس شيئا وكانت تنوبه نوائب. 24 - التهذيب: علي بن الحسن، عن محمد بن الحسن بن أبي الجهم، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: جاء قنبر مولى علي عليه السلام بفطره إليه، قال: فجاء بجراب فيه سويق عليه خاتم، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن هذا لهو البخل! تختم على طعامك؟ قال: فضحك علي عليه السلام ثم قال: أو غير ذلك، لا أحب أن يدخل بطني إلا شئ أعرف سبيله، قال: ثم كسر الخاتم فأخرج سويقا فجعل منه في قدح، فأعطاه إياه، فأخذ القدح، فلما أراد أن يشرب قال: بسم الله اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم. * 25 - أمالي الطوسي: الحسين بن إبراهيم، عن محمد بن وهبان، عن محمد بن أحمد بن زكريا عن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن عقبة، عن سعيد بن عمر الجعفي، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن كان صاحبكم - يعني أمير المؤمنين - ليجلس جلسة العبد، ويأكل أكل العبد، ويطعم الناس الخبز واللحم، ويرجع إلى رحله فيأكل الخل والزيت، وإن كان ليشتري القميصين السنبلانيين ثم يخير غلامه خيرهما، ثم يلبس الآخر، فإذا جاز أصابعه قطعه، وإن جاز كعبه حذفه، و ما ورد عليه أمران قط كلاهما لله رضى إلا أخذ بأشدهما على بدنه، ولقد ولى الناس
خمس سنين ما وضع آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة، ولا أقطع قطيعة، ولا أورث بيضاء ولا حمراء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه، أراد أن يبتاع بها لأهله خادما، وما أطاق عمله منا أحد، وإن كان علي بن الحسين عليهما السلام لينظر في كتاب من كتب علي عليه السلام فيضرب به الأرض ويقول: من يطيق هذا؟. 26 - دعوات الراوندي: أكل أمير المؤمنين عليه السلام من تمر دقل ثم شرب عليه الماء، وضرب يده على بطنه وقال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله، ثم تمثل.
شعر:
وإنك مهما تعط بطنك سؤله * وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا 27 - نهج البلاغة: من كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري، وهو عامله على البصرة، وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها:
أما بعد يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها، يستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه، ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدي به ويستضيئ بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد، فوالله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائهما وفرا ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا، بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت
عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين، ونعم الحكم الله، وما أصنع بفدك وغير فدك؟ والنفس مظانها في غد جدث تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها، و حفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لا ضغطها الحجر والمدر وسد فرجها التراب المتراكم، وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقيدني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو باليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أن أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى، أو أكون كما قال القائل:
وحسبك داء أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحن إلى القد أأقنع من نفسي بأن يقال: أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر؟ أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟ فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقمهما، تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها، أو اترك سدى، أو أهمل عابثا، أو أجر حبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة، وكأني بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الاقران ومنازلة الشجعان، ألا وإن الشجرة البرية أصلب عودا، و الرواتع الخضرة أرق جلودا، والنابتات العذية أقوى وقودا وأبطأ خمودا، و
أنا من رسول الله صلى الله عليه وآله كالصنو من الصنو والذراع من العضد، والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها، ولو أمكنت الفرصة من رقابها لسارعت إليها، و سأجهد في أن أطهر الأرض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس حتى تخرج المدرة من بين حب الحصيد، إليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك، قد انسللت من مخالبك، وأفلت من حبائلك، واجتنبت الذهاب في مداحضك، أين القرون الذين غررتهم بمداعبك؟ أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك؟ ها هم رهائن القبور ومضامين اللحود، والله لو كنت شخصا مرئيا وقالبا حسيا لاقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالأماني، وأمم ألقيتهم في المهاوي، وملوك أسلمتهم إلى التلف، وأوردتهم موارد البلاء، إذ لا ورد ولا صدر، هيهات من وطئ دحضك زلق ومن ركب لججك غرق، ومن أزور عن حبالك وفق، والسالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه، والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه، اعزبي عني فوالله لا أذل لك فتستذليني، ولا أسلس لك فتقوديني، وأيم الله يمينا أستثني فيها بمشيئة الله لأروضن نفسي رئاضة تهش معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما، وتقنع بالملح مأدوما ولادعن مقلتي كعين ماء نضب معينها، مستفرغة دموعها، أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك؟ وتشبع الربيضة عن عشبها فتربض؟ ويأكل علي من زاده فيهجع؟ قرت إذا عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية! طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها، وعركت بجنبها بؤسها، وهجرت في الليل غمضها حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها وتوسدت كفها في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت بذكر ربهم شفاههم، وتقشعت بطول استغفارهم ذنوبهم، فاتق الله يا ابن حنيف ولتكفك أقراصك ليكون من النار خلاصك.
ايضاح: المأدبة بضم الدال: الطعام يدعى إليه القوم. والعائل: الفقير. و الجفاء: نقيض الصلة. والقضم: الاكل بأطراف الأسنان، وظاهر كلامه عليه السلام أن النهي عن إجابة مثل هذه الدعوة من وجهين: أحدهما أنه من طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو، فهم من أهل الرئاء والسمعة، فالأحرى عدم إجابتهم، و ثانيهما أنه مظنة المحرمات، فيمكن أن يكون النهي عاما على الكراهة أو خاصا بالولاء فيحتمل أن يكون النهي للتحريم، ويمكن أن يستفاد من قوله: " تستطاب لك الألوان " وجه آخر من النهي، وهو المنع من إجابة دعوة المسرفين والمبذرين ويحتمل أيضا الكراهة والتحريم والعموم والخصوص.
والطمر بالكسر: الثوب الخلق، والطمران: الإزار والرداء. والقرصان للغداء والعشاء. والتبر من الذهب: ما كان غير مضروب، وبعضهم يقول للفضة أيضا والقمح: البر. والجشع: أشد الحرص. والمبطان: الذي لا يزال عظيم البطن من كثرة الاكل. والغرث: الجوع. والحرى: العطش، والهمزة في قوله: " أو أكون " للاستفهام، والواو للعطف. والبطنة: أن يمتلئ من الطعام امتلاء شديدا.
والقد بالكسر سير يقد من جلد غير مدبوغ.
قوله عليه السلام: " ولا أشاركهم " معطوف على " أقنع " أو " يقال " أو الواو للحال وطعام جشيب أي غليظ. قوله: " كالبهيمة " هذا تشبيه للأغنياء لاهتمامهم بالتلذذ بما يحضر عندهم. قوله: " أو المرسلة " تشبيه للفقراء الذين يحصلون من كل وجه ما يتلذذون به، وليس همتهم إلا ذلك. والتقمم: أكل الشاة ما بين يديها بمقمتها أي بشفتيها. قوله عليه السلام: " تكترش " أي تملأ بها كرشه، وهو لكل مجتر بمنزلة المعدة للانسان. قوله عليه السلام: " عما يراد بها " أي من الذبح والاستخدام. و المتاهة: محل التيه وهو الضلال. والباء في " قعد به " للتعدية.
وقال الفيروزآبادي: النزال بالكسر أن ينزل الفريقان عن إبلهما إلى خيلهما فيضاربوا. قوله عليه السلام: " والرواتع " أي الأشجار الراتعة، من قولهم: رتع رتوعا: أكل وشرب ما شاء في خصب. والعذي بالكسر: الزرع لا يسقيه إلا ماء المطر. الصنو بالكسر: المثل، وأصله أن تطلع النخلتان من عرق واحد، وفي بعض النسخ " كالضوء من الضوء " أي كالضوء المنعكس من ضوء آخر، كنور القمر المستفاد من ضوء الشمس. قوله عليه السلام: " والذراع من العضد " وجه التشبيه أن العضد أصل للذراع، والذراع وسيلة إلى التصرف والبطش بالعضد. والركس: رد الشئ مقلوبا.
وقال ابن ميثم: سمى معاوية معكوسا لانعكاس عضديه، ومركوسا لكونه تاركا للفطرة الأصلية، ويحتمل أن يكون تشبيها له بالبهائم. قوله عليه السلام: " حتى يخرج " أي حتى يخرج معاوية أو جميع المنافقين من بين المؤمنين، ويخلصهم من وجودهم كما يفعل من يصفي الغلة.
وقال الجوهري: الغارب: ما بين السنام والعنق، ومنه قولهم: " حبلك على قاربك " أي اذهبي حيث شئت، وأصله أن الناقة إذا رعت وعليها الخطام القي على غاربها، لأنها إذا رأت الخطام لا يهنئها شئ، انتهى. والمداحض: المزالق. والحبائل: المصائد. والمداعب من الدعابة وهي المزاح والزخرف: الذهب وكمال حسن الشئ. والمهوى والمهواة: ما بين الجبلين. و الصدر بالتحريك: الرجوع عن الماء خلاف الورود. وأزور عنه: عدل وانحرف.
وضيق المناخ كناية عن شدائد الدنيا كالفقر والمرض والحبوس والسجون. وحان أي قرب. ورجل سلس أي منقاد لين. وهش أي فرح واستبشر. ونضب الماء:
غار ونفد. وماء معين أي ظاهر على وجه الأرض. والربيضة: جماعة من البقر والغنم.
وربوض الغنم والبقر والفرس والكلب مثل بروك الإبل. والهجوع: النوم ليلا.
والهمل بالتحريك الإبل بلا راع، يقال: إبل همل وهاملة. قوله: " وعركت بجنبها " يقال: يعرك الأذى بجنبه أي يحتمله ويقال: ما اكتحلت غمضا أي ما نمت والكرى: النعاس: قوله عليه السلام: " وتقشعت " أي زالت وذهبت كما يتقشع السحاب.
28 - نهج البلاغة: من خبر ضرار بن ضمرة الضبائي عند دخوله على معاوية ومسألته له عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه ولقد أرخى الليل سدوله، وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا يا دنيا إليك عني، أبي تعرضت أم إلي تشوقت؟ لا حان حينك، هيهات غري غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه من قلة الزاد، وطول الطريق، وبعد السفر، وعظم المورد، وخشونة المضجع.
بيان: السديل: ما أسدل على الهودج، والجمع: السدول. ويقال: هو يتململ على فراشه: إذا لم يستقر من الوجع. والسليم: اللديغ، يقال: سلمته الحية أي لدغته. وقيل: إنما سمي سليما تفألا بالسلامة. و " إليك " من أسماء الافعال، أي تنح. و " عني " متعلق بما فيه من معنى الفعل. ويقال: حان حينه أي قرب وقته، وهذا دعاء عليها أي لأقرب وقت انخداعي بك وغرورك لي، قوله عليه السلام : " غري غيري " ليس الغرض الامر بغرور غيره بل بيان أنه عليه السلام لا ينخدع بها، بل غيره ينخدع بها. قوله عليه السلام: " وأملك " أي ما يؤمل منك وفيك.
29 - أمالي الصدوق: علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن الحسن الطاري، عن محمد بن الحسين الخشاب، عن محمد بن محسن، عن المفضل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن أبيه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما دنياكم عندي
إلا كسفر على منهل حلوا إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا، ولا لذاذتها في عيني إلا كحميم أشربه غساقا وعلقم أتجرعه زعاقا، وسم أفعاة أسقاه دهاقا، وقلادة من نار أوهقها خناقا ولقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، وقال لي: اقذف بها قذف الأتن، لا يرتضيها ليراقعها، فقلت له: أعزب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى * وتنجلي عنا علالات الكرى، ولو شئت لتسربلت بالعبقري المنقوش من ديباجكم، ولأكلت لباب هذا البر بصدور دجاجكم، ولشربت الماء الزلال برقيق زجاجكم، ولكني أصدق الله جلت عظمته حيث يقول: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار " فكيف أستطيع الصبر على نار لو قذفت بشررة إلى الأرض لأحرقت نبتها، ولو اعتصمت نفس بقلة لأنضجها وهج النار في قلتها وإنما خير لعلي أن يكون عند ذي العرش مقربا أو يكون في لظى خسيئا مبعدا، مسخوطا عليه بجرمه مكذبا، والله لان أبيت على حسك السعدان مرقدا وتحتي أطمار على سفاها ممددا، أو اجر في أغلالي مصفدا أحب إلي من أن ألقى في القيامة محمدا خائنا في ذي يتمة أظلمه بفلسه متعمدا، ولم أظلم اليتيم وغير اليتيم لنفس تسرع إلى البلى قفولها، ويمتد في أطباق الثرى حلولها، وإن عاشت رويدا فبذي العرش نزولها.
معاشر شيعتي احذروا فقد عضتكم الدنيا بأنيابها، تختطف منكم نفسا بعد نفس كذئابها، وهذه مطايا الرحيل قد أنيخت لركابها، ألا إن الحديث ذو شجون،
فلا يقولن قائلكم إن كلام علي متناقض، لان الكلام عارض. ولقد بلغني أن رجلا من قطان المدائن تبع بعد الحنيفية علوجه، ولبس من نالة دهقانه منسوجه، وتضمخ بمسك هذه النوافج صباحه، وتبخر بعود الهند رواحه، وحوله ريحان حديقة يشم تفاحه، وقد مدله مفروشات الروم على سرره، تعسا له بعد ما ناهز السبعين من عمره، وحوله شيخ يدب على أرضه من هرمه، وذا يتمة تضور من ضره ومن قرمه، فما واساهم بفاضلات من علقمة، لئن أمكنني الله منه لأخضمنه خضم البر، ولأقيمن عليه حد المرتد، ولأضربنه الثمانين بعد حد، ولأسدن من جهله كل مسد، تعسا له أفلا شعر أفلا صوف أفلا وبر أفلا رغيف قفار الليل إفطار مقدم؟ أفلا عبرة على خد في ظلمة ليالي تنحدر؟ ولو كان مؤمنا لاتسقت له الحجة إذا ضيع مالا يملك.
والله لقد رأيت عقيلا أخي وقد أملق حتى استماحني من بر كم صاعة، وعاودني في عشر وسق من شعيركم يطعمه جياعه، ويكاد يلوي ثالث أيامه خامصا ما استطاعه، ورأيت أطفاله شعث الألوان من ضرهم كأنما اشمأزت وجوههم من قرهم، فلما عاودني في قوله وكرره أصغيت إليه سمعي فغره وظنني أوتغ ديني فأتبع ما سره أحميت له حديدة ينزجر إذ لا يستطيع منها دنوا ولا يصبر، ثم أدنيتها من جسمه، فضج من ألمه ضجيج ذي دنف يئن من سقمه، وكاد يسبني سفها من كظمه، ولحرقة في لظى أضنى له من عدمه، فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل أتئن من حديدة أحماها إنسانها لمدعبه وتجرني إلى نار سجرها جبارها من غضبه؟
أتئن من الأذى ولا أئن من لظى؟
والله لو سقطت المكافاة عن الأمم وتركت في مضاجعها باليات في الرمم لاستحييت
من مقت رقيب يكشف فاضحات من الأوزار تنسخ، فصبرا على دنيا تمر بلأوائها كليلة بأحلامها تنسلخ، كم بين نفس في خيامها ناعمة وبين أثيم في جحيم يصطرخ، فلا تعجب من هذا.
وأعجب بلا صنع منا من طارق طرقنا بملفوفات زملها في وعائها، ومعجونة بسطها في إنائها، فقلت له: أصدقة أم نذر أم زكاة؟ وكل ذلك يحرم علينا أهل بيت النبوة، وعوضنا منه خمس ذي القربى في الكتاب والسنة، فقال لي: لا ذاك ولا ذاك، ولكنه هدية، فقلت له: ثكلتك الثواكل أفعن دين الله تخدعني بمعجونة عرقتموها بقندكم؟ وخبيصة صفراء أتيتموني بها بعصير تمركم؟ أمختبط أم ذو جنة أم تهجر؟ أليست النفوس عن مثقال حبة من خردل مسؤولة؟ فماذا أقول في معجونة أتزقمها معمولة؟ والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها واسترق لي قطانها مذعنة بأملاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها شعيرة فألوكها ما قبلت ولا أردت، ولدنياكم أهون عندي من ورقة [في] في جرادة تقضمها، وأقذر عندي من عراقة خنزير يقذف بها أجذمها، وأمر على فؤادي من حنظلة يلوكها ذو سقم فيبشمها، فكيف أقبل ملفوفات عكمتها في طيها؟ ومعجونة كأنها عجنت بريق حية أو قيئها؟ اللهم إني نفرت عنها نفار المهرة من كيها " أريه السها ويريني القمر " ء أمتنع من وبرة من قلوصها ساقطة وأبتلع إبلا في مبركها رابطة؟! أدبيب العقارب من وكرها ألتقط؟ أم قواتل الرقش في مبيتي أرتبط؟ فدعوني أكتفي من دنياكم بملحي وأقراصي، فبتقوى الله أرجو خلاصي، ما لعلي ونعيم يفنى، ولذة تنحتها المعاصي؟
سألقى وشيعتي ربنا بعيون ساهرة وبطون خماص " ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين " ونعوذ بالله من سيئات الأعمال، وصلى الله على محمد وآله.
بيان: الغساق - بالتخفيف والتشديد -: ما يسيل من صديد أهل النار و غسالتهم، أو ما يسيل من دموعهم. والعلقم: شجر مر، ويقال للحنظل ولكل شئ مر: علقم. والسم الزعاق: هو الذي يقتل سريعا، والماء الزعاق: الملح الغليظ لا يطاق شربه. والدهاق: الممتلئ، والوهق - محركة ويسكن: الحبل يرمى به في انشوطة فيؤخذ به الدابة والانسان. والمدرعة: القميص. قوله: " قذف الأتن " هو بضمتين جمع الأتان وهي الحمارة، والتشبيه بقذفها لكونها أشد امتناعا للحمل من غيرها، وربما يقرأ " الابن " بالباء الموحدة المفتوحة وضم الهمزة جمع الابنة وهي العيب والقبيح، فيكون الإضافة إلى المفعول. والعلالة بالضم: بقية كل شئ . والكرى: النعاس والنوم، أي من يسير بالليل يعرضه في اليوم نعاس، لكن ينجلي عنه بعد النوم، فكذلك يذهب مشقة الطاعات بعد الموت. وفي بعض النسخ " غلالات " بالغين المعجمة جمع الغلالة بالكسر، وهي شعار تلبس تحت الثوب [استعير لما يشتمل الانسان من حالة النوم، وفي بعض النسخ " غيابات الكرى " كما في مجمع الأمثال للميداني، وفي بعضها " عمايات " كما في مستقصى الزمخشري، قال الجوهري:
الغيابة: كل شئ أظل الانسان فوق رأسه، مثل السحابة والغبرة والظلمة ونحو ذلك. وفي النهاية: فيه " في عماية الصبح " أي في بقية ظلمة الليل. وقال الميداني: " عند الصباح يحمد القوم السرى " قال المفضل: إن أول من قال ذلك خالد بن الوليد، لما بعث إليه أبو بكر وهو باليمامة أن: سر إلى العراق فأراد سلوك المفازة، فقال له رافع الطائي: قد سلكتها في الجاهلية هي خمس للإبل الواردة، ولا أظنك تقدر عليها إلا أن تحمل الماء، فاشترى مائة:
شارف فعطشها، ثم سقاها الماء حتى رويت، ثم كتبها وكعم أفواهها، ثم سلك المفازة، حتى إذا مضى يومان وخاف العطش على الناس والخيل، وخشي أن يذهب ما في بطون الإبل نحر الإبل واستخرج ما في بطونها من الماء، فسقى الناس والخيل ومضى، فلما كان في الليلة الرابعة قال رافع: انظر هل ترى بيدرا عظاما فإن رأيتموها وإلا فهو الهلاك، فنظر الناس فرأوا البيدر، فأخبروه، فكبر وكبر الناس، ثم هجموا على الماء، فقال خالد:
لله در رافع أن اهتدى * فوز من قراقر إلى سرى خمسا إذا سار به الجيش بكى * ما سارها من قبله أيش ترى عند الصباح يحمد القوم السرى * وتنجلي عنهم غيابات الكرى يضرب للرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة، انتهى.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.