بحارالانوار · المجلد التاسع
97 باب قضاياه صلوات الله عليه، وما
ج ۴۰، ص ۲۱۷–۲۴۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۴
فدنوت منه، فقال: امض إلى محلتكم ستجد على باب المسجد رجلا وامرأة يتنازعان فائتني بهما، قال: فمضيت فوجدتهما يختصمان، فقلت: إن أمير المؤمنين يدعو كما،
فسرنا حتى دخلنا عليه، فقال: يا فتى ما شأنك وهذه الامرأة؟ قال: يا أمير المؤمنين إني تزوجتها وأمهرت وأملكت وزففت، فلما قربت منها رأت الدم، وقد حرت في أمري، فقال عليه السلام: هي عليك حرام ولست لها بأهل، فماج الناس في ذلك فقال لها: هل تعرفيني؟ فقالت: سماع أسمع بذكرك ولم أرك، فقال: فأنت فلانة بنت فلان من آل فلان؟ فقالت: بلى والله، فقال: ألم تتزوجي بفلان ابن فلان متعة سرا من أهلك ألم تحملي منه حملا ثم وضعتيه غلاما ذكرا سويا، ثم خشيت قومك وأهلك فأخذتيه وخرجت ليلا، حتى إذا صرت في موضع خال وضعتيه على الأرض، ثم وقفت مقابلته فحننت عليه، فعدت أخذتيه، ثم عدت طرحتيه، حتى بكى وخشيت الفضيحة، فجاءت الكلاب فأنبحت عليك، فخفت فهر ولت، فانفرد من الكلاب كلب فجاء إلى ولدك فشمه، ثم نهشه لأجل رائحة الزهومة فرميت الكلب إشقاقا فشججتيه، فصاح فخشيت أن يدركك الصباح فيشعر بك، فوليت منصرفة وفي قلبك من البلابل، فرفعت يديك نحو السماء وقلت: اللهم احفظه يا حافظ الودائع؟ قالت: بلى والله كان هذا جميعه، وقد تحيرت في مقالتك فقال: أين الرجل (3)؟ فجاء فقال: اكشف عن جبينك، فكشف فقال للمرأة ها الشجة في قرن ولدك، وهذا الولد ولدك والله تعالى منعه من وطئك بما أراه منك من الآية التي صدته، والله قد حفظ عليك كما سألتيه، فاشكري الله على ما أولاك وحباك.
الواقدي وإسحاق الطبري أن عمير بن وائل الثقفي أمره حنظلة بن أبي سفيان أن يدعي على علي عليه السلام ثمانين مثقالا من الذهب وديعة عند محمد صلى الله عليه وآله وأنه
هرب من مكة وأنت وكيله، فإن طلب بينة الشهود فنحن معشر قريش نشهد عليه وأعطوه على ذلك مائة مثقال من الذهب، منها قلادة عشرة مثاقيل لهند، فجاء وادعى على علي عليه السلام فاعتبر الودائع كلها ورأي عليها أسامي أصحابها، ولم يكن لما ذكره عمير خبر، فنصح له نصحا كثيرا، فقال: إن لي من يشهد بذلك وهو أبو جهل وعكرمة وعقبة بن أبي معيط وأبو سفيان وحنظلة، فقال عليه السلام: مكيدة تعود إلى من دبرها، ثم أمر الشهود أن يقعدوا في الكعبة، ثم قال لعمير: يا أخا ثقيف أخبرني الآن حين دفعت وديعتك هذه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أي الأوقات كان؟ قال: ضحوة نهار فأخذها بيده ودفعها إلى عبده، ثم استدعى بأبي جهل وسأله عن ذلك قال: ما يلزمني ذلك، ثم استدعى بأبي سفيان وسأله فقال: دفعه عند غروب الشمس وأخذها من يده وتركها في كمه، ثم استدعى حنظلة وسأله عن ذلك فقال: كان عند وقت وقوف الشمس في كبد السماء وتركها بين يديه إلى وقت انصرافه، ثم استدعى بعقبة وسأله عن ذلك فقال: تسلمها بيده وأنفذها في الحال إلى داره وكان وقت العصر ثم استدعى بعكرمة وسأله عن ذلك فقال: كان بزوغ الشمس أخذها فأنفذها من ساعته إلى بيت فاطمة - عليها السلام -.
ثم أقبل على عمير وقال له: أراك قد اصفر لونك وتغيرت أحوالك، قال:
أقول الحق ولا يفلح غادر، وبيت الله ما كان لي عند محمد صلى الله عليه وآله وديعة، وإنهما حملاني على ذلك، وهذه دنانيرهم وعقد هند عليها اسمها مكتوب، ثم قال علي عليه السلام:
ائتوني بالسيف الذي في زاوية الدار، فأخذه وقال: أتعرفون هذا السيف؟ فقالوا:
هذا لحنظلة، فقال أبو سفيان: هذا مسروق، فقال عليه السلام: إن كنت صادقا في قولك فما فعل عبدك مهلع الأسود؟ قال: مضى إلى الطائف في حاجة لنا، فقال:
هيهات أن تعود تراه ابعث إليه أحضره إن كنت صادقا، فسكت أبو سفيان، ثم قام في عشرة عبيد لسادات قريش فنبشوا بقعة عرفها فإذا فيها العبد مهلع قتيل، فأمرهم بإخراجه فأخرجوه وحملوه إلى الكعبة، فسأله الناس عن سبب قتله،
فقال: إن أبا سفيان وولده ضمنوا له رشوة عتقه وحثاه على قتلي، فكمن لي في الطريق ووثب علي ليقتلني، فضربت رأسه وأخذت سيفه، فلما بطلت حيلتهم أرادوا الحيلة الثانية بعمير، فقال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله.
3 - مناقب ابن شهرآشوب: أما ما كان من قضاياه عليه السلام في زمن أبي بكر فقد روي أنه سأل أبا بكر رجل عن رجل تزوج بامرأة بكرة فولدت عشية، فحاز ميراثه الابن و الام، فلم يعرف، فقال علي عليه السلام: هذا رجل له جارية حبلى منه، فلما تمخضت مات الرجل.
بيان: أي كانت الجارية حبلى من المولى، فأعتقها وتزوجها بكرة، فولدت عشيته فمات المولى.
4 - مناقب ابن شهرآشوب: أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أراد قوم على عهد أبي بكر أن يبنوا مسجدا بساحل عدن، فكان كلما فرغوا من بنائه سقط، فعادوا إليه فسألوه فخطب وسأل الناس وناشدهم: إن كان عند أحد منكم علم هذا فليقل، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: احتفروا في ميمنته وميسرته في القبلة، فإنه يظهر لكم قبران مكتوب عليهما: أنا رضوى وأختي حبا، متنا لا نشرك بالله العزيز الجبار، وهما مجردتان فاغسلوهما وكفنوهما وصلوا عليهما وادفنوهما، ثم ابنوا مسجدكم فإنه يقوم بناؤه، ففعلوا ذلك فكان كما قال عليه السلام.
ابن حماد:
وقال للقوم: امضوا الآن فاحتفروا * أساس قبلتكم تفضوا إلى خزن عليه لوح من العقيان محتفر * فيه بخط من الياقوت مندفن نحن ابنتا تبع ذي الملك من يمن * حبا ورضوى بغير الحق لم ندن
متنا على ملة التوحيد لم نك من * صلى إلى صنم كلا ولا وثن.
وسأله نصرانيان: ما الفرق بين الحب والبغض ومعدنهما واحد؟ وما الفرق بين الحفظ والنسيان ومعدنهما واحد؟ وما الفرق بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة ومعدنهما واحد؟ فأشار إلى عمر، فلما سألاه أشار إلى علي عليه السلام فلما سألاه عن الحب والبغض قال: إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، فأسكنها الهواء، فما تعارف هناك ائتلف ههنا، وما تناكر هناك اختلف ههنا، ثم سألاه عن الحفظ والنسيان فقال: إن الله تعالى خلق ابن آدم وجعل لقلبه غاشية، فمهما مر بالقلب والغاشية منفتحة حفظ وأحصى، ومهما مر بالقلب والغاشية منطبقة لم يحفظ ولم يحص، ثم سألاه عن الرؤية الصادقة والرؤية الكاذبة فقال عليه السلام:
إن الله تعالى خلق الروح وجعل لها سلطانا فسلطانها النفس، فإذا نام العبد خرج الروح وبقي سلطانه، فيمر به جيل من الملائكة وجبل من الجن فمهما كان من الرؤيا الصادقة فمن الملائكة، ومهما كان من الرؤيا الكاذبة فمن الجن، فأسلما عن يديه وقتلا معه يوم صفين.
أبو داود وابن ماجة في سننهما وابن بطة في الإبانة وأحمد في فضائل الصحابة وأبو بكر بن مردويه في كتابه بطرق كثيرة عن زيد بن أرقم أنه قيل للنبي صلى الله عليه وآله:
أتى إلى علي عليه السلام باليمن ثلاثة نفر يختصمون في ولد لهم، كلهم يزعم أنه وقع على أمه في طهروا حد - وذلك في الجاهلية - فقال علي عليه السلام: إنهم شركاء متشاكسون، فقرع على الغلام باسمهم فخرجت لأحدهم، فألحق الغلام به وألزمه ثلثا الدية لصاحبه، وزجرهما عن مثل ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: الحمد لله الذي
جعل فينا أهل البيت من يقضي على سنن داود عليه السلام.
ابن جريح عن الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله اشترى من أعرابي ناقة بأربعمائة درهم، فلما قبض الاعرابي المال صاح: الدراهم والناقة لي، فأقبل أبو بكر فقال: اقض فيما بيني وبين الاعرابي، فقال: القضية واضحة، تطلب البينة! فأقبل عمر فقال كالأول، فأقبل علي عليه السلام فقال صلى الله عليه وآله: أتقبل بالشاب المقبل (2)!
قال: نعم، فقال الاعرابي: الناقة ناقتي والدراهم دراهمي، فإن كان محمد يدعي شيئا فليقم البينة على ذلك، فقال عليه السلام: خل عن الناقة وعن رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث مرات - فاندفع، فضربه ضربة - فاجتمع أهل الحجاز أنه رمى برأسه، وقال بعض أهل العراق: بل قطع منه عضوا - فقال: يا رسول الله نصدقك على الوحي ولا نصدقك على أربعمائة دراهم، وفي خبر عن غيره، فالتفت النبي صلى الله عليه وآله إليهما فقال: هذا حكم الله لا ما حكمتما به فينا.
الجاحظ وتفسير الثعلبي أنه سئل أبو بكر عن قوله تعالى: " وفاكهة وأبا " فقال: أية سماء تظلني أو أية أرض تقلني أم أين أذهب أم كيف أصنع إذا قلت في كتاب الله بما لم أعلم؟ أما " الفاكهة " فأعرفها، وأما " الأب " فالله أعلم! وفي رواية أهل البيت أنه بلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إن " الأب " هو الكلاء والمرعى، وإن قوله: " وفاكهة وأبا " اعتداد من الله على خلقه فيما غذاهم به وخلقه لهم و لانعامهم مما يحيا به أنفسهم.
وسأل رسول ملك الروم أبا بكر عن رجل لا يرجو الجنة ولا يخاف النار، ولا يخاف الله، ولا يركع ولا يسجد، ويأكل الميتة والدم، ويشهد بما لا يرى، و ويحب الفتنة، ويبغض الحق فلم يجبه، فقال عمر : ازددت كفرا إلى كفرك،
فأخبر بذلك علي عليه السلام فقال: هذا رجل من أولياء الله، لا يرجو الجنة ولا يخاف النار ولكن يخاف الله ولا يخاف الله من ظلمه وإنما يخاف من عدله، ولا يركع ولا يسجد في صلاة الجنازة، ويأكل الجراد والسمك، ويأكل الكبد، ويحب المال والولد " إنما أموالكم وأولادكم فتنة " ويشهد بالجنة والنار وهو لم يرهما، ويكره الموت وهو حق.
وفي مقال: لي ما ليس لله، فلي صاحبة وولد، ومعي ما ليس مع الله، معي ظلم وجور، ومعي ما لم يخلق الله، فأنا حامل القرآن وهو غير مفتر، وأعلم ما لم يعلم الله، وهو قول النصارى: إن عيسى ابن الله، وصدق النصارى واليهود، في قولهم:
" وقالت اليهود ليست النصارى على شئ " الآية، وكذب الأنبياء والمرسلين كذب إخوة يوسف حيث قالوا: وأكله الذئب " وهم أنبياء الله ومرسلون إلى الصحراء، وأنا أحمد النبي، أحمده وأشكره، وأنا علي علي في قومي، وأنا ربكم أرفع وأضع، كمي أرفعه وأضعه.
وسأله عليه السلام رأس الجالوت بعد ما سأل أبا بكر فلم يعرف ما أصل الأشياء، فقال عليه السلام: هو الماء لقوله تعالى: " وجعلنا من الماء كل شئ حي " وما جمادان تكلما؟ فقال: هما السماء والأرض، وما شيئان يزيدان وينقصان ولا يرى الخلق ذلك؟ فقال: هما الليل والنهار، وما الماء الذي ليس من أرض ولا سماء؟ فقال: الماء الذي بعث سليمان إلى بلقيس، وهو عرق الخيل إذا هي أجريت في الميدان، وما الذي يتنفس بلا روح؟ فقال: " والصبح إذا تنفس " وما القبر الذي سار بصاحبه؟
فقال: ذاك يونس عليه السلام لما سار به الحوت في البحر.
5 - مناقب ابن شهرآشوب: وأما قضاياه في زمن عمر فإن غلاما طلب مال أبيه من عمر، وذكر أن والده توفي بالكوفة والولد طفل بالمدينة، فصاح عليه عمر وطرده، فخرج يتظلم منه، فلقيه علي عليه السلام فقال: ائتوني به إلى الجامع حتى أكشف أمره، فجيئ به فسأله عن حاله، فأخبره بخبره، فقال عليه السلام: لأحكمن فيكم بحكومة حكم الله بها من فوق سبع سماواته، لا يحكم بها إلا من ارتضاه لعلمه، ثم استدعى بعض أصحابه وقال: هات بمجرفة، ثم قال: سيروا بنا إلى قبر والد الصبي، فساروا فقال:
احفروا هذا القبر وانبشوه واستخرجوا لي ضلعا من أضلاعه، فدفعه إلى الغلام فقال له: شمه، فلما شمه انبعث الدم من منخريه، فقال عليه السلام: إنه ولده، فقال عمر: بانبعاث الدم تسلم إليه المال؟ فقال: إنه أحق بالمال منك ومن سائر الخلق أجمعين، ثم أمر الحاضرين بشم الضلع فشموه، فلم ينبعث الدم من واحد منهم فأمر أن أعيد إليه ثانية وقال: شمه، فلما شمه انبعث الدم انبعاثا كثيرا، فقال عليه السلام:
إنه أبوه، فسلم إليه المال ثم قال: والله ما كذبت ولا كذبت. بيان: قال الجوهري: الجرف: الاخذ الكثير، وجرفت الطين: كسحته ومنه سمي المجرفة. 6 - مناقب ابن شهرآشوب: عمر بن داود عن الصادق عليه السلام أن عقبة بن أبي عقبة مات فحضر جنازته علي عليه السلام وجماعة من أصحابه وفيهم عمر، فقال علي عليه السلام لرجل كان حاضرا:
إن عقبة لما توفي حرمت امرأتك، فاحذر أن تقربها، فقال عمر: كل قضاياك يا أبا الحسن عجيب وهذه من أعجبها، يموت الانسان فتحرم على آخر امرأته!
فقال: نعم إن هذا عبد كان لعقبة، تزوج امرأة حرة، وهي اليوم ترث بعض ميراث عقبة، فقد صار بعض زوجها رقا لها، وبضع المرأة حرام على عبدها حتى تعتقه و يتزوجها، فقال عمر: لمثل هذا نسألك عما اختلفنا فيه.
روض الجنان: عن أبي الفتوح الرازي أنه حضر عنده أربعون نسوة وسألنه عن شهوة الآدمي، فقال: للرجل واحد وللمرأة تسعة، فقلن: ما بال الرجال لهم دوام ومتعة وسراري بجزء من تسعة ولا يجوز لهن إلا زوج واحد مع تسعة أجزاء فافحم، فرفع ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فأمر أن تأتي كل واحدة منهن بقارورة من ماء، وأمرهن بصبها في إجانة، ثم أمر كل واحدة منهن تغرف ماءها، فقلن: لا يتميز ماؤنا، فأشار عليه السلام إلى أن لا يفرقن بين الأولاد، ويبطل النسب والميراث. وفي رواية يحيى بن عقيل أن عمر قال: لا أبقاني الله بعدك يا علي.
وجاءت امرأة إليه فقالت:
ما ترى أصلحك الله * وأثرى لك أهلا في فتاة ذات بعل * أصبحت تطلب بعلا بعد إذن من أبيها * أترى ذاك حلالا؟ فأنكر ذلك السامعون، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أحضريني بعلك، فأحضرته فأمره بطلاقها ففعل، ولم يحتج لنفسه بشئ، فقال عليه السلام: إنه عنين، فأقر الرجل بذلك فأنكحها رجلا من غير أن تقضي عدة.
أبو بكر الخوارزمي:
إذا عجز الرجال عن الايقاع * فتطليق الرجال إلى النساء الرضا عليه السلام: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في امرأة محصنة فجربها غلام صغير، فأمر عمر أن ترجم، فقال عليه السلام: لا يجب الرجم إنما يجب الحد، لان الذي فجربها ليس بمدرك.
وأمر عمر برجل بمنى محصن فجر بالمدينة أن يرجم، فقال أمير المؤمنين عليه السلام:
لا يجب عليه الرجم، لأنه غائب عن أهله وأهله في بلد آخر، إنما يجب عليه الحد، فقال عمر: لا أبقاني الله لمعضلة لم يكن لها أبو الحسن.
عمرو بن شعيب والأعمش وأبو الضحى والقاضي أبو يوسف عن مسروق: اتي عمر بامرأة نكحت في عدتها، ففرق بينهما وجعل صداقها في بيت المال، وقال:
لا أجبر مهرا رد نكاحه، وقال: لا يجتمعان أبدا، فبلغ عليا عليه السلام فقال: و إن كانوا جهلوا السنة، لها المهر بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما، فإذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب. فخطب عمر الناس فقال: ردوا الجهالات إلى السنة ورجع عمر إلى قول علي عليه السلام. بيان، إنما ذكر ذلك مع مخالفته لمذاهب الشيعة في كونه خاطبا من الخطاب لبيان اعترافهم بكونه عليه السلام أعلم منهم.
7 - مناقب ابن شهرآشوب: ومن ذلك ذكر الجاحظ عن النظام في كتاب الفتيا ما ذكر عمر بن داود عن الصادق عليه السلام قال: كان لفاطمة عليهما السلام جارية يقال لها فضة، فصارت من بعدها لعلي عليه السلام، فزوجها من أبي ثعلبة الحبشي، فأولدها ابنا، ثم مات عنها أبو ثعلبة. وتزوجها من بعده أبو مليك الغطفاني، ثم توفي ابنها من أبي ثعلبة فامتنعت من أبي مليك أن يقربها، فاشتكاها إلى عمر وذلك في أيامه، فقال لها عمر:
ما يشتكي منك أبو مليك يا فضة، فقالت: أنت تحكم في ذلك وما يخفى عليك، قال عمر: ما أجدلك رخصة، قالت يا أبا حفص ذهب بك المذاهب، إن ابني من غيره مات فأردت أن أستبرئ نفسي بحيضة، فإذا أنا حضت علمت أن ابني مات ولا أخ له وإن كنت حاملا كان الولد في بطني أخوه، فقال عمر: شعرة من آل أبي طالب أفقه
من عدي! بيان: يحتمل أن يكون الامتناع لوجه آخر، وإنما الزم عمر بذلك لقوله بالعصبة، أو لئلا يأخذ عمر منه بقية المال لقوله بالعصبة، ولا يضر كونه أخا الميت لامه، لأنهم يورثون الاخوة وإن كانوا للام مع الام، قال ابن حزم من علماء العامة في كتاب المحلى بعد نفي العول جوابا عما الزم عليه من التناقض فيما إذا خلف الميت زوجا واما وأختين لام قال: فللزوج النصف بالقرآن، وللأم الثلث بالقرآن، فلم يبق إلا السدس، فليس للاخوة للام غيره، انتهى، ويحتمل أن يكون لها ولد آخر، وإنما احتاطت لئلا يتوهم وجود الأخوين، فيحجبانها عن الثلث إلى السدس، وهذا أيضا مبني على عدم اشتراط وجود الأب في الحجب ولا انفصالهما ولا كونهما لأب، وكل ذلك موافق للمشهور بينهم، وكل ذلك جار فيما سيأتي من خبر ابن عباس.
8 - مناقب ابن شهرآشوب: الأصبغ بن نباتة أن عمر حكم على خمسة نفر في زنا بالرجم فخطأه أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك، وقدم واحدا فضرب عنقه، وقدم الثاني فرجمه وقدم الثالث فضربه الحد، وقدم الرابع فضربه نصف الحد خمسين جلدة، وقدم الخامس فعزره، فقال عمر: كيف ذلك؟ فقال عليه السلام: أما الأول فكان ذميا زنى بمسلمة فخرج عن ذمته، وأما الثاني فرجل محصن زنى فرجمناه، وأما الثالث فغير محصن فضربناه الحد، وأما الرابع فعبد زنى فضربناه نصف الحد، وأما الخامس فمغلوب على عقله مجنون فعزرناه، فقال عمر: لا عشت في أمة لست فيها يا أبا الحسن. الكافي: علي بن إبراهيم مرفوعا مثله. 9 - مناقب ابن شهرآشوب: المنهال، عن عبد الرحمن بن عائد الأزدي قال: اتي عمر بن الخطاب بسارق فقطعه، ثم اتي به الثانية فقطعه، ثم اتي به الثالثة فأراد قطعه! فقال علي
عليه السلام لا تفعل قد قطعت يده ورجله، ولكن احبسه.
إحياء علوم الدين عن الغزالي أن عمر قبل الحجر ثم قال: إني لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع! ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبلك لما قبلتك، فقال علي عليه السلام بل هو يضر وينفع، فقال: وكيف؟ قال: إن الله تعالى لما أخذ الميثاق على الذرية كتب الله عليهم كتابا، ثم ألقمه هذا الحجر، فهو يشهد للمؤمن بالوفاء ويشهد على الكافر بالجحود. قيل: فذلك قول الناس عند الاستلام: اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك، هذا ما رواه أبو سعيد الخدري، وفي رواية شعبة عن قتادة عن أنس فقال له علي عليه السلام: لا تقل ذلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله ما فعل فعلا ولا سن سنة إلا عن أمر الله نزل على حكمة وذكر باقي الحديث.
فضائل العشرة أنه اتي عمر بابن أسود انتفى منه أبوه، فأراد عمر أن يعزره فقال علي عليه السلام للرجل: هل جامعت أمه في حيضها؟ قال: نعم، قال: فلذلك سوده الله، فقال عمر: لولا علي لهلك عمر. وفي رواية الكلبي، قال أمير المؤمنين عليه السلام:
فانطلقا فإنه ابنكما، وإنما غلب الدم النطفة، الخبر.
القاضي النعمان في شرح الاخبار عن عمر بن حماد القتاد بإسناده عن أنس قال:
كنت مع عمر بمنى إذ أقبل أعرابي ومعه ظهر، فقال لي عمر: سله هل يبيع الظهر، فقمت إليه فسألته فقال: نعم، فقام إليه فاشترى منه أربعة عشر بعيرا، ثم قال: يا أنس ألحق هذا الظهر، فقال الاعرابي، جردها من أحلاسها وأقتابها، فقال عمر:
إنما اشتريتها بأحلاسها وأقتابها! فاستحكما عليا عليه السلام فقال: كنت اشترطت
عليه أقتابها وأحلاسها، فقال عمر: لا، قال: فجردها له فإنما لك الإبل، فقال عمر: يا أنس جردها وادفع أقتابها وأحلاسها إلى الاعرابي وألحقها بالظهر، ففعلت وفيه عن يزيد بن أبي خالد بإسناده إلى طلحة بن عبد الله قال: اتي عمر بمال فقسمه بين المسلمين، ففضلت منه فضلة، فاستشار فيها من حضره من السحابة فقالوا: خذها لنفسك، فإنك إن قسمتها لم يصب كل رجل منها إلا ما لا يلتفت إليه، فقال علي عليه السلام اقسمها أصابهم من ذلك ما أصابهم، فالقليل في ذلك والكثير سواء، ثم التفت إلى علي عليه السلام فقال: ويد لك مع أياد لم أجزك بها.
وفيه: قال أبو عثمان النهدي: جاء رجل إلى عمر فقال: إني طلقت امرأتي في الشرك تطليقة وفي الاسلام تطليقين، فما ترى؟ فسكت عمر، فقال له الرجل:
ما تقول؟ قال: كما أنت حتى يجيئ علي بن أبي طالب فجاء علي عليه السلام فقال:
قص عليه قصتك، فقص عليه القصة، فقال علي عليه السلام: هدم الاسلام ما كان قبله هي عندك على واحدة. بيان: قوله: " ويد لك مع أياد " أي هذه نعمة من نعمك الكثيرة التي لا أستطيع أن أجزيك بها وأشكرك عليها.
10 - مناقب ابن شهرآشوب: أبو القاسم الكوفي والقاضي النعمان في كتابيهما قالا: رفع إلى عمر أن عبدا قتل مولاه، فأمر بقتله، فدعاه علي عليه السلام فقال له: أقتلت مولاك؟ قال:
نعم، قال: فلم قتلته؟ قال: غلبني على نفسي وأتاني في ذاتي، فقال لأولياء المقتول:
أدفنتم وليكم؟ قالوا: نعم، قال: ومتى دفنتموه؟ قالوا: الساعة، قال لعمر: احبس هذا الغلام فلا تحدث فيه حدثا حتى تمر ثلاثة أيام، ثم قل لأولياء المقتول:
إذا مضت ثلاثة أيام فاحضرونا، فلما مضت ثلاثة أيام حضروا، فأخذ علي عليه السلام بيد عمر وخرجوا، ثم وقف على قبر الرجل المقتول، فقال علي عليه السلام لأوليائه:
هذا قبر صاحبكم؟ قالوا: نعم، قال: احفروا، فحفروا حتى انتهوا إلى اللحد
فقال عليه السلام: أخرجوا ميتكم، فنظروا إلى أكفانه في اللحد ولم يجدوه، فأخبروه بذلك، فقال علي عليه السلام الله أكبر الله أكبر والله ما كذبت ولا كذبت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من يعمل من أمتي عمل قوم لوط ثم يموت على ذلك فهو مؤجل إلى أن يوضع في لحده، فإذا وضع فيه لم يمكث أكثر من ثلاث حتى تقذفه الأرض إلى جملة قوم لوط المهلكين، فيحشر معهم.
وذكر فيهما عمر بن حماد بإسناده عن عبادة بن الصامت قال: قدم قوم من الشام حجاجا فأصابوا ادحي نعامة فيه خمس بيضات وهم محرمون، فشووهن وأكلوهن ثم قالوا: ما أرانا إلا وقد أخطأنا وأصبنا الصيد ونحن محرمون، فأتوا المدينة و قصوا على عمر القصة، فقال: انظروا إلى قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فاسألوهم عن ذلك ليحكموا فيه، فسألوا جماعة من الصحابة فاختلفوا في الحكم في ذلك، فقال عمر: إذا اختلفتم فههنا رجل كنا أمرنا إذا اختلفنا في شئ فيحكم فيه، فأرسل إلى امرأة يقال لها عطية فاستعار منها أتانا فركبها وانطلق بالقوم معه حتى أتى عليا وهو بينبع، فخرج إليه علي عليه السلام فتلقاه، ثم قال له: هلا أرسلت إلينا فنأتيك؟ فقال عمر: الحكم يؤتى في بيته، فقص عليه القوم، فقال علي عليه السلام لعمر:
مرهم فليعمدوا إلى خمس قلائص من الإبل فليطرقوها للفحل، فإذا أنتجت أهدوا ما نتج منها جزاء عما أصابوا، فقال عمر: يا أبا الحسن إن الناقة قد تجهض فقال علي عليه السلام: وكذلك البيضة قد تمرق، فقال عمر: فلهذا أمرنا أن نسألك. بيان: قال الجوهري: مدحي النعامة: موضع بيضها، وادحيها موضعها الذي تفرخ فيه، وهو افعول من دحوت، لأنها تدحوه برجلها ثم تبيض فيه.
وأجهضت الناقة أي أسقطت. ومرقت البيضة أي فسدت. [وقال الميداني في مجمع الأمثال وشارح اللباب وغيرهما: في المثل السائر " في بيته يؤتى الحكم " هذا ما زعمت العرب عن ألسن البهائم، قال: إن الأرنب التقطت تمرة، فاختلسها الثعلب فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضب فقالت الأرنب: يا أبا الحسل فقال:
سميعا دعوت، قالت: أتيناك لنختصم إليك، قال: عادلا حكمتما، قالت: فاخرج إلينا، قال: في بيته يؤتى الحكم، قالت: وجدت تمرة قال: حلوة فكليها، قالت:
فاختلسها الثعلب، قال: لنفسه بغي الخير، قالت: فلطمته قال: بحقك أخذت قالت: فلطمني، قال: حر انتصر، قالت، فاقض بيننا، قال: حدث حدثين امرأة فإن أبت فأربعة! فذهبت أقواله كلها أمثالا، انتهى. (4)] 11 - مناقب ابن شهرآشوب: وروي من اختلافهم في امرأة المفقود فذكروا أن عليا عليه السلام حكم بأنها لا تتزوج حتى يجيئ نعي موته، وقال هي امرأة ابتليت فلتصبر، و قال عمر: تتربص أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها ثم تتربص أربعة أشهر وعشرا ثم رجع إلى قول علي عليه السلام. بيان: هذا مخالف للمشهور بيننا، وإنما ذكره لاعترافهم برجوع الخلفاء إلى قوله عليه السلام.
12 - مناقب ابن شهرآشوب: وكان الهيثم في جيش، فلما جاء جاءت امرأته بعد قدومه بستة أشهر بولد، فأنكر ذلك منها، وجاء به عمر وقص عليه، فأمر برجمها، فأدركها
علي عليه السلام من قبل أن ترجم، ثم قال لعمر: أربع على نفسك إنها صدقت إن الله تعالى يقول: " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " وقال: " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " فالحمل والرضاع ثلاثون شهرا، فقال عمر: لولا علي لهلك عمر، وخلى سبيلها وألحق الولد بالرجل.
شرح ذلك: أقل الحمل أربعون يوما، وهو زمن انعقاد النطفة، وأقله لخروج الولد حيا ستة أشهر، وذلك لان النطفة تبقى في الرحم أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما، ثم تتصور في أربعين يوما، وتلجها الروح في عشرين يوما، فذلك ستة أشهر، فيكون الفطام في أربعة وعشرين شهرا فيكون الحمل في ستة أشهر.
وروى شريك وغيره أن عمر أراد بيع أهل السواد، فقال له علي عليه السلام: إن هذا مال أصبتم ولن تصيبوا مثله، وإن بعتم فبقي من يدخل في الاسلام لا شئ له قال: فما أصنع؟ قال: دعهم شوكة للمسلمين، فتركهم على أنهم عبيد، ثم قال علي عليه السلام: فمن أسلم منهم فنصيبي منه حر.
أحمد بن عامر بن سليمان الطائي عن الرضا عليه السلام في خبر أنه أقر رجل بقتل ابن رجل من الأنصار، فدفعه عمر إليه ليقتله به، فضربه ضربتين بالسيف حتى ظن أنه هلك، فحمل إلى منزله وبه رمق، فبرئ الجرح بعد ستة أشهر، فلقيه الأب و جره إلى عمر فدفعه إليه عمر، فاستغاث الرجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال لعمر:
ما هذا الذي حكمت به على هذا الرجل؟ فقال: " النفس بالنفس " قال: ألم يقتله مرة؟ قال: قد قتله ثم عاش، قال: فيقتل مرتين؟ فبهت، ثم قال: فاقض ما أنت قاض، فخرج عليه السلام فقال للأب: ألم تقتله مرة قال: بلى، فيبطل دم ابني؟ قال: لا ولكن
الحكم أن تدفع إليه فيقتص منك مثل ما صنعت به ثم تقتله بدم ابنك، قال: هو والله الموت، ولا بد منه؟ قال: لابد أن يأخذ بحقه، قال: فإني قد صفحت عن دم ابني ويصفح لي عن القصاص، فكتب بينهما كتابا بالبراءة، فرفع عمر يده إلى السماء وقال: الحمد لله أنتم أهل بيت الرحمة يا أبا الحسن، ثم قال: لولا علي لهلك عمر.
بيان: هذا هو المشهور، وفيه قول آخر وسيأتي الكلام فيه.
13 - مناقب ابن شهرآشوب: قيس بن الربيع، عن جابر الجعفي، عن تميم بن خرام الأسدي أنه رفع إلى عمر منازعة جاريتين تنازعتا في ابن وبنت، فقال: أين أبو الحسن مفرج الكرب؟ فدعي له به، فقص عليه القصة، فدعا بقارورتين فوزنهما، ثم أمر كل واحدة فحلبت في قارورة ووزن القارورتين، فرجحت إحداهما على الأخرى، فقال: الابن للتي لبنها أرجح والبنت للتي لبنها أخف، فقال عمر: من أين قلت ذلك يا أبا الحسن؟ فقال: لان الله جعل للذكر مثل حظ الأنثيين. وقد جعلت الأطباء ذلك أساسا في الاستدلال على الذكر والأنثى.
تهذيب الأحكام زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها فلا ينزل؟ فقالت الأنصار :
الماء من الماء، وقال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال عليه السلام: أتوجبون عليه الرجم والحد ولا توجبون عليه صاعا من ماء؟ إذا التقى الختانان وجب عليه الغسل.
أبو المحاسن الروياني في الاحكام أنه ولد في زمانه مولدان ملتصقان، أحدهما حي والآخر ميت، فقال عمر: يفصل بينهما بحديد، فأمر أمير المؤمنين عليه السلام أن يدفن الميت ويرضع الحي، ففعل ذلك فتميز الحي من الميت بعد أيام.
وهم عمر أن يأخذ حلي الكعبة، فقال علي عليه السلام: إن القرآن انزل على النبي صلى الله عليه وآله والأموال أربعة: أموال المسلمين فقسموها بين الورثة في الفرائض، والفئ فقسمه على مستحقه، والخمس فوضعه الله حيث وضعه، والصدقات فجعلها الله حيث جعلها، وكان حلي الكعبة يومئذ فتركه على حاله، ولم يتركه نسيانا ولم يخف عليه مكانه، فأقره حيث أقره الله ورسوله، فقال عمر: لولاك لافتضحنا وترك الحلي بمكانه.
الواحدي في البسيط وابن مهدي في نزهة الابصار بالاسناد عن ابن جبير قال: لما انهزم اسفيذهميار قال عمر: ما هم بيهود ولا نصارى، ولا لهم كتاب، وكانوا مجوسا، فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: بلى كان لهم كتاب ولكنه رفع، وذلك أن ملكا لهم سكر فوقع على ابنته - أو قال: على أخته - فلما أفاق قال: كيف الخروج منها؟ قال: تجمع أهل مملكتك فتخبرهم أنك ترى ذلك حلالا وتأمرهم أن يحلوه، فجمعهم وأخبرهم أن يتابعوه فأبوا أن يتابعوه فخد لهم خدودا في الأرض وأوقد فيها النيران، وعرضهم عليها، فمن أبى قبول ذلك قذفه في النار ومن أجاب خلى سبيله.
وروى جابر؟ بن يزيد وعمر بن أوس وابن مسعود - واللفظ له أن عمر قال:
لا أدري ما أصنع بالمجوس أين عبد الله بن عباس؟ قالوا: ها هو ذا، فجاء فقال: ما سمعت عليا يقول في المجوس؟ فإن كنت لم تسمعه فاسأله عن ذلك، فمضى ابن عباس إلى علي عليه السلام فسأله عن ذلك فقال: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون " ثم أفتاه.
الخطيب في الأربعين قال ابن عباس كنا في جنازة، فقال علي عليه السلام لزوج أم الغلام: أمسك عن امرأتك، فقال له عمر: ولم يمسك عن امرأته؟ أخرج مما جئت به؟ قال: نعم نريد أن تستبرئ رحمهما، فلا يلقى فيها شئ فيستوجب
به الميراث من أخيه ولا ميراث له، فقال عمر: أعوذ بالله من معضلة لا علي لها.
وفي أربعين الخطيب قال ابن سيرين: إن عمر سأل الناس وقال: كم يتزوج المملوك؟ وقال لعلي عليه السلام: إياك أعني يا صاحب المغافري - رداء كان عليه - فقال عليه السلام: ثنتين.
وفي غريب الحديث عن أبي عبيد أيضا قال أبو صبرة: جاء رجلان إلى عمر فقالا له: ما ترى في طلاق الأمة؟ فقام إلى حلقة فيها رجل أصلع فسأله، فقال:
اثنتان، فالتفت إليهما فقال: اثنتان، فقال له أحدهما: جئناك وأنت أمير المؤمنين فسألناك عن طلاق الأمة فجئت إلى رجل فسألته فوالله ما كلمك؟ فقال له عمر:
ويلك أتدري من هذا؟ هذا علي بن أبي طالب عليه السلام سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:
لو أن السماوات والأرض وضعت في كفة ووضع إيمان علي عليه السلام في كفة لرجح إيمان علي عليه السلام. ورواه مصقلة بن عبد الله.
العبدي:
إنا روينا في الحديث خبرا * يعرفه سائر من كان روى إن ابن خطاب أتاه رجل * فقال: كم عدة تطليق الإما؟
فقال: يا حيدر كم تطليقة * للأمة أذكره فأومى المرتضى بإصبعيه فثنى الوجه إلى * سائله قال: اثنتان وانثنى قال له: تعرف هذا؟ قال: لا * قال له: هذا علي ذو العلا وأما ما وقع من قضاياه عليه السلام في عهد عثمان ففي كشاف الثعلبي وأربعين الخطيب وموطأ مالك بأسانيدهم عن نعجة بن بدر الجهني أنه اتي بامرأة قد
ولدت لستة أشهر، فهم برجمها، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك، إن الله تعالى يقول: " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " ثم قال:
" والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين أراد أن يتم الرضاعة " فحولان مدة الرضاع وستة أشهر مدة الحمل، فقال عثمان: ردوها، ثم قال: ما عند عثمان بعد أن بعث إليها ترد.
سفيان بن عيينة بإسناده عن محمد بن يحيى قال: كان لرجل امرأتان: امرأة من الأنصار وامرأة من بني هاشم، فطلق الأنصارية ثم مات بعد مدة، فذكرت الأنصارية التي طلقها أنها في عدتها، وقامت عند عثمان البينة بميراثها منه، فلم يدر ما يحكم به، وردهم إلى علي عليه السلام فقال: تحلف أنها لم تحض بعد أن طلقها ثلاث حيض وترثه، فقال عثمان: للهاشمية هذا قضاء ابن عمك، قالت: قد رضيته فلتحلف و ترث، فتحرجت الأنصارية من اليمين وتركت الميراث.
مسند أحمد وأبي يعلى: روى عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي أنه اصطاد أهل الماء حجلا فطبخوه، وقدموا إلى عثمان وأصحابه فأمسكوا، فقال عثمان:
صيد لم نصده ولم نأمر بصيده، اصطاده قوم حل فأطعموناه فما به بأس، فقال رجل:
إن عليا يكره هذا، فبعث إلى علي عليه السلام فجاء وهو غضبان ملطخ يديه بالخبط،
فقال له: إنك لكثير الخلاف علينا، فقال عليه السلام: اذكروا الله من شهد النبي صلى الله عليه وآله أتى بعجز حمار وحشي وهو محرم فقال: إنا محرمون فأطعموه أهل الحل، فشهد اثنا عشر رجلا من الصحابة، ثم قال: اذكروا الله رجلا شهد النبي صلى الله عليه وآله اتي بخمس بيضات من بيض النعام فقال: إنا محرمون فأطعموه أهل الحل، فشهد اثنا عشر رجلا من الصحابة، فقام عثمان ودخل فسطاطه وترك الطعام على أهل الماء.
بيان: الخبط محركة، ورق ينفض بالمخابط ويجفف ويطحن ويخلط بدقيق أو غيره، ويوجف بالماء فتوجره الإبل.
14 - مناقب ابن شهرآشوب: ابن مهدي في نزهة الابصار والزمخشري في المستقصى عن ابن سيرين وشريح القاضي أن أمير المؤمنين عليه السلام رأى شابا يبكى، فسأل عليه السلام عنه فقال: إن أبي سافر مع هؤلاء فلم يرجع حين رجعوا وكان ذا مال عظيم، فرفعتهم إلى شريح فحكم علي، فقال عليه السلام متمثلا:
أوردها سعد وسعد مشتمل * يا سعد ما تروى على هذا الإبل ثم قال: إن أهون السقي التشريع، أي كان ينبغي لشريح أن يستقصي في الاستكشاف عن خبر الرجل ولا يقتصر على طلب البينة.
[بيان: قوله عليه السلام أوردها سعد، مثل سائر ضربه صلوات الله عليه لبيان أن شريحا لا يأتي منه القضاء ولا يحسنه، والاشتمال والشمال ككتاب: شئ كمخلاة يغطى بها ضرع الشاة إذا أثقلت، وشملها يشملها على الشمال وشدة والإبل: إحضارها الماء للشرب.
وقال الميداني في مجمع الأمثال في شرح هذا البيت: هذا سعد بن زيد بن مناة أخو مالك بن زيد، ومالك هذا من سبط تميم ابن مر، وكان يحمق إلا أنه كان
آبل أهل زمانه، ثم إنه تزوج وبنى بامرأته، فأورد الإبل أخوه سعد ولم يحسن القيام عليها والرفق بها، فقال مالك:
أوردها سعد وسعد مشتمل * ما هكذا تورد يا سعد الإبل ويروى " يا سعد لا تروى بها ذاك الإبل " فقال سعد مجيبا له:
تظل يوم وردها مزعفرا * وهي خناطيل تجوس الخضرا قالوا: يضرب لمن أدرك المراد بلا تعب، والصواب أن يقال يضرب لمن قصر في طلب الامر، انتهى كلامه. يقال: فلان آبل الناس أي أعلمهم برعي الإبل. والمزعفر: المصبوغ بالزعفران والأسد والخناطيل: قطعان البقر. والجوس: الطلب، أي تصير يوم ورودها على الماء كالأسد أو كجماعة البقر تطلب الخضر في المراعي لقوتها، وقيل إن سعدا أورد الإبل الماء للسقي من دون احتياط منه في إيرادها الماء حتى تزاحمت، و نزع منها ما علق عليها الذي يقال له الشمال، فقوله: " سعد مشتمل " إشارة إلى هذا كما أومأنا إليه سابقا.
قوله: " إن أهون السقي التشريع " قال الجزري: أشرع ناقته: أدخلها في شريعة الماء، ومنه حديث علي عليه السلام " إن أهون السقي التشريع " هو إيراد أصحاب الإبل إبلهم شريعة لا يحتاج معها إلى الاستقاء من البئر، وقيل: معناه إن سقي الإبل هو أن تورد شريعة الماء أولا ثم يستقى لها، يقول: فإذا اقتصر على أن
يوصلها إلى الشريعة فيتركها ولا يستقي لها فإن هذا أهون السقي وأسهله.
مقدور عليه لكل أحد، وإنما السقي التام أن ترويها، انتهى.
وقال الميداني: أهون، هنا من الهون والهوينا بمعنى السهولة، والتشريع أن تورد الإبل ماء لا يحتاج إلى متحه بل تشرع فيه الإبل شروعا، يضرب لمن يأخذ الامر بالهوينا ولا يستقصي، يقال: فقد رجل فاتهم أهله أصحابه، فرفع إلى شريح فسألهم البينة في قتله، فارتفعوا إلى علي عليه السلام وأخبروه بقول شريح فقال علي عليه السلام:
أوردها سعد وسعد مشتمل * يا سعد لا تروى على هذا الإبل ثم قال: أهون السقي التشريع، ثم فرق بينهم وسألهم فاختلفوا، ثم أقروا بقتله، انتهى.] 15 - مناقب ابن شهرآشوب: أبو عبيد في غريب الحديث أن امرأة جاءته فذكرت أن زوجها يأتي جاريتها، فقال عليه السلام: إن كنت صادقة رجمناه وإن كنت كاذبة جلدناك، فقالت:
ردوني إلى أهلي - غيري نغرة - إن معناه: جوفها يغلي من الغيظ والغيرة.
بيان: روى في النهاية هذا الخبر ثم قال: " غيري " هو فعلى من الغيرة. وقال:
نغرة أي مغتاظة تغلي جوفي غليان القدر، يقال: نغرت القدر تنغر إذا غلت.
16 - مناقب ابن شهرآشوب: وروي أن ابن مسعود قال فيمن غشي جارية امرأته: لا حد عليه فقال عليه السلام: أبا عبد الرحمن إنما كان هذا قبل أن تنزل الحدود. 17 - مناقب ابن شهرآشوب: الأصبغ أوصى رجل ودفع إلى الوصي عشرة آلاف درهم، قال:
إذا أدرك ابني فأعطه ما أحببت منها، فلما أدرك استعدى عليه أمير المؤمنين عليه السلام قال له: كم تحب أن تعطيه؟ قال: ألف درهم، قال: أعطه تسعة آلاف درهم فهي التي أحببت وخذ الألف.
بيان: لعله علم أن هذا مراد الموصي.
18 - أمالي الصدوق: أبي، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن نوح ابن شعيب، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن علقمة، عن الصادق جعفر ابن محمد عليهما السلام قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله فادعى عليه سبعين درهما ثمن ناقة فقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا أعرابي ألم تستوف مني ذلك؟ فقال: لا، فقال النبي: إني قد أوفيتك قال الاعرابي: قد رضيت برجل يحكم بيني وبينك، فقام النبي صلى الله عليه وآله معه فتحاكما إلى رجل من قريش، فقال الرجل للاعرابي: ما تدعي على رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول الله؟ فقال: قد أوفيته فقال القرشي: قد أقررت له يا رسول الله بحقه، فإما أن تقيم شاهدين يشهدان بأنك قد أوفيته وإما أن توفيه السبعين التي يدعيها عليك، فقام النبي صلى الله عليه وآله مغضبا يجر رداءه وقال: والله لأقصدن من يحكم بيننا بحكم الله تعالى ذكره، فتحاكم معه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال للاعرابي: ما تدعي على رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه، قال: ما تقول يا رسول الله قال: قد أوفيته، قال: يا أعرابي إن رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: قد أوفيتك فهل صدق فقال: لاما أو فاني، فأخرج أمير المؤمنين عليه السلام سيفه من غمده وضرب عنق الاعرابي
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي لم قتلت الاعرابي؟ قال: لأنه كذبك يا رسول الله ومن كذبك فقد حل دمه ووجب قتله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي والذي بعثني بالحق ما أخطأت حكم الله تبارك وتعالى فيه، ولا تعد إلى مثلها. 19 - أمالي الطوسي: المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن عبيد بن حمدون، عن الحسن بن طريف قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: لا تجد عليا يقضي بقضاء إلا وجدت له أصلا في السنة، قال: وكان علي عليه السلام يقول لو اختصم إلي رجلان فقضيت بينهما ثم مكثا أحوالا كثيرة ثم أتياني في ذلك الامر لقضيت بينهما قضاء واحدا، لان القضاء لا يحول ولا يزول. 20 - الخرائج: روي أن تسعة إخوة أو عشرة في حي من أحياء العرب كانت لهم أخت واحدة، فقالوا لها: كل ما يرزقنا الله نطرحه بين يديك فلا ترغبي في التزويج فحميتنا لا تحمل ذلك، فوافقتهم في ذلك ورضيت به وقعدت في خدمتهم، وهم يكرمونها فحاضت يوما، فلما طهرت أرادت الاغتسال وخرجت إلى عين ماء كان بقرب حيهم فخرجت من الماء علقمة فدخلت في جوفها وقد جلست في الماء، فمضت عليها الأيام والعلقة تكبر حتى علت بطنها، وظن الاخوة أنها حبلى وقد خانت، فأرادوا قتلها فقال بعضهم: نرفع أمرها إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فإنه يتولى ذلك فأخرجوها إلى حضرته وقالوا فيها ما ظنوا بها، فاستحضر عليه السلام طشتا مملوءا بالحماة وأمرها أن تقعد عليه، فلما أحست العلقة برائحة الحماة نزلت من جوفها، فقالوا: يا علي أنت ربنا العلي فإنك تعلم الغيب! فزبرهم وقال:
إن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرنا بذلك عن الله بأن هذه الحادثة تقع في هذا اليوم في هذا.
الشهر في هذه الساعة. 21 - الإرشاد: فأما الاخبار التي جاءت بالباهرة من قضاياه في السنن وأحكامه التي افتقر إليه في علمها كافة المؤمنين بعد الذي أثبتناه من جملة، الوارد في تقدمه في العلم وتبريزه على الجماعة بالمعرفة والفهم وفزع علماء الصحابة إليه فيما أعضل من ذلك والتجائهم إليه فيه وتسليمهم له القضاء به فهي أكثر من أن تحصى وأجل من أن تتعاطى، وأنا مورد منها جملة تدل على ما بعدها إن شاء الله، فمن ذلك ما رواه نقلة الآثار من العامة والخاصة في قضاياه ورسول الله صلى الله عليه وآله حي، فصوبه فيها و حكم له بالحق فيما قضى به، ودعا له بخير، وأثنى عليه وأبانه بالفضل في ذلك من الكافة، ودل به على استحقاقه الامر من بعده، ووجوب تقدمه على من سواه في مقام الإمامة، كما تضمن ذلك التنزيل فيما دل على معناه، وعرف به ما حواه من التأويل، حيث يقول الله عز وجل " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون " وقوله: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) وقوله عز وجل في قصة آدم وقد قالت الملائكة: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون
وما كنتم تكتمون) فنبه الله جل جلاله الملائكة على أن آدم أحق بالخلافة منهم، لأنه أعلم منهم بالأسماء وأفضلهم في علم الانباء، وقال تقدست أسماؤه في قصة طالوت: " وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم " فجعل جهة حقه في التقدم عليهم ما زاده الله من البسطة في العلم والجسم، واصطفاه إياه على كافتهم بذلك، وكانت هذه الآيات موافقة لدلائل العقول في أن الأعلم هو أحق بالتقدم في محل الإمامة ممن لا يساويه في العلم، وذلك يدل على وجوب تقدم أمير المؤمنين عليه السلام على كافة المسلمين في خلافة الرسول وإمامة الأمة، لتقدمه عليه السلام في العلم والحكمة وقصورهم عن منزلته في ذلك.
فمما جاءت به الرواية في قضاياه والنبي صلى الله عليه وآله حي موجود أنه لما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله تقليده قضاء اليمن وإنفاذه إليهم ليعلمهم الاحكام ويبين لهم الحلال من الحرام ويحكم فيهم بأحكام القرآن قال له أمير المؤمنين عليه السلام: تندبني يا رسول الله للقضاء وأنا شاب ولا علم لي بكل القضاء؟ فقال له: ادن مني، فدنا منه فضرب على صدره بيده وقال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه، قال أمير المؤمنين عليه السلام:
فما شككت [قط] في قضاء بين اثنين بعد ذلك المقام، ولما استقرت به الدار باليمن ونظر فيما ندبه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله من القضاء والحكم بين المسلمين رفع إليه رجلان بينهما جارية يملكان رقها على السواء، قد جهلا حظر وطئها فوطأها معا في طهر واحد على ظن منهما جواز ذلك، لقرب عهدهما بالاسلام، وقلة
معرفتهما بما تضمنته الشريعة من الاحكام، فحملت الجارية ووضعت غلاما، فاختصما إليه، فقرع على الغلام باسمهما فخرجت القرعة لأحدهما، فألحق الغلام به وألزمه نصف قيمة الولد أن لو كان عبدا لشريكه، وقال: لو علمت أنكما أقدمتما على ما فعلتما بعد الحجة عليكما بحظره، لبالغت في عقوبتكما، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله هذه القضية فأمضاها، وأقر الحكم بها في الاسلام، وقال: الحمد لله الذي جعل فينا أهل البيت من يقضي على سنن داود عليه السلام وسبيله في القضاء، يعني به القضاء بالالهام الذي في معنى الوحي ونزول النص به أن لو نزل على التصريح.
ثم رفع إليه وهو باليمن خبر زبية حفرت للأسد فوقع فيها، فغدا الناس ينظرون إليه، فوقف على شفير الزبية رجل فزلت قدمه، فتعلق بآخر و تعلق الآخر بثالث وتعلق الثالث بالرابع، فوقعوا في الزبية، فدقهم الأسد وهلكوا جميعا فقضى عليه السلام بأن الأول فريسة الأسد وعليه ثلث الدية للثاني، وعلى الثاني ثلثا الدية للثالث، وعلى الثالث الدية الكاملة للرابع، فانتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لقد قضى أبو الحسن فيهم بقضاء الله عز وجل فوق عرشه.
ثم رفع إليه خبر جارية حملت جارية على عاتقها عبثا ولعبا، فجاءت جارية أخرى فقرصت الحاملة، فقمصت لقرصتها، فوقعت الراكبة فاندقت عنقها و
هلكت، فقضى عليه السلام على القارصة بثلث الدية، وعلى القامصة بثلثها، وأسقط الثلث الباقي لركوب الواقصة عبثا القامصة، وبلغ الخبر بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأمضاه وشهد له بالصواب.
وقضى عليه السلام في قوم وقع عليهم حائط فقتلهم، وكان في جماعتهم امرأة مملوكة وأخرى حرة، وكان للحرة ولد طفل من حر، وللجارية المملوكة ولد طفل من مملوك، ولم يعرف الطفل الحر من الطفل المملوك، فقرع بينهما وحكم بالحرية لمن خرج عليه سهم الحر منهما، وحكم بالرق لمن خرج عليه سهم الرق منهما ثم أعتقه وجعله مولاه، وحكم في ميراثهما بالحكم في الحر ومولاه، فأمضى رسول الله صلى الله عليه وآله هذا الحكم وصوبه حسب إمضائه ما أسلفنا ذكره ووصفناه.
وجاءت الآثار أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وآله في بقرة قتلت حمارا، فقال أحدهما: يا رسول الله بقرة هذا الرجل قتلت حماري، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اذهبا إلى أبي بكر فاسألاه عن ذلك، فجاءا إلى أبي بكر وقصا عليه قصتهما، قال: كيف تركتما رسول الله صلى الله عليه وآله وجئتماني؟ قال: هو أمرنا بذلك، فقال: بهيمة قتلت بهيمة لا شئ على ربها، فعادا إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبراه بذلك، فقال لهما: امضيا إلى عمر بن الخطاب فقصا عليه قصتكما وسلاه القضاء في ذلك، فذهبا إليه وقصا عليه قصتهما فقال لهما: كيف تركتما رسول الله صلى الله عليه وآله وجئتماني فقالا: إنه أمرنا بذلك، فقال:
كيف لم يأمر كما بالمصير إلى أبي بكر؟ قالا: إنا قد أمرنا بذلك وصرنا إليه، قال:
فما الذي قال لكما في هذه القضية؟ قالا له: كيت وكيت، قال: ما أرى إلا ما رأى أبو بكر، فصارا إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبراه الخبر، فقال: اذهبا إلى علي بن
أبي طالب عليه السلام ليقضي بينكما، فذهبا إليه فقصا عليه قصتهما، فقال: إن كانت البقرة دخلت على الحمار في مأمنه فعلى ربها قيمة الحمار لصاحبه، وإن كان الحمار دخل على البقرة في مأمنها فقتلته فلا غرم على صاحبها، فعادا إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبراه بقضيته بينهما، فقال صلى الله عليه وآله: لقد قضى علي بن أبي طالب عليه السلام بينكما بقضاء الله تعالى، ثم قال: الحمد لله الذي جعل فينا أهل البيت من يقضي على سنن داود في القضاء. وقد روى بعض العامة أن هذه القضية كانت من أمير المؤمنين عليه السلام بين الرجلين باليمن، وروى بعضهم حسب ما قدمناه. الكافي: عدة من أصحابنا، عن البرقي، عن ابن أبي نجران، عن صباح الحذاء عن رجل، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر عليه السلام مثل ما أورده أولا. 22 - الإرشاد: فصل في ذكر مختصر من قضاياه في إمارة أبي بكر، فمن ذلك ما جاء به الخبر عن رجال من العامة والخاصة أن أبا بكر سئل عن قوله تعالى: " وفاكهة وأبا * متاعا " فلم يعرف معنى الأب من القرآن، فقال: أي سماء تظلني أم أي أرض تقلني أم كيف أصنع إن قلت في كتاب الله تعالى بما لا أعلم؟! أما الفاكهة فنعرفها، وأما الأب فالله أعلم به، فبلغ أمير المؤمنين عليه السلام مقاله، وفي ذلك قال يا سبحان الله أما علم أن الأب هو الكلأ والمرعى؟ وأن قوله تعالى: " وفاكهة وأبا " اعتداد من الله تعالى بإنعامه على خلقه بما غذاهم به وخلقه لهم ولأنعامهم مما يحيا به أنفسهم وتقوم به أجسادهم؟.
وسئل أبو بكر عن الكلالة فقال: أقول فيها برأيي، فإن أصبت فمن الله و إن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فقال: ما أغناه
عن الرأي في هذا المكان، أما علم أن الكلالة هم الاخوة والأخوات من قبل الأب والام ومن قبل الأب على الانفراد ومن قبل الام أيضا على حدتها؟ قال الله عز وجل: " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك " وقال عز قائلا: " وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ".
وجاءت الرواية أن بعض أحبار اليهود جاء إلى أبي بكر فقال له: أنت خليفة نبي هذه الأمة؟ فقال له: نعم، فقال: إنا نجد في التوراة أن خلفاء الأنبياء أعلم أممهم، فأخبرني عن الله سبحانه أين هو في السماء أم في الأرض؟ فقال أبو بكر: هو في السماء على العرش، فقال اليهودي: فأرى الأرض خالية منه وأراه على هذا القول في مكان دون مكان؟! فقال له أبو بكر: هذا كلام الزنادقة، أعزب عني وإلا قتلتك، فولى الحبر متعجبا يستهزئ بالاسلام، فاستقبله أمير المؤمنين عليه السلام فقال [له]: يا يهودي قد عرفت ما سألت عنه وما أجبت به، وإنا نقول: إن الله عز وجل أين الأين فلا أين له، وجل أن يحويه مكان، وهو في كل مكان بغير مماسة ولا مجاورة، يحيط علما بما فيها، ولا يخلو شئ منها من تدبيره، وإني مخبرك بما في كتاب من كتبكم يصدق ما ذكرته لك، فإن عرفته أتؤمن به؟ قال: نعم قال: ألستم تجدون في بعض كتبكم أن موسى بن عمران عليه السلام كان ذات يوم جالسا إذ جاءه ملك من المشرق فقال له موسى: من أين أقبلت؟ قال: من عند الله عز وجل
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.