بحارالانوار · المجلد التاسع
باب 3 نسبه وأحوال والديه عليه وعليهما السلام; أقول: قد مر
ج ۳۵، ص ۱۶۳–۱۸۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۴ از ۴
أنت النبي محمد * قرم غرم مسود لمسودين أكارم * طابوا وطاب المولد نعم الأرومة أصلها * عمرو الخضم الأوحد هشم الربيكة في الجفا * ن وعيش مكة أنكد فجرت بذلك سنة * فيها الخبيزة تسرد ولنا السقاية للحجيج * بها يماث العنجد والمأزمان وما حوت * عرفاتها والمسجد أنى تضام ولم أمت * وأنا الشجاع العربد وبطاح مكة لا يرى * فيها نجيع أسود وبنو أبيك كأنهم * أسد العرين توقد ولقد عهدتك صادقا * في القول لا تتزيد ما زلت تنطق بالصواب * وأنت طفل أمرد قالوا: ومن شعره المشهور أيضا قوله يخاطب محمدا صلى الله عليه وآله ويسكن جأشه ويأمره بإظهار الدعوة:
لا يمنعنك من حق تقوم به * أيد تصول ولا سلق بأصوات فإن كفك كفي إن بليت يهم * ودون نفسك نفسي في الملمات ومن ذلك قوله ويقال إنها لطالب ابن أبي طالب:
إذا قيل: من خير هذا الورى * قبيلا وأكرمهم أسرة؟
أناف بعبد مناف أب * وفضله هاشم الغرة لقد حل مجد بني هاشم * مكان النعائم والنثرة وخير بني هاشم أحمد * رسول الاله على فترة ومن ذلك قوله:
لقد أكرم الله النبي محمدا * فأكرم خلق الله في الناس أحمد وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد وقوله أيضا وقد يروي لعلي عليه السلام:
يا شاهد الله علي فاشهد * إني على دين النبي أحمد من ضل في الدين فإني مهتدي * يا رب فاجعل في الجنان موردي قالوا: فكل هذه الاشعار قد جاءت مجئ التواتر لأنه إن لم يكن آحادها متواترة فمجموعها يدل على أمر واحد مشترك وهو تصديق محمد صلى الله عليه وآله ومجموعها متواتر، كما أن كل واحدة من قتلات علي عليه السلام الفرسان منقولة آحادا ومجموعها متواتر يفيدنا العلم الضروري بشجاعته، وكذلك القول فيما روي من سخاء حاتم وحلم أحنف ومعاوية وذكاء أياس وخلاعة أبي نواس وغير ذلك. قالوا: واتركوا هذا كله جانبا ما قولكم في القصيدة اللامية التي شهرتها كشهرة (قفا نبك)؟ وإن جاز الشك فيها أو في شئ من أبياتها جاز الشك في (قفا نبك) وفي بعض أبياتها، ونحن نذكر منها هنا قطعة وهي قوله:
أعوذ برب البيت من كل طاعن * علينا بسوء أو ملح بباطل ومن فاجر يغتابنا بمغيبة * ومن ملحق في الدين ما لم يحاول كذبتم وبيت الله نبزي محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل وننصره حتى نصرح دونه * ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وحتى ترى ذا الردع يركب ردعه * من الطعن فعل الأنكب المتحامل وينهض قوم في الحديد إليكم * نهوض الروايا من طريق جلاجل وإنا وبيت الله إن جد جدنا * لتلتبسن أسيافنا بالأماثل بكل فتى مثل الشهاب سميدع * أخي ثقة عند الحفيظة باسل وما ترك قوم لا أبالك سيدا * يحوط الذمار غير نكس موائل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل وميزان صدق لا يخيس شعيرة * ووزان صدق وزنه غير غائل ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعبأ بقول الا باطل لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد * وأحببته حب الحبيب المواصل وجدت بنفسي دونه فحميته * ودافعت عنه بالذرى والكواهل فلا زال للدنيا جمالا لأهلها * وشينا لمن عادى وزين المحافل وأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير باطل وورد في السيرة والمغازي أن عتبة بن ربيعة - أو شيبة - لما قطع رجل عبيدة
ابن الحارث بن عبد المطلب يوم بدر أشبل عليه علي وحمزة فاستنقذاه منه وخبطا عتبة بسيفهما حتى قتلاه، واحتملا صاحبهما من المعركة إلى العريش فألقياه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وأن مخ ساقه ليسيل، فقال: يا رسول الله لو كان أبو طالب حيا لعلم أنه قد صدق في قوله:
كذبتم وبيت نخلي محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل وننصره حتى نصرح حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقام رسول الله صلى الله عليه وآله واستغفر له ولأبي طاب يومئذ، وبلغ عبيدة مع النبي صلوات الله عليه وآله إلى الصفراء ومات فدفن بها.
قالوا: وقد روي أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في عام جدب فقال: أتيناك يا رسول الله ولم يبق لنا صبي يرتضع ولا شارف يجتر، ثم أنشد:
أتيناك والعذراء تدمي لبانها * وقد شغلت أم الرضيع عن الطفل وألقى بكفيه الفتى لاستكانة * من الجوع حتى ما يمر ولا يحلي ولا شئ مما يأكل الناس عندنا سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل وليس لنا إلا إليك فرارنا * وأين فرار الناس إلا إلى الرسل فقام النبي صلى الله عليه وآله يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا هنيئا مريعا سحا سجالا غدقا طبقا دائما دررا، تحيي به
الأرض وتنبت به الزرع، وتدر به الضرع، واجعله سقيا نافعة، عاجلا غير رائث، فوالله مارد رسول الله صلى الله عليه وآله يد إلى نحره حتى ألقت السماء أرواقها، وجاء الناس يضجون: الغرق الغرق يا رسول الله، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فانجاب السحاب عن المدينة حتى استدار حولها كالا كليل، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله حتى بدت نواجذه ثم قال: لله در أبي طالب لو كان حيا لقرت عينه، من ينشدنا قوله؟ فقام علي عليه السلام فقال يا رسول الله لعلك أردت: (وأبيض يستسقى الغمام بوجهه)؟ قال: أجل، فأنشده أبياتا من هذه القصيدة ورسول الله صلى الله عليه وآله يستغفر لأبي طالب على المنبر، ثم قام رجل من كنانة فأنشده:
لك الحمد والحمد ممن شكر * سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة * إليه وأشخص منه البصر فما كان إلا كما ساعة * أو اقصر حتى رأينا الدرر دفاق العزالي وجم البعاق * أغاث به الله عليا مضر فكان كما قاله عمه * أبو طالب ذو رواء غرر به يسر الله صوب الغمام * فهذا العيان وذاك الخبر فمن يشكر الله يلق المزيد * ومن يكفر الله يلق الغير فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن يكن شاعر أحسن فقد أحسنت.
قالوا: وإنما لم يظهر أبو طالب الاسلام ويجاهر به لأنه لو أظهره لم يتهيأ له من
نصرة النبي صلى الله عليه وآله ما تهيأ له، وكان كواحد من المسلمين الذين اتبعوه، نحو أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما ممن أسلم ولم يتمكن من نصرته والقيام دونه حينئذ، و إنما تمكن أبو طالب من المحاماة عنه بالثبات في الظاهر على دين قريش وإن أبطن الاسلام كما لو أن إنسانا كان يبطن التشيع مثلا وهو في بلد من بلاد الكرامية وله في ذلك البلد وجاهة وقدم وهو يظهر مذهب الكرامية ويحفظ ناموسه بينهم بذلك، وكان في ذلك البلد نفر يسير من الشيعة لا يزالون ينالون بالأذى والضرر من أهل ذلك البلد ورؤسائه فإنه ما دام قادرا على إظهار مذهب أهل البلد يكون أشد تمكنا من المدافعة والمحاماة عن أولئك النفر، فلو أظهر ما يجوز من التشيع وكاشف أهل البلد بذلك صار حكمه حكم واحد من أولئك النفر، ولحقه من الأذى والضر ما يلحقهم، ولم يتمكن من الدفاع أحيانا عنهم كما كان أولا.
ثم قال بعد كلام: فأما الصلاة وكونه لم ينقل عنه أنه صلى فيجوز أن يكون لان الصلاة لم تكن بعد قد فرضت، وإنما كانت نفلا غير واجب، فمن شاء صلى ومن شاء ترك، ولم تفرض إلا بالمدينة. انتهى كلامه.
وأقول: روى السيد فخار الأبيات اللامية بإسناده عن أبي الفرج الأصفهاني و عن الشيخ المفيد.، وقصة الاستسقاء عن عميد الرؤساء عن علي بن عبد الرحيم اللغوي عن موهوب بن أحمد الجواليقي، عن يحيى بن علي بن خطيب التبريزي، عن عبد الله ابن الزبير، عن عائشة، وسائر الأخبار بالأسانيد المعتبرة من كتب الفريقين * [ولنوضح بعض ما يحتاج إلى بيان: الضحضاح. الماء اليسير: والثدي يذكر و يؤنث، والوشيج: شجر الرماح. والتقويم: إزالة العوج، والاصلاح والسمر - بالضم - جمع أسمر وهو لون بين البياض والسواد. وفي بعض النسخ (سم) أي الثقب وكأنه
تصحيف. والعوالي: جمع العالية وهي أعلى الرمح أو رأسه أو النصف الذي يلي السنان.
(حتى تفلقوا) من التفليق وهو التشقيق، وفي بعض النسخ بالقاف من القلق وهو الانزعاج وفي بعضها بالغين المعجمة، وفي بعضها بالمهملة، وفيما سوى الأول تكلف وإن كان الأخير لا يخلو من وجه. وفي أكثر الروايات (حتى تعرفوا) بحذف إحدى التائين أي تطلبوا لتعرفوا. والحليل والحليلة: الزوج والزوجة. ويغشى - على بناء المفعول - والمحرم:
الحرام، وغشيان المحارم معروف، ويمكن أن يقرأ على بناء المعلوم و (محرم) بضم الميم و كسر الراء، فإنه يقال لمن نال حرمة: محرم، والأول أظهر. والرقش كالنقش، ورقش كلامه ترقيشا: زوره وزخرفه. والعوان - كسحاب - من الحروب التي قوتل فيها مرة.
وتستحلبوا أي تطلبوا الحلب. وأمر أي صار مرا والحلب - محركة - اللبن المحلوب.
قوله: (لعراء) بالمد أي فضاء لا ستر به، وهو كناية عن ترك النصرة. قال تعالى:
(لنبذ بالعراء) والعرا - مقصورا - الفناء والساحة. وقال الجوهري: يقال: أعراه صديقه إذا تباعد منه ولم ينصره. وفي بعض النسخ (لعزاء) بفتح العين وتشديد الزاي و هي السنة الشديدة. والسالفة: ناحية مقدم العنق من لدن معلق القرط إلى قلت الترقوة وأيدا تدت أي قويت وأحكمت. وفي بعض النسخ بالراء أي شدت. يقال: توتر العصب أي اشتد، وكلاهما بقلب الواو ألفا. وفي بعض الروايات: أبينت بالقساسية الشهب.
وفي القاموس: القساس - كغراب - معدن الحديد بأرمينية، ومنه السيوف القساسية وفي الصحاح: يقال: كتيبة شهباء لبياض الحديد، والنصل الأشهب الذي برد فذهب سواده، والشهاب شعلة من نار ساطعة والمعترك: موضع القتال والضنك الضيق. ورمح قصد - ككتف - متكسر. وفي بعض الروايات. كسر القنا، والكسرة - بالكسر - القطعة من الشئ المكسور، والجمع: كسر. والعرجاء: الضبع. والشرب جمع شارب كصحب و صاحب ويحتمل المهملة وهو القطيع من الوحش. وفي بعض الروايات: والنسور الطهم
يعكفن. وفي القاموس: المطهم: السمين والتام من كل شئ، وتطهم الطعام: كرهه، وفلان يتطهم عنا: يستوحش.
وحجرة القوم - بالفتح - ناحية دارهم، والجمع: حجرات بالتحريك، ومنه قولهم:
دع عنك نهبا صيح في حجراته. والغمغمة: أصوات الابطال في القتال كالمعمعة. والحفائظ جمع الحفيظة وهي الغضب والحمية. والكماة - بالضم - جمع الكمي وهو الشجاج المتكمي في سلاحه. والأشائم جمع الأشأم. والهذي: التكلم بغير معقول لمرض أو غيره. و القطف: قطع العنب عن الشجر، استعير لقطع الرؤوس واللحى إشارة إلى أنه في غاية السهولة. (من القوم مفضال) مبتدء وخبر، وكل منهما يحتمل كلا؟!! أو المبتدء مقدر أي هو من القوم. أبي - كفعيل - أي يمتنع من المذلة والمغلوبية ، وضمن معنى الغلبة والعلو فعدي بعلى. وسوم تسويما: جعل عليه سيمة أي علامة، وهو إشارة إلى خاتم النبوة، ولا يخفى ما في هذا البيت من اللطف. وقرع السن في الندامة مشهور. والمضيمة مصدر ميمي من الضيم وهو الظلم. والمطرد - كمنبر - رمح قصير. وسن الرمح: ركب فيه سنانه. ورهف السيف - كمنع رققه كأرهفه. والبكار - بالكسر - جمع البكرة - بالفتح - وهي الفتية من الإبل والغيل - بالكسر - الأجمة وموضع الأسد. والفنيق - كأمير - الفحل المكرم لا يؤذي لكرامته. وفي القاموس: ذببنا ليلتنا تذبيبا: أتعبنا في السير. و راكب مذبب كمحدث عجل منفرد. والنهاب - بالكسر - جمع النهب وهو الغنيمة.
والوتيرة: الذحل وهو مكافاة الجناية وطلب الثار وفي بعض النسخ بالمثلثة، جمع الوثيرة وهي السمينة الموافقة للمضاجعة، وهو بعيد. والخنفقيق - كقندفير - السريعة جدا، من النوق والظلمان، وحكاية جري الخيل، وهو مشي في اضطراب، كذا في القاموس.
وفي الصحاح: الخنفقيق: الداهية، والخفيفة من النساء السريعة الجريئة. وقال:
الصعر: الميل في الخد خاصة، وقد صعر خده وصاعره أي أماله من الكبر، قال الشاعر:
وكنا إذا الجبار صعر خده * أقمنا له من درئه فتقوما وحرضه تحريضا: حثه. والشغب: تهييج. والقرم - بالفتح - السيد. و الأرومة - بالفتح والضم - الأصل. والخضم. - بكسر الخاء وفتح الضاد وشد الميم - السيد الحمول المعطاء، والبحر والسيف القاطع. وفي القاموس: الهشم: كسر الشئ اليابس، وهاشم أبو عبد المطلب واسمه عمرو لأنه أول من ثرد الثريد وهشمه. وقال ربك الثريد: أصلحه، والربيكة: عملها. وهي أقط بتمر وسمن وربما صب عليه ماء فشرب والعنجد: ضرب من الزبيب والمأزم - ويقال المأزمان - مضيق بين جمع وعرفة، وآخر بين مكة ومنى، قاله في القاموس. وقال: العربد كقرشب - وتكسر الباء - الشديد من كل شئ، وكزبرج الحية والأرض الخشنة. وقال: النجيع من الدم ما كان إلى السواد، أو دم الجوف. والعرين - كأمير - مأوى الأسد يقال: ليث عرينة والتوقد: كناية عن شدة الغضب، والتوقد: الحدة والمضي في الامر، ويحتمل الفاء أيضا من التوفد وهو الاشراف والمستوفد: المستوفز. وفي القاموس: الجأش: رواع القلب إذا اضطرب عند الفزع ، ونفس الانسان، وقد لا يهمز. وقال: سلقه بالكلام آذاء وفلانا: طعنه. والغرة من القوم: شريفهم. والنعائم من منازل القمر. والنثرة
كوكبان بينهما قدر شبر وفيهما لطخ بياض كأنه قطعة سحاب وهي أنف الأسد. وفي الصحاح: غلام خليع بين الخلاعة - بالفتح - وهو الذي قد خلعه أهله، فإن جنى لم يطلبوا بجنايته، وبالجيم: قلة الحياء والتكلم بالفحش، والأخير أنسب والأول أشهر. ما لم يحاول - على المجهول - أي لم يقصد. وسائر الأبيات قد مر شرح بعضها و سيأتي شرح باقيها إن شاء الله.
وفي القاموس: أشبل عليه: عطف وأعانه. وقال، خبطه يخبطه: ضربه شديدا، والقوم بسيفهم: جلدهم. وقد مضى شرح لغات خبر الاستسقاء في المجلد السادس. و النواجذ - بالذال المعجمة - أقصى الأضراس.] وقال السيد المرتضى في كتاب الفصول ناقلا عن شيخه المفيد قدس سره أنه قال:
مما يدل على إيمان أبي طالب إخلاصه في الود لرسول الله صلى الله عليه وآله والنصرة له بقلبه ويده ولسانه وأمره ولديه عليا وجعفرا باتباعه، وقوله رسول الله صلى الله عليه وآله فيه عند وفاته: (وصلتك رحم وجزيت خيرا يا عم) فدعا له، وليس يجوز أن يدعو بعد الموت لكافر ولا يسأل الله عز وجل له خيرا، ثم أمره عليا عليه السلام خاصة من بين أولاده الحاضرين بتغسيله وتكفينه وتوريته دون عقيل ابنه وقد كان حاضرا، ودون طالب أيضا، ولم يكن من أولاده من قد آمن في تلك الحال إلا أمير المؤمنين عليه السلام وجعفر، وكان جعفر غائبا في بلاد الحبشة، فلم يحضر من أولاده مؤمن إلا أمير المؤمنين عليه السلام فأمره بتولي أمره دون من لم يكن على الايمان، ولو كان كافرا لما أمر ابنه المؤمن بتوليه ولكان الكافر أحق به،
مع أن الخبر قد ورد على الاستفاضة بأن جبرئيل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله عند موت أبي طالب فقال له: يا محمد إن ربك يقرؤك السلام ويقول لك: اخرج من مكة فقد مات ناصرك. وهذا يبرهن عن إيمانه لتحققه بنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله.
ويدل على ذلك قوله لعلي عليه السلام حين رآه يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله: ما هذا يا بني؟ فقال: دين دعاني إليه ابن عمي، فقال له: اتبعه فإنه لا يدعو إلا إلى خير، فاعترف بصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك حقيقة الايمان. وقوله وقد مر على أمير المؤمنين عليه السلام ثانيه وهو يصلي عن يمين رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه جعفر ابنه فقال له:
يا بني صل جناح ابن عمك، فصلى جعفر معه، وتأخر أمير المؤمنين عليه السلام حتى صار هو وجعفر خلف رسول الله صلى الله عليه وآله فجاءت الرواية بأنها أول صلاة جماعة صليت في الاسلام، ثم أنشأ أبو طالب يقول: (إن عليا وجعفرا ثقتي) الأبيات، فاعترف بنبوة النبي صلى الله عليه وآله اعترافا صريحا في قوله: (والله لا أخذل النبي) ولا فصل بين أن يصف رسول الله بالنبوة في نظمه وبين أن يقر بذلك في نثر كلامه، ويشهد عليه من حضره.
ومما يدل على ذلك أيضا قوله في قصيدته اللامية (ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب) الأبيات، فشهد بتصديق رسول الله صلى الله عليه وآله شهادة ظاهرة لا تحتمل تأويلا، ونفى عنه الكذب على كل وجه، وهذا هو حقيقة الايمان. ومنه قوله:
ألم يعلموا أن النبي محمدا * رسول أمين خط في أول الكتب وهذا إيمان لا شبهة فيه لشهادته له برسول الله صلى الله عليه وآله، وقد روى أصحاب السير أن أبا طالب رحمه الله لما حضرته الوفاة اجتمع إليه أهله فأنشأ يقول:
أوصي بنصر النبي الخير مشهده * عليا ابني وشيخ القوم عباسا وحمزة الأسد الحامي حقيقته * وجعفرا أن يذودوا دونه الناسا كونوا فدى لكم أمي وما ولدت * في نصر أحمد دون الناس أتراسا فأقر للنبي صلى الله عليه وآله بالنبوة عند الاحتضار واعترف له بالرسالة قبل مماته، وهذا يزيل الريب في إيمانه بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وآله وتصديقه له وإسلامه. ومنه قوله رحمه الله المشهور عنه بين أهل المعرفة، وأنت إذا التمسته وجدته في غير موضع من المصنفات، وقد ذكره الحسن بن بشر الآمدي في كتاب ملح القبائل:
ترجون أن نسخي بقتل محمد * ولم تختضب سن العوالي من الدم كذبتم ورب البيت حتى تفلقوا * جماجم تلقى بالحطيم وزمزم وتقطع أرحام وتنسى حليلة * حليلا ويغشى محرم بعد محرم وينهض قوم في الحديد إليكم * يذودون عن أحسابهم كل مجرم على ما أتى من بغيكم وضلالكم * وغشيانكم في أمرنا كل مأثم بظلم نبي جاء يدعو إلى الهدى * وامرأتي من عند ذي العرش مبرم فلا تحسبونا مسلميه ومثله * إذا كان في قوم فليس بمسلم فهذي معاذير مقدمة لكم * لئلا يكون الحرب قبل التقدم وهذا أيضا صريح في الاقرار بنبوة رسول الله صلى الله عليه وآله كالذي قبله على ما بيناه.
وقد قال في قصيدته اللامية ما تدل على ما وصفناه في إخلاصه في النصرة حيث يقول:
كذبتم وبيت الله نبزي محمدا * ولما نطاعن دونه ونقاتل ونسلمه حتى نصرع دونه * ونذهل عن أبنائنا والحلائل فإن تعلقوا بما يؤثر عنه من قوله لرسول الله صلى الله عليه وآله:
والله لا وصلوا إليك بجمعهم * حتى أغيب في التراب دفينا فامض لأمرك ما عليك غضاضة * أبشر بذاك وقر منك عيونا لولا المخافة أن يكون معرة * لوجدتني سمحا بذاك قمينا ودعوتني وزعمت أنك ناصح * ولقد صدقت وكنت ثم أمينا فقالوا: هذا الشعر يتضمن أنه لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله ولم يسمح له في الاسلام والاتباع خوف المعرة والتسفيه وكيف يكون مؤمنا مع ذلك؟ فإنه يقال لهم: إن أبا طالب لم يمتنع من الايمان برسول الله صلى الله عليه وآله في الباطن والاقرار بحقه من طريق الديانة: وإنما امتنع من إظهار ذلك لئلا تسفهه قريش وتذهب رئاسته، ويخرج من كان منها متبعا له عن طاعته، وينخرق هيبته عندهم، فلا يسمع له قول ولا يمتثل له أمر، فيحول ذلك بينه وبين مراده من نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله ولا يتمكن من غرضه في الذب عنه، فاستسر بالايمان وأظهر منه ما كان يمكنه إظهاره على وجه الاستصلاح، ليصل بذلك إلى بناء الاسلام وقوام الدعوة واستقامة أمر رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان في ذلك كمؤمني أهل الكهف الذين أبطنوا الايمان وأظهروا ضده للتقية والاستصلاح
فآتاهم الله أجرهم مرتين. والدليل على ما ذكرناه في أمر أبي طالب رحمه الله قوله في هذا الشعر بعينه:
ودعوتني وزعمت أنك ناصح * ولقد صدقت وكنت ثم أمينا فشهد بصدقه واعترف بنبوته وأقر بنصحه، وهذا محض الايمان على ما قدمناه.
انتهى كلامه رحمه الله وقال السيد فخار بعد إيراد الاخبار التي أوردنا بعضها: وأما ما ذكره المخالفون من أن النبي صلى الله عليه وآله كان يحب عمه أبا طالب ويريد منه أن يؤمن به وهو لا يجيبه إلى ذلك، فأنزل الله تعالى في شأنه: (إنك لا تهدي من أحببت) فإنه جهل بأسباب النزول، وتحامل على عم الرسول، لان لهذه الآية ونزولها عند أهل العلم سببا معروفا وحديثا مأثورا، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله ضرب بحربة في خده يوم حنين فسقط إلى الأرض، ثم قام وقد انكسرت رباعيته والدم يسيل على حر وجهه، فمسح وجهه ثم قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، فنزلت الآية، ووقعة حنين كانت بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله بثلاث سنين، والهجرة كانت بعد موت أبي طالب رحمه الله.
وقد روي لنزولها سبب آخر، وهو أن قوما ممن كانوا أظهروا الايمان بالنبي صلى الله عليه وآله تأخروا عنه عند هجرته وأقاموا بمكة وأظهروا الكفر والرجوع إلى ما كانوا عليه، فبلغ خبرهم إلى النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين، فاختلفوا في تسميتهم بالايمان، فقال فريق من المسلمين، هم مؤمنون وإنما أظهروا الكفر اضطرارا إليه، وقال آخرون: بل هم كفار وقد كانوا قادرين على الهجرة والإقامة على الايمان، فاجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وكان أشراف القوم يريدون منه أن يحكم لهم بالايمان لأرحام بينهم وبينهم، فأحب رسول الله أن ينزل ما يوافق محبة الاشراف من قومه لتألفهم، فلما سألوه عن حالهم قال: حتى يأتيني الوحي في ذلك، فأنزل الله في ذلك (إنك لا تهدي من أحببت) يريد: أنك لا
تحكم ولا تسمي ولا تشهد بالايمان لمن أحببت ولكن الله يحكم له ويسميه إذا كان مستحقا له، وهذا أيضا كان بعد موت أبي طالب بسنين.
وأيضا هذه الآية إذا تأملها المنصف تبين له أن نزولها في أبي طالب باطل من وجوه: أحدها أنه لا يجوز في حكمة الله تعالى أن يكره هداية أحد من عباده ولا أن يحب له الضلالة، كما لا يجوز في حكمته أن يأمر بالضلال وينهى عن الهدى والرشاد.
والآخر أنه إذا كان الله تعالى قد أخبر في كتابه أن النبي صلى الله عليه وآله كان يحب عمه أبا طالب في قوله: (إنك لا تهدي من أحببت) فقد ثبت حينئذ أن أبا طالب كان مؤمنا، لان الله تعالى قد نهى عن حب الكافرين في قوله: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله.
والآخر أنه إذا ثبت أن هذه الآية نزلت في أبي طالب فهي دالة على فضل أبي طالب وعلى مرتبته في الايمان والهداية، وذلك أن هداية أبي طالب كانت من الله تعالى دون غيره من خلقه، وهو كان المتولي لها، وكان تقديره: أن أبا طالب الذي تحبه لم تهده يا محمد أنت بنفسك بل الله الذي تولى هدايته، فسبقت هدايته الدعوة له، وهذا أولى مما ذكروه، لعدم اشتماله على ارتكاب النبي صلى الله عليه وآله ما نهي عنه من حب الكافرين.
أقول: لقد أطنب رحمة الله عليه في رد أخبارهم الموضوعة وأجاد، وأورد كثيرا من القصص والاخبار والاشعار فليرجع إلى كتابه من أراد، وإنما جوزنا هناك بعض التطويل والتكرار لكون هذا المطلوب من مهمات مقاصد الاخبار، ولنذكر هنا قصة غريبة أوردها السيد فخار رحمه الله، قال: ولقد حكى الشيخ أبو الحسن علي بن أبي المجد الواعظ الواسطي بها في شهر رمضان سنة تسع وتسعين وخمسمائة عن والده قال: كنت أروي أبيات أبي طالب رضي الله عنه هذه القافية وانشد قوله فيها.
بكف الذي قام في حينه * إلى الصابر الصادق المتقي فرأيت في نومي ذات ليلة رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا على كرسي وإلى جانبه شيخ عليه من البهاء ما يأخذ بمجامع القلب، فدنوت من النبي صلى الله عليه وآله فقلت: السلام عليك يا رسول الله فرد علي السلام، ثم أشار إلى الشيخ وقال: ادن من عمي فسلم عليه، فقلت: أي أعمامك هذا يا رسول الله؟ فقال: هذا عمي أبو طالب، فدنوت منه وسلمت عليه ثم قلت له، يا عم رسول الله إني أروي أبياتك هذه القافية وأحب أن تسمعها مني، فقال: هاتها فأنشدته إياها إلى أن بلغت:
بكف الذي قام في حينه * إلى الصائن الصادق المتقي فقال: إنما قلت أنا (إلى الصابر الصادق المتقي) بالراء ولم أقل بالنون، ثم استيقظت.
أقول: قال في الفصول المهمة: أمه عليه السلام فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف تجتمع هي وأبو طالب في هاشم، ثم أسلمت وهاجرت مع النبي صلى الله عليه وآله وكانت من السابقات إلى الايمان، بمنزلة الام من النبي صلى الله عليه وآله فلما ماتت كفنها النبي صلى الله عليه وآله بقميصه وأمر أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر وغلاما أسود فحفروا قبرها، فلما بلغوا لحدها حفره النبي صلى الله عليه وآله بيده وأخرج ترابه، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله اضطجع فيه وقال: (الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت، اللهم اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك محمد والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين) فقيل: يا رسول الله رأيناك صنعت شيئا لم تكن تصنعه بأحد قبلها، فقال صلى الله عليه وآله: ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة، واضطجعت في قبرها ليخفف
عنها من ضغطة القبر، إنها كانت من أحسن خلق الله صنيعا إلي بعد أبي طالب.
أقول: قد مضى بعض الأخبار في فضلهما وأحوالهما في أبواب كتاب أحوال النبي صلى الله عليه وآله وباب ولادة أمير المؤمنين عليه السلام.
الفضائل، الروضة: لما ماتت فاطمة بنت أسد أقبل علي بن أبي طالب عليه السلام باكيا فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ما يبكيك لا أبكى الله عينك (5)؟ قال: توفيت والدتي يا رسول الله فقال له النبي صلى الله عليه وآله: بل ووالدتي يا علي فلقد كانت تجوع أولادها وتشبعني وتشعث أولادها وتدهنني، والله لقد كان في دار أبي طالب نخلة فكانت تسابق إليها من الغداة لتلتقط ثم تجنيه رضي الله عنها وإذا خرجوا بنو عمي تناولني ذلك. ثم نهض صلى الله عليه وآله فأخذ في جهازها وكفنها بقميصه،، وكان في حال تشييع جنازتها يرفع قدما ويتأنى في رفع الآخر وهو حافي القدم، فلما صلى عليها كبر سبعين تكبيرة، ثم لحدها في قبرها بيده الكريمة بعد أن نام في قبرها، ولقنها الشهادة، فلما أهيل عليها
التراب وأراد الناس الانصراف جعل رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لها، ابنك ابنك لا جعفر ولا عقيل، ابنك ابنك علي بن أبي طالب، قالوا: يا رسول الله فعلت فعلا ما رأينا مثله قط:
مشيك حافي القدم، وكبرت سبعين تكبيرة، ونومك في لحدها وجعل قميصك كفنها، وقولك لها ابنك ابنك لا جعفر ولا عقيل، فقال صلى الله عليه وآله: أم التأني في وضع أقدامي ورفعها في حال التشييع للجنازة فلكثرة ازدحام الملائكة، وأما تكبيري سبعين تكبيرة فإنها صلى عليها سبعون صفا من الملائكة، وأما نومي في لحدها فإني ذكرت في حال حياتها ضغطة القبر فقالت: وا ضعفاه! فنمت في لحدها لأجل ذلك حتى كفيتها ذلك، وأما تكفيني لها بقميصي فإني ذكرت لها [في حياتها القيامة و] حشر الناس عراة فقالت: وا سوأتاه! فكفنتها بها لتقوم يوم القيامة مستورة، وأما قولي لها: (ابنك ابنك لا جعفر ولا عقيل) فإنها لما نزل عليه الملكان وسألاها عن ربها فقالت : الله ربي، وقالا: من نبيك؟ قالت: محمد نبيي، فقالا: من وليك وإمامك؟ فاستحيت أن تقول: ولدي، فقلت لها: قولي: ابنك علي بن أبي طالب، فأقر الله بذلك عينها.
أقول: قال ابن أبي الحديد: أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أول هاشمية ولدت لهاشمي، كان علي أصغر بنيها وجعفر أسن منه بعشر سنين، وعقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وطالب أسن من عقيل بعشر سنين، وفاطمة بنت أسد أمهم جميعا، وأم فاطمة بنت أسد فاطمة بنت هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن وهب
بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شهاب بن مهارب بن فهر، وأمها عاتكة بنت أبي همهمة واسمه عبد العزى بن عامر بن عمرو بن وديعة بن الحارث بن فهر، أسلمت بعد عشرة من المسلمين فكانت الحادي عشر، وكان رسول الله يكرمها ويعظمها ويدعوها أمي، وأوصت إليه حين حضرتها الوفاة فقبل وصيتها وصلى عليها ونزل في لحدها واضطجع معها فيه بعد أن ألبسها قميصه، وفاطمة أول امرأة بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله من النساء. وأم أبي طالب بن عبد المطلب: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخذوم، وهي أم عبد الله والد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وأم الزبير بن عبد المطلب وسائر ولد عبد المطلب بعد لأمهات شتى.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.