پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد التاسع

باب 3 نسبه وأحوال والديه عليه وعليهما السلام; أقول: قد مر

ج ۳۵، ص ۱۳۰–۱۶۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۵

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها وإن حضرت أشراف عبد منافها * ففي هاشم أشرافها وقديمها ففيهم نبي الله أعني محمدا * هو المصطفى من سرها وكريمها تداعت قريش غثها وسمينها * علينا فلم تظفر وطاشت حلومها 76 - وأخبرني شيخي محمد بن إدريس بإسناده إلى الشيخ المفيد يرفعه إلى أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وآله وذكر حديثا طويلا في قصة بدر إلى أن قال: فاحتمل عبيدة من المعركة إلى موضع رحل رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه، فقال عبيدة: رحم الله أبا طالب لو كان حيا لرأى أنه صدق في قوله:

ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل 77 - وأخبرني الشيخ محمد بن إدريس بإسناد متصل إلى الحسن بن جمهور العمي عن أبيه، عن أحمد بن قتيبة، عن صالح بن كيسان، عن عبد الله بن رومان، عن يزيد بن الصعق، عن عمر بن خارجة، عن عرفطة قال: بينا أنا بأصفاق مكة إذ أقبلت عير من أعلى نجد حتى حاذت الكعبة، وإذا غلام قد رمى بنفسه عن عجز بعير حتى أتى الكعبة

وتعلق بأستارها ثم نادى: يا رب البنية أجرني، فقام إليه شيخ جسيم وسيم عليه بهاء الملوك ووقار الحكماء، فقال: خطبك يا غلام (2)؟ فقال: إن أبي مات وأنا صغير وإن هذا الشيخ النجدي استعبدني وقد كنت أسمع أن الله بيتا يمنع من الظلم، فأتى النجدي وجعل يسحبه ويخلص أستار الكعبة من يده، وأجاره القرشي ومضى النجدي وقد تكنعت يداه، قال عمر بن خارجة: فلما سمعت الخبر قلت: إن لهذا الشيخ لشأنا فصوبت رحلي نحو تهامة حتى وردت الأبطح وقد أجدبت الأنواء وأخلفت العواء ، وإذا قريش حلق قد ارتفعت لهم ضوضاء، فقائل يقول: استجيروا باللات والعزى، و قائل يقول: بل استجيروا بمناة الثالثة الأخرى، فقام رجل من جملتهم يقال له ورقة بن نوفل عم خديجة بنت خويلد فقال: فيكم بقية إبراهيم، وسلالة إسماعيل، فقالوا كأنك عنيت أبا طالب؟ قال: إنه ذلك، فقاموا إليه بأجمعهم وقمت معهم، فقالوا يا أبا طالب قد أقحط الواد وأجدب العباد، فهلم فاستسق لنا، فقال: رويدكم دلوك

الشمس وهبوب الريح، فلما زاغت الشمس أو كادت، وافى أبو طالب قد خرج وحوله أغيلمة من بني عبد المطلب، وفي وسطهم غلام أيفع منهم كأنه شمس دجى تجلت عنه غمامة قتماء، فجاء حتى أسند ظهره إلى الكعبة في مستجارها، ولاذ بإصبعه و بصبصت الأغيلمة حوله وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ههنا ومن ههنا حتى كث ولف وأسحم وأقتم وأرعد وأبرق وانفجر له الوادي، فلذلك قال أبو طالب يمدح النبي صلى الله عليه وآله: (وأبيض يستسقى الغمام بوجهه) إلى آخر الأبيات.

78 - وأخبرني الشيخ محمد بن إدريس يرفعه قال: قيل لتأبط شرا الشاعر - واسمه ثابت بن جابر - من سيد العرب؟ فقال: أخبركم سيد العرب أبو طالب بن عبد المطلب.

وقيل للأحنف بن قيس التميمي: من أين اقتبست هذه الحكم وتعلمت هذا

الحلم؟ قال: من حكيم عصره وحليم دهره: قيس بن عاصم المنقري، ولقد قيل لقيس حلم من رأيت فتحلمت؟ وعلم من رأيت فتعلمت؟ فقال من الحكيم الذي لم ينفد قط حكمته: أكثم بن صيفي التميمي، ولقد قيل لأكثم: ممن تعلمت الحكمة و الرئاسة والحلم والسيادة (5)؟ فقال: من حليف الحلم والأدب سيد العجم والعرب أبي طالب بن عبد المطلب.

79 - وحدثني النقيب محمد بن الحسن بن معية العلوي، عن سلار بن حبيش البغدادي

عن الأمير أبي الفوارس الشاعر قال: حضرت مجلس الوزير يحيى بن هبيرة ومعي يومئذ جماعة من الأماثل وأهل العلم، وكان في جملتهم الشيخ أبو محمد بن الخشاب اللغوي و الشيخ أبو الفرج بن الجوزي وغيرهم، فجرى حديث شعر أبي طالب بن عبد المطلب فقال الوزير: ما أحسن شعره لو كان صدر عن إيمان! فقلت: والله لأجيبن الجواب قربة إلى الله، فقلت: يا مولانا ومن أين لك أنه لم يصدر عن إيمان؟ فقال: لو كان صادرا عن إيمان لكان أظهره ولم يخفه، فقلت: لو كان أظهره لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله ناصر، قال:

فسكت ولم يحر جوابا، وكانت لي عليه رسوم فقطعها، وكانت لي فيه مدائح في مسودات فغسلتها جميعا.

[بيان: رونق السيف: ماؤه وحسنه. والشغب: تهييج الشر. والمجانب: من كان في جنب الرجل - والمباعد، ضد. واللزوب: اللصوق. وحديث مرجم: لا يوقف على حقيقته.

والرجم: الظن. والغضاضة: الذلة والمنقصة. وقوله: (دينا) تمييز مؤكد، واستشهدوا بهذا البيت لذلك. وحريبة الرجل: ماله الذي سلبه أو ماله الذي يعيش به. قوله:

(غير مدال) كأن المعنى: لا يغلب عليه فيؤخذ منه. والعيس - بالكسر - الإبل البيض يخالط بياضها شقرة. وقلصت الناقة قليصا: استمرت في مضيها. والمصلات والمصلت: الرجل الماضي في الحوائج. والانجاد: جمع نجد وهو الشجاع الماضي فيما يعجز غيره. والطية - بالكسر - الضمير والنية والمنزل الذي انتواه. والشرك - بالتحريك - جمع شركة وهي معظم الطريق ووسطه. وسجم الدمع سجاما - ككتاب - سال. وعرام الجيش - كغراب - حدهم وشدتهم وكثرتهم. والغرام، الولوع، والشر الدائم، والهلاك والعذاب. والطغام - بالفتح - أو غار الناس ورذالهم. والسر - بالكسر - جوف كل شئ ولبه، ومحض النسب وأفضله . كالسرار. والغث: المهزول. والطيش: النزق والخفة وذهاب العقل.

وكنع يده: أشلها. والصوب والتصوب: المجئ من علو. وزاغت الشمس: أي مالت عن نصف النهار، (أو كادت) أي قربت أن تميل. والأقتم: الأسود كالأسحم.] 80 - الكافي: محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن علي ابن المعلى، عن أخيه محمد، عن درست، عن البطائني، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

لما ولد النبي صلى الله عليه وآله مكث أياما ليس له لبن فألقاه أبو طالب على ثدي نفسه فأنزل الله فيه لبنا فرضع منه أياما حتى وقع أبو طالب على حليمة السعدية، فدفعه إليها.

81 - الكافي: الحسين بن محمد، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن إسحاق، عن بكر بن محمد الأزدي، عن إسحاق بن جعفر، عن أبيه عليه السلام قال: قيل له: إنهم يزعمون أن أبا طالب كان كافرا! فقال: كذبوا كيف يكون كافرا وهو يقول:

ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب وفي حديث آخر كيف يكون أبو طالب كافرا وهو يقول:

لقد علموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعبأ بقول الا باطل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل 82 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بيننا النبي صلى الله عليه وآله في المسجد الحرام وعليه ثياب جدد، فألقى المشركون

عليه سلى ناقة، فملؤوا ثيابه بها فدخله من ذلك ما شاء الله، فذهب إلى أبي طالب فقا له:

يا عم كيف ترى حسبي فيكم فقال: ما ذاك يا ابن أخي؟ فأخبره الخبر، فدعا أبو طالب حمزة وأخذ السيف وقال لحمزة خذ السلى، ثم توجه إلى القوم النبي صلى الله عليه وآله معه، فأتى قريشا وهم حول الكعبة، فلما رأوه عرفوا الشر في وجهه، فقال لحمزة أمر السلا على أسبلتهم، ففعل ذلك حتى أتى على آخرهم، ثم التفت أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا ابن أخي هذا حسبك فينا.

83 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي نصر، عن إبراهيم بن محمد الأشعري، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما توفي أبو طالب نزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد اخرج من مكة فليس لك فيها ناصر، وثارت قريش بالنبي صلى الله عليه وآله فخرج هاربا حتى جاء إلى جبل بمكة يقال له الحجون فصار إليه.

84 - الكافي: حميد بن زياد، عن محمد بن أيوب، عن محمد بن زياد، عن أسباط بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان حيث طلقت آمنة بنت وهب وأخذها المخاض بالنبي صلى الله عليه وآله حضرتها فاطمة بنت أسد امرأة أبي طالب، فلم تزل معها حتى وضعت، فقالت إحداهما للأخرى: هل ترين ما أرى؟ فقالت: وما ترين؟ قالت: هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق والمغرب، فبينما هما كذلك إذ دخل عليهما أبو طالب فقال لهما: مالكما؟ من أي شئ تعجبان؟ فأخبرته فاطمة بالنور الذي قد رأت، فقال لها أبو طالب: ألا أبشرك؟

فقالت: بلى، فقال: أما إنك ستلدين غلاما يكون وصي هذا المولود.

بيان: أبو طالب اسمه عبد مناف. وقال صاحب كتاب عمدة الطالب: قيل: إن اسمه عمران وهي رواية ضعيفة رواها أبو بكر محمد بن عبد الله الطرسوسي النسابة، وقيل اسمه كنيته، ويروى ذلك عن أبي علي محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن جعفر الأعرج، وزعم أنه رأى خط أمير المؤمنين عليه السلام (وكتب علي بن أبو طالب) ولكن حدثني تاج الدين محمد بن القاسم النسابة وجدي لأمي محمد بن الحسين الأسدي إن الذي كان في آخر ذلك المصحف: (علي بن أبي طالب) ولكن الياء مشبهة بالواو في خط الكوفي.

والصحيح أن اسمه عبد مناف وبذلك نطقت وصية أبيه عبد المطلب حين أوصى إليه برسول الله صلى الله عليه وآله وهو قوله:

أوصيك يا عبد مناف بعدى * بواحد بعد أبيه فرد انتهى.

وقد أجمعت الشيعة على إسلامه وأنه قد آمن بالنبي صلى الله عليه وآله في أول الأمر، ولم يعبد صنما قط، بل كان من أوصياء إبراهيم عليه السلام واشتهر إسلامه من مذهب الشيعة حتى أن المخالفين كلهم نسبوا ذلك إليهم، وتواترت الاخبار من طرق الخاصة والعامة في ذلك

وصنف كثير من علمائنا ومحدثينا كتابا مفردا في ذلك كما لا يخفى على من تتبع كتب الرجال.

وقال ابن الأثير في كتاب جامع الأصول: وما أسلم من أعمام النبي صلى الله عليه وآله غير حمزة والعباس وأبي طالب عند أهل البيت عليهم السلام. وقال الطبرسي رحمه الله: قد ثبت إجماع أهل البيت عليهم السلام على إيمان أبي طالب، وإجماعهم حجة لأنهم أحد الثقلين اللذين أمر النبي صلى الله عليه وآله بالتمسك بهما. ثم نقل عن الطبري وغيره من علمائهم: الاخبار و الاشعار الدالة على إيمانه.

وقال يحيى بن الحسن بن بطريق في كتاب المستدرك بعد إيراد ما مر ذكره في أحوال النبي صلى الله عليه وآله من إخبار الأحبار والرهبان بنبوته صلى الله عليه وآله وتأييد أبي طالب له في رسالته، وأشعاره في تلك الأمور ناقلا عن أكابر علمائهم ومؤرخيهم كابن إسحاق صاحب كتاب المغازي وغيره قال: فيدل على إيمانه أشياء:

منها لما عرفه بحيرا الراهب أمره، قال: إنه سيكون لابن أخيك هذا شأن، فارجع به إلى موضعه واحفظه، فلم يزل حافظا له إلى أن أعاده إلى مكة، وقد ذكر ذلك في شعره وقال:

إن ابن آمنة النبي محمدا * عندي بمثل منازل الأولاد فأقر بنبوته كما ترى.

ومنها قوله لما رأى بحيرا الغمامة على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله فقال فيه:

فلما رآه مقبلا نحو داره * يوقيه حر الشمس ظلل غمام حنا رأسه شبه السجود وضمه * إلى نحره والصدر أي ضمام إلى أن قال:

وذلك من أعلامه وبيانه * وليس نهار واضح كظلام فافتخاره بذلك وجعله من أعلامه دليل على إيمانه.

ومنها قوله في رجوعه من عند بحيرا وذكر اليهود:

فما رجعوا حتى رأوا من محمد * أحاديث تجلو غم كل فؤاد

وحتى رأو أحبار كل مدينة * سجودا له من عصبة وفراد وهذا من أدل دليل على فرحه وسروره بمعجزاته وأخباره.

ومنها: أنه أرسل إليه عقيلا وجاء به في شدة الحر لما شكوا منه وقال له: إن بني عمك هؤلاء قد زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم. فانته عنهم، فقال صلى الله عليه وآله لهم: أترون هذه الشمس؟ فقالوا: نعم، فقال أنا بأقدر - على أن أدع ذلك - منكم - على أن تشعلوا منها شعلة - فقال لهم أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط فارجعوا عنه، وهذا غاية التصديق.

ومنها قوله في جواب ذلك في أبياته:

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وأبشر وقر بذاك منك عيونا وهذا أمر له بإبلاغ ما أمره تعالى به على أشق وجه، وقوله في تمام الأبيات:

ودعوتني وزعمت أنك ناصحي * ولقد صدقت وكنت قبل أمينا فصدقه في دعائه له إلى الايمان وكونه أمينا، وهذا غاية في قبول أمره له. وفيها بعد هذا البيت.

وعرضت دينا قد علمت بأنه * من خير أديان البرية دينا وهذا من أدل الدليل على إيمانه.

ومنها قوله:

ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا.......) الأبيات.

وهذا القول إيمان بلا خلاف.

أقول: ثم ذكر قصة الصحيفة إلى أن قال: فقال له أبو طالب: يا ابن أخي من حدثك بهذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخبرني ربي بهذا، فقال له عمه: إن ربك الحق وأنا أشهد أنك صادق.

أقول: ثم ذكر إتيانه القوم وإخباره إياهم بذلك ومباهلته معهم، فقال: فلولا تصديقه لرسول الله صلى الله عليه وآله عما بلغه عن الله تعالى لما سارع إلى القوم بالمباهلة بالنبي وتصديقه، وما باهل به إلا ولم يكن عنده شك في أنه هو المنصور عليهم بما ثبت عنده من آيات الرسول الله صلى الله عليه وآله وصدقه ومعجزاته.

[وقال:

ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب فأقر بنبوته وأكد ذلك بأن شبهه بموسى عليه السلام، وزاد في التأكيد بقوله: (خط في أول الكتب) فاعترف بأنه قد بشر بنبوته كل نبي له كتاب، وهذا أمر لا يعترف به إلا من قد سبق له قدم في الاسلام، ثم وكد اعترافه أيضا بقوله:

وإن عليه في العباد محبة * ولا خير ممن خصه الله بالحب فاعترف بمحبة الخلق له وبمحبة الله له، وجعله خير الخلق بقوله: (ولا خير) إلى آخره، يعنى لا يكون أحد خيرا ممن خصه الله بحبه، بل هو خير من كل أحد].

ثم ذكر الأبيات المتقدمة في ذلك واستدل بها على إيمانه، وذكر كثيرا من القصص والاشعار تركناها إيثارا للاختصار.

85 - العمدة: من مسند عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه قال: علي بن أبي طالب واسم أبي طالب عبد مناف، بن عبد المطلب، واسم عبد المطلب شيبة الحمد، بن هاشم، واسم هاشم عمرو، بن عبد مناف، واسم عبد مناف المغيرة، بن قصي، واسم قصي زيد بن كلاب، بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن يشجب - وقيل أشجب - ابن نبت بن قيدار بن إسماعيل، وإسماعيل أول من فتق لسانه بالعربية المبينة التي نزل بها القرآن، وأول من ركب الخيل وكانت وحوشا، وهو ابن عرق الثرى خليل الله إبراهيم بن تارخ بن ناخور - وقيل الناخر - بن ساروع بن أرغو بن قالع - وهو

قاسم الأرض بين أهلها - ابن عامر - وهو هود النبي عليه السلام - ابن شالخ بن أرفخشد - وهو الرافد - ابن سام بن نوح بن مالك - وهو في لغة العرب ملكان - ابن المتوشلخ - وهو المثوب - ابن أخنخ - وهو إدريس النبي عليه السلام - ابن يرد - وهو اليارد - ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش - وهو الطاهر - ابن شيث - وهو هبة الله، ويقال أيضا شاث - ابن آدم أبي البشر عليه السلام.

* [أقول: في الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في مرثية أبي طالب رضي الله عنه:

أرقت لنوح آخر الليل غردا * لشيخي ينعى والرئيس المسودا أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى * وذا الحلم لا خلفا ولم يك قعددا أخا الملك خلى ثلمة سيسدها * بنو هاشم أو يستباح فيمهدا فأمست قريش يفرحون بفقده * ولست أرى حيا لشئ مخلدا أرادت أمورا زينتها حلومهم * ستوردهم يوما من الغي موردا يرجون تكذيب النبي وقتله * وأن يفتروا بهتا عليه ومحجدا كذبتم وبيت الله حتى نذيقكم * صدور العوالي والصفيح المهندا ويبدو منا منظر ذو كريهة * إذا ما تسربلنا الحديد المسردا فإما تبيدونا وإما نبيدكم * وإما تروا سلم العشيرة أرشدا وإلا فإن الحي دون محمد * بنو هاشم خير البرية محتدا وإن له فيكم من الله ناصرا * ولست بلاق صاحب الله أوحدا نبي أتى من كل وحي بخطة * فسماه ربي في الكتاب محمدا أغر كضوء البدر صورة وجهه * جلا الغيم عنه ضوؤه فتوقدا أمين على ما استودع الله قلبه * وإن كان قولا كان فيه مسددا

بيان: أرقت - بالكسر - أي سهرت. والغرد والتغريد: التطريب. والصعاليك:

جمع الصعلوك وهو الفقير. والندى - بالفتح - الجود. والخلف - بالسكون - قوم سوء يخلفون غيرهم. ورجل قعدد وقعدد: إذا كان قريب الآباء إلى الجد الأكبر، ويمدح به من وجه لان الولاء للكبر، ويذم به من وجه لأنه من أولاد الهرمى وينسب إلى الضعف ذكره الجوهري. والثلمة - بالضم - الخلل في الحائط وغيره. وفي الأساس: أهمد فلان الامر: أماته. وفي الصحاح: همدت النار تهمد همودا أي طفئت وذهبت البتة، والهمدة: السكتة، وهمد الثوب: بلي، وأهمد في المكان: أقام، وفي السير: أسرع.

والبهت: البهتان. وعالية الرمح: ما دخل السنان إلى ثلثه. والصفيحة: السيف العريض والكريهة: الشدة في الحرب. وسرد الدروع: إدخال حلقها بعضها في بعض، وكذا التسريد. والمحتد: الأصل. وصاحب الله: النبي صلى الله عليه وآله. والأوحد: الذي ليس له ناصر.

والخطة - بالضم - الامر والقصة. والغرة: بياض في جبهة الفرس ميمون.

ومنه في مرثية خديجة وأبي طالب رضي الله عنهما:

أعيني جودا بارك الله فيكما * على هالكين لا ترى لهما مثلا على سيد البطحاء وابن رئيسها * وسيدة النسوان أول من صلى مهذبة قد طيب الله خيمها * مباركة والله ساق لها الفضلا مصابهما أدجى إلى الجو والهواء * فبت أقاسي منهم الهم والثكلا لقد نصرا في الله دين محمد * على من يعافي الدين قد رعيا إلا بيان: الخيم - بالكسر - السجية والطبيعة، لا واحد من له لفظه. والال - بالكسر - العهد.

ومنه في مرثية أبي طالب رضي الله عنه:

أبا طالب عصمة المستجير * وغيث المحول ونور الظلم

لقد هد فقدك أهل الحفاظ * وقد كنت للمصطفى خيرهم بيان: روى السيد حيدر في الغرر هاتين المرثيتين، وتلك المراثي دلائل على كمال إيمان أبي طالب رضي الله عنه فإنه أجل وأتقى من أن يرثي ويمدح كافرا بأمثال تلك المدائح رعاية للنسب، بل بعض أبياتها يدل كونه أفضل من حمزة رضي الله عنه].

وقال السيد بن طاوس في كتاب الطرائف: إني رأيت المخالفين تظاهروا بالشهادة على أبي طالب عم نبيهم وكفيله بأنه مات كافرا، وكذبوا الأخبار الصحيحة المتضمنة لايمانه، وردوا شهادة عترة نبيهم صلوات الله عليهم الذين رووا أنهم لا يفارقون كتاب ربهم، وإنني وجدت علماء هذه العترة مجمعين على إيمان أبي طالب رضي الله عنه، وما رأيت هؤلاء الأربعة المذاهب كابروا فيمن قيل عنه أنه مسلم مثل هذه المكابرة، وما زال الناس يشهدون بالايمان لمن يخبر عنه مخبر بذلك، أو ترى عليه صفة تقتضي الايمان، وسوف أورد لك بعض ما أوردوا في كتبهم وبرواية رجالهم من الأخبار الدالة لفظا أو معنى، تصريحا أو تلويحا بإيمان أبي طالب رضي الله عنه، ويظهر لك أن شهادتهم عليه بالكفر عداوة لولده علي بن أبي طالب عليه السلام أو لبني هاشم.

فمن ذلك ما ذكروه ورووه في كتاب أخبار أبي عمرو محمد بن عبد الواحد الزاهد الطبري اللغوي، عن أبي العباس أحمد بن يحيى بن تغلب، عن ابن الاعرابي ما هذا لفظه: وأخبرنا تغلب عن ابن الاعرابي قال: العور: الردئ من كل شئ، والوعر:

الموضع المخيف الوحش. قال ابن الاعرابي: ومن العور خبر ابن عباس قال: فما نزلت:

(وأنذر عشيرتك الأقربين) قال علي عليه السلام [وقال ابن عباس: وكان النبي صلى الله عليه وآله يربيه وعبق من سمته وكرمه وخلائقه ما أطاق] فقال لي صلى الله عليه وآله: [يا علي] قد أمرت أن أنذر عشيرتي الأقربين، فاصنع لي طعاما واطبخ لي لحما، قال علي عليه السلام: فعددتهم [بني هاشم

بحتا] فكانوا أربعين، قال: فصنعت الطعام طعاما يكفي لاثنين أو ثلاثة، قال: فقال لي المصطفى صلى الله عليه وآله: هاته، قال: فأخذ شظية من اللحم فشظاها بأسنانه وجعلها في الجفنة، قال: وأعددت لهم عسا من لبن، قال: ومضيت إلى القوم فأعلمتهم أنه قد دعاهم لطعام وشراب، قال: فدخلوا وأكلوا ولم يستتموا نصف الطعام حتى تضلعوا، قال: ولعهدي بالواحد منهم يأكل مثل ذلك الطعام وحده، قال: ثم أتيت باللبن، قال: فشربوا حتى تضلعوا، قال: ولعهدي بالواحد منهم وحده يشرب مثل ذلك اللبن، قال: وما بلغوا نصف العس، قال: ثم قام فلما أراد أن يتكلم اعترض عليه أبو لهب لعنه الله، فقال:

ألهذا دعوتنا؟ ثم أتبع كلامه بكلمة ثم قال: قوموا، فقاموا. وانصرفوا كلهم.

قال: فلما كان من الغد قال لي: يا علي أصلح لي مثل ذلك الطعام والشراب، قال: فأصلحته ومضيت إليهم برسالته، قال: فأقبلوا إليه فلما أكلوا وشربوا قام رسول الله صلى الله عليه وآله ليتكلم فاعترضه أبو لهب لعنه الله، قال: فقال له أبو طالب رضي الله عنه:

اسكت يا أعور ما أنت وهذا؟ قال: ثم قال أبو طالب رضي الله عنه: لا يقومن أحد، قال:

فجلسوا، ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله: قم يا سيدي فتكلم بما تحب، وبلغ رسالة ربك فإنك الصادق المصدق، قال: فقال صلى الله عليه وآله لهم: أرأيتم لو قلت لكم: إن وراء هذا الجبل جيشا يريد أن يغير عليكم أكنتم تصدقوني؟ قال: فقالوا كلهم: نعم إنك لانت الأمين الصادق، قال: فقال لهم: فوحدوا الله الجبار واعبدوه وحده بالاخلاص ، واخلعوا هذه الأنداد الأنجاس، وأقروا وأشهدوا بأني رسول الله إليكم وإلى الخلق، فإني قد جئتكم بعز الدنيا والآخرة. قال: فقاموا وانصرفوا كلهم وكأن الموعظة قد عملت فيهم. هذا آخر لفظة حديث أبي عمر والزاهد.

قال السيد رضي الله عنه: ولو لم يكن لأبي طالب رضي الله عنه إلا هذا الحديث وأنه سبب في تمكين النبي صلى الله عليه وآله من تأدية رسالته وتصريحه بقوله: (وبلغ رسالة ربك فإنك الصادق المصدق) لكفاه شاهدا بإيمانه وعظيم حقه على أهل الاسلام، وجلالة أمره في الدنيا ودار المقام، وما كان لنا حاجة إلى إيراد حديث سواه، وإنما نورد الأحاديث استظهارا في الحجة لما ذكرناه.

فمن ذلك أيضا ما ذكره الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في مسند عبد الله ابن [عمر في الحديث الحادي عشر من إفراد البخاري تعليقا، قال: وقال] عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وآله وهو يستسقي، وما ينزل حتى يجيش كل ميزاب، فمن ذلك:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للأرامل وهو قول أبي طالب رضي الله عنه، وقد أخرجه بالاسناد من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب حيث قال - وذكر البيت - وهي قصيدة مشهورة بين الرواة لأبي طالب رضي الله عنه وهي هذه:

لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد * وأحببته حب الحبيب المواصل إلى آخر الأبيات.

ومن ذلك ما رواه الثعلبي في تفسيره قال في تفسير قوله تعالى: (وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون) عن عبد الله بن عباس قال: اجتمعت قريش إلى أبي طالب رضي الله عنه وقالوا له: يا أبا طالب سلم إلينا محمدا فإنه قد أفسد أدياننا وسب آلهتنا، وهذه أبناؤنا بين يديك تبن بأيهم شئت، ثم دعوا بعمارة بن الوليد وكان مستحسنا، فقال لهم: هل رأيتم ناقة حنت إلى غير فصيلها؟ لا كان ذلك أبدا، ثم نهض عنهم فدخل على النبي صلى الله عليه وآله فرآه كئيبا وقد علم مقالة قريش، فقال رضي الله

عنه: يا محمد لا تحزن، ثم قال:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وأبشر وقر بذاك منك عيونا ودعوتني وذكرت أنك ناصحي * ولقد نصحت وكنت قبل أمينا وذكرت دينا قد علمت بأنه * من خير أديان البرية دينا وروى الثعلبي أنه قد اتفق على صحة نقل هذه الأبيات عن أبي طالب رضي الله عنه مقاتل وعبد الله بن عباس والقاسم بن محصرة وعطاء بن دينار.

ومن ذلك ما رواه بإسناده في كتاب اسمه (نهاية الطلوب وغاية السؤول في مناقب آل الرسول) رجل من علمائهم وفقهائهم حنبلي المذهب اسمه: إبراهيم بن علي بن محمد الدينوري يرفعه إلى الحسن بن علي بن أبي عبد الله الأزدي الفقيه، قال: حدثنا محمد بن صالح، قال:

حدثني أبي، عن عبد الكريم الجزري، وقال الحسن بن علي المذكور: وحدثنا أيضا عبد الله ابن عمر البرقي، عن الكريم الجزري، عن طاوس، عن ابن عباس - والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة يقول فيه -: إن النبي صلى الله عليه وآله قال للعباس: إن الله قد أمرني بإظهار أمري وقد أنبأني واستنبأني فما عندك؟ فقال له العباس: يا أبن أخي تعلم أن قريشا أشد الناس حسدا لولد أبيك، وإن كانت هذه الخصلة، كانت الطامة الطماء والداهية العظيمة، ورمينا عن قوس واحد وانتسفونا نسفا صلتا، ولكن قرب إلى عمك أبي طالب فإنه [كان] أكبر أعمامك، إن لا ينصرك لا يخذلك ولا يسلمك.

فأتياه فلما رآهما أبو طالب قال: إن لكما لظنة وخبرا، ما جاء بكما في هذا الوقت؟ فعرفه العباس ما قال له النبي صلى الله عليه وآله وما أجابه به العباس، فنظر إليه أبو طالب رضي الله عنه وقال له: اخرج ابن أخي فإنك الرفيع كعبا، والمنيع حزبا، والأعلى

أبا، والله لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبته سيوف حداد، والله لتذلن لك العرب ذل البهم لحاضنها، ولقد كان أبي يقرء الكتاب جميعا، ولقد قال: إن من صلبي لنبيا لوددت أني أدركت ذلك الزمان فآمنت به، فمن أدركه من ولدي فليؤمن به.

ثم ذكر؟؟ إظهار نبيهم للرسالة عقيب كلام أبي طالب له وصورة شهادته، وقد صلى وحده، وجاءت خديجة فصلت معه، ثم جاء علي فصلى معه.

وزاد الزمخشري في كتاب الأكتاب بيتا آخر رواه عن أبي طالب رضي الله عنه:

وعرضت دينا لا محالة إنه * من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا ومن ذلك ما ذكره الحنبلي صاحب الكتاب المذكور بإسناده إلى محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن مغيرة بن معقب قال: فقد أبو طالب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه ولله فظن أن بعض قريش اغتاله فقتله، فبعث إلى بني هاشم فقال: يا بني هاشم أظن أن بعض قريش اغتال محمدا فقتله، فليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة وليجلس إلى جنب عظيم

من عظماء قريش، فإذا قلت: أبغي محمدا، قتل كل رجل منكم الرجل الذي إلى جانبه، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله جمع أبي طالب، وهو في بيت عند الصفا، فأتى أبا طالب وهو في المسجد، فلما رآه أبو طالب أخذ بيده ثم قال: يا معشر قريش فقدت محمدا فظننت أن بعضكم اغتاله، فأمرت كل فتى شهد من بني هاشم أن يأخذ حديدة ويجلس كل واحد منهم إلى عظيم منكم، فإذا قلت: أبغي محمدا، قتل كل واحد منهم الرجل الذي إلى جنبه فاكشفوا عما في أيديكم يا بني هاشم، فكشف بنو هاشم، عما في أيديهم فنظرت قريش إلى ذلك، فعندها هابت قريش رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أنشأ أبو طالب يقول:

ألا أبلغ قريشا حيث حلت * وكل سرائر منها غرور فإني والضوابح غاديات * وما تتلو السفافرة الشهور لآل محمد راع حفيظ * وود الصدر مني والضمير فلست بقاطع رحمي وولدي * ولو جرت مظالمها الجزور أيأمر جمعهم أبناء فهر * بقتل محمد والامر زور؟

فلا وأبيك لا ظفرت قريش * ولا لقيت رشادا إذ تشير بني أخي ونوط القلب مني * وأبيض ماؤه غدق كثير ويشرب بعده الولدان ريا * وأحمد قد تضمنه القبور أيا ابن الانف أنف بني قصي * كأن جبينك القمر المنير * - [أقول: روى جامع الديوان نحو هذا الخبر مرسلا ثم ذكر الاشعار هكذا (ألا أبلغ) إلى قوله: (وكل سرائر منها غدور).

فإني والضوابح غاديات * وما تتلو السفافرة الشهور إلى قوله: جزور فيالله در بني قصي * لقد احتل عرصتهم ثبور عشية ينتحون بأمر هزل * ويستهوي حلومهم الغرور (فلا وأبيك) إلى قوله: إذ تشير. (أيأمر) إلى قوله (زور).

ألا ضلت حلومهم جميعا * وأطلق عقل حرب لا تبور أيرضى منكم الحلماء هذا * وما ذاكم رضى لي أن تبوروا (بني أخي) إلى قوله: القبور.

فكيف يكون ذلكم قريشا * وما مني الضراعة والفتور علي دماء بدن عاطلات * لئن هدرت بذلكم الهدور لقام الضاربون بكل ثغر * بأيديهم مهندة تمور وتلقوني أما الصف قدما * أضارب حين تحزمه الأمور إرادي مرة وأكر أخرى * حذارا أن تغور به الغرور أذودهم بأبيض مشرفي * إذا ما حاطه الامر النكير وجمعت الجموع أسود فهر * وكان النقع فوقهم يثور كأن الأفق محفوف بنار * وحول النار آساد تزير بمعترك المنايا في مكر * تخال دماءه قدرا تفور إذا سالت مجلجلة صدوق * كأن زهاءها رأس كبير وشظاها محل الموت حقا * وحوض الموت فيه يستدير هنالك أي بني يكون مني * بوادر لا يقوم لها الكثير تدهدهت الصخور من الرواسي * إذا ما الأرض زلزلها القدير

ولا قفل بقيلهم فإني * وما حلت بكعبته النذور وفي دون نفسك إن أرادوا * بها الدهياء أو سالت بحور (أيا ابن الانف) إلى آخره لك الله الغداة وعهد عم * تجنبه الفواحش والفجور بتحفاظي ونصرة أريحي * من الأعمام معضاد يصور (2)] ثم قال السيد رضي الله عنه: ومن ذلك ما رواه الحنبلي صاحب كتاب نهاية الطلوب وغاية السؤول بإسناده قال: سمعت أبا طالب رضي الله عنه يقول: حدثني محمد ابن أخي - وكان والله صدوقا - قال : قلت له: بم بعثت يا محمد؟ قال: بصلة الأرحام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.

ومن ذلك ما رواه صاحب كتاب نهاية الطلوب وغاية السؤول بإسناده إلى عروة بن عمر الثقفي قال: سمعت أبا طالب رضي الله عنه قال: سمعت ابن أخي الأمين يقول: اشكر ترزق، ولا تكفر فتعذب.

ومن ذلك ما رواه صاحب الكتاب المزبور بإسناده إلى سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه أن أبا طالب مرض فعاده النبي صلى الله عليه وآله.

ومن ذلك ما رواه أيضا الحنبلي في الكتاب المشار إليه بإسناده إلى عطاء بن أبي رياح عن ابن عباس قال: عارض النبي صلى الله عليه وآله جنازة أبي طالب رضي الله عنه قال: وصلتك رحم وجزاك الله يا عم خيرا.

ومن ذلك ما رواه بإسناده إلى ثابت البناني، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله ما ترجو لأبي طالب؟ قال: كل خير أرجوه من ربي.

ومن عجيب ما بلغت إليه العصبية على أبي طالب من أعداء أهل البيت عليهم السلام أنهم

زعموا أن المراد بقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: (إنك لا تهدي من أحببت) أنها في أبي طالب رضي الله عنه، وقد ذكر أبو المجد بن رشادة الواعظ الواسطي في مصنفه كتاب أسباب نزول القرآن ما هذا لفظه: قال: قال الحسن بن مفضل في قوله عز وجل: (إنك لا تهدي من أحببت): كيف يقال إنها نزلت في أبي طالب رضي الله عنه وهذه السورة من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة وأبو طالب مات في عنفوان الاسلام والنبي صلى الله عليه وآله بمكة، وإنما هذه الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف، وكان النبي صلى الله عليه وآله يحب إسلامه فقال يوما للنبي صلى الله عليه وآله: إنا نعلم أنك على الحق وأن الذي جئت به حق ولكن يمنعنا من أتباعك أن العرب تتخطفنا من أرضنا لكثرتهم وقلتنا، ولا طاقة لنا بهم، فنزلت الآية، وكان النبي صلى الله عليه وآله يؤثر إسلامه لميله إليه.

قال السيد رحمه الله فكيف استجاز أحد من المسلمين العارفين مع هذه الروايات و مضمون الأبيات أن ينكروا إيمان أبي طالب رضي الله عنه، وقد تقدمت روايتهم لوصية أبي طالب أيضا لولده أمير المؤمنين علي عليه السلام بملازمة محمد صلى الله عليه وآله وقوله رضي الله عنه: أنه لا يدعو إلا إلى خير. وقول نبيهم صلى الله عليه وآله: جزاك الله يا عم خيرا. وقوله صلى الله عليه وآله: لو كان حيا قرت عيناه. ولو لم يعلم نبيهم صلى الله عليه وآله أن أبا طالب رضي الله عنه مات مؤمنا ما دعا له، ولا كانت تقر عينه بنبيهم صلى الله عليه وآله ولو لم يكن إلا شهادة عترة نبيهم صلى الله عليه وآله له بالايمان لوجب تصديقهم كما شهد نبيهم صلى الله عليه وآله أنهم لا يفارقون كتاب الله تعالى، ولا ريب أن العترة أعرف بباطن أبي طالب رضي الله عنه من الأجانب، وشيعة أهل البيت عليهم السلام مجمعون على ذلك، ولهم فيه مصنفات، وما رأينا ولا سمعنا أن مسلما أخرجوا فيه إلى مثل ما أخرجوا في إيمان أبي طالب رضي الله عنه، والذي نعرفه منهم أنهم يثبتون إيمان الكافر بأدنى سبب وبأدنى خبر واحد وبالتلويح، فقد بلغت عداوتهم ببني هاشم إلى إنكار إيمان أبي طالب

رضي الله عنه مع تلك الحجج الثواقب! إن هذا من جملة العجائب * [بيان: عبق به الطيب كفرح: لزق. والشظية: كل فلقة من شئ، والجمع شظايا، والتشظية: التفريق. والعس - بالضم - القدح العظيم. وتضلع من الطعام:

امتلأ كأنه ملا أضلاعه. وبضع من الماء كمنع: روي. وفي النهاية: لم يكن أبو لهب أعور ولكن العرب تقول للذي لم يكن له أخ من أبيه وأمه: أعور، وقيل: إنهم يقولون للردئ من كل شئ من الأمور والأخلاق: أعور. وقال: في حديث الاستسقاء: (وما ينزل حتى يجيش كل ميزاب) أي يتدفق ويجري بالماء. (ربيع اليتامى) أي ينمون و يهتزون به كالنبات ينمو ويهتز في الربيع. وفي بعض النسخ (ثمال اليتامى) كما في النهاية. وقال: الثمال - بالكسر - الملجأ والغياث، وقيل: هو المطعم في الشدة. وفي القاموس: كلف به - كفرح - أولع، وأكلفه غيره والتكليف: الامر بما يشق عليك وفي النهاية: كلفت بهذا الامر أكلف به: إذا ولعت به وأحببته. وقال: يقال:

وجدت بفلانة وجدا: إذا أحببتها حبا شديدا. و (دينا) تمييز مؤكد. والطامة:

الداهية تغلب ما سواها. ونسف البناء ينسفه: قلعه من أصله كانتسفه. وفي القاموس:

التقريب: ضرب من العدو، والشكاية. والظنة - بالكسر - التهمة، وكأنه هنا مجاز.

والبهم جمع البهمة - بفتحهما - وهي أولاد الضأن والمعز. وحاضنها: مربيها. وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة، يقال: خضن ناقته: حمل عليها وعض من بدنها، وكمنبر من يهزل

الدواب ويذللها. قوله: (فإني والضوابح) في النهاية: في حديث أبي طالب يمدح النبي صلى الله عليه وآله.

فإني والضوابح كل يوم * وما تتلو السفافرة الشهور الضوابح: جمع ضابح، يقال: ضبح أي صاح، يريد القسم بمن يرفع صوته بالقراءة وهو جمع شاذ في صفة الآدمي كفوارس. والسفافرة: أصحاب الاسفار، وهي الكتب والشهور أي العلماء، واحدهم: شهر، كذا قال الهروي. والفهر - بالكسر - أبو قبيلة من من قريش ونوط القلب ونياطه: عرق نيط به القلب: ينتحون أي يقصدون (علي دماء بدن) كأنه ألزم على نفسه دماء البدن وأقسم بها إن لم يكن ما يقوله. والعاطلات: الحسان أو بلا قلائد وأرسان، أو الطويلة الأعناق، والمقسم عليه أنه لو هدرت دماء بسببكم لقام الضاربون السيوف بكل ناحية (بأيديهم مهندة) أي سيوف مشحذة. تمور أي تضطرب وتتحرك. حين تحزمه: أي تشده، والضمير للنبي صلى الله عليه وآله ولا يبعد أن يكون بالياء، و يقال: راداه أي راوده وداراه، وعن القوم: رمى عنهم بالحجارة، أو هو من الردي: الهلاك أن تغور به الغرور أي يذهب به إلى الغور أصحاب الغارة، وله معان اخر مناسبة. والزئر والزئير: صوت الأسد من صدره عند غضبه، والمجلجل: السيد القوي والجرئ الدفاع المنطيق. والجلجلة: شدة الصوت. وكأن الصدوق - بالضم - جمع صادق أي في الحرب والزهاء: العدد الكثير، وكأنه كناية عن تراكمهم واجتماعهم، ويحتمل التصحيف. و شظي القوم: خلاف صميمهم، وهم الاتباع والدخلاء عليهم. والبادرة: الحدة عند الغضب تدهدهت: تدحرجت. (وما حلت) الواو للقسم (وما) بمعنى (من) والمراد به الرب تعالى و الداهية الدهياء: البلية العظيمة. (أو سالت) (أو) بمعنى (إلى أن) أو (إلا أن). (لك الله الغداة) أي الله حافظك في هذه الغداة ويحفظك عهد عمك. (تجنبه) الأصل: تتجنبه والأريحي: الواسع الخلق. والمعضاد: الكثير الإعانة. يصور أي يصوت، كناية عن

إعلان النصرة، أو يهد أركان الخصامة. ويحتمل أن يكون بالنون - بالفتح أو الضم - مبالغة في النصرة. والمراد بهذا العم إما نفسه أو حمزة رضي الله عنهما.

[أقول:] وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: اختلف الناس في إسلام أبي طالب فقالت الامامية وأكثر الزيدية: ما مات إلا مسلما، وقال بعض شيوخنا المعتزلة بذلك، منهم: الشيخ أبو القاسم البلخي وأبو جعفر الإسكافي وغيرهما، وقال أكثر الناس من أهل الحديث والعامة ومن شيوخنا البصريين وغيرهم: مات على دين قومه، ويروون في ذلك حديثا مشهورا: إن رسول الله قال له عند موته: قل يا عم كلمة أشهد لك بها غدا عند الله تعالى، فقال: لولا أن تقول العرب أن أبا طالب جزع عند الموت لأقررت بها عينك! وروي أنه قال: أنا على دين الأشياخ! وقيل: إنه قال: أنا على دين عبد المطلب، وقيل غير ذلك.

وروى كثير من المحدثين أن قوله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا معه أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم * وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرء منه) الآية أنزلت في أبي طالب، لان رسول الله صلى الله عليه وآله استغفر له بعد موته. ورووا أن قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت) نزلت في أبي طالب ورووا أن عليا عليه السلام جاء إلى رسول الله بعد موت أبي طالب فقال له: إن عمك الضال قد قضى فما الذي تأمرني فيه؟ واحتجوا بأنه لم ينقل أحد عنه أنه رآه يصلي، والصلاة هي المفرقة بين المسلم و الكافر، أن عليا وجعفرا لم يأخذا من تركته شيئا. ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:

إن الله قد وعدني بتخفيف عذابه لما صنع في حقي، وإنه في ضحضاح من نار. ورووا عنه أيضا أنه قيل له: لو استغفرت لأبيك وأمك، فقال: لو استغفرت لهما لاستغفرت لأبي طالب، فإنه صنع إلي ما لم يصنعا، وأن عبد الله وآمنة وأبا طالب في حجرة من حجرات جهنم (3)!!

فأما الذين زعموا أنه كان مسلما فقد رووا خلاف ذلك، فأسندوا خبرا إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال لي جبرئيل: إن الله مشفعك في ستة: بطن حملتك آمنة بنت وهب، وصلب أنزلك عبد الله بن عبد المطلب، وحجر كفلك أبي طالب، وبيت آواك عبد المطلب، وأخ كان لك في الجاهلية - قيل: يا رسول الله وما كان فعله؟ قال كان سخيا يطعم الطعام ويجود بالنوال - وثدي أرضعتك حليمة بنت أبي ذؤيب.

قالوا: وقد نقل الناس كافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية، فوجب بهذا أن يكون آباؤهم كلهم منزهين عن الشرك لأنهم لو كانوا عبدة أصنام لما كانوا طاهرين. قالوا: وأما ما ذكر في القرآن من إبراهيم وأبيه آذر وكونه ضالا مشركا فلا يقدح في مذهبنا، لان آذر كان عم إبراهيم، فأما أبوء فتارخ بن ناخور، وسمي العم أبا كما قال: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك) ثم عد فيهم إسماعيل وليس من آبائه ولكنه عمه.

ثم قال: واحتجوا في إسلام الآباء بما روي عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: يبعث الله عبد المطلب يوم القيامة وعليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك . وروي أن العباس بن عبد المطلب قال لرسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة: يا رسول الله ما ترجو لأبي طالب؟ فقال: أرجو له كل خير من الله عز وجل. وروي أن رجلا من رجال الشيعة وهو أبان بن أبي محمود كتب إلى علي بن موسى الرضا عليه السلام: جعلت فداك إني قد شككت في إسلام أبي طالب فكتب إليه: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين) الآية، وبعدها: إنك إن لم تقر بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار.

وقد روي عن محمد بن علي الباقر عليه السلام أنه سئل عما يقوله الناس أن أبا طالب في ضحضاح من نار، فقال: لو وضع إيمان أبي طالب في كفة ميزان وإيمان هذا الخلق في

الكفة الأخرى لرجح إيمانه. ثم قال: ألم تعلموا أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام كان يأمر أن يحج عن عبد الله وآمنة وأبي طالب في حياته، ثم أوصى في وصيته بالحج عنهم؟ وقد روي أن أبا بكر جاء بأبي قحافة إلى النبي صلى الله عليه وآله عام الفتح يقوده وهو شيخ كبير أعمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا تركت الشيخ حتى نأتيه، فقال: أردت يا رسول الله أن يأجره الله، أما والذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحا بإسلام عمك أبي طالب مني بإسلام أبي، ألتمس بذلك قرة عينك، فقال: صدقت.

وروي أن علي بن الحسين عليهما السلام سئل عن هذا فقال: واعجبا إن الله تعالى نهى رسوله أن يقر مسلمة على نكاح كافر، وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الاسلام ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات. ويروى عن قوم من الزيدية أن أبا طالب أسند المحدثون عنه حديثا ينتهي إلى أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سمعت أبا طالب يقول بمكة: حدثني محمد ابن أخي أن ربه بعثه بصلة الرحم وأن يعبده وحده لا يعبد معه غيره، ومحمد عندي الصادقين الأمين. وقال قوم: إن قول النبي صلى الله عليه وآله: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) إنما عنى به أبا طالب.

وقالت الامامية: إن ما يرويه العامة من أن عليا وجعفرا لم يأخذا من تركة أبي طالب شيئا حديث موضوع، ومذهب أهل البيت بخلاف ذلك، فإن المسلم عندهم يرث الكافر ولا يرث الكافر المسلم ولو كان أعلى درجة منه في النسب. قالوا: وقوله صلى الله عليه وآله: (لا توارث بين أهل ملتين) نقول بموجبه، لان التوارث تفاعل ولا تفاعل عندنا في ميراثهما واللف يستدعي الطرفين كالتضارب لا يكون إلا اثنين. قالوا: وحب رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي طالب معلوم مشهور ولو كان كافرا ما جاز له حبه لقوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله وباليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) الآية، قالوا: وقد اشتهر واستفاض الحديث وهو قوله صلى الله عليه وآله لعقيل: أنا أحبك حبين: حبا لك وحبا لحب أبي طالب لك فإنه كان يحبك. قالوا وخطبة النكاح مشهورة خطبها أبو طالب عند نكاح محمد صلى الله عليه وآله

خديجة، وهي قوله:

الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدا حراما وبيتا محجوجا - وروي محجوبا - وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن محمد بن عبد الله أخي من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه برا وفضلا وحزما وعقلا ورأيا ونبلا، و إن كان في المال قل فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعلي، وله والله بعد نبأ شائع وخطب جليل.

قالوا: فتراه يعلم نبأه الشائع وخطبه الجليل ثم يعانده ويكذبه وهو من اولي الألباب؟! هذا غير سائغ في العقول.

قالوا وقد روي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن أصحاب الكهف أسروا الايمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرتين، وإن أبا طالب أسر الايمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرتين. وفي الحديث الصحيح المشهور أن جبرئيل قال له ليلة مات أبو طالب: اخرج منها فقد مات ناصرك.

وأما حديث الضحضاح من النار فإنما يرويه الناس كلهم عن رجل واحد وهو المغيرة بن شعبة، وبغضه لبني هاشم وعلى الخصوص لعلي عليه السلام مشهور معلوم، وقصته وفسقه غير خاف. قالوا: وقد روي بأسانيد كثيرة بعضها عن العباس بن عبد المطلب وبعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة أن أبا طالب ما مات حتى قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

والخبر المشهور أن أبا طالب عند الموت قال كلاما خفيا، فأصغى إليه أخوه العباس ثم رفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا ابن أخي والله لقد قالها عمك ولكنه ضعف عن أن يبلغك صوته. وروي عن علي عليه السلام أنه قال: ما مات أبو طالب حتى أعطى رسول

الله صلى الله عليه وآله من نفسه الرضى.

قالوا: وأشعار أبي طالب تدل على أنه كان مسلما، ولا فرق بين الكلام المنظوم والمنثور إذا تضمنا إقرارا بالاسلام ألا ترى أن يهوديا لو توسط جماعة من المسلمين وأنشد شعرا قد ارتجله ونظمه يتضمن الاقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله لكنا نحكم بإسلامه، كما لو قال:

أشهد أن محمدا رسول الله. فمن تلك الاشعار قوله:

يرجون منا خطة دون نيلها * ضراب وطعن بالوشيج المقوم يرجون أن نسخي بقتل محمد * ولم تختضب سن العوالي من الدم كذبتم وبيت الله حتى تفلقوا * جماجم تلقى بالحطيم وزمزم وتقطع أرحام وتنسى حليلة * حليلا ويغشى محرم بعد محرم على ما مضى من مقتكم وعقوقكم * وغشيانكم في أمركم كل مأثم وظلم نبي جاء يدعو إلى الهدى * وأمر أتى من عند ذي العرش قيم فلا تحسبونا مسلميه فمثله * إذا كان في قوم فليس بمسلم ومن شعر أبي طالب في أمر الصحيفة التي كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم:

ألا أبلغا عني على ذات بينها * لؤيا وخصا من لؤي بني كعب ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * رسولا كموسى خط في أول الكتب وأن عليه في العباد محبة * ولا حيف فيمن خصه الله بالحب وإن الذي رقشتم في كتابكم * يكون لكم يوما كراغية السقب أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الزبى * ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب ولا تتبعوا أمر الغواة وتقطعوا * أوا صرنا بعد المودة والقرب

وتستحلبوا حربا عوانا وربما * أمر على من ذاقه حلب الحرب فلسنا وبيت الله نسلم أحمد * لعراء من عض الزمان ولا كرب ولما تبن منا ومنكم سوالف * وأيد اترت بالمهندة الشهب بمعترك ضنك ترى قصد القنا * به والضباع العرج تعكف كالشرب كأن عجال الخيل في حجراته * وغمغمة الابطال معركة الحرب أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب ولسنا نمل الحرب حتى تملنا * ولا نشتكي مما ينوب من النكب ولكننا أهل الحفائظ والنهى * إذا طار أرواح الكماة من الرعب ومن ذلك قوله:

فلا تسفهوا أحلامكم في محمد * ولا تتبعوا أمر الغواة الا شائم تمنيتموا أن تقتلوه وإنما * أمانيكم هذي كأحلام نائم وإنكم والله لا تقتلونه * ولما تروا قطف اللحى والجماجم زعمتم بأنا مسلمون محمدا * ولما نقاذف دونه ونزاحم من القوم مفضال أبي على العدى * تمكن في الفرعين من آل هاشم أمين حبيب في العباد مسوم * بخاتم رب قاهر في الخواتم يرى الناس برهانا عليه وهيبة * وما جاهل في قومه مثل عالم نبي أتاه الوحي من عند ربه * فمن قال لا، يقرع بها سن نادم

ومن ذلك قوله وقد غضب لعثمان بن مظعون الجمحي حين عذبته قريش و نالت منه:

أمن تذكر دهر غير مأمون * أصبحت مكتئبا تبكي كمحزون أمن تذكر أقوام ذوي سفه * يغشون بالظلم من يدعو إلى الدين ألا ترون أذل الله جمعكم * أنا غضبنا لعثمان بن مظعون ونمنع الضيم من يبغي مضيمتنا * بكل مطرد [ة] في الكف مسنون ومرهفات كأن الملح خالطها * يشفى بها الداء من هام المجانين حتى تقر رحال لا حلوم لها * بعد الصعوبة بالاسماح واللين أو تؤمنوا بكتاب منزل عجب * على نبي كموسى أو كذي النون قالوا: وقد جاء في الخبر أن أبا جهل بن هاشم جاء مرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساجد وبيده حجر يريد أن يرضخ به رأسه، فلصق الحجر بكفه فلم يستطع ما أراد، فقال أبو طالب في ذلك من جملة أبيات:

أفيقوا بني عمنا وانتهوا * عن الغي من بعض ذا المنطق وإلا فإني إذا خائف * بوائق في داركم تلتقي كما ذاق من كان من قبلكم * ثمود وعاد ومن ذا بقي؟ ومنها:

وأعجب من ذاك في أمركم * عجائب في الحجر الملصق بكف الذي قام من خبثه * إلى الصابر الصادق المتقي فأثبته الله في كفه * على رغمة الخائن الأحمق

قالوا: وقد اشتهر عن عبد الله المأمون أنه كان يقول: أسلم أبو طالب والله بقوله:

نصرت الرسول رسول المليك ببيض تلالا كلمع البروق أذب وأحمي رسول الاله حماية حام عليه، شفيق وما إن أدب لأعدائه * دبيب البكار حذار الفنيق ولكن أزير لهم ساميا * كما زار ليث بغيل مضيق [أقول: وزاد في الديوان بعد الروق:

بضرب يذبب دون النهاب * حذار الوتائر والخنفقيق ثم قال ابن أبي الحديد]: قالوا: وجاء في السيرة وذكره أكثر المؤرخين أن عمرو ابن العاص لما خرج إلى بلاد الحبشة ليكيد جعفر بن أبي طالب وأصحابه عند النجاشي قال:

تقول ابنتي: أين أين الرحيل؟ * وما البين مني بمستنكر فقلت: دعيني فإني امرؤ * أريد النجاشي في جعفر لأكويه من عنده كية * أقيم بها نحوة الأصعر ولن أنثني عن بني هاشم * بما اسطعت في الغيب والمحضر وعن عائب اللات في قوله * ولولا رضى اللات لم تمطر وإني لاشنا قريش له * وإن كان كالذهب الأحمر قالوا: فكان عمرو يسمى الشانئ بن الشانئ لان أباه كان إذا مر عليه رسول الله

صلى الله عليه وآله بمكة يقول: والله إني لأشنأك وفيه انزل: (إن شانئك هو الأبتر) قالوا: فكتب أبو طالب إلى النجاشي شعرا يحرضه فيه على إكرام جعفر وأصحابه والاعراض عما يقوله عمرو فيه وفيهم، من جملته:

ألا ليت شعري كيف في الناس جعفر؟ * وعمرو وأعداء النبي الأقارب وهل نال إحسان النجاشي جعفرا * وأصحابه أم عاق عن ذاك شاغب في أبيان كثيرة. قالوا: وروي عن علي عليه السلام أنه قال: قال لي أبي: يا بني الزم ابن عمك فإنك تسلم به من كل بأس عاجل وآجل، ثم قال لي:

إن الوثيقة في لزوم محمد * فاشدد بصحبته علي يديكا قالوا: ومن شعره المناسب بهذا المعنى قوله:

إن عليا وجعفرا ثقتي * عند ملم الزمان والنوب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * أخي لأمي من بينهم وأبي والله لا أخذل النبي ولا * يخذله من بني ذو حسب قالوا: وقد جاءت الرواية أن أبا طالب لما مات جاء علي عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فآذنه بموته، فتوجع عظيما وحزن شديدا ثم قال: امض فتول غسله فإذا رفعته على سريره فأعلمني، ففعل فاعترضه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو محمول على رؤوس الرجال فقال له وصلتك رحم يا عم، وجزيت خيرا، فلقد ربيت وكفلت صغيرا ونصرت وآزرت كبيرا، ثم تبعه إلى حفرته فوقف عليه فقال: أم والله لأستغفرن لك ولأشفعن فيك شفاعة يعجب لها الثقلان، قالوا: والمسلم لا يجوز أن يتولى غسل الكافر، ولا يجوز للنبي أن يرق لكافر ولا أن يدعو له بخير ولا أن يعده بالاستغفار والشفاعة، وإنما تولى علي غسله لان طالبا وعقيلا لم يكونا أسلما بعد، وكان جعفر بالحبشة، ولم تكن صلاة الجنائز شرعت بعد، ولا صلى رسول الله صلى الله عليه وآله على خديجة، وإنما كان تشييع ورقة ودعاء.

قالوا ومن شعر أبي طالب يخاطب أخاه حمزة وكان يكنى أبا يعلى (فصبرا أبا يعلى على دين أحمد) إلى آخر ما مر من الأبيات، قالوا: ومن شعره المشهور:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.