بحارالانوار · كتاب التوحيد
باب 4 الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر روى محمد بن سنان
ج ۳، ص ۱۳۴–۱۵۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۴ از ۴
مع ذلك متانة ليصلح لما يتخذ منه من الآلات فإنه لو كان مستحصفا كالحجارة لم يمكن أن يستعمل في السقوف وغير ذك مما يستعمل فيه الخشبة كالأبواب والأسرة والتوابيت وما أشبه ذلك. ومن جسيم المصالح في الخشب أنه يطفو على الماء فكل الناس يعرف هذا منه وليس كلهم يعرف جلالة الامر فيه، فلولا هذه الخلة كيف كانت هذه السفن والأظراف تحمل أمثال الجبال من الحمولة، وأنى كان ينال الناس هذا الوفق وخفة المؤونة في حمل التجارات من بلد إلى بلد؟ وكانت تعظم المؤونة عليهم في حملها حتى يلقى كثير مما يحتاج إليه في بعض البلدان مفقودا أصلا أو عسرا وجوده.
فكر في هذه العقاقير وما خص بها كل واحد منها من العمل في بعض الأدواء فهذا يغور في المفاصل فيستخرج الفضول الغليظة مثل الشيطرج، وهذا ينزف المرة السوداء مثل الافتيمون، وهذا ينفي الرياح مثل السكبينج، وهذا يحلل الأورام وأشباه هذا من أفعالها فمن جعل هذه القوى فيها إلا من خلقها للمنفعة؟ ومن فطن الناس بها إلا من جعل هذا فيها؟ ومتى كان يوقف على هذا منها بالعرض والاتفاق كما قال قائلون؟
وهب الانسان فطن لهذه الأشياء بذهنه ولطيف رويته وتجاربه فالبهائم كيف فطنت لها؟ حتى صار بعض السباع يتداوى من جراحه إن أصابته ببعض العقاقير فيبرأ، وبعض الطير يحتقن من الحصر يصيبه بماء البحر فيسلم، وأشباه هذا كثير. ولعلك تشكك في هذا النبات النابت في الصحاري والبراري حيث لا انس ولا أنيس فتظن أنه فضل لا حاجة إليه وليس كذلك بل هو طعم لهذه الوحوش، وحبه علف للطير، وعوده و أفنانه حطب فيستعمله الناس، وفيه بعد أشياء تعالج به الأبدان، وأخرى تدبغ به الجلود وأخرى تصبغ به الأمتعة، وأشباه هذا من المصالح. ألست تعلم أن أخس النبات وأحقره
هذا البردي وما أشبهها، ففيها مع هذا من ضروب المنافع فقد يتخذ من البردي القراطيس التي يحتاج إليها الملوك والسوقة، والحصر التي يستعملها كل صنف من الناس، وليعمل منه الغلف التي يوقى بها الأواني، ويجعل حشوا بين الظروف في الأسفاط لكيلا تعيب وتنكسر، وأشباه هذا من المنافع فاعتبر بما ترى من ضروب المآرب في صغير الخلق وكبيره وبماله قيمة ومالا قيمة له، وأخس من هذا وأحقره الزبل والعذرة التي اجتمعت فيها الخساسة والنجاسة معا، وموقعها من الزروع والبقول والخضر أجمع الموقع الذي لا يعد له شئ حتى أن كل شئ من الخضر لا يصلح ولا يزكو إلا بالزبل والسماد الذي يستقذره الناس و يكرهون الدنو منه، واعلم أنه ليس منزلة الشئ على حسب قيمته، بل هما قيمتان مختلفتان بسوقين، وربما كان الخسيس في سوق المكتسب نفيسا في سوق العلم فلا تستصغر العبرة في الشئ لصغر قيمته، فلو فطنوا طالبوا الكيميا لما في العذرة لاشتروها بأنفس الأثمان وغالوا بها.
قال المفضل: وحان وقت الزوال فقام مولاي إلى الصلاة وقال: بكر إلي غدا إن شاء الله، فانصرفت وقد تضاعف سروري بما عرفنيه مبتهجا بما آتانيه، حامدا لله على ما منحنيه فبت ليلتي مسرورا.
بيان: قوله عليه السلام: ليصلح بيان لما يتحصل مما مر لا للمتانة فقط. والنزف:
النزح: قوله عليه السلام: هب الانسان أي سلمنا أنه كذلك. والحصر بالضم: اعتقال البطن.
والسوقة بالضم: الرعية للواحد والجمع والمذكر والمؤنث. والغلف بضمة وبضمتين وكركع: جمع غلاف. والزبل بالكسر: السرقين. وقال الفيروزآبادي: السماد: السرقين برماد وقال الجزري: هو ما يطرح في أصول الزرع والخضر من العذرة والزبل ليجود نباته. أقول: يدل ظاهرا على جواز استعمال العذرات النجسة في ذلك وربما يستدل به على تطهير الاستحالة.
المجلس الرابع: قال المفضل: فلما كان اليوم الرابع بكرت إلى مولاي فاستؤذن لي فأمرني بالجلوس فجلست، فقال عليه السلام: منا التحميد والتسبيح والتعظيم والتقديس للاسم الأقدم، والنور الأعظم العلي العلام، ذي الجلال والاكرام، ومنشئ الأنام، ومفتي العوالم والدهور، وصاحب السر المستور والغيب المحظور، والاسم المخزون والعلم المكنون، وصلواته وبركاته على مبلغ وحيه، ومؤدي رسالته، الذي ابتعثه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، فعليه وعلى آله من بارئه الصلوات الطيبات والتحيات الزاكيات الناميات، وعليه وعليهم السلام والرحمة والبركات في الماضين والغابرين أبد الآبدين ودهر الداهرين وهم أهله ومستحقه.
قد شرحت لك يا مفضل من الأدلة على الخلق والشواهد على صواب التدبير والعمد في الانسان والحيوان والنبات والشجر وغير ذلك ما فيه عبرة لمن اعتبر، وأنا أشرح لك الآن الآفات الحادثة في بعض الأزمان التي اتخذها أناس من الجهال ذريعة إلى جحود الخالق والخلق والعمد والتدبير، وما أنكرت المعطلة والمنانية من المكاره والمصائب وما أنكروه من الموت والفناء، وما قاله أصحاب الطبائع، ومن زعم أن كون الأشياء بالعرض والاتفاق ليتسع ذلك القول في الرد عليهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون؟.
اتخذ أناس من الجهال هذه الآفات الحادثة في بعض الأزمان كمثل الوباء و اليرقان والبرد والجراد ذريعة إلى جحود الخلق والتدبير والخالق، فيقال في جواب ذلك: إنه إن لم يكن خالق ومدبر فلم لا يكون ما هو أكثر من هذا وأفظع؟ فمن ذلك أن يسقط السماء على الأرض، وتهوي الأرض فتذهب سفلا، وتتخلف الشمس عن الطلوع أصلا، وتجف الأنهار والعيون حتى لا يوجد ماء للشفة، وتركد الريح حتى
تحم الأشياء وتفسد، ويفيض ماء البحر على الأرض فيغرقها. ثم هذه الآفات التي ذكرناها من الوباء والجراد وما أشبه ذلك ما بالها لا تدوم وتمتد حتى تجتاح كل ما في العالم؟ بل تحدث في الأحايين، ثم لا تلبث أن ترفع؟ أفلا ترى أن العالم يصان ويحفظ من تلك الاحداث الجليلة التي لو حدث عليه شئ منها كان فيه بواره، ويلذع أحيانا بهذه الآفات اليسيرة لتأديب الناس وتقويمهم، ثم لا تدوم هذه الآفات بل تكشف عنهم عند القنوط منهم فتكون وقوعها بهم موعظة وكشفها عنهم رحمة.
وقد أنكرت المعطلة ما أنكرت المنانية من المكاره والمصائب التي تصيب الناس، فكلاهما يقول: إن كان للعالم خالق رؤوف رحيم فلم يحدث فيه هذه الأمور المكروهة؟ والقائل بهذا القول يذهب به إلى أنه ينبغي أن يكون عيش الانسان في هذه الدنيا صافيا من كل كدر، ولو كان هكذا كان الانسان سيخرج من الأشر والعتو إلى ما لا يصلح في دين ودنيا كالذي ترى كثيرا من المترفين ومن نشأ في الجدة والامن يخرجون إليه حتى أن أحدهم ينسى أنه بشر أو أنه مربوب أو أن ضررا يمسه، أو أن مكروها ينزل به، أو أنه يجب عليه أن يرحم ضعيفا أو يواسي فقيرا. أو يرثي لمبتلى أو يتحنن على ضعيف، أو يتعطف على مكروب، فإذا عضته المكاره ووجد مضضها اتعظ وأبصر كثيرا مما كان جهله وغفل عنه، ورجع إلى كثير مما كان يجب عليه، و المنكرون لهذه الأمور المؤذية بمنزلة الصبيان الذين يذمون الأدوية المرة البشعة، ويتسخطون من المنع من الأطعمة الضارة، ويتكرهون الأدب والعمل، ويحبون أن يتفرغوا للهو والبطالة، وينالوا كل مطعم ومشرب، ولا يعرفون ما تؤديهم إليه البطالة من سوء النشوء والعادة وما تعقبهم الأطعمة اللذيذة الضارة من الأدواء والأسقام، وما لهم في الأدب من الصلاح، وفي الأدوية من المنفعة وإن شاب ذلك بعض الكراهة.
فإن قالوا: ولم لم يكن الانسان معصوما من المساوي حتى لا يحتاج إلى أن
يلذعه بهذه المكاره؟ قيل: إذا كان يكون غير محمود على حسنة يأتيها ولا مستحق للثواب عليها.
فإن قالوا: وما كان يضره أن لا يكون محمودا على الحسنات مستحقا للثواب بعد أن يصير إلى غاية النعيم واللذة؟ قيل لهم: اعرضوا على امرء صحيح الجسم والعقل أن يجلس منعما ويكفى كل ما يحتاج إليه بلا سعي ولا استحقاق، فانظر هل تقبل نفسه ذلك؟ بل ستجدونه بالقليل مما يناله بالسعي والحركة أشد اغتباطا وسرورا منه بالكثير مما يناله بغير الاستحقاق، وكذلك نعيم الآخرة أيضا يكمل لأهله بأن ينالوه بالسعي فيه والاستحقاق له فالنعمة على الانسان في هذا الباب مضاعفة، بأن أعد له الثواب الجزيل على سعيه في هذه الدنيا، وجعل له السبيل إلى أن ينال بسعي واستحقاق فيكمل له السرور والاغتباط بما يناله منه.
فإن قالوا: أوليس قد يكون من الناس من يركن إلى ما نال من خير وإن كان لا يستحقه: فما الحجة في منع من رضي أن ينال نعيم الآخرة على هذه الجملة؟ قيل لهم: إن هذا باب لو صح للناس لخرجوا إلى غاية الكلب والضراوة على الفواحش و انتهاك المحارم، فمن كان يكف نفسه عن فاحشة أو يتحمل المشقة في باب من أبواب البر لو وثق بأنه صائر إلى النعيم لا محالة؟ أو من كان يأمن على نفسه وأهله وماله من الناس لو لم يخافوا الحساب والعقاب؟ فكان ضرر هذا الباب سينال الناس في هذه الدنيا قبل الآخرة، فيكون في ذلك تعطيل العدل والحكمة معا، وموضع للطعن على التدبير بخلاف الصواب ووضع الأمور غير مواضعها.
وقد يتعلق هؤلاء بالآفات التي تصيب الناس فتعم البر والفاجر، أو يبتلي بها البر ويسلم الفاجر منها، فقالوا: كيف يجوز هذا في تدبير الحكيم وما الحجة فيه؟ فيقال لهم:
إن هذه الآفات وإن كانت تنال الصالح والطالح جميعا، فإن الله جعل ذلك صلاحا للصنفين كليهما: أما الصالحون فإن الذي يصيبهم من هذا يردهم نعم ربهم عندهم في سالف
أيامهم فيحدوهم ذلك على الشكر والصبر، وأما الطالحون فإن مثل هذا إذا نالهم كسر شرتهم، وردعهم عن المعاصي والفواحش، وكذلك يجعل لمن سلم منهم من الصنفين صلاحا في ذلك: أما الأبرار فإنهم يغتبطون بما هم عليه من البر والصلاح ويزدادون فيه رغبة وبصيرة. وأما الفجار فإنهم يعرفون رأفة ربهم وتطوله عليهم بالسلامة من غير استحقاقهم فيحضهم ذلك على الرأفة بالناس والصفح عمن أساء إليهم.
ولعل قائلا يقول: إن هذه الآفات التي تصيب الناس في أموالهم، فما قولك فيما يبتلون به في أبدانهم فيكون فيه تلفهم، كمثل الحرق والغرق والسيل والخسف؟
فيقال لهم: إن الله جعل في هذا أيضا صلاحا للصنفين جميعا: أما الأبرار فلما لهم في مفارقة هذه الدنيا من الراحة من تكاليفها والنجاة من مكارهها، وأما الفجار فلما لهم في ذلك من تمحيص أوزارهم وحبسهم عن الازدياد منها. وجملة القول أن الخالق تعالى ذكره بحكمته وقدرته قد يصرف هذه الأمور كلها إلى الخيرة والمنفعة فكما أنه إذا قطعت الريح شجرة أو قطعت نخلة أخذها الصانع الرفيق واستعملها في ضروب من المنافع فكذلك يفعل المدبر الحكيم في الآفات التي تنزل بالناس في أبدانهم وأموالهم فيصيرها جميعا إلى الخيرة والمنفعة.
فإن قال: ولم يحدث على الناس؟ قيل له: لكيلا يركنوا إلى المعاصي من طول السلامة فيبالغ الفاجر في ركوب المعاصي، ويفتر الصالح عن الاجتهاد في البر، فإن هذين الامرين جميعا يغلبان على الناس في حال الخفض والدعة، وهذه الحوادث التي تحدث عليهم تردعهم وتنبههم على ما فيه رشدهم، فلو أخلوا منهما لغلوا في الطغيان والمعصية كما على الناس في أول الزمان حتى وجب عليهم البوار بالطوفان وتطهير الأرض منهم.
ومما ينتقده الجاحدون للعمد والتقدير الموت والفناء فإنهم يذهبون إلى أنه ينبغي أن يكون الناس مخلدين في هذه الدنيا، مبرئين من الآفات. فينبغي أن يساق هذا الامر إلى غايته فينظر ما محصوله. أفرأيت لو كان كل من دخل العالم ويدخله يبقون ولا يموت أحد منهم ألم تكن الأرض تضيق بهم حتى تعوزهم المساكن والمزارع والمعاش؟ فإنهم والموت يفنيهم أولا أولا يتنافسون في المساكن والمزارع حتى ينشب بينهم في ذلك الحروب ويسفك فيهم الدماء، فكيف كانت تكون حالهم لو كانوا يولدون ولا يموتون؟ وكان يغلب عليهم الحرص والشره وقساوة القلوب، فلو وثقوا بأنهم لا يموتون لما قنع الواحد منهم بشئ ينال، ولا أفرج لاحد عن شئ يسأله، ولا سلا عن شئ مما يحدث عليه، ثم كانوا يملون الحياة وكل شئ من أمور الدنيا كما قد يمل الحياة من طال عمره حتى يتمنى الموت والراحة من الدنيا.
فإن قالوا: إنه كان ينبغي أن يرفع عنهم المكاره والأوصاب حتى لا يتمنوا الموت ولا يشتاقوا إليه، فقد وصفنا ما كان يخرجهم إليه من العتو والأشر الحامل لهم على ما فيه فساد الدين والدنيا. وإن قالوا: إنه كان ينبغي أن لا يتوالدوا كيلا تضيق عنهم المساكن والمعاش قيل لهم: إذا كان يحرم أكثر هذا الخلق دخول العالم والاستمتاع بنعم الله ومواهبه في الدارين جميعا إذا لم يدخل العالم إلا قرن واحد لا يتوالدون ولا يتناسلون.
فإن قالوا: كان ينبغي أن يخلق في ذلك القرن الواحد من الناس مثل ما خلق ويخلق إلى انقضاء العالم. يقال لهم: رجع الامر إلى ما ذكرنا من ضيق المساكن والمعاش عنهم ثم لو كانوا لا يتوالدون ولا يتناسلون لذهب موضع الانس بالقرابات وذوي الأرحام والانتصار بهم عند الشدائد، وموضع تربية الأولاد والسرور بهم. ففي هذا دليل على أن كلما تذهب إليه الأوهام سوى ما جرى به التدبير خطأ وسفاه من الرأي والقول.
ولعل طاعنا يطعن على التدبير من جهة أخرى فيقول: كيف يكون ههنا تدبير ونحن نرى الناس في هذه الدنيا من عزبز؟ فالقوي يظلم ويغصب، والضعيف يظلم ويسأم الخسف، والصالح فقير مبتلى، والفاسق معافى موسع عليه، ومن ركب فاحشة أو انتهك محرما لم يعاجل بالعقوبة، فلو كان في العالم تدبير لجرت الأمور على
القياس القائم، فكان الصالح هو المرزوق، والطالح هو المحروم، وكان القوى يمنع من ظلم الضعيف، والمتهتك للمحارم يعاجل بالعقوبة، فيقال في جواب ذلك: ان هذا لو كان هكذا لذهب موضع الاحسان الذي فضل به الانسان على غيره من الخلق، و حمل النفس على البر والعمل الصالح احتسابا للثواب وثقة بما وعد الله منه، ولصار الناس بمنزلة الدواب التي تساس بالعصا والعلف، ويلمع لها بكل واحد منهما ساعة فساعة فتستقيم على ذلك، ولم يكن أحد يعمل على يقين بثواب أو عقاب حتى كان هذا يخرجهم عن حد الانسية إلى حد البهائم، ثم لا يعرف ما غاب، ولا يعمل إلا على الحاضر، وكان يحدث من هذا أيضا أن يكون الصالح إنما يعمل الصالحات للرزق والسعة في هذه الدنيا، ويكون الممتنع من الظلم والفواحش إنما يعف عن ذلك لترقب عقوبة تنزل به من ساعته حتى يكون أفعال الناس كلها تجري على الحاضر لا يشوبها شئ من اليقين بما عند الله، ولا يستحقون ثواب الآخرة والنعيم الدائم فيها، مع أن هذه الأمور التي ذكرها الطاعن من الغنى والفقر والعافية والبلاء ليست بجارية على خلاف قياسه، بل قد تجري على ذلك أحيانا، والامر المفهوم، فقد ترى كثيرا من الصالحين يرزقون المال لضروب من التدبير، وكيلا يسبق إلى قلوب الناس أن الكفار هم المرزوقون، والأبرار هم المحرومون، فيؤثرون الفسق على الصلاح، وترى كثيرا من الفساق يعاجلون بالعقوبة إذا تفاقم طغيانهم وعظم ضررهم على الناس وعلى أنفسهم، كما عوجل فرعون بالغرق، وبخت نصر بالتيه، وبلبيس بالقتل، وإن امهل بعض الأشرار بالعقوبة واخر بعض الأخيار بالثواب إلى الدار الآخرة لأسباب تخفى على العباد لم يكن هذا مما يبطل التدبير، فإن مثل هذا قد يكون من ملوك الأرض ولا يبطل تدبيرهم، بل يكون تأخيرهم ما أخروه أو تعجيلهم ما عجلوه داخلا في صواب الرأي والتدبير، وإذا كانت الشواهد تشهد وقياسهم يوجب أن للأشياء خالقا حكيما قادرا فما يمنعه أن يدبر خلقه فإنه لا يصح في قياسهم أن يكون الصانع يهمل صنعته إلا بإحدى ثلاث خلال: إما عجز، وإما جهل، وإما شرارة، وكل هذه محال في صنعته عز وجل
وتعالى ذكره وذلك أن العاجز لا يستطيع أن يأتي بهذه الخلائق الجليلة العجيبة، والجاهل لا يهتدي لما فيها من الصواب والحكمة، والشرير لا يتطاول لخلقها وإنشائها وإذا كان هذا هكذا وجب أن يكون الخالق لهذه الخلائق يدبرها لا محالة وإن كان لا تدرك كنه ذلك التدبير ومخارجه فإن كثيرا من تدبير الملوك لا تفهمه العامة ولا تعرف أسبابه لأنها لا تعرف دخلة أمر الملوك وأسرارهم فإذا عرف سببه وجد قائما على الصواب و الشاهد المحنة. ولو شككت في بعض الأدوية والأطعمة فيتبين لك من جهتين أو ثلاث أنه حار أو بارد ألم تكن ستقضي عليه بذلك وتنفي الشك فيه عن نفسك؟ فما بال هؤلاء الجهلة لا يقضون على العالم بالخالق والتدبير مع هذه الشواهد الكثيرة؟ وأكثر منها ما لا يحصى كثرة، لو كان نصف العالم وما فيه مشكلا صوابه لما كان من حزم الرأي وسمت الأدب أن يقضى على العالم بالاهمال لأنه كان في النصف الآخر وما يظهر فيه من الصواب والاتقان ما يردع الوهم عن التسرع إلى هذه القضية فكيف وكل ما كان فيه إذا فتش وجد على غاية الصواب حتى لا يخطر بالبال شئ إلا وجد ما عليه الخلقة أصح وأصوب منه؟.
بيان قوله عليه السلام: للاسم الأقدم لعل المراد بالاسم المسمى، أو المراد الاسم الذي أظهره وأثبته في اللوح قبل سائر الأسماء، أو المراد الاسم الذي يخص الذات فهو أسبق الأسماء في الاعتبار وأشرفها كما يظهر من الآثار. قوله: والغيب المحظور أي الممنوع عن غيره تعالى إلا من ارتضاه لذلك. قوله: بالعرض قال الفيروزآبادي:
عرض الشئ: ظهر، والعرض: أن يموت الانسان من غير علة. والاجتياح: الاستيصال.
قوله عليه السلام: ويلذع يقال: لذعته النار أي أحرقته، ولذعه بلسانه أي أوجعه بكلام،
وفي بعض النسخ بإهمال الأول وإعجام الثاني من لدغ العقرب. ويقال: رثيت لفلان أي رققت له. والمضض محركة: وجع المصيبة. قوله عليه السلام: إذا كان يكون غير محمود يمكن أن يقرأ إذا بالتنوين وبدونها، وعلى الثاني يكون خبر كان محذوفا أي إذا كان الانسان كذلك.
ثم اعلم أنه ينبغي أن تحمل العصمة المأخوذة في السؤال على غير المعنى المشهور الذي سيأتي تحقيقه في باب عصمة الأئمة عليهم السلام بل المراد العصمة بمعنى الالجاء الذي لم يبق معه اختيار، ولذا فرع عليه السلام عليه عدم استحقاق الثواب، وإلا فالعصمة التي اتصفت بها الأنبياء والأئمة عليهم السلام لا ينافي ذلك كما سنحققه في مقامه إن شاء الله تعالى.
ويمكن أن يقال - على تقدير أن يكون المراد هذا المعنى أيضا - بأنه إذا صار هذا عاما في جميع البشر لا يتأتى في بعض المواد التي لا تستحق ذلك من نفوس الأشرار والفجار إلا بالالجاء الرافع للاستحقاق. قوله عليه السلام: إلى غاية الكلب والضراوة قال الجوهري:
دفعت عنك كلب فلان أي شره وأذاه، والكلب أيضا شبيه بالجنون. وقال: ضري الكلب بالصيد ضراوة أي تعود. أقول: لما كان السؤال مبنيا على فرض العصمة ظاهرا فتصحيح هذا الجواب في غاية الاشكال وخطر بالبال وجوه:
الأول: أن لا يكون السؤال مبنيا على فرض العصمة بل يكون المراد أنه لما ذكرت أن العصمة تنافي الاستحقاق فنقول: لم لم يبذل لهم الثواب على أي حال بأن يكلفهم العمل ليستحقوا الثواب إن أرادوا استحقاقه وإلا أعطاهم من غير استحقاق؟
إذ كثير من الناس يطلبون النعيم بغير استحقاق فلا يكون عليهم في الدنيا والآخرة سخط على المخالفة، وعلى هذا الجواب ظاهر الانطباق على السؤال كما لا يخفي.
الثاني: أن يكون السؤال مبنيا على فرض العصمة في بعضهم وهم الذين يطلبون الثواب ولا يريدون استحقاقه كما هو ظاهر السياق، ويكون حاصل الجواب أنه لو كان المجبور على الخيرات مثابا فمقتضى العدل أن يكون غير المجبور الطالب للخير والاستحقاق غير معاقب على حال وإلا لكان له الحجة على ربه بأنك لم تعصمني كما عصمت غيري، ومنعت عني اللطف بالبلايا والصوارف عن المعاصي في الدنيا ثم تعذبني على المعاصي،
فعلى هذا فلو علم غبر المعصومين ذلك لدعتهم الدواعي النفسانية إلى غاية الفساد، وهذا وجه وجيه لكن يحتاج إلى طي بعض المقدمات.
الثالث: أن يكون السؤال مبنيا على ذلك الفرض أيضا لكن يكون الجواب مبنيا على أنه قد يستلزم المحال نقيضه، إذ الكلام في هذا النوع من الخلق المسمى بالانسان الذي اقتضت الحكمة أن يكون قد ركبت فيه أنواع الشهوات والدواعي فلو فرضته على غير تلك الحالة لكان من قبيل فرض الشئ إنسانا وملكا وهما لا يجتمعان، فعلى هذا يلزمه أيضا لفرض كونه إنسانا أن يدعوه عدم خوف العقاب والفراغ إلى الأشر والبطر وأنواع المعاصي، وحاصله يرجع إلى تغيير الجواب الأول إلى جواب آخر لا يرد عليه السؤال على غاية اللطف والدقة.
والردع: الكف والمنع. وقوله: يغتبطون على البناء للفاعل من الاغتباط وهو حسن الحال بحيث يتمنى غيره حاله. والحض: الحث والتحريص. وتمحيص الأوزار:
تنقيصها أو إزالتها. قوله عليه السلام: فإن قال: ولم يحدث على الناس؟ أقول: لما كان آخر الكلام موهما لأن هذه الأمور بعد حدوثها يصيرها الله تعالى إلى الحكمة والصلاح سأل: ثانيا ما السبب في أصل الحدوث حتى يحتاج إلى أن يجعله الله صلاحا؟ ويحتمل أن يكون مراده أنا علمنا أن في وجودها صلاحا فهل في عدمها فساد؟ والجواب على التقديرين ظاهر. وقال الفيروزآبادي: عوز الشئ كفرح: لم يوجد، وأعوزه الشئ.
احتاج إليه، والدهر أحوجه. وقال: تناشبوا: تضاموا وتعلق بعضهم ببعض، ونشبه الامر كلزم زنة ومعنى. وقال: أفرجوا عن الطريق والقتيل: انكشفوا، وعن المكان:
تركوه. انتهى. والمراد هنا عدم التخلية بين أحد وبين ما يريده. قوله عليه السلام: ولا سلا عن شئ أي لا ينسى ويتسلى عن شئ من المصائب إذ بتذكر الموت تزول شدة المحن، من قولهم:
سلا عن الشئ أي نسيه. وقال الجوهري: بزه يبزه بزا: سلبه، وفي المثل من عزبز أي من غلب أخذ السلب. وقال: سامه خسفا وخسفا بالضم أي أولاه ذلا. وقال الفيروزآبادي:
لمع بيده: أشار. وقال تفاقم الامر: عظم. قوله عليه السلام: وبخت نصر بالتيه أقول: لعله إشارة إلى ما ذكره جماعة من المؤرخين أن ملكا من الملائكة لطم بخت نصر لطمة
ومسخه وصار في الوحش في صورة أسد وهو مع ذلك يعقل ما يفعله الانسان، ثم رده الله تعالى إلى صورة الانس وأعاد إليه ملكه فلما عاد إلى ملكه أراد قتل دانيال فقتله الله على يد واحد من غلمانه، وقيل في سبب قتله: إن الله أرسل عليه بعوضة فدخلت في منخره وصعدت إلى رأسه فكان لا يقر ولا يسكن حتى يدق رأسه فمات من ذلك. وبلبيس غير معروف عند المؤرخين. والتطاول هنا مبالغة في الطول بمعنى الفضل والاحسان. ودخلة الرجل مثلثة: نيته ومذهبه وجمع أمره وبطانته. قوله عليه السلام: والشاهد المحنة أي بالشاهد يمكن امتحان الغائب.
واعلم يا مفضل إن اسم هذا العالم بلسان اليونانية الجاري المعروف عندهم " قوسموس " وتفسيره " الزينة " وكذلك سمته الفلاسفة ومن ادعى الحكمة أفكانوا يسمونه بهذا الاسم إلا لما رأوا فيه من التقدير والنظام؟ فلم يرضوا أن يسموه تقديرا ونظاما حتى سموه زينة ليخبروا أنه مع ما هو عليه من الصواب والاتقان على غاية الحسن والبهاء.
أعجب يا مفضل من قوم لا يقضون صناعة الطب بالخطأ وهم يرون الطبيب يخطئ، ويقضون على العالم بالاهمال ولا يرون شيئا منه مهملا. بل أعجب من أخلاق من ادعى الحكمة حتى جهلوا مواضعها في الخلق فأرسلوا ألسنتهم بالذم للخالق جل وعلا. بل العجب من المخذول " ماني " حين ادعى علم الاسرار وعمي عن دلائل الحكمة في الخلق حتى نسبه إلى الخطأ ونسب خالقه إلى الجهل تبارك الحليم الكريم. وأعجب منهم جميعا المعطلة الذين راموا أن يدرك بالحس ما لا يدرك بالعقل فلما أعوزهم ذلك خرجوا إلى الجحود والتكذيب فقالوا: ولم لا يدرك بالعقل؟ قيل: لأنه فوق مرتبة العقل كما لا يدرك البصر ما هو فوق مرتبته فإنك لو رأيت حجرا يرتفع في الهواء علمت أن راميا رمى به فليس هذا العلم من قبل البصر بل من قبل العقل لان العقل هو الذي يميزه فيعلم أن الحجر لا يذهب علوا من تلقاء نفسه، أفلا ترى كيف وقف البصر
على حده فلم يتجاوزه؟ فكذلك يقف العقل على حده من معرفة الخالق فلا يعدوه ولكن يعقله بعقل أقر أن فيه نفسا ولم يعاينها ولم يدركها بحاسة من الحواس، وعلى حسب هذا أيضا نقول: إن العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الاقرار ولا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته.
فإن قالوا: فكيف يكلف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف ولا يحيط به؟ قيل لهم: إنما كلف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه، وهو أن يوقنوا به ويقفوا عند أمره ونهيه، ولم يكلفوا الإحاطة بصفته كما أن الملك لا يكلف رعيته أن يعلموا أطويل هو أم قصير، أبيض هو أم أسمر وإنما يكلفهم الاذعان بسلطانه والانتهاء إلى أمره، ألا ترى أن رجلا لو أتى باب الملك فقال: أعرض علي نفسك حتى أتقصى معرفتك وإلا لم أسمع لك كان قد أحل نفسه العقوبة، فكذا القائل: إنه لا يقر بالخالق سبحانه حتى يحيط بكنهه متعرض لسخطه.
فإن قالوا: أوليس قد نصفه فنقول: هو العزيز الحكيم الجواد الكريم؟ قيل لهم:
كل هذه صفات إقرار، وليست صفات إحاطة، فإنا نعلم أنه حكيم ولا نعلم بكنه ذلك منه، وكذلك قدير وجواد وسائر صفاته كما قد نرى السماء ولا ندري ما جوهرها، ونرى البحر ولا ندري أين منتهاه، بل فوق هذا المثال بما لا نهاية له لان الأمثال كلها تقصر عنه ولكنها تقود العقل إلى معرفته.
فإن قالوا: ولم يختلف فيه؟ قيل لهم: لقصر الأوهام عن مدى عظمته وتعديها أقدارها في طلب معرفته، وإنها تروم الإحاطة به وهي تعجز عن ذلك وما دونه، فمن ذلك هذه الشمس التي تراها تطلع على العالم ولا يوقف على حقيقة أمرها، ولذلك كثرت الأقاويل فيها واختلفت الفلاسفة المذكورون في وصفها فقال بعضهم: هو فلك أجوف مملو نارا، له فم يجيش بهذا الوهج والشعاع، وقال آخرون: هو سحابة، وقال آخرون:
هو جسم زجاجي يقبل نارية في العالم ويرسل عليه شعاعها، وقال آخرون: هو صفو
لطيف ينعقد من ماء البحر، وقال آخرون: هو أجزاء كثيرة مجتمعة من النار، وقال آخرون:
هو من جوهر خامس سوى الجواهر الأربع. ثم اختلفوا في شكلها فقال بعضهم: هي بمنزلة صفيحة عريضة، وقال آخرون: هي كالكرة المدحرجة. وكذلك اختلفوا في مقدارها فزعم بعضهم أنها مثل الأرض سواد، وقال آخرون: بل هي أقل من ذلك، وقال آخرون: هي أعظم من الجزيرة العظيمة. وقال أصحاب الهندسة: هي أضعاف الأرض مائة وسبعون مرة. ففي اختلاف هذه الأقاويل منهم في الشمس دليل على أنهم لم يقفوا على الحقيقة من أمرها، وإذا كانت هذه الشمس التي يقع عليها البصر و يدركها الحس قد عجزت العقول عن الوقوف على حقيقتها فكيف ما لطف عن الحس واستتر عن الوهم؟.
فإن قالوا: ولم استتر؟ قيل لهم: لم يستتر بحيلة يخلص إليها كمن يحتجب عن الناس بالأبواب والستور، وإنما معنى قولنا: استتر أنه لطف عن مدى ما تبلغه الأوهام، كما لطفت النفس وهي خلق من خلقه وارتفعت عن إدراكها بالنظر.
فإن قالوا: ولم لطف؟ - وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - كان ذلك خطأ من القول لأنه لا يليق بالذي هو خالق كل شئ إلا أن يكون مبائنا لكل شئ، متعاليا عن كل شئ، سبحانه وتعالى.
فإن قالوا: كيف يعقل أن يكون مبائنا لكل شئ متعاليا؟ قيل لهم: الحق الذي تطلب معرفته من الأشياء هو أربعة أوجه: فأولها أن ينظر أموجود هو أم ليس بموجود والثاني أن يعرف ما هو في ذاته وجوهره. والثالث أن يعرف كيف هو وما صفته؟ والرابع أن يعلم لماذا هو ولاية علة؟ فليس من هذه الوجوه شئ يمكن المخلوق. أن يعرفه من الخالق حق معرفته غير أنه موجود فقط. فإذا قلنا: كيف وما هو؟ فممتنع علم كنهه و كمال المعرفة به، وأما لماذا هو فساقط في صفة الخالق لأنه جل ثناؤه علة كل شئ و ليس شئ بعلة له، ثم ليس علم الانسان بأنه موجود يوجب له أن يعلم ما هو كما أن علمه بوجود النفس لا يوجب أن يعلم ما هي وكيف هي، وكذلك الأمور الروحانية اللطيفة.
فإن قالوا: فأنتم الآن تصفون من قصور العلم عنه وصفا حتى كأنه غير معلوم!
قيل لهم: هو كذلك من جهة إذا رام العقل معرفة كنهه والإحاطة به، وهو من جهة أخرى أقرب من كل قريب إذا استدل عليه بالدلائل الشافية فهو من جهة كالواضح لا يخفى على أحد، وهو من جهة كالغامض لا يدركه أحد، وكذلك العقل أيضا ظاهر بشواهد ومستور بذاته.
فأما أصحاب الطبائع فقالوا: إن الطبيعة لا تفعل شيئا لغير معنى ولا تتجاوز عما فيه تمام الشئ في طبيعته، وزعموا أن الحكمة تشهد بذلك. فقيل لهم: فمن أعطى الطبيعة هذه الحكمة والوقوف على حدود الأشياء بلا مجاوزة لها، وهذا قد تعجز عنه العقول بعد طول التجارب؟ فإن أوجبوا للطبيعة الحكمة والقدرة على مثل هذه الأفعال فقد أقروا بما أنكروا لأن هذه هي صفات الخالق، وإن أنكروا أن يكون هذا للطبيعة فهذا وجه الخلق يهتف بأن الفعل لخالق الحكيم.
وقد كان من القدماء طائفة أنكروا العمد والتدبير في الأشياء وزعموا أن كونها بالعرض والاتفاق، وكان مما احتجوا به هذه الآفات التي تلد غير مجرى العرف والعادة كالانسان يولد ناقصا أو زائدا إصبعا، أو يكون المولود مشوها مبدل الخلق، فجعلوا هذا دليلا على أن كون الأشياء ليس بعمد وتقدير، بل بالعرض كيف ما اتفق أن يكون.
وقد كان أرسطا طاليس رد عليهم فقال: إن الذي يكون بالعرض والاتفاق إنما هو شئ يأتي في الفرط مرة لاعراض تعرض للطبيعة فتزيلها عن سبيلها، وليس بمنزلة الأمور الطبيعية الجارية على شكل واحد جريا دائما متتابعا.
وأنت يا مفضل ترى أصناف الحيوان أن يجري أكثر ذلك على مثال ومنهاج واحد كالانسان يولد وله يدان ورجلان وخمس أصابع كما عليه الجمهور من الناس، فأما ما يولد على خلاف ذلك فإنه لعلة تكون في الرحم أو في المادة التي ينشأ منها الجنين، كما يعرض في الصناعات حين يتعمد الصانع الصواب في صنعته فيعوق دون ذلك
عائق في الأداة أو في الآلة التي يعمل فيها الشئ، فقد يحدث مثل في أولاد الحيوان للأسباب التي وصفنا فيأتي الولد زائدا أو ناقصا أو مشوها ويسلم أكثرها فيأتي سويا لا علة فيه، فكما أن الذي يحدث في بعض الاعمال الاعراض لعلة فيه لا توجب عليها جميعا الاهمال وعدم الصانع كذلك ما يحدث على بعض الأفعال الطبيعية لعائق يدخل عليها لا يوجب أن يكون جميعها بالعرض والاتفاق، فقول من قال في الأشياء: إن كونها بالعرض والاتفاق من قبل أن شيئا منها يأتي على خلاف الطبيعة يعرض له خطأ و خطل.
فإن قالوا: ولم صار مثل هذا يحدث في الأشياء؟ قيل لهم: ليعلم أنه ليس كون الأشياء باضطرار من الطبيعة، ولا يمكن أن يكون سواه كما قال قائلون، بل هو تقدير وعمد من خالق حكيم، إذ جعل الطبيعة تجري أكثر ذلك على مجرى ومنهاج معروف، ويزول أحيانا عن ذلك لاعراض تعرض لها فيستدل بذلك على أنها مصرفة مدبرة فقيرة إلى إبداء الخالق وقدرته في بلوغ غايتها وإتمام عملها تبارك الله أحسن الخالقين.
يا مفضل خذ ما آتيتك واحفظ ما منحتك، وكن لربك من الشاكرين ولآلائه من الحامدين، ولأوليائه من المطيعين، فقد شرحت لك من الأدلة على الخلق والشواهد على صواب التدبير والعمد قليلا من كثير، وجزءا من كل فتدبره وفكر فيه واعتبر به.
فقلت: بمعونتك يا مولاي أقوى على ذلك وأبلغه إن شاء الله، فوضع يده على صدري فقال:
احفظ بمشية الله ولا تنس إن شاء الله.
فخررت مغشيا علي فلما أفقت قال: كيف ترى نفسك يا مفضل؟ فقلت: قد استغنيت بمعونة مولاي وتأييده عن الكتاب الذي كتبته، وصار ذلك بين يدي كأنما أقرأه من كفي، ولمولاي الحمد والشكر كما هو أهله ومستحقه.
فقال: يا مفضل فرغ قلبك واجمع إليك ذهنك وعقلك وطمأنينتك فسألقي إليك من علم ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله بينهما، وفيهما من عجائب خلقه و أصناف الملائكة وصفوفهم ومقاماتهم ومراتبهم إلى سدرة المنتهى، وسائر الخلق من
الجن والإنس إلى الأرض السابعة السفلى وما تحت الثرى حتى يكون ما وعيته جزءا من أجزاء، انصرف إذا شئت مصاحبا مكلوءا فأنت منا بالمكان الرفيع، وموضعك من قلوب المؤمنين موضع الماء من الصدى، ولا تسألن عما وعدتك حتى احدث لك منه ذكرا.
قال المفضل: فانصرفت من عند مولاي بما لم ينصرف أحد بمثله.
بيان: جاش البحر والقدر وغيرهما يجيش جيشا: غلا. قوله عليه السلام: قال: أصحاب الهندسة أقول: المشهور بين متأخريهم أن جرم الشمس مائة وستة وستون مثلا وربع و ثمن لجرم الأرض، وما ذكره عليه السلام لعله كان مذهب قدمائهم مع أنه قريب من المشهور، والاختلاف بين قدمائهم ومتأخريهم في أمثال ذلك كثير. قوله عليه السلام: الحق الذي أي الأمور الحقة الثابتة التي تطلب معرفتها من بين الأشياء. وفي بعض النسخ لحق أي ما يحق وينبغي أن تطلب معرفته من أحوال الأشياء هو أربعة أوجه. وقال الجوهري: قولهم لقيته في الفرط بعد الفرط أي الحين بعد الحين. والصدى بالفتح:
العطش.
ثم اعلم أن بعض تلك الفقرات تؤمي إلى تجرد النفس، والله يعلم وحججه صلوات الله عليهم أجمعين.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.