بحارالانوار · كتاب التوحيد
باب 4 الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر روى محمد بن سنان
ج ۳، ص ۵۶–۸۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۴
بيان: الحوز: الجمع وكل من ضم إلى نفسه شيئا فقد حازه. والحظوة بالضم والكسر والحاء المهملة والظاء المعجمة: المكانة والمنزلة. والفيلسوف: العالم. وخسأ
البصر أي كل. والناموس: صاحب السر المطلع على أمرك، أو صاحب سر الخير، و جبرئيل عليه السلام، والحاذق ومن يلطف مدخله، ذكرها الفيروزآبادي، ومراده هنا الرب تعالى شأنه. وخمل ذكره: خفي. والخامل: الساقط الذي لا نباهة له. وقوله: الذي يمشى به أي يذهب إلى دين محمد - صلى الله عليه وآله - وغيره بسببه، أو يهتدى به كقوله تعالى: نورا يمشي به في الناس. وفي بعض النسخ " يسمى " إما بالتشديد أي يذكر اسمه، أو بالتخفيف أي يرتفع الناس به ويدعون الانتساب إليه.
قال المفضل: فلم أملك نفسي غضبا وغيظا وحنقا فقلت: يا عدو الله ألحدت في دين الله، وأنكرت الباري جل قدسه الذي خلقك في أحسن تقويم، وصورك في أتم صورة، ونقلك في أحوالك حتى بلغ بك إلى حيث انتهيت، فلو تفكرت في نفسك و صدقك لطيف حسك لوجدت دلائل الربوبية وآثار الصنعة فيك قائمة، وشواهده - جل وتقدس - في خلقك واضحة، وبراهينه لك لائحة. فقال: يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلمناك، فإن ثبت لك حجة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادلنا، ولقد سمع من كلامنا أكثر مما سمعت، فما أفحش في خطابنا ولا تعدى في جوابنا، وإنه للحليم الرزين العاقل الرصين، لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، ويسمع كلامنا ويصغي إلينا ويستعرف حجتنا حتى استفرغنا ما عندنا وظننا أنا قد قطعناه أدحض حجتنا بكلام يسير وخطاب قصير يلزمنا به الحجة، ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه ردا، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه.
بيان: وصدقك بالتخفيف أي قال لك صدقا. لطيف حسك أي حسك اللطيف أي لم يلتبس على حسك غرائب صنع الله فيك لمعاندتك للحق، وفي بعض النسخ حسنك فالمراد بصدق الحسن ظهور ما أخفى الله فيه منه على الناظر، وعلى الوجهين يمكن أن يقرأ صدقك بالتشديد بتكلف لا يخفى على المتأمل. والرزين: الوقور، والرصين بالصاد
المهملة: الحكم الثابت. والخرق بالضم: ضد الرفق. والنزق: الطيش والخفة عند الغضب. وقوله: استفرغنا لعله من الافراغ بمعنى الصب، قال الفيروزآبادي: استفرغ مجهوده: بذل طاقته، والادحاض: الابطال.
قال المفضل: فخرجت من المسجد محزونا مفكرا فيما بلي به الاسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها، فدخلت على مولاي صلوات الله عليه فرآني منكسرا، فقال: مالك؟ فأخبرته بما سمعت من الدهريين وبما رددت عليهما، فقال: لألقين إليك من حكمة الباري - جل وعلا وتقدس اسمه - في خلق العالم والسباع والبهائم و الطير والهوام، وكل ذي روح من الانعام، والنبات والشجرة المثمرة وغير ذات الثمر والحبوب والبقول المأكول من ذلك وغير المأكول ما يعتبر به المعتبرون، ويسكن إلى معرفته المؤمنون، ويتحير فيه الملحدون فبكر علي غدا.
قال المفضل: فانصرفت من عنده فرحا مسرورا وطالت علي تلك الليلة انتظارا لما وعدني به، فلما أصبحت غدوت فاستؤذن لي فدخلت وقمت بين يديه، فأمرني بالجلوس فجلست، ثم نهض إلى حجرة كان يخلو فيها، فنهضت بنهوضه فقال: اتبعني فتبعته فدخل ودخلت خلفه، فجلس وجلست بين يديه، فقال: يا مفضل: كأني بك وقد طالت عليك هذه الليلة انتظارا لما وعدتك؟ فقلت: أجل يا مولاي، فقال: يا مفضل إن الله كان ولا شئ قبله، وهو باق ولا نهاية له، فله الحمد على ما ألهمنا، وله الشكر على ما منحنا، وقد خصنا من العلوم بأعلاها ومن المعالي بأسناها، واصطفانا على جميع الخلق بعلمه، وجعلنا مهيمنين عليهم بحكمه، فقلت: يا مولاي أتأذن لي أن أكتب ما تشرحه؟
- وكنت أعددت معي ما أكتب فيه - فقال لي: افعل.
بيان: أسناها أي أرفعها أو أضوأها. والمهيمن: الأمين والمؤتمن والشاهد.
يا مفضل إن الشكاك جهلوا الأسباب والمعاني في الخلقة، وقصرت أفهامهم عن تأمل الصواب والحكمة، فيما ذرأ الباري جل قدسه وبرأ من صنوف خلقه في
البر والبحر، والسهل والوعر فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود، وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود، حتى أنكروا خلق الأشياء، وأدعوا أن كونها بالاهمال لا صنعة فيها ولا تقدير، ولا حكمة من مدبر ولا صانع، تعالى الله عما يصفون، وقاتلهم الله أنى يؤفكون. فهم في ضلالهم وعماهم وتحيرهم بمنزلة عميان دخلوا دارا قد بنيت أتقن بناء وأحسنه، وفرشت بأحسن الفرش وأفخره، واعد فيها ضروب الأطعمة والأشربة و الملابس والمآرب التي يحتاج إليها لا يستغنى عنها، ووضع كل شئ من ذلك موضعه على صواب من التقدير وحكمة من التدبير فجعلوا يترددون فيها يمينا وشمالا ويطوفون بيوتها إدبارا وإقبالا، محجوبة أبصارهم عنها، لا يبصرون بنية الدار وما أعد فيها، وربما عثر بعضهم بالشئ الذي قد وضع موضعه واعد للحاجة إليه، و هو جاهل بالمعنى فيه ولما أعد ولماذا جعل كذلك فتذمر وتسخط وذم الدار وبانيها فهذه حال هذا الصنف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة وثبات الصنعة، فإنهم لما غربت أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء صاروا يجولون في هذا العالم حيارى، ولا يفهمون ما هو عليه من إتقان خلقته وحسن صنعته وصواب تهيئته، و ربما وقف بعضهم على الشئ لجهل سببه والإرب فيه فيسرع إلى ذمه ووصفه بالإحالة والخطأ، كالذي أقدمت عليه المانوية الكفرة، وجاهرت به الملحدة المارقة الفجرة وأشباههم من أهل الضلال، المعللين أنفسهم بالمحال، فيحق على من أنعم الله عليه بمعرفته وهداه لدينه، ووفقه لتأمل التدبير في صنعة الخلائق، والوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبير وصواب التعبير بالدلالة القائمة الدالة على صانعها، أن يكثر حمد الله مولاه على ذلك، ويرغب إليه في الثبات عليه والزيادة منه فإنه جل اسمه يقول: لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.
بيان: قاتلهم الله أي قتلهم، أو لعنهم. أنى يؤفكون كيف يصرفون عن الحق؟
وقال الجوهري: ظل يتذمر على فلان إذا تنكر له وأوعده. انتهى. وغربت بمعنى غابت.
والإرب بالفتح والكسر: الحاجة. ووصفه بالإحالة أي بأنه يستحيل أن يكون له خالق مدبر أو يستحيل أن يكون من فعله تعالى. والمانوية فرقة من الثنوية أصحاب ماني الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير، وأحدث دينا بين المجوسية والنصرانية، وكان يقول بنبوة المسيح - على نبينا وآله وعليه السلام - ولا يقول بنبوة موسى - على نبينا وآله وعليه السلام - وزعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة، وهؤلاء ينسبون الخيرات إلى النور، والشرور إلى الظلمة، وينسبون خلق السباع والمؤذيات والعقارب والحيات إلى الظلمة، فأشار عليه السلام إلى فساد وهمهم بأن هذا لجهلهم بمصالح هذه السباع والعقارب والحيات التي يزعمون أنها من الشرور التي لا يليق بالحكيم خلقها. قوله عليه السلام: المعللين أي الشاغلين أنفسهم عن طاعة ربهم بأمور يحكم العقل السليم باستحالته، قال الفيروزآبادي: علله بطعام وغيره تعليلا:
شغله به.
يا مفضل: أول العبر والأدلة على الباري جل قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه، فإنك إذا تأملت العالم بفكرك وميزته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكل شئ فيها لشأنه معد، والانسان كالمملك ذلك البيت، والمخول جميع ما فيه، وضروب النبات مهيأة لمأربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه، ففي هذا دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتقدير وحكمة، ونظام وملائمة، وأن الخالق له واحد وهو الذي ألفه ونظمه بعضا إلى بعض، جل قدسه، وتعالى جده، وكرم وجهه، ولا إله غيره، تعالى عما يقول الجاحدون، وجل وعظم عما ينتحله الملحدون.
بيان: قال الفيروزآبادي: نضد متاعه ينضده: جعل بعضه فوق بعض فهو منضود انتهى. والتخويل: الاعطاء والتمليك. قوله عليه السلام: وإن الخالق له واحد
أقول: أشار عليه السلام بذلك إلى أقوى براهين التوحيد، وهو أن ايتلاف أجزاء العالم واحتياج بعضها إلى بعض وانتظام بعضها ببعض، يدل على وحدة مدبرها كما أن ارتباط أجزاء الشخص بعضها ببعض وانتظام بعض أعضائه مع بعض يدل على وحدة مدبره.
وقد قيل في تطبيق العالم الكبير على العالم الصغير لطائف لا يسع المقام ذكرها، وربما يستدل عليه أيضا بما قد تقرر من أن المتلازمين إما أن يكون أحدهما علة للآخر، أو هما معلولا علة ثالثة، وسيأتي الكلام فيه في باب التوحيد.
نبتدئ يا مفضل بذكر خلق الانسان فاعتبر به، فأول ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم، وهو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء ولا دفع أذى، ولا استجلاب منفعة ولا دفع منصرة، فإنه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذوا الماء النبات فلا يزال ذلك غذاؤه حتى إذا كمل خلقه واستحكم بدنه، وقوي أديمه على مباشرة الهواء، وبصره على ملاقاة الضياء هاج الطلق بأمه فأزعجه أشد إزعاج، وأعنفه حتى يولد، وإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم أمه إلى ثدييها فانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء، وهو أشد موافقة للمولود من الدم فيوافيه في وقت حاجته إليه فحين يولد قد تلمظ وحرك شفتيه طلبا للرضاع فهو يجد ثديي أمه كالإداوتين المعلقتين لحاجته إليه، فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن، رقيق الأمعاء، لين الأعضاء، حتى إذا تحرك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتد ويقوي بدنه طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس، ليمضغ به الطعام فيلين عليه، ويسهل له إساغته فلا يزال كذلك حتى يدرك فإذا أدرك وكان ذكرا طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذكر وعز الرجل الذي يخرج به من حد الصبا وشبه النساء، وإن كانت أنثى يبقى وجهها نقيا من الشعر، لتبقى لها البهجة والنضارة التي تحرك الرجال لما فيه دوام النسل وبقاؤه.
بيان: الأديم: الجلد. والطلق: وجع الولادة. ويقال: أزعجه أي قلعه عن مكانه ويقال: تلمظ إذا أخرج لسانه فمسح به شفتيه، وتلمظت الحية إذا أخرجت لسانها كتلمظت الاكل. والإداوة بالكسر: إناء صغير من جلد يتخذ للماء. والطواحن:
الأضراس، ويطلق الأضراس غالبا على المآخير، والأسنان على المقاديم كما هو الظاهر هنا، وإن لم يفرق اللغويون بينهما، والمراد بالطواحن هنا جميع الأسنان. والإساغة: الأكل والشرب بسهولة.
اعتبر يا مفضل فيما يدبر به الانسان في هذه الأحوال المختلفة، هل ترى يمكن أن يكون بالاهمال؟ أفرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم وهو في الرحم ألم يكن سيذوي ويجف كما يجف النبات إذا فقد الماء؟ ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه ألم يكن سيبقى في الرحم كالموؤود في الأرض؟ ولو لم يوافقه اللبن مع ولادته ألم يكن سيموت جوعا، أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه؟ ولو لم تطلع عليه الأسنان في وقتها ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإساغته، أو يقيمه على الرضاع فلا يشد بدنه ولا يصلح لعمل؟ ثم كان تشتغل أمه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد، ولو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته ألم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء فلا ترى له جلالة ولا وقارا؟.
فقال المفضل: فقلت: يا مولاي فقد رأيت من يبقى على حالته ولا ينبت الشعر في وجهه وإن بلغ حال الكبر، فقال: ذلك بما قدمت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد، فمن هذا الذي يرصده حتى يوافيه بكل شي من هذه المآرب إلا الذي أنشأه خلقا بعد أن لم يكن، ثم توكل له بمصلحته بعد أن كان فإن كان الاهمال يأتي بمثل هذا التدبير فقد يجب أن يكون العمد والتقدير يأتيان بالخطأ والمحال لأنهما ضدا الاهمال، وهذا فظيع من القول وجهل من قائله، لان الاهمال لا يأتي بالصواب، والتضاد لا يأتي بالنظام، تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا، ولو كان المولود يولد فهما عاقلا لأنكر العالم عند ولادته ولبقي حيران تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف وورد عليه
ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إلى غير ذلك مما يشاهده ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم، واعتبر ذلك بأن من سبي من بلد إلى بلد وهو عاقل يكون كالواله الحيران فلا يسرع في تعلم الكلام وقبول الأدب كما يسرع الذي يسبى صغيرا غير عاقل، ثم لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعا، معصبا بالخرق، مسجى في المهد لأنه لا يستغني عن هذا كله لرقة بدنه ورطوبته حين يولد، ثم كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل فصار يخرج إلى الدنيا غبيا غافلا عما فيه أهله فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة، ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا وشيئا بعد شئ، وحالا بعد حال، حتى يألف الأشياء ويتمرن ويستمر عليها، فيخرج من حد التأمل لها والحيرة فيها إلى التصرف والاضطراب إلى المعاش بعقله وحيلته وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية، وفي هذا أيضا وجوه آخر فإنه لو كان يولد تام العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد، وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة، وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكلفات بالبر والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم، ثم كان الأولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم لان الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم فيتفرقون عنهم حين يولدون فلا يعرف الرجل أباه وأمه، ولا يمتنع من نكاح أمه وأخته وذوات المحارم منه إذا كان لا يعرفهن، وأقل ما في ذلك من القباحة - بل هو أشنع وأعظم وأفظع وأقبح وأبشع - لو خرج المولود من بطن أمه وهو يعقل أن يرى منها مالا يحل له ولا يحسن به أن يراه. أفلا ترى كيف أقيم كل شئ من الخلقة على غاية الصواب، وخلا من الخطأ دقيقه وجليله؟
بيان: أفرأيت أي أخبرني، قال الزمخشري: لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقا إلى الإحاطة بها علما وصحة الخبر عنها استعملوا أرأيت بمعنى أخبر. انتهى. و يقال: ذوي العود أي يبس. والموؤود الذي دفن في الأرض حيا كما كان المشركون
يفعلون في الجاهلية ببناتهم. قوله عليه السلام: أو يقيمه أي عدم طلوع الأسنان. قوله عليه السلام:
ذلك بما قدمت أيديهم، يحتمل أن يكون هذا لتعذيب الآباء وإن كان الأولاد يوجرون لقباحة منظرهم، أو للأولاد لما كان في علمه تعالى صدوره عنهم باختيارهم. ويرصده أي يرقبه. قوله عليه السلام: فإن كان الاهمال أي إذا لم يكن الأشياء منوطة بأسبابها، ولم ترتبط الأمور بعللها، فكما جاز أن يحصل هذا الترتيب والنظام التام بلا سبب فجاز أن يصير التدبير في الأمور سببا لاختلالها، وهذا خلاف ما يحكم به عقول كافة الخلق لما نرى من سعيهم في تدبير الأمور وذمهم من يأتي بها على غير تأمل وروية، ويحتمل أن يكون المراد أن الوجدان يحكم بتضاد آثار الأمور المتضادة، وربما أمكن إقامة البرهان عليه أيضا، فإذا أتى الاهمال بالصواب يجب أن يأتي ضده وهو التدبير بالخطأ وهذا أفظع وأشنع، والمراد بالمحال الامر الباطل الذي لم يأت على وجهه الذي ينبغي أن يكون عليه، قال الفيروزآبادي: المحال من الكلام بالضم: ما عدل عن وجهه. انتهى.
والتيه: الضلال والحيرة. والغضاضة بالفتح: الذلة والمنقصة. وقوله عليه السلام: معصبا أي مشدودا. والتسجية: التغطية بثوب يمد عليه. والغبي على فعيل: قليل الفطنة. والاعتبار من العبرة، وذكر في مقابلة السهو والغفلة. وقوله: ما قدر وما يوجب كلاهما معطوفان على موضع. وقوله: من المكلفات بيان لما يوجب أي لذهب التكاليف المتعلقة بالأولاد بأن يبروا آباءهم ويعطفوا عليهم عند حاجة الآباء إلى تربيتهم، وإعانتهم لكبرهم و ضعفهم، جزاءا لما قاسوا من الشدائد في تربيتهم. قوله: أن يرى خبر لقوله: أقل ما في ذلك.
اعرف يا مفضل ما للأطفال في البكاء من المنفعة، واعلم أن في أدمغة الأطفال رطوبة إن بقيت فيها أحدثت عليهم أحداثا جليلة، وعللا عظيمة من ذهاب البصر وغيره فالبكاء يسيل تلك الرطوبة من رؤوسهم، فيعقبهم ذلك الصحة في أبدانهم، والسلامة في أبصارهم، أفليس قد جاز أن يكون الطفل ينتفع بالبكاء، ووالداه لا يعرفان ذلك، فهما دائبان ليسكتاه ويتوخيان في الأمور مرضاته لئلا يبكي، وهما لا يعلمان أن البكاء أصلح له وأجمل عاقبة، فهكذا يجوز أن يكون في كثير من الأشياء منافع لا يعرفها القائلون
بالاهمال، ولو عرفوا ذلك لم يقضوا على الشئ أنه لا منفعة فيه من أجل أنهم لا يعرفونه ولا يعلمون السبب فيه فإن كل مالا يعرفه المنكرون يعلمه العارفون، وكثير مما يقصر عنه علم المخلوقين محيط به علم الخالق جل قدسه وعلت كلمته، فأما ما يسيل من أفواه الأطفال من الريق ففي ذلك خروج الرطوبة التي لو بقيت في أبدانهم لأحدثت عليهم الأمور العظيمة، كمن تراه قد غلبت عليه الرطوبة فأخرجته إلى حد البله والجنون والتخليط، إلى غير ذلك من الأمراض المختلفة كالفالج واللقوة وما أشبههما، فجعل الله تلك الرطوبة تسيل من أفواهم في صغرهم لمالهم في ذلك من الصحة في كبرهم، فتفضل على خلقه بما جهلوه، ونظر لهم بما لم يعرفوه، ولو عرفوا نعمه عليهم لشغلهم ذلك عن التمادي في معصيته، فسبحانه ما أجل نعمته وأسبغها على المستحقين وغيرهم من خلقه، وتعالى عما يقول المبطلون علوا كبيرا.
بيان: الدؤب: الجد والتعب. والتوخي: التحري والقصد. وقوله عليه السلام:
كل ما لا يعرفه أي مما لا يقصر عنه علم المخلوقين. ويقال: أبطل أي جاء بالباطل.
انظر الآن يا مفضل كيف جعلت آلات الجماع في الذكر والأنثى جميعا على ما يشاكل ذلك، فجعل للذكر آلة ناشزة تمتد حتى تصل النطفة إلى الرحم إذ كان محتاجا إلى أن يقذف ماءه في غيره، وخلق للأنثى وعاءا قعر ليشتمل على المائين جميعا، ويحتمل الولد ويتسع له ويصونه حتى يستحكم، أليس ذلك من تدبير حكيم لطيف؟ سبحانه وتعالى عما يشركون.
بيان: المشاكلة: المشابهة والمناسبة، واسم الإشارة راجع إلى ما مضى من التدبير في الخلق، ويحتمل إرجاعه إلى الجماع.
فكريا مفضل في أعضاء البدن أجمع وتدبير كل منها للإرب، فاليدان للعلاج، والرجلان للسعي، والعينان للاهتداء، والفم للاغتذاء، والمعدة للهضم، والكبد للتخليص، والمنافذ لتنفيذ الفضول، والأوعية لحملها، والفرج لإقامة النسل، وكذلك جميع الأعضاء إذا تأملتها وأعملت فكرك فيها ونظرك وجدت كل شئ منها قد قدر لشئ على صواب وحكمة.
قال المفضل: فقلت: يا مولاي إن قوما يزعمون أن هذا من فعل الطبيعة، فقال:
سلهم عن هذه الطبيعة، أهي شئ له علم وقدرة على مثل هذه الأفعال، أم ليست كذلك؟
فإن أوجبوا لها العلم والقدرة فما يمنعهم من إثبات الخالق؟ فإن هذه صنعته، وإن زعموا أنها تفعل هذه الأفعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب و الحكمة علم أن هذا الفعل للخالق الحكيم، وأن الذي سموه طبيعة هو سنة في خلقه الجارية على ما أجراها عليه.
ايضاح: قوله عليه السلام: فما يمنعهم؟ لعل المراد أنهم إذا قالوا بذلك فقد أثبتوا الصانع فلم يسمونه بالطبيعة وهي ليست بذات علم وإرادة وقدرة؟. قوله عليه السلام: علم أن هذا الفعل أي ظاهر بطلان هذا الزعم، والذي صار سببا لذهولهم أن الله تعالى أجرى عادته بأن يخلق الأشياء بأسبابها فذهبوا إلى استقلال تلك الأسباب في ذلك، وبعبارة أخرى أن سنة الله وعادته قد جرت لحكم كثيرة أن تكون الأشياء بحسب بادئ النظر مستندة إلى غيره تعالى، ثم يعلم بعد الاعتبار والتفكر أن الكل مستند إلى قدرته و تأثيره تعالى، وإنما هذه الأشياء وسائل وشرائط لذلك، فلذا تحيروا في الصانع تعالى، فالضمير المنصوب في قوله: أجراها راجع إلى السنة، وضمير " عليه " راجع إلى الموصول.
فكريا مفضل في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير، فإن الطعام يصير
إلى المعدة فتطبخه، وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق رقاق واشجة بينها قد جعلت كالمصفى للغذاء، لكيلا يصل إلى الكبد منه شئ فينكأها، وذلك أن الكبد رقيقة لا تحتمل العنف، ثم إن الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دما، وينفذ إلى البدن كله في مجاري مهيأة لذلك، بمنزلة المجاري التي تهيؤ للماء حتى يطرد في الأرض كلها، و ينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مفائض قد أعدت لذلك، فما كان منه من جنس المرة الصفراء جرى إلى المرارة، وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال، وما كان من البلة والرطوبة جرى إلى المثانة، فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن، و وضع هذه الأعضاء منه مواضعها، وإعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول، لئلا تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه، فتبارك من أحسن التقدير وأحكم التدبير، وله الحمد كما هو أهله ومستحقه.
قال المفضل: فقلت: صف نشؤ الأبدان ونموها حالا بعد حال حتى تبلغ التمام والكمال. فقال عليه السلام:
أول ذلك تصوير الجنين في الرحم حيث لا تراه عين ولا تناله يد، ويدبره حتى يخرج سويا مستوفيا جميع ما فيه قوامه وصلاحه من الأحشاء والجوارح والعوامل إلى ما في تركيب أعضائه من العظام واللحم والشحم والمخ والعصب والعروق والغضاريف، فإذا خرج إلى العالم تراه كيف ينمي بجميع أعضائه وهو ثابت على شكل وهيئة لا تتزايد ولا تنقص إلى أن يبلغ أشده إن مد في عمره أو يستوفي مدته قبل ذلك، هل هذا إلا من لطيف التدبير والحكمة؟.
يا مفضل انظر إلى ما خص به الانسان في خلقه تشريفا وتفضيلا على البهائم، فإنه خلق ينتصب قائما ويستوي جالسا، ليستقبل الأشياء بيديه وجوارحه، ويمكنه العلاج والعمل بهما، فلو كان مكبوبا على وجهه كذات الأربع لما استطاع أن يعمل شيئا من الاعمال.
بيان: قال الفيروزآبادي: وشجت العروق والأغصان: اشتبكت. وقال: نكأ القرحة كمنع: قشرها قبل أن تبرأ فنديت. انتهى. والمفائض في بعض النسخ بالفاء أي مجاري من فاض الماء، وفي بعضها بالغين من غاض الماء غيضا، أي نضب وذهب في الأرض والمغيض: المكان الذي يغيض فيه. و " إلى " في قوله: إلى ما في تركيب بمعنى " مع ".
وقال الفيروزآبادي: الغضروف: كل عظم رخو يؤكل، وهو مارن الانف، وبعض الكتف، ورؤوس الأضلاع، ورهابة الصدر، وداخل فوق الاذن. انتهى. وقوله: تتزايد ولا تنقص أي النسبة بين الأعضاء. وبلوغ الأشد وهو القوة أن يكتهل ويستوفي السن الذي يستحكم فيها قوته وعقله وتميزه.
انظر الآن يا مفضل إلى هذه الحواس التي خص بها الانسان في خلقه وشرف بها على غيره، كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكن من مطالعة الأشياء، ولم تجعل في الأعضاء التي تحتهن كاليدين والرجلين فتعرضها الآفات، و تصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعللها ويؤثر فيها وينقص منها، ولا في الأعضاء التي وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر تقلبها واطلاعها نحو الأشياء، فلما لم يكن لها في شئ من هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواس، وهو بمنزلة الصومعة لها، فجعل الحواس خمسا تلقي خمسا لكي لا يفوتها شئ من المحسوسات، فخلق البصر ليدرك الألوان فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها لم يكن منفعة فيها، وخلق السمع ليدرك الأصوات فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها إرب وكذلك سائر الحواس، ثم هذا يرجع متكافئا، فلو كان بصر ولم يكن ألوان لما كان للبصر معنى، ولو كان سمع ولم يكن أصوات لم يكن للسمع موضع، فانظر كيف قدر بعضها يلقي بعضا فجعل لكل حاسة محسوسا يعمل فيه، ولكل محسوس حاسة تدركه، و مع هذا فقد جعلت أشياء متوسطة بين الحواس والمحسوسات، لا يتم الحواس إلا بها، كمثل الضياء والهواء فإنه لو لم يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون،
ولو لم يكن هواء يؤدي الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت، فهل يخفى على من صح نظره وأعمل فكره أن مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس والمحسوسات بعضها يلقي بعضا وتهيئة أشياء آخربها تتم الحواس لا يكون إلا بعمد وتقدير من لطيف خبير؟.
بيان: قوله عليه السلام: بعضها يلقي بعضا حال أو صفة بتأويل أو تقدير.
فكريا مفضل فيمن عدم البصر من الناس وما يناله من الخلل في أموره، فإنه لا يعرف موضع قدمه، ولا يبصر ما بين يديه، فلا يفرق بين الألوان، وبين المنظر الحسن والقبيح، ولا يرى حفرة إن هجم عليها ولا عدوا إن أهوى إليه بسيف، ولا يكون له سبيل إلى أن يعمل شيئا من هذه الصناعات مثل الكتابة والتجارة والصياغة حتى أنه لولا نفاذ ذهنه لكان بمنزلة الحجر الملقى، وكذلك من عدم السمع يختل في أمور كثيرة فإنه يفقد روح المخاطبة والمحاورة، ويعدم لذة الأصوات واللحون بالشجية المطربة، ويعظم المؤونة على الناس في محاورته، حتى يتبر موابه ولا يسمع شيئا من أخبار الناس وأحاديثهم، حتى يكون كالغائب وهو شاهد، أو كالميت وهو حي، فأما من عدم العقل فإنه يلحق بمنزلة البهائم بل يجهل كثيرا مما يهتدي إليه البهائم، أفلا ترى كيف صارت الجوارح والعقل وسائر الخلال التي بها صلاح الانسان والتي لو فقد منها شيئا لعظم ما يناله في ذلك من الخلل يوافي خلقة على التمام حتى لا يفقد شيئا منها، فلم كان كذلك إلا لأنه خلق بعلم وتقدير؟. بيان: روح المخاطبة بالفتح أي راحتها ولذتها. والشجو: الحزن. ولا يتوهم جواز الاستدلال به على عدم حرمة الغناء مطلقا لاحتمال أن يكون المراد الافراد المحللة منها كما ذكرها الأصحاب، وسيأتي ذكرها في بابه، أو يكون فائدة إدراك تلك اللذة عظم الثواب في تركها لوجهه تعالى. وقوله عليه السلام: يوافي خلقة، خبر صارت.
قال المفضل: فقلت: فلم صار بعض الناس يفقد شيئا من هذه الجوارح فيناله في
ذلك مثل ما وصفته يا مولاي: قال عليه السلام: ذلك للتأديب والموعظة لمن يحل ذلك به ولغيره بسببه، كما قد يؤدب الملوك الناس للتنكيل والموعظة فلا ينكر ذلك عليهم بل يحمد من رأيهم ويصوب من تدبيرهم، ثم للذين ينزل بهم هذه البلايا من الثواب بعد الموت إن شكروا وأنابوا ما يستصغرون معه ما ينالهم منها، حتى أنهم لو خيروا بعد الموت لاختاروا أن يردوا إلى البلايا ليزدادوا من الثواب.
فكريا مفضل في الأعضاء التي خلقت أفرادا وأزواجا، وما في ذلك من الحكمة والتقدير، والصواب في التدبير، فالرأس مما خلق فردا ولم يكن للانسان صلاح في أن يكون أكثر من واحد، ألا ترى أنه لو أضيف إلى رأس الانسان رأس آخر لكان ثقلا عليه من غير حاجة إليه، لان الحواس التي يحتاج إليها مجتمعة في رأس واحد، ثم كان الانسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان فإن تكلم من أحدهما كان الآخر معطلا لا إرب فيه ولا حاجة إليه، وإن تكلم منهما جميعا بكلام واحد كان أحدهما فضلا لا يحتاج إليه، وإن تكلم بأحدهما بغير الذي تكلم به من الآخر لم يدر السامع بأي ذلك يأخذ، و أشباه هذا من الاخلاط، واليدان مما خلق أزواجا ولم يكن للانسان خير في أن يكون له يد واحدة لان ذلك كان يخل به فيما يحتاج إلى معالجته من الأشياء ألا ترى أن النجار والبناء لو شلت إحدى يديه لا يستطيع أن يعالج صناعته، وإن تكلف ذلك لم يحكمه ولم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت له يدان يتعاونان على العمل.
أطل الفكر يا مفضل في الصوت والكلام وتهيئة آلاته في الانسان، فالحنجرة كالأنبوبة لخروج الصوت، واللسان والشفتان والأسنان لصياغة الحروف والنغم، ألا ترى أن من سقطت أسنانه لم يقم السين، ومن سقطت شفته لم يصحح الفاء، ومن ثقل لسانه لم يفصح الراء، وأشبه شئ بذلك المزمار الأعظم، فالحنجرة يشبه قصبة المزمار والرية يشبه الزق الذي ينفخ فيه لتدخل الريح، والعضلات التي تقبض على الرية ليخرج الصوت كالأصابع التي تقبض على الزق حتى تجري الريح في المزمار، والشفتان
والأسنان التي تصوغ الصوت حروفا ونغما كالأصابع التي يختلف في فم المزمار فتصوغ صفيره ألحانا، غير أنه وإن كان مخرج الصوت يشبه المزمار بالدلالة والتعريف فإن المزمار بالحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت.
قد أنبأتك بما في الأعضاء من الغناء في صنعة الكلام وإقامة الحروف، وفيها مع الذي ذكرت لك مآرب أخرى، فالحنجرة ليسلك فيها هذا النسيم إلى الرية فتروح على الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع الذي لو احتبس شيئا يسيرا لهلك الانسان، و باللسان تذاق الطعوم فيميز بينها ويعرف كل واحد منها حلوها من مرها، وحامضها من مزها، ومالحها من عذبها، وطيبها من خبيثها، وفيه مع ذلك معونة على إساغة الطعام والشراب، والأسنان تمضغ الطعام حتى تلين ويسهل إساغته، وهي مع ذلك كالسند للشفتين تمسكهما وتدعمهما من داخل الفم، واعتبر ذلك بأنك ترى من سقطت أسنانه مسترخي الشفة ومضطربها، وبالشفتين يترشف الشراب حتى يكون الذي يصل إلى الجوف منه بقصد وقدر لا يثج ثجا فيغص به الشارب أو ينكا في الجوف، ثم هما بعد ذلك كالباب المطبق على الفم يفتحهما الانسان إذا شاء، ويطبقهما إذا شاء، ففيما وصفنا من هذا بيان أن كل واحد من هذه الأعضاء يتصرف وينقسم إلى وجوه من المنافع، كما تتصرف الأداة الواحدة في أعمال شتى، وذلك كالفاس يستعمل في النجارة والحفر وغيرهما من الاعمال، ولو رأيت الدماغ إذا كشف عنه لرأيته قد لف بحجب بعضها فوق بعض لتصونه من الاعراض وتمسكه فلا يضطرب، ولرأيت عليه الجمجمة بمنزلة البيضة كيما يفته هد الصدمة والصكة التي ربما وقعت في الرأس، ثم قد جللت الجمجمة بالشعر حتى صار بمنزلة الفر وللرأس يستره من شدة الحر
والبرد، فمن حصن الدماغ هذا التحصين إلا الذي خلقه وجعله ينبوع الحس والمستحق للحيطة والصيانة بعلو منزلته من البدن وارتفاع درجته وخطر مرتبته؟.
بيان: المز: بين الحلو والحامض. والثج: السيلان. والغصص: أن يقف بالشئ في الحلق فلم يك يسيغه. والجمجمة: عظم الرأس المشتمل على الدماغ. والبيضة: هي التي توضع على الرأس في الحرب. والفت: الكسر. وهد البناء: كسره وضعضعه، و هدته المصيبة أي أوهنت ركنه. والحيطة بالكسر: الحياطة والرعاية.
تأمل يا مفضل الجفن على العين، كيف جعل كالغشاء، والأشفار كالأشراج، و أولجها في هذا الغار، وأظلها بالحجاب وما عليه من الشعر.
بيان: الجفن: غطاء العين من أعلا وأسفل. والأشفار: هي حروف الأجفان التي عليها الشعر. والأشراج: العرى. وكأنه عليه السلام شبه الأشفار بالعرى والخيط المشدود بها، فإن بهما ترفع الأستار وتسدل عند الحاجة إليهما، أو بالعرى التي تكون في العيبة من الادم وغيره، يكون فيها خيط إذا شدت به يكون ما في العيبة محفوظا مستورا، وكلاهما مناسب، والأول أنسب بالغشاء. قال الجزري: في حديث الأحنف:
فأدخلت ثياب صوني العيبة فأشرجتها. يقال: أشرجت العيبة وشرجتها: إذا شددتها بالشرج وهي العرى. انتهى. وأولجها يعني أدخلها.
يا مفضل من غيب الفؤاد في جوف الصدر، وكساه المدرعة التي هي غشاؤه، وحصنه بالجوانح وما عليها من اللحم والعصب لئلا يصل إليه ما ينكؤه؟ من جعل في الحلق منفذين؟ أحدهما لمخرج الصوت وهو الحلقوم المتصل بالرية، والآخر منفذ الغذاء وهو المرئ المتصل بالمعدة الموصل الغذاء إليها، وجعل على الحلقوم طبقا يمنع الطعام أن يصل إلى الرية فيقتل، من جعل الرية مروحة الفؤاد؟ لا تفتر ولا تخل لكيلا تتحيز الحرارة في الفؤاد فتؤدي إلى التلف. من جعل لمنافذ البول والغائط أشراجا تضبطهما؟
لئلا يجريا جريانا دائما فيفسد على الانسان عيشه فكم عسى أن يحصي المحصي من هذا؟
بل الذي لا يحصى منه ولا يعلمه الناس أكثر، من جعل المعدة عصبانية شديدة وقدرها
لهضم الطعام الغليظ؟ ومن جعل الكبد رقيقة ناعمة لقبول الصفو اللطيف من الغذاء ولتهضم وتعمل ما هو ألطف من عمل المعدة إلا الله القادر؟ أترى الاهمال يأتي بشئ من ذلك؟ كلا، بل هو تدبير من مدبر حكيم، قادر عليم بالأشياء قبل خلقه إياها، لا يعجزه شئ وهو اللطيف الخبير.
تبيان: الجوانح: الأضلاع التي مما يلي الصدر. وقوله عليه السلام: لا تخل من الاخلال بالشئ بمعنى تركه. وقوله تتحيز إما من الحيز أي تسكن، أو من قولهم: تحيزت الحية: أي تلوت.
فكريا مفضل لم صار المخ الرقيق محصنا في أنابيب العظام؟ هل ذلك إلا ليحفظه ويصونه؟ لم صار الدم السائل محصورا في العروق بمنزلة الماء في الظروف إلا لتضبطه فلا يفيض؟ لم صارت الأظفار على أطراف الأصابع إلا وقاية لها ومعونة على العمل؟ لم صار داخل الاذن ملتويا كهيئة الكوكب إلا ليطرد فيه الصوت حتى ينتهي إلى السمع وليتكسر حمة الريح فلا ينكأ في السمع؟ لم حمل الانسان على فخذيه وأليتيه هذا اللحم إلا ليقيه من الأرض فلا يتألم من الجلوس عليهما، كما يألم من نحل جسمه وقل لحمه إذا لم يكن بينه وبين الأرض حائل يقيه صلابتها؟ من جعل الانسان ذكرا وأنثى إلا من خلقه متناسلا؟ ومن خلقه متناسلا إلا من خلقه مؤملا؟ ومن خلقه مؤملا ومن أعطاه آلات العمل إلا من خلقه عاملا؟ ومن خلقه عاملا إلا من جعله محتاجا؟
ومن جعله محتاجا إلا من ضربه بالحاجة؟ ومن ضربه بالحاجة إلا من توكل بتقويمه؟
من خصه بالفهم إلا من أوجب له الجزاء؟ ومن وهب له الحيلة إلا من ملكه الحول؟
ومن ملكه الحول إلا من ألزمه الحجة؟ من يكفيه ما لا تبلغه حيلته إلا من لم يبلغ مدى شكره؟ فكر وتدبر ما وصفته، هل تجد الاهمال على هذا النظام والترتيب؟
تبارك الله عما يصفون.
بيان: الكوكب: المحبس. واطرد الشئ تبع بعضه بعضا وجرى. وقال الجوهري: حمة الحر معظمه . وقوله عليه السلام: إلا من خلقه مؤملا إشارة إلى أن الامل والرجاء في البقاء هو السبب لتحصيل النسل، ولذا جعل الانسان ذا أمل لبقاء نوعه. قوله عليه السلام: إلا من ضربه بالحاجة أي سبب له أسباب الاحتجاج وخلقه بحيث يحتاج. قوله عليه السلام: إلا من توكل بتقويمه أي تكفل برفع حاجته وتقويم أوده.
والحول: القوة.
أصف لك الآن يا مفضل الفؤاد، اعلم أن فيه ثقبا موجهة نحو الثقب التي في الرية تروح عن الفؤاد، حتى لو اختلفت تلك الثقب وتزايل بعضها عن بعض لما وصل الروح إلى الفؤاد ولهلك الانسان، أفيستجيز ذو فكر وروية أن يزعم أن مثل هذا يكون بالاهمال ولا يجد شاهدا من نفسه ينزعه عن هذا القول؟ لو رأيت فردا من مصراعين فيه كلوب أكنت تتوهم أنه جعل كذلك بلا معنى؟ بل كنت تعلم ضرورة أنه مصنوع يلقي فردا آخر فتبرزه ليكون في اجتماعهما ضرب من المصلحة، وهكذا تجد الذكر من الحيوان كأنه فرد من زوج مهيأ من فرد أنثى فيلتقيان لما فيه من دوام النسل وبقائه، فتبا وخيبة وتعسا لمنتحلي الفلسفة، كيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة حتى أنكروا التدبير والعمد فيها؟ لو كان فرج الرجل مسترخيا كيف كان يصل إلى قعر الرحم حتى يفرغ النطفة فيه؟ ولو كان منعظا أبدا كيف كان الرجل يتقلب في الفراش أو يمشي بين الناس وشئ شاخص أمامه؟ ثم يكون في ذلك مع قبح المنظر تحريك الشهوة في كل وقت من الرجال والنساء جميعا، فقدر الله جل اسمه أن يكون أكثر ذلك لا يبدو للبصر في كل وقت، ولا يكون على الرجال منه مؤونة، بل جعل فيه القوة على الانتصاب وقت الحاجة إلى ذلك لما قدر أن يكون فيه دوام النسل وبقاؤه.
توضيح: قال الجوهري: وزعته أزعه وزعا: كففته. انتهى. والكلوب بالتشديد: حديدة معوجة الرأس، وفي بعض النسخ " كلون " وهو فارسي. قوله عليه السلام مهيأة في بعض النسخ بالياء فلفظة " من " تعليلية، وفي بعضها بالنون فمن تعليلية أو
ابتدائية أي إنما يتم عيشه بانثى، وعلى التقديرين يحتمل أن يكون بمعنى " مع " إن جوز استعماله فيه. وقال الجوهري: تبا لفلان، تنصبه على المصدر باضمار فعل أي ألزمه الله هلاكا وخسرانا. وقال: التعس: الهلاك، يقال: تعسا لفلان أي ألزمه الله هلاكا.
اعتبر الآن يا مفضل بعظيم النعمة على الانسان في مطعمه ومشربه وتسهيل خروج الأذى، أليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع فيها؟ فكذا جعل الله سبحانه المنفذ المهيأ للخلاء من الانسان في أستر موضع منه، فلم يجعله بارزا من خلفه، ولا ناشرا من بين يديه، بل هو مغيب في موضع غامض من البدن، مستور محجوب يلتقي عليه الفخذان، وتحجبه الأليتان بما عليهما من اللحم فيواريانه فإذا احتاج الانسان إلى الخلاء وجلس تلك الجلسة ألفي ذلك المنفذ منه منصبا مهيئا لانحدار الثفل، فتبارك الله من تظاهرت آلاؤه ولا تحصى نعماؤه.
بيان: ألفي أي وجد. وقوله عليه السلام: منصبا إما من الانصباب، كناية عن التدلي أو من باب التفعيل من النصب قال الفيروزآبادي: نصب الشئ وضعه ورفعه ضد، كنصبه فانتصب وتنصب.
فكر يا مفضل في هذه الطواحن التي جعلت للانسان فبعضها حداد لقطع الطعام وقرضه، وبعضها عراض لمضغه ورضه فلم ينقص واحد من الصفتين إذ كان محتاجا إليهما جميعا.
تأمل واعتبر بحسن التدبير في خلق الشعر والأظفار فإنهما لما كانا مما يطول ويكثر حتى يحتاج إلى تخفيفه أولا فأولا جعلا عديمي الحس لئلا يؤلم الانسان الاخذ منهما، ولو كان قص الشعر وتقليم الأظفار مما يوجد له مس من ذلك لكان الانسان من ذلك بين مكروهين: إما أن يدع كل واحد منهما حتى يطول فيثقل عليه، وإما أن يخففه بوجع وألم يتألم منه.
قال المفضل: فقلت فلم لم يجعل ذلك خلقة لا تزيد فيحتاج الانسان إلى النقصان منه؟ فقال عليه السلام: إن لله تبارك اسمه في ذلك على العبد نعما لا يعرفها فيحمد عليها، اعلم أن آلام البدن وأدواءه تخرج بخروج الشعر في مسامه، وبخروج الأظفار من أناملها، ولذلك أمر الانسان بالنورة وحلق الرأس وقص الأظفار في كل أسبوع ليسرع الشعر والأظفار في النبات، فتخرج الآلام والأدواء بخروجها، وإذا طالا تحيرا وقل خروجهما فاحتبست الآلام والأدواء في البدن فأحدثت عللا وأوجاعا، ومنع مع ذلك الشعر من المواضع التي يضر بالانسان ويحدث عليه الفساد والضرر، لو نبت الشعر في العين ألم يكن سيعمى البصر؟ ولو نبت في الفم ألم يكن سيغص على الانسان طعامه و شرابه؟ ولو نبت في باطن الكف ألم يكن سيعوقه عن صحة اللمس وبعض الاعمال؟
فلو نبت في فرج المرأة أو على ذكر الرجل ألم يكن سيفسد عليهما لذة الجماع؟ فانظر كيف تنكب الشعر هذه المواضع لما في ذلك من المصلحة، ثم ليس هذا في الانسان فقط بل تجده في البهائم والسباع وسائر المتناسلات فإنك ترى أجسامهن مجللة بالشعر وترى هذه المواضع خالية منه لهذا السبب بعينه، فتأمل الخلقة كيف تتحرز وجوه الخطأ والمضرة، وتأتي بالصواب والمنفعة، إن المنانية وأشباههم حين اجتهدوا في عيب الخلقة والعمد عابوا الشعر النابت على الركب والإبطين ولم يعلموا أن ذلك من رطوبة تنصب إلى هذه المواضع فينبت فيها الشعر، كما ينبت العشب في مستنقع المياه، أفلا ترى إلى هذه المواضع أستر وأهيأ لقبول تلك الفضلة من غيرها؟ ثم إن هذه تعد مما يحمل الانسان من مؤونة هذا البدن وتكاليفه لما له في ذلك من المصلحة فإن اهتمامه بتنظيف بدنه وأخذ ما يعلوه من الشعر مما يكسر به شرته، ويكف عاديته، ويشغله عن بعض ما يخرجه إليه الفراغ من الأشر والبطالة. تأمل الريق وما فيه من المنفعة فإنه جعل يجري جريانا دائما إلى الفم ليبل الحلق واللهوات فلا يجف،
فإن هذه المواضع لو جعلت كذلك كان فيه هلاك الانسان، ثم كان لا يستطيع أن يسيغ طعاما إذا لم يكن في الفم بلة تنفذه، تشهد بذلك المشاهدة.
وأعلم أن الرطوبة مطية الغذاء. وقد تجري من هذه البلة إلى موضع آخر من المرة فيكون في ذلك صلاح تام للانسان، ولو يبست المرة لهلك الانسان، ولقد قال قوم من جهلة المتكلمين وضعفة المتفلسفين بقلة التميز وقصور العلم: لو كان بطن الانسان كهيئة القباء يفتحه الطبيب إذا شاء فيعاين ما فيه ويدخل يده فيعالج ما أراد علاجه ألم يكن أصلح من أن يكون مصمتا محجوبا عن البصر واليد، لا يعرف ما فيه إلا بدلالات غامضة كمثل النظر إلى البول وحس العرق وما أشبه ذلك مما يكثر فيه الغلط والشبهة حتى ربما كان ذلك سببا للموت. فلو علم هؤلاء الجهلة أن هذا لو كان هكذا كان أول ما فيه أنه كان يسقط عن الانسان الوجل من الأمراض والموت، وكان يستشعر البقاء ويغتر بالسلامة فيخرجه ذلك إلى العتو والأشر، ثم كانت الرطوبات التي في البطن تترشح وتتحلب فيفسد على الانسان مقعده ومرقده وثياب بذلته وزينته، بل كان يفسد عليه عيشه، ثم إن المعدة والكبد والفؤاد إنما تفعل أفعالها بالحرارة الغريزية التي جعلها الله محتبسة في الجوف، فلو كان في البطن فرج ينفتح حتى يصل البصر إلى رؤيته واليد إلى علاجه لوصل برد الهواء إلى الجوف فمازج الحرارة الغريزية وبطل عمل الأحشاء فكان في ذلك هلاك الانسان. أفلا ترى أن كل ما تذهب إليه الأوهام سوى ما جاءت به الخلقة خطأ وخطل؟.
ايضاح: الركب بالتحريك منبت العانة. ومستنقع الماء بالفتح: مجتمعه. وشرة الشباب بالكسر: حرصه ونشاطه. والعادية: الظلم والشر. والأشر بالتحريك: البطر وشدة الفرح. واللهوات جمع لهات وهي اللحمة في سقف أقصى الفم. وقوله عليه السلام: من المرة بيان لموضع آخر. وعتا عتوا: استكبر وجاوز الحد. ويقال: تحلب العرق أي سال. والخطل: المنطق الفاسد المضطرب.
فكريا مفضل في الافعال التي جعلت في الانسان من الطعم والنوم والجماع وما دبر فيها فإنه جعل لكل واحد منها في الطباع نفسه محرك يقتضيه ويستحث به
فالجوع يقتضي الطعم الذي به حياة البدن وقوامه، والكرى تقتضي النوم الذي فيه راحة البدن وإجمام قواه، والشبق يقتضي الجماع الذي فيه دوام النسل وبقاؤه، ولو كان الانسان إنما يصير إلى أكل الطعام لمعرفته بحاجة بدنه إليه ولم يجد من طباعه شيئا يضطره إلى ذلك كان خليقا أن يتوانى عنه أحيانا بالتثقل والكسل حتى ينحل بدنه فيهلك، كما يحتاج الواحد إلى الدواء بشئ مما يصلح ببدنه فيدافع به حتى يؤديه ذلك إلى المرض والموت، وكذلك لو كان إنما يصير إلى النوم بالتفكر في حاجته إلى راحة البدن وإجمام قواه كان عسى أن يتثاقل عن ذلك فيدمغه حتى ينهك بدنه، ولو كان إنما يتحرك للجماع بالرغبة في الولد كان غير بعيد أن يفتر عنه حتى يقل النسل أو ينقطع، فإن من الناس من لا يرغب في الولد ولا يحفل به، فانظر كيف جعل لكل واحد من هذه الأفعال التي بها قوام الانسان وصلاحه محرك من نفس الطبع يحركه لذلك ويحدوه عليه واعلم أن في الانسان قوى أربعا: قوة جاذبة تقبل الغذاء وتورده على المعدة، وقوة ممسكة تحبس الطعام حتى تفعل فيه الطبيعة فعلها، وقوة هاضمة وهي التي تطبخه وتستخرج صفوه وتبثه في البدن، وقوة دافعة تدفعه وتحدر الثفل الفاضل بعد أخذ الهاضمة حاجتها، تفكر في تقدير هذه القوى الأربعة التي في البدن وأفعالها وتقديرها للحاجة إليها والإرب فيها، وما في ذلك من التدبير والحكمة، و لولا الجاذبة كيف يتحرك الانسان لطلب الغذاء التي بها قوام البدن؟ ولولا الماسكة كيف كان يلبث الطعام في الجوف حتى تهضمه المعدة؟ ولولا الهاضمة كيف كان ينطبخ حتى يخلص منه الصفو الذي يغذوا البدن ويسد خلله؟ ولولا الدافعة كيف كان الثفل الذي تخلفه الهاضمة يندفع ويخرج أولا فأولا؟ أفلا ترى كيف وكل الله سبحانه بلطيف صنعه وحسن تقديره هذه القوى بالبدن والقيام بما فيه صلاحه؟ وسأمثل لك في ذلك مثالا: إن البدن بمنزلة دار الملك، وله فيها حشم وصبية وقوام موكلون بالدار، فواحد لا قضاء حوائج الحشم وإيرادها عليهم، وآخر لقبض ما يرد وخزنه إلى أن يعالج
ويهيأ، وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه، وآخر لتنظيف ما في الدار من الأقذار و إخراجه منها، فالملك في هذا هو الخلاق الحكيم ملك العالمين، والدار هي البدن، والحشم هي الأعضاء، والقوام هي هذه القوي الأربع، ولعلك ترى ذكرنا هذه القوى الأربع وأفعالها بعد الذي وصفت فضلا وتزدادا، وليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة التي ذكرت في كتب الأطباء، ولا قولنا فيه كقولهم، لأنهم ذكروها على ما يحتاج إليه في صناعة الطب وتصحيح الأبدان، وذكرناها على ما يحتاج في صلاح الدين وشفاء النفوس من الغي، كالذي أوضحته بالوصف الشافي والمثل المضروب من التدبير والحكمة فيها.
تبيان: الطعم بالضم الاكل. والكرى: السهر. والجمام بالفتح: الراحة، يقال: جم الفرس جما وجماما إذا ذهب إعياؤه. والشبق بالتحريك: شدة شهوة الجماع.
وتوانى في حاجته أي قصر. ولا يحفل به أي لا يبالي به. وتحدر الثفل كتنصر أي ترسل.
وقوله عليه السلام: ولولا الجاذبة يدل على أن لها مدخلا في شهوة الطعام. قوله عليه السلام: خلله كأنه بالضم جمع الخلة وهي الحاجة، أو بالكسر أي الخلال والفرج التي حصلت في البدن بتحلل الرطوبات. قوله عليه السلام: ولعلك ترى يحتمل أن يكون الغرض دفع توهم السائل كون ذكر التمثيل بعد ذكر القوى ومنافعها على الوجه الذي ذكره الأطباء و اكتفوا به إطنابا وتكرارا، وحاصله أن الأطباء إنما ذكروها على ما يحتاجون إليه في صناعتهم من ذكر أفعال تلك القوى وسبب تعطلها، ولذا لم يحتاجوا إلى ذكر ما أوردنا من التمثيل، ونحن إنما ذكرنا هذا التمثيل لتتضح دلالتها على صانعها ومدبرها، إذ هذه مقصودنا من ذكرها. ويحتمل أن يكون الغرض رفع توهم أن ذكره هذه القوى بعد كونها مذكورة في كتب الأطباء فضل لا حاجة إليه بأن الغرض مختلف في بياننا و بيانهم، وبذلك يختلف التقرير أيضا فلذا ذكرنا ههنا بهذا التقرير الشافي، فالضمير في قوله: وصفت على بناء المجهول راجع إلى القوى، والعائد محذوف، أي وصفت به لكنه بعيد.
تأمل يا مفضل هذه القوى التي في النفس وموقعها من الانسان، أعني الفكر والوهم والعقل والحفظ وغير ذلك، أفرأيت لو نقص الانسان من هذه الخلال الحفظ
وحده كيف كانت تكون حاله؟ وكم من خلل كان يدخل عليه في أموره ومعاشه وتجاربه إذا لم يحفظ ما له وعليه، وما أخذه وما أعطى، وما رأى وما سمع، وما قال وما قيل له، ولم يذكر من أحسن إليه ممن أساء به، وما نفعه مما ضره، ثم كان لا يهتدي لطريق لو سلكه ما لا يحصى، ولا يحفظ علما ولو درسه عمره، ولا يعتقد دينا، ولا ينتفع بتجربة، ولا يستطيع أن يعتبر شيئا على ما مضى، بل كان حقيقا أن ينسلخ من الانسانية أصلا فانظر إلى النعمة على الانسان في هذه الخلال، وكيف موقع الواحدة منها دون الجميع؟ وأعظم من النعمة على الانسان في الحفظ النعمة في النسيان، فإنه لولا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة، ولا انقضت له حسرة، ولا مات له حقد، ولا استمتع بشئ من متاع الدنيا مع تذكر الآفات، ولا رجا غفلة من سلطان، ولا فترة من حاسد، أفلا ترى كيف جعل في الانسان الحفظ والنسيان، وهما مختلفان متضادان، وجعل له في كل منهما ضرب من المصلحة؟ وما عسى أن يقول الذين قسموا الأشياء بين خالقين متضادين في هذه الأشياء المتضادة المتبائنة وقد تراها تجتمع على ما فيه الصلاح والمنفعة؟.
بيان: دون الجميع أي فضلا عن الجميع. ويقال: سلا عنه أي نسيه. وقد مضى منا ما يمكن أن يستعمل في فهم آخر الكلام في موضعين فتذكر.
انظر يا مفضل إلى ما خص به الانسان دون جميع الحيوان من هذا الخلق، الجليل قدره، العظيم غناؤه، أعني الحياء فلولاه لم يقر ضيف، ولم يوف بالعدات، ولم تقض الحوائج، ولم يتحر الجميل، ولم يتنكب القبيح في شئ من الأشياء، حتى أن كثيرا من الأمور المفترضة أيضا إنما يفعل للحياء، فإن من الناس من لولا الحياء لم يرع حق والديه، ولم يصل ذا رحم، ولم يؤد أمانة، ولم يعف عن فاحشة أفلا ترى كيف وفي للانسان جميع الخلال التي فيها صلاحه وتمام أمره؟.
بيان: إقراء الضيف: ضيافتهم وإكرامهم. والتنكب: التجنب. ووفي على بناء المجهول من التوفية وهي إعطاء الشئ وافيا.
تأمل يا مفضل ما أنعم الله تقدست أسماؤه به على الانسان من هذا النطق الذي يعبر به عما في ضميره، وما يخطر بقلبه، ونتيجة فكره، وبه يفهم عن غيره ما في نفسه، ولولا ذلك كان بمنزلة البهائم المهملة التي لا تخبر عن نفسها بشئ، ولا تفهم عن مخبر شيئا، وكذلك الكتابة التي بها تقيد أخبار الماضين للباقين، وأخبار الباقين للآتين، وبها تخلد الكتب في العلوم والآداب وغيرها، وبها يحفظ الانسان ذكر ما يجري بينه وبين غيره من المعاملات والحساب، ولولاه لانقطع أخبار بعض الأزمنة عن بعض، وأخبار الغائبين عن أوطانهم، ودرست العلوم، وضاعت الآداب، وعظم ما يدخل على الناس من الخلل في أمورهم ومعاملاتهم، وما يحتاجون إلى النظر فيه من أمر دينهم، وما روي لهم مما لا يسعهم جهله، ولعلك تظن أنها مما يخلص إليه بالحيلة والفطنة، وليست مما أعطيه الانسان من خلقه وطباعه، وكذلك الكلام إنما هو شئ يصطلح عليه. الناس فيجرى بينهم، ولهذا صار يختلف في الأمم المختلفة بألسن مختلفة، وكذلك الكتابة ككتابة العربي والسرياني والعبراني والرومي وغيرها من سائر الكتابة التي هي متفرقة في الأمم، إنما اصطلحوا عليها كما اصطلحوا على الكلام، فيقال لمن ادعى ذلك: إن الانسان وإن كان له في الامرين جميعا فعل أو حيلة فإن الشئ الذي يبلغ به ذلك الفعل والحيلة عطية وهبة من الله عز وجل في خلقه فإنه لو لم يكن له لسان مهيؤ للكلام وذهن يهتدي به للأمور لم يكن ليتكلم أبدا، ولو لم يكن له كف مهيأة وأصابع للكتابة لم يكن ليكتب أبدا، واعتبر ذلك من البهائم التي لا كلام لها ولا كتابة، فأصل ذلك فطرة الباري عز وجل وما تفضل به على خلقه، فمن شكر أثيب ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.
بيان: كلامه ههنا مشعر بأن واضع اللغات البسر فتدبر. ذكر يا مفضل فيما أعطي الانسان علمه وما منع فإنه أعطي علم جميع ما فيه
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.