بحارالانوار · كتاب التوحيد
باب 4 الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر روى محمد بن سنان
ج ۳، ص ۱۰۸–۱۳۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۴
فكر الآن في كثرة نسله وما خص به من ذلك فإنك ترى في جوف السمكة الواحدة من البيض ما لا يحصى كثرة، والعلة في ذلك أن يتسع لما يغتذي به من أصناف الحيوان فإن أكثرها يأكل السمك حتى أن السباع أيضا في حافات الآجام عاكفة على الماء أيضا كي ترصد السمك فإذا مر بها خطفته فلما كانت السباع تأكل السمك والطير يأكل السمك والناس يأكلون السمك والسمك يأكل السمك كان من التدبير فيه أن يكون على ما هو عليه من الكثرة.
فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق وقصر علم المخلوقين فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك، ودواب الماء والأصداف، والأصناف التي لا تحصى ولا تعرف منافعها إلا الشئ بعد الشئ يدركه الناس بأسباب تحدث، مثل القرمز فإنه إنما عرف الناس صبغه بأن كلبة تجول على شاطئ البحر فوجدت شيئا من الصنف الذي يسمى الحلزون فأكلته فاختضب خطمها بدمه فنظر الناس إلى حسنه فاتخذوه صبغا، وأشباه هذا مما يقف الناس عليه حالا بعد حال وزمانا بعد زمان.
قال المفضل: حان وقت الزوال فقام مولاي عليه السلام إلى الصلاة، وقال: بكر إلي غدا إن شاء الله تعالى فانصرفت وقد تضاعف سروري بما عرفنيه، مبتهجا بما منحنيه، حامدا لله على ما آتانيه فبت ليلتي مسرورا مبتهجا.
بيان: البشم محركة: التخمة والسأمة. بشم كفرح وأبشمه الطعام. والفراش هي التي تقع في السراج. واليعسوب. أمير النحل وطائر أصغر من الجرادة أو أعظم.
وقوله عليه السلام: ناشزتين بالمعجمة أي مرتفعتين، وفي بعض النسخ بالمهملة أي مبسوطتين.
والسري: السير بالليل. وقال الفيروزآبادي: والتمرة كقبرة وابن تمرة طائر أصغر من العصفور. انتهى. وفغر فاه أي فتحه. والحسك محركة: نبات تعلق ثمرته بصوف الغنم. قوله عليه السلام: غبيا جاهلا أي ليس له عقل يتصرف في سائر الأشياء على نحو تصرفه في ذلك الامر المخصوص فظهر أن خصوص هذا الامر إلهام من مدبر حكيم، أو خلقة وطبيعة جبله عليها، ليصدر عنه خصوص هذا الامر لما فيه من المصلحة مع كونه غافلا عن المصلحة أيضا، ولعل هذا يؤيد ما يقال: إن الحيوانات العجم غير مدركة للكليات ويقال: دلفت الكتيبة في الحرب أي تقدمت، ويقال: دلفناهم، فالعساكر تحتمل الرفع والنصب. والرجل بالفتح جمع راجل : خلاف الفارس. وأنساب: جرى ومشى مسرعا.
ولا يؤودها أي لا يثقلها. ولجة الماء: معظمه. والمجذاف: ما تجري به السفينة. وانتجع:
طلب الكلأ في موضعه. وحافات الآجام: جوانبها. وعكف على الشئ: أقبل عليه مواظبا. وقال الفيروزآبادي: القرمز: صبغ أرمني يكون من عصارة دود في آجامهم.
وقال: الحلزون - محركة - دابة تكون في الرمث أي بعض مراعي الإبل، ويظهر من كلامه عليه السلام اتحادهما، ويحتمل أن يكون المراد أن من صبغ الحلزون تفطنوا بإعمال القرمز للصبغ لتشابههما. تم المجلس الثاني.
المجلس الثالث: قال المفضل: فلما كان اليوم الثالث بكرت إلى مولاي فاستؤذن لي فدخلت فأذن لي بالجلوس فجلست، فقال عليه السلام: الحمد لله الذي اصطفانا ولم يصطف علينا، اصطفانا بعلمه، وأيدنا بحلمه، من شذ عنا فالنار مأواه، ومن تفيأ بظل دوحتنا فالجنة مثواه، قد شرحت لك يا مفضل خلق الانسان وما دبر به و تنقله في أحواله وما فيه من الاعتبار، وشرحت لك أمر الحيوان، وأنا أبتدئ الآن بذكر السماء والشمس والقمر والنجوم والفلك والليل والنهار والحر والبرد والرياح والجواهر الأربعة: الأرض والماء والهواء والنار، والمطر والصخر والجبال والطين و الحجارة والمعادن والنبات والنخل والشجر وما في ذلك من الأدلة والعبر.
فكر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة للبصر وتقوية حتى أن من صفات الأطباء لمن أصابه شئ أضر ببصره إدمان النظر إلى الخضرة وما قرب منها إلى السواد، وقد وصف الحذاق منهم لمن كل بصره الاطلاع في إجانة خضراء مملوة ماءا، فانظر كيف جعل الله جل وتعالى أديم السماء بهذا اللون الأخضر إلى السواد ليمسك الابصار المنقلبة عليه فلا ينكأ فيها بطول مباشرتها له فصار هذا الذي أدركه الناس بالفكر والروية والتجارب يوجد مفروغا منه في الخلقة حكمة بالغة ليعتبر بها المعتبرون، ويفكر فيها الملحدون، قاتلهم الله أنى يؤفكون.
بيان: اصطفانا بعلمه أي اختارنا وفضلنا على الخلق بأن أعطانا من علمه ما لم يعط أحدا. وأيدنا بحلمه أي قوانا على تبليغ الرسالة بما حلانا به من حلمه لنصبر على ما يلقانا من أذي الناس وتكذيبهم. والدوحة: الشجرة العظيمة. والصخر: الحجر العظام. وأديم السماء: وجهها، كما يطلق بأديم الأرض على وجهها، ويمكن أن يكون عليه السلام شبهها بالأديم. وقوله عليه السلام: حكمة بالغة بالرفع خبر مبتدء محذوف، أو بالنصب بالحالية أو بكونه مفعولا لأجله.
فكر يا مفضل في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي النهار والليل فلولا طلوعها لبطل أمر العالم كله فلم يكن الناس يسعون في معايشهم ويتصرفون في أمورهم والدنيا مظلمة عليهم، ولم يكونوا يتهنؤون بالعيش مع فقدهم لذة النور وروحه، والإرب في طلوعها ظاهر مستغن بظهوره عن الاطناب في ذكره والزيادة في شرحه بل تأمل المنفعة في غروبها، فلولا غروبها لم يكن للناس هدء ولا قرار مع عظم حاجتهم إلى الهدوء والراحة لسكون أبدانهم وجموم حواسهم وانبعاث القوة الهاضمة لهضم الطعام وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء ثم كان الحرص يستحملهم من مداومة العمل ومطاولته على ما يعظم نكايته في أبدانهم فإن كثيرا من الناس لولا جثوم هذا الليل لظلمته عليهم لم يكن لهم هدء ولا قرار حرصا على الكسب والجمع والادخار ثم كانت الأرض تستحمي بدوام الشمس بضيائها وتحمي كل ما عليها من حيوان ونبات فقدرها الله بحكمته وتدبيره تطلع وقتا وتغرب وقتا بمنزلة سراج يرفع لأهل البيت تارة ليقضوا حوائجهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليهدؤوا ويقروا فصار النور والظلمة مع تضادهما منقادين متظاهرين على بما فيه صلاح العالم وقوامه.
ثم فكر بعد هذا في ارتفاع الشمس وانحطاطها لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما في ذلك من التدبير والمصلحة، ففي الشتاء تعود الحرارة في الشجر والنبات فيتولد فيهما مواد الثمار، ويستكثف الهواء فينشأ منه السحاب والمطر، وتشد أبدان الحيوان وتقوي، وفي الربيع تتحرك وتظهر المواد المتولدة في الشتاء فيطلع النبات، وتنور الأشجار، ويهيج الحيوان للسفاد، وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار، وتتحلل فضول الأبدان، ويجف وجه الأرض فتهيأ للبناء والاعمال، وفي الخريف يصفو الهواء، ويرتفع الأمراض، ويصح الأبدان ويمتد الليل فيمكن فيه بعض الاعمال لطوله، و يطيب الهواء فيه إلى مصالح أخرى لو تقصيت لذكرها لطال فيها الكلام.
فكر الآن في تنقل الشمس في البروج الاثني عشر لإقامة دور السنة، وما في ذلك من التدبير فهو الدور الذي تصح به الأزمنة الأربعة من السنة: الشتاء، والربيع، والصيف، والخريف، ويستوفيها على التمام، وفي هذا المقدار من دوران الشمس تدرك
الغلات والثمار، وتنتهي إلى غاياتها، ثم تعود فيستأنف النشوء والنمو، ألا ترى أن السنة مقدار مسير الشمس من الحمل إلى الحمل فبالسنة وأخواتها يكال الزمان من لدن خلق الله تعالى العالم إلى كل وقت وعصر من غابر الأيام، وبها يحسب الناس الاعمال والأوقات الموقتة للديون والإجارات والمعاملات وغير ذلك من أمورهم، وبمسير الشمس يكمل السنة ويقوم حساب الزمان على الصحة.
انظر إلى شروقها على العالم كيف دبر أن يكون فإنها لو كانت تبزغ في موضع من السماء فتقف لا تعدوه لما وصل شعاعها ومنفعتها إلى كثير من الجهات لان الجبال و الجدران كانت تحجبها عنها فجعلت تطلع في أول النهار من المشرق فتشرق على ما قابلها من وجه المغرب ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى المغرب فتشرق على ما استتر عنها في أول النهار فلا يبقى موضع من المواضع إلا أخذ بقسطه من المنفعة منها، والإرب التي قدرت له، ولو تخلفت مقدار عام أو بعض عام كيف كان يكون حالهم؟ بل كيف كان يكون لهم مع ذلك بقاء؟ أفلا يرى الناس كيف هذه الأمور الجليلة التي لم تكن عندهم فيها حيلة؟ فصار تجري على مجاريها لا تعتل ولا تتخلف عن مواقيتها لصلاح العالم وما فيه بقاؤه.
استدل بالقمر ففيه دلالة جليلة تستعملها العامة في معرفة الشهور، ولا يقوم عليه حساب السنة، لان دوره لا يستوفي الأزمنة الأربعة ونشوء الأثمار وتصرمها، ولذلك صارت شهور القمر وسنوه تتخلف عن شهور الشمس وسنيها، وصار الشهر من شهور القمر ينتقل فيكون مرة بالشتاء ومرة بالصيف.
فكر في إنارته في ظلمة الليل والإرب في ذلك فإنه مع الحاجة إلى الظلمة لهدء الحيوان وبرد الهواء على النبات لم يكن صلاح في أن يكون الليل ظلمة داجية لا ضياء فيها فلا يمكن فيه شئ من العمل، لأنه ربما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في تقصي الاعمال بالنهار أو لشدة الحر وإفراطه فيعمل في ضوء القمر أعمالا
شتى كحرث الأرض، وضرب اللبن، وقطع الخشب، وما أشبه ذلك فجعل ضوء القمر معونة للناس على معايشهم إذا احتاجوا إلى ذلك، وانسا للسائرين، وجعل طلوعه في بعض الليل دون بعض، ونقص مع ذلك من نور الشمس وضيائها لكيلا تنبسط الناس في العمل انبساطهم بالنهار، ويمتنعوا من الهدء والقرار فيهلكهم ذلك وفي تصرف القمر خاصة في مهله ومحاقه وزيادته ونقصانه وكسوفه من التنبيه على قدرة الله خالقه المصرف له هذا التصريف لصلاح العالم ما يعتبر به المعتبرون.
ايضاح: الدولة بالفتح والضم: انقلاب الزمان، ودالت الأيام: دارت، والله يداولها بين الناس. وهدأ كمنع هدءا وهدوءا: سكن. ويقال: نكيت في العدو نكاية إذا قتلت فيهم وجرحت. وجثم الانسان والطائر والنعام، يجثم جثما وجثوما: لزم مكانه لم يبرح، والمراد جثومهم في الليل. والتظاهر: التعاون. ونور الشجر أي أخرج نوره. وحدم النار: شدة احتراقها. والتقصي: بلوغ أقصى الشئ ونهايته. والغابر الباقي والماضي، والمراد هنا الثاني. وبزغت الشمس بزوغا: شرقت، أو البزوغ ابتداء الطلوع. وقال الجوهري: اعتل عليه واعتله: إذا اعتاقه عن أمر. انتهى. وليلة داجية أي مظلمة.
فكر يا مفضل في النجوم واختلاف مسيرها فبعضها لا تفارق مراكزها من الفلك ولا تسير إلا مجتمعة، وبعضها مطلقة تنتقل في البروج وتفترق في مسيرها فكل واحد منها يسير سيرين مختلفين: أحدهما عام مع الفلك نحو المغرب، والآخر خاص لنفسه نحو المشرق، كالنملة التي تدور على الرحى فالرحى تدور ذات اليمين والنملة تدور ذات الشمال والنملة في تلك تتحرك حركتين مختلفتين: إحديهما بنفسها فتتوجه أمامها، والأخرى مستكرهة مع الرحى تجذبها إلى خلفها، فاسئل الزاعمين أن النجوم صارت على ما هي عليه بالاهمال من غير عمد ولا صانع لها ما منعها أن تكون كلها راتبة؟ أو تكون كلها منتقلة؟ فإن الاهمال معنى واحد فكيف صار يأتي بحركتين مختلفتين على وزن وتقدير؟
ففي هذا بيان أن مسير الفريقين على ما يسيران عليه بعمد وتدبير وحكمة وتقدير، وليس بإهمال كما تزعم المعطلة.
فإن قال قائل: ولم صار بعض النجوم راتبا وبعضها منتقلا؟ قلنا: إنها لو كانت كلها راتبة لبطلت الدلالات التي يستدل بها من تنقل المنتقلة ومسيرها في كل برج من البروج، كما قد يستدل على أشياء مما يحدث في العالم بتنقل الشمس والنجوم في منازلها، ولو كانت كلها منتقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف ولا رسم يوقف عليه لأنه إنما يوقف بمسير المنتقلة منها بتنقلها في البروج الراتبة كما يستدل على سير السائر على الأرض بالمنازل التي يجتاز عليها، ولو كان تنقلها بحال واحدة لاختلط نظامها وبطلت المآرب فيها، ولساغ لقائل أن يقول: إن كينونتها على حال واحدة توجب عليها الاهمال من الجهة التي وصفنا ففي اختلاف سيرها وتصرفها وما في ذلك من المآرب والمصلحة أبين دليل على العمد والتدبير فيها.
فكر في هذه النجوم التي تظهر في بعض السنة وتحتجب في بعضها كمثل الثريا والجوزاء والشعريين وسهيل فإنها لو كانت بأسرها تظهر في وقت واحد لم تكن لواحد فيها على حياله دلالات يعرفها الناس ويهتدون بها لبعض أمورهم كمعرفتهم الآن بما يكون من طلوع الثور والجوزاء إذا طلعت، واحتجابها إذا احتجبت فصار ظهور كل واحد واحتجابه في وقت غير وقت الآخر لينتفع الناس بما يدل عليه كل واحد منها على حدته، وكما جعلت الثريا وأشباهها تظهر حينا وتحجب حينا لضرب من المصلحة كذلك جعلت بنات النعش ظاهرة لا تغيب لضرب آخر من المصلحة فإنها بمنزلة الاعلام التي يهتدي بها الناس في البر والبحر للطرق المجهولة، وذلك أنها لا تغيب ولا تتوارى، فهم ينظرون إليها متى أرادوا أن يهتدوا بها إلى حيث شاؤوا وصار الأمران جميعا على اختلافهما موجهين نحو الإرب والمصلحة، وفيهما مآرب أخرى: علامات ودلالات على أوقات كثيرة من الاعمال كالزراعة والغراس والسفر في البر والبحر، وأشياء مما يحدث في الأزمنة من الأمطار والرياح والحر والبرد، وبها يهتدى السائرون في ظلمة الليل لقطع القفار
الموحشة، واللجج الهائلة، مع ما في ترددها في كبد السماء مقبلة ومدبرة ومشرفة ومغربة من العبر فإنها تسير أسرع السير وأحثه.
أرأيت لو كانت الشمس والقمر والنجوم بالقرب منا حتى يتبين لنا سرعة سيرها بكنه ما هي عليه ألم تكن ستخطف الابصار بوهجها وشعاعها؟ كالذي يحدث أحيانا من البروق إذا توالت واضطرمت في الجو، وكذلك أيضا لو أن أناسا كانوا في قبة مكللة بمصابيح تدور حولهم دورانا حثيثا لحارت أبصارهم حتى يخروا لوجوههم فانظر كيف قدر أن يكون مسيرها في البعد البعيد لكيلا تضر في الابصار وتنكأ فيها، وبأسرع السرعة لكيلا تتخلف عن مقدار الحاجة في مسيرها، وجعل فيها جزء يسير من الضوء ليسد مسد الأضواء إذا لم يكن قمر، ويمكن فيه الحركة إذا حدثت ضرورة كما قد يحدث الحادث على المرء فيحتاج إلى التجافي في جوف الليل، وإن لم يكن شئ من الضوء يهتدي به لم يستطع أن يبرح مكانه فتأمل اللطف والحكمة في هذا التقدير حين جعل للظلمة دولة ومدة لحاجة إليها، وجعل خلالها شئ من الضوء للمأرب التي وصفنا.
فكر في هذا الفلك بشمسه وقمره ونجومه وبروجه تدور على العالم في هذا الدوران الدائم بهذا التقدير والوزن لما في اختلاف الليل والنهار، وهذه الأزمان الأربعة المتوالية على الأرض، وما عليها من أصناف الحيوان والنبات من ضروب المصلحة كالذي بينت وشخصت لك آنفا، وهل يخفى على ذي لب أن هذا تقدير مقدر، وصواب وحكمة من مقدر حكيم؟.
فإن قال قائل: إن هذا شئ اتفق أن يكون هكذا فما منعه أن يقول مثل هذا في دولاب تراه يدور ويسقي حديقة فيها شجر ونبات؟ فترى كل شئ من آلته مقدرا بعضه يلقى بعضا على ما فيه صلاح تلك الحديقة وما فيها، وبم كان يثبت هذا القول لو قاله؟ و ما ترى الناس كانوا قائلين له لو سمعوه منه، أفينكر أن يقول في دولاب خشب
مصنوع بحيلة قصيرة لمصلحة قطعة من الأرض: إنه كان بلا صانع ومقدر، ويقدر أن يقول في هذا الدولاب الأعظم المخلوق بحكمة يقصر عنها أذهان البشر لصلاح جميع الأرض وما عليها: إنه شئ اتفق أن يكون بلا صنعة ولا تدبير، لو اعتل هذا الفلك كما تعتل الآلات التي تتخذ للصناعات وغيرها أي شئ كان عند الناس من الحيلة في إصلاحه؟.
بيان: قوله عليه السلام: لا تفارق مراكزها لعل المراد أنه ليس لها حركة بينة ظاهرة كما في السيارات، أو لا تختلف نسب بعضها إلى بعض بالقرب والبعد بأن تكون الجملة التالية مفسرة لها، ويحتمل أن يكون المراد بمراكزها البروج التي تنسب إليها على ما هو المصطلح بين العرب من اعتبار محاذاة تلك الاشكال في الانتقال إلى البروج وإن انتقلت عن مواضعها، وعليه ينبغي أن يحمل قوله عليه السلام: وبعضها مطلقة تنتقل في البروج، أو على ما ذكرنا سابقا من كون انتقالها في البروج ظاهرة بينة يعرفه كل أحد، والأول أظهر كما سيظهر من كلامه عليه السلام قوله: فإن الاهمال معنى واحد يحتمل أن يكون المراد أن الطبيعة أو الدهر الذين يجعلونهما أصحاب الاهمال مؤثرين كل منهما أمر واحد غير ذي شعور وإرادة، ولا يمكن صدور الامرين المختلفين عن مثل ذلك كما مر، أو المراد أن العقل يحكم أن مثل هذين الامرين المتسقين الجاريين على قانون الحكمة لا يكون إلا من حكيم راعى فيهما دقائق الحكم، أو المراد أن الاهمال أي عدم الحاجة إلى العلة وترجيح الامر الممكن من غير مرجح كما تزعمون أمر واحد حاصل فيهما، فلم صارت إحديهما راتبة؟ والأخرى منتقلة؟ ولم يعكس الامر؟ والأول أظهر كما لا يخفى. قوله عليه السلام؟: لبطلت الدلالات ظاهره كون الأوضاع النجومية علامات للحوادث قوله عليه السلام: في البروج الراتبة يدل ظاهرا على ما أشرنا إليه من أنه عليه السلام راعى في انتقال البروج محاذاة نفس الاشكال، وإن أمكن أن يكون المراد بيان حكمة بطؤ الحركة ليصلح كون تلك الاشكال علامات للبروج ولو بقربها منها لكنه بعيد. قوله عليه السلام: والشعريين قال الجوهري: الشعرى: الكوكب الذي يطلع
بعد الجوزاء وطلوعه في شدة الحر وهما الشعريان والشعرى العبور التي في الجوزاء، والشعرى: القميصاء التي في الذراع تزعم العرب أنهما أختا سهيل، انتهى. والقفار جمع قفر، وهو الخلا من الأرض. وخطف البرق البصر: ذهب به. ووهج النار - بالتسكين -:
توقدها. وقوله. حثيثا أي مسرعا. وتجافى أي لم يلزم مكانه. وبرح مكانه: زال عنه.
فكر يا مفضل في مقادير النهار والليل كيف وقعت على ما فيه صلاح هذا الخلق فصار منتهى كل واحد منهما إذا امتد إلى خمس عشرة ساعة لا يجاوز ذلك، أفرأيت لو كان النهار يكون مقداره مائة ساعة أو مائتي ساعة ألم يكن في ذلك بوار كل ما في الأرض من حيوان ونبات؟.
أما الحيوان فكان لا يهدأ ولا يقر طول المدة، ولا البهائم كانت تمسك عن الرعي لو دام لها ضوء النهار، ولا الانسان كان يفتر عن العمل والحركة، وكان ذلك سيهلكها أجمع ويؤديها إلى التلف، وأما النبات فكان يطول عليه حر النهار ووهج الشمس حتى يجف ويحترق، وكذلك الليل لو امتد مقدار هذه المدة كان يعوق أصناف الحيوان عن الحركة والتصرف في طلب المعاش حتى تموت جوعا، وتخمد الحرارة الطبيعية من النبات حتى يعفن ويفسد، كالذي تراه يحدث على النبات إذا كان في موضع لا تطلع عليه الشمس.
اعتبر بهذه الحر والبرد كيف يتعاوران العالم ويتصرفان هذا التصرف من الزيادة والنقصان والاعتدال لإقامة هذه الأزمنة الأربعة من السنة وما فيهما من المصالح ثم هما بعد دباغ الأبدان التي عليها بقاؤها وفيها صلاحها فإنه لولا الحر والبرد وتداولهما الأبدان لفسدت وأخوت وانتكثت.
فكر في دخول أحدهما على الآخر بهذا التدريج والترسل فإنك ترى أحدهما ينقص شيئا بعد شئ، والآخر يزيد مثل ذلك حتى ينتهي كل واحد منهما منتهاه في الزيادة والنقصان، ولو كان دخول إحديهما على الأخرى مفاجأة لأضر ذلك بالأبدان وأسقمها كما أن أحدكم لو خرج من حمام حار إلى موضع البرودة لضره ذلك وأسقم
بدنه فلم جعل الله عز وجل هذا الترسل في الحر والبرد إلا للسلامة من ضرر المفاجأة؟
ولم جرى الامر على ما فيه السلامة من ضر المفاجأة لولا التدبير في ذلك؟ فإن زعم زاعم أن هذا الترسل في دخول الحر والبرد إنما يكون لابطاء مسير الشمس في الارتفاع والانحطاط سئل عن العلة في إبطاء مسير الشمس في ارتفاعها وانحطاطها، فإن اعتل في الابطاء ببعد ما بين المشرقين سئل عن العلة في ذلك فلا تزال هذه المسألة ترقى معه إلى حيث رقى من هذا القول حتى استقر على العمد والتدبير، لولا الحر لما كانت الثمار الجاسية المرة تنضج فتلين وتعذب حتى يتفكه بها رطبة ويابسة، ولولا البرد لما كان الزرع يفرخ هكذا، ويريع الريع الكثير الذي يتسع للقوت وما يرد في الأرض للبذر أفلا ترى ما في الحر والبرد من عظيم الغناء والمنفعة وكلاهما مع غنائه والمنفعة فيه يؤلم الأبدان ويمضها، وفي ذلك عبرة لمن فكر، ودلالة على أنه من تدبير الحكيم في مصلحة العالم وما فيه.
بيان: قوله عليه السلام: لا يجاوز ذلك أي في معظم المعمورة. وقال الفيروزآبادي:
خوت الدار: تهدمت، والنجوم خيا: أمحلت فلم تمطر كأخوت. وقال: المنتكث:
المهزول. وقال: الترسل: الرفق والتؤدة. انتهى. قوله عليه السلام: ببعد ما بين المشرقين أي المشرق والمغرب، كناية عن عظم الدائرة التي يقطع عليها البروج أو مشرق الصيف والشتاء، والأول أظهر. قوله عليه السلام: الجاسية أي الصلبة. ويتفكه بها أي يتمتع بها. والريع:
النماء والزيادة. وقال الجوهري: أمضني الجرح إمضاضا: إذا أوجعك، وفيه لغة أخرى:
مضني الجرح، ولم يعرفها الأصمعي.
وأنبهك يا مفضل على الريح وما فيها ألست ترى ركودها إذا ركدت كيف يحدث الكرب الذي يكاد أن يأتي على النفوس، ويحرض الأصحاء وينهك المرضى، ويفسد الثمار، ويعفن البقول، ويعقب الوباء في الأبدان، والآفة في الغلات؟ ففي هذا بيان أن هبوب الريح من تدبير الحكيم في صلاح الخلق.
وأنبئك عن الهواء بخلة أخرى فإن الصوت أثر يؤثره اصطكاك الأجسام في الهواء، والهواء يؤديه إلى المسامع، والناس يتكلمون في حوائجهم ومعاملاتهم طول
نهارهم وبعض ليلهم، فلو كان أثر هذا الكلام يبقى في الهواء كما يبقى الكتاب في القرطاس لامتلأ العالم منه، فكان يكربهم ويفدحهم، وكانوا يحتاجون في تجديده والاستبدال به إلى أكثر مما يحتاج إليه في تجديد القراطيس لان ما يلقى من الكلام أكثر مما يكتب فجعل الخلاق الحكيم جل قدسه هذا الهواء قرطاسا خفيا يحمل الكلام ريثما يبلغ العالم حاجتهم ثم يمحى فيعود جديدا نقيا، ويحمل ما حمل أبدا بلا انقطاع، وحسبك بهذا النسيم المسمى " هواء " عبرة وما فيه من المصالح فإنه حياة هذه الأبدان والممسك لها من داخل بما تستنشق منه، ومن خارج بما تباشر من روحه، وفيه تطرد هذه الأصوات فيؤدي بها من البعد البعيد، وهو الحامل لهذه الاراييح ينقلها من موضع إلى موضع.
ألا ترى كيف تأتيك الرائحة من حيث تهب الريح فكذلك الصوت، وهو القابل لهذا الحر والبرد اللذين يتعاقبان على العالم لصلاحه، ومنه هذه الريح الهابة فالريح تروح عن الأجسام وتزجي السحاب من موضع إلى موضع ليعم نفعه حتى يستكثف فيمطر، وتفضه حتى يستخف فيتفشى، وتلقح الشجر، وتسير السفن، وترخي الأطعمة وتبرد الماء، وتشب النار، وتجفف الأشياء الندية، وبالجملة أنه تحيي كلما في الأرض فلولا الريح لذوي النبات ومات الحيوان وحمت الأشياء وفسدت.
توضيح: ركود الريح: سكونها. والحرض: فساد البدن. ويقال: نهكته الحمى أي أضنته وهزلته. وقوله عليه السلام: والهواء يؤديه يدل على ما هو المنصور من تكيف الهواء بكيفية الصوت على ما فصل في محله. ويقال: كربه الامر أي شق عليه وفدحه الدين أي أثقله. وريثما فعل كذا أي قدر ما فعله. ويبلغ إما على بناء المجرد فالعالم فاعله أو على التفعيل فالهواء فاعله والروح بالفتح: الراحة ونسيم الريح. واطرد الشئ:
تبع بعضه بعضا وجرى. والأراييح جمع للريح. وتزجي السحاب - على بناء الافعال -
أي تسوقه. وتفضه أي تفرقه. والتفشي: الانتشار. وترخي الأطعمة - على التفعيل أو الافعال - أي تصيرها رخوة لطيفة. وتشب النار أي توقدها.
فكر يا مفضل فيما خلق الله عز وجل عليه هذه الجواهر الأربعة ليتسع ما يحتاج إليه منها، فمن ذلك سعة هذه الأرض وامتدادها فلولا ذلك كيف كانت تتسع لمساكن الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت أخشابهم وأحطابهم، والعقاقير العظيمة، والمعادن الجسمة غناؤها، ولعل من ينكر هذه الفلوات الخاوية والقفار الموحشة فيقول: ما المنفعة فيها؟ فهي مأوى هذه الوحوش ومحالها ومرعاها ثم فيها بعد متنفس ومضطرب للناس إذا احتاجوا إلى الاستبدال بأوطانهم، فكم بيداء وكم فدفد حالت قصورا وجنانا بانتقال الناس إليها وحلولهم فيها، ولولا سعة الأرض وفسحتها لكان الناس كمن هو في حصار ضيق لا يجد مندوحة عن وطنه إذا حزبه أمر يضطره إلى الانتقال عنه.
ثم فكر في خلق هذه الأرض على ما هي عليه حين خلقت راتبة راكنة فتكون موطنا مستقرا للأشياء فيتمكن الناس من السعي عليها في مأربهم، والجلوس عليها لراحتهم، والنوم لهدئهم، والاتقان لأعمالهم فإنها لو كانت رجراجة متكفئة لم يكونوا يستطيعون أن يتقنوا البناء والتجارة والصناعة وما أشبه ذلك، بل كانوا لا يتهنؤون بالعيش والأرض ترتج من تحتهم، واعتبر ذلك بما يصيب الناس حين الزلازل على قلة مكثها حتى يصيروا إلى ترك منازلهم والهرب عنها.
فان قال قائل: فلم صارت هذه الأرض تزلزل؟ قيل له: إن الزلزلة وما أشبهها موعظة وترهيب يرهب بها الناس ليرعووا وينزعوا عن المعاصي، وكذلك ما ينزل بهم من البلاء في أبدانهم وأموالهم يجرى في التدبير على ما فيه صلاحهم واستقامتهم، ويدخر لهم إن صلحوا من الثواب والعوض في الآخرة ما لا يعدله شئ من أمور الدنيا، وربما عجل ذلك في الدنيا إذا كان ذلك في الدنيا صلاحا للخاصة والعامة.
ثم إن الأرض في طباعها الذي طبعها الله عليه باردة يابسة وكذلك الحجارة و إنما الفرق بينها وبين الحجارة فضل يبس في الحجارة، أفرأيت لو أن اليبس أفرط على الأرض قليلا حتى تكون حجرا صلدا أكانت تنبت هذا النبات الذي به حياة الحيوان؟
وكان يمكن بها حرث أو بناء؟ أفلا ترى كيف تنصب من يبس الحجارة وجعلت على ما هي عليه من اللين والرخاوة ولتهيأ للاعتماد؟.
ومن تدبير الحكيم جل وعلا في خلقة الأرض أن مهب الشمال أرفع من مهب الجنوب فلم جعل الله عز وجل كذلك إلا لينحدر المياه على وجه الأرض فتسقيها و ترويها؟ ثم تفيض آخر ذلك إلى البحر فكأنما يرفع أحد جانبي السطح ويخفض الآخر لينحدر الماء عنه ولا يقوم عليه كذلك جعل مهب الشمال أرفع من مهب الجنوب لهذه العلة بعينها، ولولا ذلك لبقي الماء متحيرا على وجه الأرض فكان يمنع الناس من إعمالها ويقطع الطرق والمسالك، ثم الماء لولا كثرته وتدفقه في العيون والأودية و الأنهار لضاق عما يحتاج الناس إليه لشربهم وشرب أنعامهم ومواشيهم، وسقي زروعهم وأشجارهم وأصناف غلاتهم، وشرب ما يرده من الوحوش والطير والسباع وتتقلب فيه الحيتان ودواب الماء، وفيه منافع آخر أنت بها عارف وعن عظم موقعها غافل فإنه سوى الامر الجليل المعروف من غنائه في إحياء جميع ما على الأرض من الحيوان والنبات يمزج بالأشربة فتلين وتطيب لشاربها، وبه تنظف الأبدان والأمتعة من الدرن الذي يغشاها، وبه يبل التراب فيصلح للاعتمال وبه يكف عادية النار إذا اضطرمت وأشرف الناس على المكروه، وبه يسيغ الغصان ما غص به، وبه يستحم المتعب الكال فيجد الراحة من أوصابه، إلى أشباه هذا من المآرب التي تعرف عظم موقعها في وقت الحاجة إليها.
فإن شككت في منفعة هذا الماء الكثير المتراكم في البحار وقلت: ما الإرب فيه؟
فاعلم أنه مكتنف ومضطرب ما لا يحصى: من أصناف السمك ودواب البحر، ومعدن اللؤلؤ والياقوت والعنبر، وأصناف شتى تستخرج من البحر، وفي سواحله منابت العود واليلنجوج، وضروب من الطيب والعقاقير، ثم هو بعد مركب الناس ومحمل لهذه التجارات التي تجلب من البلدان البعيدة كمثل ما يجلب من الصين إلى العراق، ومن العراق
إلى العراق فإن هذه التجارات لو لم يكن لها محمل إلا على الظهر لبارت وبقيت في بلدانها وأيدي أهلها لان أجر حملها كان يجاوز أثمانها فلا يتعرض أحد لحملها، وكان يجتمع في ذلك أمران: أحدهما فقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها، والآخر انقطاع معاش من يحملها ويتعيش بفضلها، وهكذا الهواء لولا كثرته وسعته لاختنق هذا الأنام من الدخان والبخار التي يتحير فيه، ويعجز عما يحول إلى السحاب والضباب أولا أولا وقد تقدم من صفته ما فيه كفاية.
والنار أيضا كذلك فإنها لو كانت مبثوثة كالنسيم والماء كانت تحرق العالم وما فيه، ولم يكن بد من ظهورها في الأحايين لغنائها في كثير من المصالح فجعلت كالمخزونة في الأخشاب، تلتمس عند الحاجة إليها، وتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها لئلا تخبو، فلا هي تمسك بالمادة والحطب فتعظم المؤونة في ذلك، ولا هي تظهر مبثوثة فتحرق كل ما هي فيه بل هي على تهيئة وتقدير اجتمع فيها الاستمتاع بمنافعها والسلامة من ضررها. ثم فيه خلة أخرى وهي أنها مما خص به الانسان دون جميع الحيوان لما له فيها من المصلحة فإنه لو فقد النار لعظم ما يدخل عليه من الضرر في معاشه فأما البهائم فلا تستعمل النار ولا تستمتع بها، ولما قدر الله عز وجل أن يكون هذا هكذا خلق للانسان كفا وأصابع مهيأة لقدح النار واستعمالها، ولم يعط البهائم مثل ذلك لكنها أعينت بالصبر على الجفاء والخلل في المعاش لكيلا ينالها في فقد النار ما ينال الانسان.
وأنبئك من منافع النار على خلقة صغيرة عظيم موقعها، وهي هذا المصباح الذي يتخذه الناس فيقضون به حوائجهم ما شاؤوا من ليلهم، ولولا هذه الخلة لكان الناس تصرف أعمارهم بمنزلة من في القبور، فمن كان يستطيع أن يكتب أو يحفظ أو ينسج
في ظلمة الليل؟ وكيف كانت حال من عرض له وجع في وقت من أوقات الليل فاحتاج أن يعالج ضمادا، أو سفوفا أو شيئا يستشفي به؟ فأما منافعها في نضج الأطعمة ودفاء الأبدان وتجفيف أشياء وتحليل أشياء وأشباه ذلك فأكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى.
تبيان : العقاقير: أصول الأدوية. والغناء بالفتح: المنفعة. والخاوية: الخالية.
والفدفد: الفلاة، والمكان الصلب الغليظ والمرتفع، والأرض المستوية. والفسحة بالضم: السعة. ويقال: لي عن هذا الامر مندوحة ومنتدح أي سعة. وحزبه أمر أي أصابه. والراتبة. الثابتة. والراكنة: الساكنة. وهدأ هدءا وهدوءا: سكن. وقوله عليه السلام:
رجراجة أي متزلزلة متحركة. والتكفئ: الانقلاب والتمايل والتحرك. والارتجاج الاضطراب. والارعواء: الرجوع عن الجهل والكف عن القبيح والصلد - ويكسر -:
الصلب الأملس. قوله عليه السلام: كيف تنصب كذا في أكثر النسخ، والنصب يكون بمعنى الرفع والوضع، ولعل المراد هنا الثاني، والظاهر أنه تصحيف نقصت أو نحوه. قوله عليه السلام:
إن مهب الشمال أرفع أي بعد ما خرجت الأرض من الكروية الحقيقية صار ما يلي الشمال منها في أكثر المعمورة أرفع مما يلي الجنوب، ولذا ترى أكثر الأنهار كدجلة والفرات وغيرهما تجري من الشمال إلى الجنوب، ولما كان الماء الساكن في جوف الأرض تابعا للأرض في ارتفاعه وانخفاضه فلذا صارت العيون المتفجرة تجري هكذا من الشمال إلى الجنوب حتى تجري على وجه الأرض، ولذا حكموا بفوقية الشمال على الجنوب في حكم اجتماع البئر والبالوعة، وإذا تأملت فيما ذكرنا يظهر لك ما بينه عليه السلام من الحكم في ذلك، وأنه لا ينافي كروية الأرض. والتدفق: التصبب. قوله عليه السلام: فإنه سوى الامر الجليل الضمير راجع إلى الماء وهو اسم إن ويمزج خبره أي للماء سوى النقع الجليل المعروف - وهو كونه سببا لحياة كل شئ - منافع أخرى، منها: أنه يمزج مع الأشربة. وقال الجوهري: الحميم: الماء الحار، وقد استحممت إذا اغتسلت به، ثم صار كل اغتسال
استحماما بأي ماء كان. انتهى. والوصب محركة: المرض. والمكتنف بفتح النون من الكنف بمعنى الحفظ والإحاطة، واكتنفه أي أحاط به، ويظهر منه أن نوعا من الياقوت يتكون في البحر، وقيل: أطلق على المرجان مجازا، ويحتمل أن يكون المراد ما يستخرج منه بالغوص وإن لم يتكون فيه. واليلنجوج: عود البخور. ومن العراق أي البصرة. وإلى العراق أي الكوفة أو بالعكس. قوله عليه السلام: ويعجز أي لولا كثرة الهواء لعجز الهواء عما يستحيل الهواء إليه من السحاب والضباب التي تتكون من الهواء. أولا أولا أي تدريجا أي كان الهواء لا يفي بذلك أو لا يتسع لذلك. الضباب بالفتح: ندى كالغيم أو سحاب رقيق كالدخان. والأحايين جمع أحيان، وهو جمع حين بمعنى الدهر والزمان.
قوله عليه السلام: فلا هي تمسك بالمادة والحطب أي دائما بحيث إذا انطفأت لم يمكن إعادتها.
والمادة: الزيادة المتصلة، والمراد هنا الدهن ومثله. ودفاء الأبدان بالكسر: دفع البرد عنها.
فكر يا مفضل في الصحو والمطر كيف يعتقبان على هذا العالم لما فيه صلاحه، ولو دام واحد منهما عليه كان في ذلك فساده ألا ترى أن الأمطار إذا توالت عفنت البقول والخضر، واسترخت أبدان الحيوان، وخصر الهواء فأحدث ضروبا من الأمراض، وفسدت الطرق والمسالك، وأن الصحو إذا دام جفت الأرض، واحترق النبات، وغيض ماء العيون والأودية فأضر ذلك بالناس، وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضروبا أخرى من الأمراض فإذا تعاقبا على العالم هذا التعاقب اعتدل الهواء ودفع كل واحد منهما عادية الآخر فصلحت الأشياء واستقامت.
فإن قال قائل: ولم لا يكون في شئ من ذلك مضرة البتة؟ قيل له: ليمض ذلك الانسان ويؤلمه بعض الألم فيرعوي عن المعاصي، فكما أن الانسان إذا سقم بدنه احتاج إلى الأدوية المرة البشعة ليقوم طباعه ويصلح ما فسد منه كذلك إذا طغى وأشر
احتاج إلى ما يعضه ويؤلمه ليرعوي ويقصر عن مساويه ويثبته على ما فيه حظه ورشده، ولو أن ملكا من الملوك قسم في أهل مملكته قناطير من ذهب وفضة ألم يكن سيعظم عندهم ويذهب له به الصوت؟ فأين هذا من مطرة رواء؟ إذ يعمر به البلاد ويزيد في الغلات أكثر من قناطير الذهب والفضة في أقاليم الأرض كلها.
أفلا ترى المطرة الواحدة ما أكبر قدرها وأعظم النعمة على الناس فيها وهم عنها ساهون! وربما عاقت عن أحدهم حاجة لا قدر لها فيذمر ويسخط إيثارا للخسيس قدره على العظيم نفعه جهلا بمحمود العاقبة وقلة معرفة لعظيم الغناء والمنفعة فيها. تأمل نزوله على الأرض والتدبير في ذلك، فإنه جعل ينحدر عليها من علو ليتفشى ما غلظ وارتفع منها فيرويه، ولو كان إنما يأتيها من بعض نواحيها لما علا على المواضع المشرفة منها و يقل ما يزرع في الأرض.
ألا ترى أن الذي يزرع سيحا أقل من ذلك فالأمطار هي التي تطبق الأرض، وربما تزرع هذه البراري الواسعة وسفوح الجبال وذراها فتغل الغلة الكثيرة، وبها يسقط عن الناس في كثير من البلدان مؤونة سياق الماء من موضع إلى موضع، وما يجري في ذلك بينهم من التشاجر والتظالم حتى يستأثر بالماء ذووا العزة والقوة ويحرمه الضعفاء.
ثم إنه حين قدر أن ينحدر على الأرض انحدارا جعل ذلك قطرا شبيها بالرش ليغور في قطر الأرض فيرويها، ولو كان يسكبه انسكابا كان ينزل على وجه الأرض فلا يغور فيها ثم كان يحطم الزرع القائمة إذا اندفق عليها فصار ينزل نزولا رقيقا فينبت الحب المزروع، ويحيي الأرض والزرع القائم، وفي نزوله أيضا مصالح أخرى فإنه يلين الأبدان، ويجلو كدر الهواء فيرتفع الوباء الحادث من ذلك، ويغسل ما يسقط على
الشجر والزرع من الداء المسمى باليرقان، إلى أشباه هذا من المنافع.
فإن قال قائل: أوليس قد يكون منه في بعض السنين الضرر العظيم الكثير لشدة ما يقع منه أو برد يكون فيه تحطم الغلات وبخورة يحدثها في الهواء فيولد كثيرا من الأمراض في الأبدان والآفات في الغلات؟ قيل: بلى قد يكون ذلك الفرط لما فيه من صلاح الانسان وكفه عن ركوب المعاصي والتمادي فيها فيكون المنفعة فيما يصلح له من دينه أرجح مما عسى أن يرزأ في ماله.
بيان: يعتقبان أي يأتي كل منهما عقيب صاحبه. وخصر الهواء بكسر الصاد المهملة، يقال: خصر يومنا أي اشتد برده، وماء خاصر: بارد، وفي أكثر النسخ بالحاء المهملة و السين من حسر أي كل، وهو لا يستقيم إلا بتكلف وتجوز، وفي بعضها بالخاء المعجمة والثاء المثلثة من قولهم: خثر اللبن خثرا إذا غلظ. والبشع: الكريه الطعم الذي يأخذ بالحلق. والقنطار: معيار، ويروى أنه ألف ومائتا أوقية، ويقال: هو مائة وعشرون رطلا، ويقال: هو ملء مسك الثور ذهبا. قوله عليه السلام: ويذهب له به الصوت، أي يملا صيت كرمه وجوده الآفاق. والذمر: الملامة والتهدد. قوله: ليتفشى التفشي:
الاتساع، والأظهر " ليغشي " بالغين المعجمة كما في بعض النسخ. والحطم: الكسر.
والاندفاق: الانصباب. واليرقان: آفة للزرع. وقوله: مما عسى أن يرزأ من الرزء:
المصيبة.
انظر يا مفضل إلى هذه الجبال المركومة من الطين والحجارة التي يحسبها الغافلون فضلا لا حاجة إليها، والمنافع فيها كثيرة: فمن ذلك أن يسقط عليها الثلوج فيبقى في قلالها لمن يحتاج إليه، ويذوب ما ذاب منه فتجري منه العيون الغزيرة التي تجتمع منها الأنهار العظام، وينبت فيها ضروب من النبات والعقاقير التي لا ينبت مثلها في السهل، ويكون فيها كهوف ومقايل للوحوش من السباع العادية ويتخذ منها الحصون
والقلاع المنيعة للتحرز من الأعداء، وينحت منها الحجارة للبناء والأرحاء، ويوجد فيها معادن لضروب من الجواهر، وفيها خلال أخرى لا يعرفها إلا المقدر في سابق علمه.
تفسير: المقايل في بعض النسخ بالقاف، وكأنه من القيلولة، وفي بعضها بالغين، ولعله من الغيل: الشجر الملتف. وفي بعض كتب اللغة: المغالة: العش. وفي بعض النسخ معاقل جمع المعقل وهو الملجأ.
فكر يا مفضل في هذه المعادن وما يخرج منها من الجواهر المختلفة مثل الجص و الكلس والجبس والزرانيخ، والمرتك، والقونيا والزيبق، والنحاس، والرصاص، والفضة، والذهب، والزبرجد، والياقوت، والزمرد، وضروب الحجارة، وكذلك ما يخرج منها من القار، والموميا، والكبريت، والنفط، وغير ذلك مما يستعمله الناس في مأربهم، فهل يخفى على ذي عقل بأن هذه كلها ذخائر ذخرت للانسان في هذه الأرض ليستخرجها فيستعملها عند الحاجة إليها؟ ثم قصرت حيلة الناس عما حاولوا من صنعتها على حرصهم واجتهادهم في ذلك فإنهم لو ظفروا بما حاولوا من هذا العلم كان لا محالة سيظهر ويستفيض في العالم حتى تكثر الذهب والفضة ويسقطا عند الناس فلا يكون لهما قيمة ويبطل الانتفاع بهما في الشرى والبيع والمعاملات، ولا كان يجيئ السلطان الأموال، ولا يدخرهما أحد للأعقاب، وقد أعطي الناس مع هذا صنعة الشبه من النحاس والزجاج من الرمل، والفضة من الرصاص، والذهب من الفضة، وأشباه ذلك مما لا مضرة فيه.
فانظر كيف أعطوا إرادتهم فيما لا ضرر فيه، ومنعوا ذلك فيما كان ضارا لهم لو نالوه، ومن أوغل في المعادن انتهى إلى واد عظيم يجري منصلتا بماء غزير، لا يدرك غوره ولا حيلة في عبوره ومن ورائه أمثال الجبال من الفضة.
تفكر الآن في هذا من تدبير الخالق الحكيم فإنه أراد جل ثناؤه أن يرى العباد
قدرته وسعة خزائنه، ليعلموا أنه لو شاء أن يمنحهم كالجبال من الفضة لفعل، لكن لا صلاح لهم في ذلك، لأنه لو كان فيكون فيها كما ذكرنا سقوط هذا الجوهر عند الناس وقلة انتفاعهم به، واعتبر ذلك بأنه قد يظهر الشئ الطريف مما يحدثه الناس من الأواني و الأمتعة فما دام عزيزا قليلا فهو نفيس جليل آخذ الثمن فإذا فشا وكثر في أيدي الناس سقط عندهم وخست قيمته، ونفاسة الأشياء من عزتها.
بيان: الكلس بالكسر: الصاروج. والجبس بالكسر الجص. وفي أكثر النسخ الجبسين ولم أجده فيما عندنا من كتب اللغة لكن في كتب الطب كما في أكثر النسخ.
والمرتك كمقعد: المرداسنج. والقونيا بالباء الموحدة أو الياء المثناة من تحت، ولم أجدهما في كتب اللغة، لكن في القاموس: القونة: القطعة من الحديد أو الصفر يرقع بها الاناء، وفي بعض النسخ: والتوتيا، وفي كتب اللغة أنه حجر يكتحل به. والقار:
القير. وجبى الخراج جباية: جمعه. والايغال: المبالغة في الدخول والذهاب. وانصلت:
مضى وسبق.
فكر يا مفضل: في هذا النبات وما فيه من ضروب المآرب، فالثمار للغذاء، و الأتبان للعلف، والحطب للوقود، والخشب لكل شئ من أنواع النجارة وغيرها، و اللحاء والورق والأصول والعروق والصموغ لضروب من المنافع. أرأيت لو كنا نجد الثمار التي نغتذي بها مجموعة على وجه الأرض ولم تكن تنبت على هذه الأغصان الحاملة لها كم كان يدخل علينا من الخلل في معاشنا وإن كان الغذاء موجودا فإن المنافع بالخشب والحطب والأتبان وسائر ما عددناه كثيرة، عظيم قدرها، جليل موقعها، هذا مع ما في النبات من التلذذ بحسن منظره ونضارته التي لا يعد لها شئ من مناظر العالم وملاهيه.
بيان: لحاء الشجرة بالكسر: قشرها.
فكر يا مفضل: في هذا الريع الذي جعل في الزرع فصارت الحبة الواحدة تخلف
مائة حبة وأكثر وأقل، وكان يجوز أن يكون الحبة تأتي بمثلها فلم صارت تريع هذا الريع إلا ليكون في الغلة متسع لما يرد في الأرض من البذر، وما يتقوت الزراع إلى إدراك زرعها المستقبل؟.
ألا ترى أن الملك لو أراد عمارة بلد من البلدان كان السبيل في ذلك أن يعطي أهله ما يبذرونه في أرضهم، وما يقوتهم إلى إدراك زرعهم فانظر كيف تجد هذا المثال قد تقدم في تدبير الحكيم فصار الزرع يريع هذا الريع ليفي بما يحتاج إليه للقوت والزراعة، و كذلك الشجر والنبت والنخل يريع الريع الكثير فإنك ترى الأصل الواحد حوله من فراخه أمرا عظيما، فلم كان كذلك إلا ليكون فيه ما يقطعه الناس ويستعملونه في مأربهم وما يرد فيغرس في الأرض؟ ولو كان الأصل منه يبقى منفردا لا يفرخ ولا يريع لما أمكن أن يقطع منه شئ لعمل ولا لغرس، ثم كان إن أصابته آفة انقطع أصله فلم يكن منه خلف.
تأمل نبات هذه الحبوب من العدس والماش والباقلا وما أشبه ذلك فإنها تخرج في أوعية مثل الخرائط لتصونها وتحجبها من الآفات إلى أن تشد وتستحكم كما قد تكون المشيمة على الجنين لهذا المعنى بعينه، فأما البر وما أشبهه فإنه يخرج مدرجا في قشور صلاب على رؤوسها مثال الأسنة من السنبل ليمنع الطير منه ليتوفر على الزراع.
فإن قال قائل: أوليس قد ينال الطير من البر والحبوب؟ قيل له: بلى على هذا قدر الامر فيها لان الطير خلق من خلق الله وقد جعل الله تبارك وتعالى له فيما تخرج الأرض حظا، ولكن حضنت الحبوب بهذه الحجب لئلا يتمكن الطير منها كل التمكن فيعبث فيها ويفسد الفساد الفاحش فإن الطير لو صادف الحب بارزا ليس عليه شئ يحول دونه لأكب عليه حتى ينسفه أصلا فكان يعرض من ذلك أن يبشم الطير فيموت، ويخرج الزراع من زرعه صفرا فجعلت عليه هذه الوقايات لتصونه فينال الطائر منه شيئا يسيرا يتقوت به، ويبقى أكثره للانسان فإنه أولى به إذ كان هو الذي كدح فيه وشقي به، وكان الذي يحتاج إليه أكثر مما يحتاج إليه الطير.
تأمل الحكمة في خلق الشجر وأصناف النبات فإنها لما كانت تحتاج إلى الغذاء
الدائم كحاجة الحيوان ولم يكن لها أفواه كأفواه الحيوان ولا حركة تنبعث بها لتناول الغذاء جعلت أصولها مركوزة في الأرض لتنزع منها الغذاء فتؤديه إلى الأغصان وما عليها من الورق والثمر فصارت الأرض كالأم المربية لها، وصارت أصولها التي هي كالأفواه ملتقمة للأرض لتنزع منها الغذاء كما يرضع أصناف الحيوان أمهاتها.
ألا ترى إلى عمد الفساطيط والخيم كيف تمد بالأطناب من كل جانب لتثبت منتصبة فلا تسقط ولا تميل فهكذا تجد النبات كله له عروق منتشرة في الأرض ممتدة إلى كل جانب لتمسكه وتقيمه، ولولا ذلك كيف كان يثبت هذا النخل الطوال والدوح العظام في الريح العاصف، فانظر إلى حكمة الخلقة كيف سبقت حكمة الصناعة فصارت الحيلة التي تستعملها الصناع في ثبات الفساطيط والخيم متقدمة في خلق الشجر لان خلق الشجر قبل صنعة الفساطيط والخيم ألا ترى عمدها وعيدانها من الشجر؟ فالصناعة مأخوذة من الخلقة.
بيان: ينسفه بالكسر أي يقلعه. وبشم الحيوان بشما من باب تعب: اتخم من كثرة الاكل. والكدح: العمل والسعي. والشقا: الشدة والعسر شقى كرضى. والدوح بفتح الدال وسكون الواو جمع الدوحة، وهي الشجرة العظيمة.
تأمل يا مفضل خلق الورق فإنك ترى في الورقة شبه العروق مبثوثة فيها أجمع فمنها غلاظ ممتدة في طولها وعرضها، ومنها دقاق تتخلل الغلاظ منسوجة نسجا دقيقا معجما لو كان مما يصنع بالأيدي كصنعة البشر لما فرغ من ورق شجرة واحدة في عام كامل، ولاحتيج إلى آلات وحركة وعلاج وكلام فصار يأتي منه في أيام قلائل من الربيع ما يملا الجبال والسهل وبقاع الأرض كلها بلا حركة ولا كلام إلا بالإرادة النافذة في كل شئ والامر المطاع.
واعرف مع ذلك العلة في تلك العروق الدقاق فإنها جعلت تتخلل الورقة بأسرها لتسقيها وتوصل الماء إليها بمنزلة العروق المبثوثة في البدن لتوصل الغذاء إلى كل جزء منها وفي الغلاظ منها معنى آخر فإنها تمسك الورقة بصلابتها ومتانتها لئلا
تنهتك وتتمزق فترى الورقة شبيهة بورقة معمولة بالصنعة من خرق قد جعلت فيها عيدان ممدودة في طولها وعرضها لتتماسك فلا تضطرب فالصناعة تحكي الخلقة وإن كانت لا تدركها على الحقيقة.
فكر في هذا العجم والنوى والعلة فيه فإنه جعل في جوف الثمرة ليقوم مقام الغرس إن عاق دون الغرس عائق، كما يحرز الشئ النفيس الذي تعظم الحاجة إليه في مواضع آخر، فإن حدث على الذي في بعض المواضع منه حادث وجد في موضع آخر، ثم بعد يمسك بصلابته رخاوة الثمار ورقتها، ولولا ذلك لتشدخت وتفسخت وأسرع إليه الفساد، وبعضه يؤكل ويستخرج دهنه فيستعمل منه ضروب من المصالح، وقد تبين لك موضع الإرب في العجم والنوى.
فكر الآن في هذا الذي تجده فوق النواة من الرطبة وفوق العجم من العنبة فما العلة فيه؟ ولماذا يخرج في هذه الهيئة؟ وقد كان يمكن أن يكون مكان ذلك ما ليس فيه مأكل كمثل ما يكون في السرو والدلب وما أشبه ذلك، فلم صار يخرج فوقه هذه المطاعم اللذيذة إلا ليستمتع بها الانسان؟.
فكر في ضروب من التدبير في الشجر فإنك تراه يموت في كل سنة موتة، فيحتبس الحرارة الغريزية في عوده ويتولد فيه مواد الثمار ثم تحيى وتنتشر فتأتيك بهذه الفواكه نوعا بعد نوع كما تقدم إليك أنواع الأطبخة التي تعالج بالأيدي واحدا بعد واحد، فترى الأغصان في الشجر تتلقاك ثمارها حتى كأنها تناولكها عن يد، وترى الرياحين تلقاك في أفنانها كأنها تجيئك بأنفسها، فلمن هذا التقدير إلا لمقدر حكيم؟ وما العلة فيه إلا تفكية الانسان بهذه الثمار والأنوار؟ والعجب من أناس جعلوا مكان الشكر على النعمة جحود المنعم بها!.
اعتبر بخلق الرمانة وما ترى فيها من أثر العمد والتدبير فإنك ترى فيها كأمثال التلال من شحم مركوم في نواحيها، وحبا مرصوفا رصفا كنحو ما ينضد بالأيدي
وترى الحب مقسوما أقساما، وكل قسم منها ملفوفا بلفائف من حجب منسوجة أعجب النسج وألطفه، وقشره يضم ذلك كله، فمن التدبير في هذه الصنعة أنه لم يكن يجوز أن يكون حشو الرمانة من الحب وحده، وذلك أن الحب لا يمد بعضه بعضا فجعل ذلك الشحم خلال الحب ليمده بالغذاء، ألا ترى أن أصول الحب مركوزة في ذلك الشحم؟
ثم لف بتلك اللفائف لتضمه وتمسكه فلا يضطرب، وغشي فوق ذلك بالقشرة المستحصفة ليصونه ويحصنه من الآفات، فهذا قليل من كثير وهي وصف الرمانة وفيه أكثر من هذا لمن أراد الاطناب والتذرع في الكلام، ولكن فيما ذكرت لك كفاية في الدلالة والاعتبار.
بيان: قوله عليه السلام: معجما لعل المراد شدة ارتباطها قال الفيروزآبادي: باب معجم كمكرم: مقفل. انتهى. ويحتمل أن يكون كناية عن خفائها كقوله صلى الله عليه وآله:
صلاة النهار عجماء. وقوله عليه السلام: إن عاق دون الغرس أي غرس الأغصان عائق تغرس النوى بدلها. والشدخ: الكسر والغمز، والمشدخ هو بسر يغمز وييبس للشتاء. والدلب بالضم: الصنار قوله عليه السلام: فيحتبس الحرارة الغريزية يدل على أن الحرارة الغريزية لا يختص بالحيوان، بل يوجد في النبات أيضا كما صرح به جماعة من المحققين.
ويقال: رصفت الحجارة في البناء رصفا أي ضممت بعضها إلى بعض. واستحصف: استحكم.
والتذرع: كثرة الكلام والافراط فيه.
فكر يا مفضل في حمل اليقطين الضعيف مثل هذه الثمار الثقيلة من الدباء والقثاء والبطيخ، وما في ذلك من التدبير والحكمة فإنه حين قدر أن يحتمل مثل هذه الثمار جعل نباته منبسطا على الأرض، ولو كان ينتصب قائما كما ينتصب الزرع والشجر لما استطاع أن يحمل مثل هذه الثمار الثقيلة، ولينقصف قبل إدراكها وانتهائها إلى غايتها.
فانظر كيف صار يمتد على وجه الأرض ليلقى عليها ثمارها فتحملها عنه فترى الأصل من القرع والبطيخ مفترشا للأرض، ثماره مبثوثة عليها وحواليه كأنه هرة ممتدة وقد اكتنفتها أجراؤها لترضع منها.
وانظر كيف صارت الأصناف توافي في الوقت المشاكل لها من حمارة الصيف، ووقدة الحر فتلقاها النفوس بانشراح وتشوق إليها، ولو كانت توافي في الشتاء لوافقت من الناس كراهة لها واقشعرارا منها مع ما يكون فيها من المضرة للأبدان. ألا ترى أنه ربما أدرك شئ من الخيار في الشتاء فيمتنع الناس من أكله إلا الشره الذي لا يمتنع من أكل ما يضره وليستوخم مغبته.
توضيح: قال الفيروزآبادي: اليقطين: ما لا ساق له من النبات ونحوه. والقصف:
الكسر. وقال الجوهري: الجر والجرو والجرو: ولد الكلب والسباع، والجمع أجر، وأصله أجر وعلى أفعل، وجراء، وجمع الجراء أجرية، والجرو والجروة الصغير من القثاء. انتهى. والحمارة بتخفيف الميم وتشديد الراء وقد يخفف في الشعر: شدة الحر. وفي الأساس: مالي أراك تشرح إلى كل رتبة، وهو إظهار الرغبة إليها، وفيه:
هو شره العين يطمع في كل ما يراه يرمي نفسه عليه ويتمناه. انتهى. واستوخمه: لم يجده مريئا موافقا. والمغبة: العاقبة.
فكريا مفضل في النخل فإنه لما صار فيه إناث يحتاج إلى التلقيح جعلت فيه ذكورة للقاح من غير غراس فصار الذكر من النخل بمنزلة الذكر من الحيوان الذي يلقح الإناث لتحمل وهو لا يحمل.
تأمل خلقة الجذع كيف هو فإنك تراه كالمنسوج نسجا من غير خيوط ممدودة كالسدى وأخرى معه معترضة كاللحمة كنحو ما ينسج بالأيدي، وذلك ليشتد و يصلب ولا ينقصف من حمل القنوان الثقلية، وهز الرياح العواصب إذا صار نخلة، و ليتهيأ للسقوف والجسور وغير ذلك مما يتخذ منه إذا صار جذعا، وكذلك ترى الخشب مثل النسج فإنك ترى بعضه مداخلا بعضا طولا وعرضا كتداخل أجزاء اللحم، وفيه
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.