پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب التوحيد

باب 4 الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر روى محمد بن سنان

ج ۳، ص ۸۲–۱۰۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳

صلاح دينه ودنياه، فمما فيه صلاح دينه معرفة الخالق تبارك وتعالى بالدلائل والشواهد القائمة في الخلق، ومعرفة الواجب عليه من العدل على الناس كافة وبر الوالدين، وأداء الأمانة، ومواساة أهل الخلة، وأشباه ذلك مما قد توجد معرفته والاقرار والاعتراف به في الطبع والفطرة من كل أمة موافقة أو مخالفة، وكذلك أعطي علم ما فيه صلاح دنياه كالزراعة والغراس، واستخراج الأرضين، واقتناء الأغنام والانعام، واستنباط المياه، ومعرفة العقاقير التي يستشفى بها من ضروب الأسقام، والمعادن التي يستخرج منها أنواع الجواهر، وركوب السفن والغوص في البحر، وضروب الحيل في صيد الوحش والطير والحيتان، والتصرف في الصناعات، ووجوه المتاجر والمكاسب، و غير ذلك مما يطول شرحه ويكثر تعداده مما فيه صلاح أمره في هذه الدار، فاعطي علم ما يصلح به دينه ودنياه، ومنع ما سوى ذلك مما ليس في شأنه ولا طاقته أن يعلم، كعلم الغيب وما هو كائن وبعض ما قد كان أيضا كعلم ما فوق السماء وما تحت الأرض وما في لجج البحار وأقطار العالم وما في قلوب الناس وما في الأرحام وأشباه هذا مما حجب على الناس علمه، وقد ادعت طائفة من الناس هذه الأمور فأبطل دعواهم ما بين من خطائهم فيما يقضون عليه ويحكمون به فيما ادعوا علمه، فانظر كيف أعطي الانسان علم جميع ما يحتاج إليه لدينه ودنياه، وحجب عنه ما سوى ذلك ليعرف قدره ونقصه، وكلا الامرين فيهما صلاحه.

تأمل الآن يا مفضل ما ستر عن الانسان علمه من مدة حياته فإنه لو عرف مقدار عمره وكان قصير العمر لم يتهنأ بالعيش مع ترقب الموت وتوقعه لوقت قد عرفه،

بل كان يكون بمنزلة من قد فنى ماله أو قارب الفناء فقد استشعر الفقر والوجل من فناء ماله وخوف الفقر، على أن الذي يدخل على الانسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال لان من يقل ماله يأمل أن يستخلف منه فيسكن إلى ذلك، ومن أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس وإن كان طويل العمر، ثم عرف ذلك وثق بالبقاء وانهمك في اللذات والمعاصي وعمل، على أنه يبلغ من ذلك شهوته ثم يتوب في آخر عمره، وهذا مذهب لا يرضاه الله من عباده ولا يقبله.

ألا ترى لو أن عبدا لك عمل على أنه يسخطك سنة ويرضيك يوما أو شهرا لم تقبل ذلك منه، ولم يحل عندك محل العبد الصالح دون أن يضمر طاعتك ونصحك في كل الأمور وفي كل الأوقات على تصرف الحالات. فإن قلت: أوليس قد يقيم الانسان على المعصية حينا ثم يتوب فتقبل توبته؟ قلنا:

إن ذلك شئ يكون من الانسان لغلبة الشهوات وتركه مخالفتها من غير أن يقدرها في نفسه ويبني عليه أمره فيصفح الله عنه ويتفضل عليه بالمغفرة، فأما من قدر أمره على أن يعصي ما بدا له ثم يتوب آخر ذلك فإنما يحاول خديعة من لا يخادع بأن يتسلف التلذذ في العاجل ويعد ويمني نفسه التوبة في الآجل، ولأنه لا يفي بما يعد من ذلك فان النزوع من الترفه والتلذذ ومعاناة التوبة ولا سيما عند الكبر وضعف البدن أمر صعب، ولا يؤمن على الانسان مع مدافعته بالتوبة أن يرهقه الموت فيخرج من الدنيا غير تائب، كما قد يكون على الواحد دين إلى أجل وقد يقدر على قضائه فلا يزال يدافع بذلك حتى يحل الأجل وقد نفد المال فيبقى الدين قائما عليه، فكان خير الأشياء للانسان أن يستر عنه مبلغ عمره فيكون طول عمره يترقب الموت فيترك المعاصي ويؤثر العمل الصالح.

فإن قلت: وها هو الآن قد ستر عنه مقدار حياته وصار يترقب الموت في كل ساعة يقارف الفواحش وينتهك المحارم، قلنا: إن وجه التدبير في هذا الباب هو الذي جرى

عليه الامر فيه، فإن كان الانسان مع ذلك لا يرعوي ولا ينصرف عن المساوي فإنما ذلك من مرحه ومن قساوة قلبه لا من خطأ في التدبير، كما أن الطبيب قد يصف للمريض ما ينتفع به فإن كان المريض مخالفا لقول الطبيب لا يعمل بما يأمره ولا ينتهي عما ينهاه عنه لم ينتفع بصفته ولم يكن الإساءة في ذلك للطبيب بل للمريض حيث لم يقبل منه، ولئن كان الانسان مع ترقبه للموت كل ساعة لا يمتنع عن المعاصي فإنه لو وثق بطول البقاء كان أحرى بأن يخرج إلى الكبائر الفظيعة، فترقب الموت على كل حال خير له من الثقة بالبقاء، ثم إن ترقب الموت وإن كان صنف من الناس يلهون عنه ولا يتعظون به فقد يتعظ به صنف آخر منهم، وينزعون عن المعاصي ويؤثرون العمل الصالح، ويجودون بالأموال والعقائل النفيسة في الصدقة على الفقراء والمساكين، فلم يكن من العدل أن يحرم هؤلاء الانتفاع بهذه الخصلة لتضييع أولئك حظهم منها.

بيان: انهمك الرجل في الامر أي جد ولج. والتسلف: الاقتراض، كأنه يجري معاملة مع ربه بأن يتصرف في اللذات عاجلا، ويبعد ربه عوضها التوبة ليؤدي إليه آجلا. وفي بعض النسخ: يستسلف، وهو طلب بيع الشئ سلفا.

والمعاناة: مقاساة العناء والمشقة. ويرهقه أي يغشاه ويلحقه. وانتهاك المحارم:

المبالغة في خرقها وإتيانها. والارعواء: الكف عن الشئ، وقيل: الندم على الشئ و الانصراف عنه وتركه. والمرح: شدة الفرح. وقال الفيروزآبادي: العقيلة من كل تفسير العياشي: أكرمه، وكريمة الإبل. وقال: العقال ككتاب: زكاة عام من الإبل.

فكر يا مفضل في الأحلام كيف دبر الامر فيها فمزج صادقها بكاذبها فإنها لو كانت كلها تصدق لكان الناس كلهم أنبياء، ولو كانت كلها تكذب لم يكن فيها منفعة بل كانت فضلا لا معنى له، فصارت تصدق أحيانا فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدي لها، أو مضرة يتحذر منها، وتكذب كثيرا لئلا يعتمد عليها كل الاعتماد.

فكر في هذه الأشياء التي تراها موجودة معدة في العالم من مأربهم، فالتراب للبناء، والحديد للصناعات، والخشب للسفن وغيرها، والحجارة للأرحاء وغيرها، والنحاس للأواني، والذهب والفضة للمعاملة، والجوهر للذخيرة، والحبوب للغذاء، والثمار للتفكه، واللحم للمأكل، والطيب للتلذذ، والأدوية للتصحيح، والدواب للحمولة، والحطب للتوقد، والرماد للكلس، والرمل للأرض، وكم عسى أن يحصي المحصي من هذا وشبهه، أرأيت لو أن داخلا دخل دارا فنظر إلى خزائن مملوة من كل ما يحتاج إليه الناس ورأي كل ما فيها مجموعا معدا لأسباب معروفة لكان يتوهم أن مثل هذا يكون بالاهمال ومن غير عمد؟ فكيف يستجيز قائل أن يقول هذا في العالم وما أعد فيه من هذه الأشياء.

بيان: التفكه: التنعم. الكلس بالكسر: الصاروج. قوله عليه السلام: للأرض أي لفرشها.

اعتبر يا مفضل بأشياء خلقت لمأرب الانسان وما فيها من التدبير فإنه خلق له الحب لطعامه، وكلف طحنه وعجنه وخبزه، وخلق له الوبر لكسوته فكلف ندفه وغزله ونسجه، وخلق له الشجر فكلف غرسها وسقيها والقيام عليها، وخلقت له العقاقير لأدويته فكلف لقطها وخلطها وصنعها، وكذلك تجد سائر الأشياء على هذا المثال، فانظر كيف كفي الخلقة التي لم يكن عنده فيها حيلة وترك عليه في كل شئ من الأشياء موضع عمل وحركة لما له في ذلك من الصلاح، لأنه لو كفي هذا كله حتى لا يكون له في الأشياء موضع شغل وعمل لما حملته الأرض أشرا وبطرا، ولبلغ به كذلك إلى أن يتعاطي أمورا فيها تلف نفسه، ولو كفي الناس كل ما يحتاجون إليه لما تهنؤوا بالعيش ولا وجدوا له لذة، ألا ترى لو أن امرءا نزل بقوم فأقام حينا بلغ جميع ما يحتاج إليه من مطعم و مشرب وخدمة لتبرم بالفراغ ونازعته نفسه إلى التشاغل بشئ؟ فكيف لو كان طول

عمره مكفيا لا يحتاج إلى شئ؟ وكان من صواب التدبير في هذه الأشياء التي خلقت للانسان أن جعل له فيها موضع شغل لكيلا تبرمه البطالة ولتكفه عن تعاطي ما لا يناله ولا خير فيه إن ناله.

واعلم يا مفضل أن رأس معاش الانسان وحياته الخبز والماء، فانظر كيف دبر الامر فيهما، فإن حاجة الانسان إلي الماء أشد من حاجته إلى الخبز، وذلك أن صبره على الجوع أكثر من صبره على العطش، والذي يحتاج إليه من الماء أكثر مما يحتاج إليه من الخبز، لأنه يحتاج إليه لشربه ووضوئه وغسله وغسل ثيابه وسقي أنعامه وزرعه، فجعل الماء مبذولا لا يشترى لتسقط عن الانسان المؤونة في طلبه وتكلفه، وجعل الخبز متعذرا لا ينال إلا بالحيلة والحركة ليكون للانسان في ذلك شغل يكفه عما يخرجه إليه الفراغ من الأشر والعبث، ألا ترى أن الصبي يدفع إلى المؤدب وهو طفل لم يكمل ذاته للتعليم كل ذلك ليشتغل عن اللعب والعبث اللذين ربما جنيا عليه وعلى أهله المكروه العظيم، وهكذا الانسان لو خلا من الشغل لخرج من الأشر والعبث والبطر إلى ما يعظم ضرره عليه وعلى من قرب منه، واعتبر ذلك بمن نشأ في الجدة ورفاهية العيش والترفه والكفاية وما يخرجه ذلك إليه.

اعتبر لم لا يتشابه الناس واحد بالآخر كما يتشابه الوحوش والطير وغير ذلك؟ فإنك ترى السرب من الظباء والقطا تتشابه حتى لا يفرق بين واحد منها وبين الأخرى، وترى الناس مختلفة صورهم وخلقهم حتى لا يكاد اثنان منهم يجتمعان في صفة واحدة، والعلة في ذلك أن الناس محتاجون إلى أن يتعارفوا بأعيانهم وحلاهم لما يجري بينهم من المعاملات وليس يجري بين البهائم مثل ذلك فيحتاج إلى معرفة كل واحد منها بعينه وحليته، ألا ترى أن التشابه في الطير والوحش لا يضرهما شيئا، وليس كذلك الانسان فإنه ربما تشابه التوأمان تشابها شديدا فتعظم المؤونة على الناس في معاملتهما

حتى يعطى أحدهما بالآخر ويؤخذ أحدهما بذنب الآخر، وقد يحدث مثل هذا في تشابه الأشياء فضلا عن تشابه الصورة، فمن لطف لعباده بهذه الدقائق التي لا تكاد تخطر بالبال حتى وقف بها على الصواب إلا من وسعت رحمته كل شئ؟ لو رأيت تمثال الانسان مصورا على حائط فقال لك قائل: إن هذا ظهر ههنا من تلقاء نفسه لم يصنعه صانع أكنت تقبل ذلك؟ بل كنت تستهزئ به فكيف تنكر هذا في تمثال مصور جماد ولا تنكر في الانسان الحي الناطق؟ لم صارت أبدان الحيوان وهي تغتذي أبدا لا تنمي، بل تنتهي إلى غاية من النمو ثم تقف ولا تتجاوزها لولا التدبير في ذلك؟ فإن من تدبير الحكيم فيها أن يكون أبدان كل صنف منها على مقدار معلوم غير متفاوت في الكبير والصغير، وصارت تنمي حتى تصل إلى غايتها ثم يقف ثم لا يزيد والغذاء مع ذلك دائم لا ينقطع، ولو كانت تنمي نموا دائما لعظمت أبدانها واشتبهت مقاديرها حتى لا يكون لشئ منها حد يعرف، لم صارت أجسام الانس خاصة تثقل عن الحركة والمشي ويجفو عن الصناعات اللطيفة إلا لتعظيم المؤونة فيما يحتاج إليه الناس للملبس والمضجع والتكفين وغير ذلك، لو كان الانسان لا يصيبه ألم ولا وجع بم كان يرتدع عن الفواحش ويتواضع لله ويتعطف على الناس؟ أما ترى الانسان إذا عرض له وجع خضع واستكان ورغب إلى ربه في العافية وبسط يديه بالصدقة؟

ولو كان لا يألم من الضرب بم كان السلطان يعاقب الدعار ويذل العصاة المردة؟ وبم كان الصبيان يتعلمون العلوم والصناعات؟ وبم كان العبيد يذلون لأربابهم ويذعنون لطاعتهم؟ أفليس هذا توبيخ لابن أبي العوجاء وذويه اللذين جحدوا التدبير، والمانوية الذين أنكروا الألم والوجع، لو لم يولد من الحيوان إلا ذكر فقط أو إناث فقط ألم يكن النسل منقطعا، وباد مع ذلك أجناس الحيوان؟ فصار بعض الأولاد يأتي ذكورا و بعضها يأتي إناثا ليدوم التناسل ولا ينقطع. لم صار الرجل والمرأة إذا أدركا نبتت لهما العانة ثم نبتت اللحية للرجل وتخلفت عن المرأة لولا التدبير في ذلك؟ فإنه لما جعل الله تبارك

وتعالى الرجل قيما ورقيبا على المرأة وجعل المرأة عرسا وخولا للرجل أعطى الرجل اللحية لما له من العزة والجلالة والهيبة، ومنعها المرأة لتبقى لها نضارة الوجه والبهجة التي تشاكل المفاكهة والمضاجعة، أفلا ترى الخلقة كيف يأتي بالصواب في الأشياء و تتخلل مواضع الخطأ فتعطي وتمنع على قدر الإرب والمصلحة بتدبير الحكيم عز وجل؟.

بيان: جنى الذنب عليه يجنيه جناية: جره إليه. والجدة بالتخفيف: الغناء.

قوله عليه السلام: في تشابه الأشياء أي قد يشبه مال شخص بمال شخص آخر كثوب أو نعل أو دينار أو درهم فيصير سببا للاشتباه والتشاجر والتنازع، فضلا عن تشابه الصورة فإنه أعظم فسادا، والمراد أن الناس كثيرا ما يشتبه عليهم أمر رجلين لتشابه لباسهما ومركوبهما وغير ذلك فيؤخذ أحدهما بالآخر فكيف مع تشابه الصورة؟. قوله عليه السلام: واشتبهت مقاديرها أي لم يعرف غاية ما ينتهي إليه مقداره فيشتبه الامر عليه فيما يريد أن يهيئه لنفسه من دار ودابة وثياب وزوجة. قوله عليه السلام: ويجفو أي يبعد ويجتنب ولا يداوم على الصناعات اللطيفة، أي التي فيها دقة ولطافة، قال الجزري: وفي الحديث: اقرؤوا القرآن ولا تجفوا عنه. أي تعاهدوه وتبعدوا عن تلاوته. انتهى.

والحاصل أن الله تعالى جعل الانسان بحيث تثقل عن الحركة والمشي قبل سائر الحيوانات وتكل عن الاعمال الدقيقة لتعظم عليه مؤونة تحصيل ما يحتاج إليه فلا يبطر ولا يطغى أو ليكون لهذه الاعمال أجر فيصير سببا لمعايش أقوام يزاولونها. والدعار في بعض النسخ بالمهملة من الدعر محركة الفساد والفسق والخبث، وفي بعضها بالمعجمة من الدغرة وهي أخذ الشئ اختلاسا. والعرس بالكسر: امرأة الرجل. والخول محركة ما أعطاك الله من النعم والعبيد والإماء. والمفاكهة: الممازحة والمضاحكة. قوله عليه السلام: وتخلل مواضع الخطأ يحتمل أن تكون الجملة حالية أي تأتي بالصواب مع أنها تدخل مواضع هي مظنة الخطأ، من قولهم: تخللت القوم أي دخلت خلالهم ويحتمل أن يكون المراد بالتخلل التخلف أو الخروج من خلالها لكن تطبيقهما على المعاني اللغوية يحتاج إلى تكلف.

قال المفضل: ثم حان وقت الزوال فقام مولاي إلى الصلاة وقال: بكر إلى غدا

إن شاء الله، فانصرفت من عنده مسرورا بما عرفته، مبتهجا بما أوتيته، حامدا لله على ما أنعم به علي، شاكرا لأنعمه على ما منحني بما عرفنيه مولاي وتفضل به علي، فبت في ليلتي مسرورا بما منحنيه، محبورا بما علمنيه.

تم المجلس الأول ويتلوه المجلس الثاني من كتاب الأدلة على الخلق والتدبير والرد على القائلين بالاهمال ومنكري العمد برواية المفضل عن الصادق صلوات الله عليه وعلى آبائه.

قال المفضل: فلما كان اليوم الثاني بكرت إلى مولاي فاستؤذن لي فدخلت فأمرني بالجلوس فجلست، فقال: الحمد لله مدير الادوار ومعيد الأكوار طبقا عن طبق و عالما بعد عالم ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، عدلا منه تقدست أسماؤه وجلت آلاؤه، لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون يشهد بذلك قوله جل قدسه: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، في نظائر لها في كتابه الذي فيه تبيان كل شئ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ولذلك قال سيدنا محمد صلوات الله عليه وآله إنما هي أعمالكم ترد إليكم. ثم أطرق هنيئة ثم قال: يا مفضل الخلق حيارى عمهون سكارى في طغيانهم يترددون، وبشياطينهم وطواغيتهم يقتدون، بصراء عمي لا يبصرون، نطقاء بكم لا يعقلون، سمعاء صم لا يسمعون، رضوا بالدون وحسبوا أنهم مهتدون، حادوا عن مدرجة الأكياس، ورتعوا في مرعى الأرجاس الأنجاس، كأنهم من مفاجأة الموت آمنون وعن المجازات مزحزحون، يا ويلهم ما أشقاهم وأطول غناءهم وأشد بلاءهم يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله.

قال المفضل: فبكيت لما سمعت منه، فقال: لا تبك تخلصت إذ قبلت، ونجوت إذ عرفت، ثم قال: أبتدئ لك بذكر الحيوان ليتضح لك من أمره ما وضح لك من غيره.

فكر في أبنية أبدان الحيوان وتهيئتها على ما هي عليه، فلا هي صلاب كالحجارة ولو كانت كذلك لا تنثني ولا تتصرف في الاعمال، ولا هي على غاية اللين والرخاوة فكانت

لا تتحامل ولا تستقل بأنفسها، فجعلت من لحم رخو تنثني، تتداخله عظام صلاب، يمسكه عصب وعروق تشده ويضم بعضه إلى بعض، وغلفت فوق ذلك بجلد يشتمل على البدن كله، ومن أشباه ذلك هذه التماثيل التي تعمل من العيدان وتلف بالخرق وتشد بالخيوط ويطلى فوق ذلك بالصمغ فيكون العيدان بمنزلة العظام، والخرق بمنزلة اللحم، والخيوط بمنزلة العصب والعروق، والطلا بمنزلة الجلد، فإن جاز أن يكون الحيوان المتحرك حدث بالاهمال من غير صانع جاز أن يكون ذلك في هذه التماثيل الميتة، فإن كان هذا غير جائز في التماثيل فبالحري أن لا يحوز في الحيوان.

وفكر بعد هذا في أجساد الانعام فإنها حين خلقت على أبدان الانس من اللحم والعظم والعصب أعطيت أيضا السمع والبصر ليبلغ الانسان حاجته، فإنها لو كانت عميا صما لما انتفع بها الانسان، ولا تصرفت في شئ من مآربه، ثم منعت الذهن و العقل لتذل للانسان فلا تمتنع عليه إذا كدها الكد الشديد وحملها الحمل الثقيل.

فإن قال قائل: إنه قد يكون للانسان عبيد من الانس يذلون ويذعنون بالكد الشديد وهم مع ذلك غير عديمي العقل والذهن، فيقال في جواب ذلك: إن هذا الصنف من الناس قليل، فأما أكثر الناس فلا يذعنون بما تذعن به الدواب من الحمل والطحن وما أشبه ذلك، ولا يغرون بما يحتاج إليه منه، ثم لو كان الناس يزاولون مثل هذه الاعمال بأبدانهم لشغلوا بذلك عن سائر الأعمال، لأنه كان يحتاج مكان الجمل الواحد والبغل الواحد إلى عدة أناسي فكان هذا العمل يستفرغ الناس حتى لا يكون فيهم عنه فضل لشئ من الصناعات، مع ما يلحقهم من التعب الفادح في أبدانهم، والضيق والكد في معاشهم.

ايضاح: مدير الادوار لعل فيه مضافا محذوفا أي ذوي الادوار، أو الاسناد مجازي

وفي بعض النسخ بالباء الموحدة وهو أظهر. والأكوار جمع كور بالفتح، وهو الجماعة الكثيرة من الإبل والقطيع من الغنم، ويقال: كل دور كور. والمراد إما استيناف قرن بعد قرن وزمان بعد زمان، أو إعادة أهل الأكوار والأدوار جميعا في القيامة، والأول أظهر. وقال الجزري: قيل للقرن طبق لأنهم طبق للأرض ثم ينقرضون فيأتي طبق آخر. قوله عليه السلام: في نظائر أي قالها في ضمن نظائر لها أو مع نظائرها. قوله صلى الله عليه وآله:

إنما هي أي المثوبات والعقوبات أعمالكم أي جزاؤها والعمه التحير والتردد. والحيد:

الميل. والمدرجة: المذهب والمسلك. وزحزحه: أبعده. والانثناء: الانعطاف والميل.

قوله عليه السلام: ولا يغرون في بعض النسخ بالغين المعجمة والراء المهملة على بناء المفعول من قولهم: أغريت الكلب بالصيد، أي لا يؤثر فيهم الاغراء، والتحريص على جميع الاعمال التي يحتاج إليها الخلق من ذلك العمل الذي تأتي به الدواب، وفي بعضها بالعين المهملة والزاي المعجمة من عزى من باب تعب أي صبر على ما نابه، والأول أظهر. والفادح من قولهم: فدحه الدين أثقله. ثم اعلم أنه ينبغي حمل السؤال على أنه كان يمكن أن يكتفي بخلق الحيوانات لان بعضهم ينقادون ويطيعون بعضا فالجواب منطبق من غير تكلف.

فكريا مفضل في هذه الأصناف الثلاثة من الحيوان وفي خلقها على ما هي عليه بما فيه صلاح كل واحد منها، فالانس لما قدروا أن يكونوا ذوي ذهن وفطنة وعلاج لمثل هذه الصناعات من البناء والتجارة والصياغة وغير ذلك خلقت لهم أكف كبار ذوات أصابع غلاظ، ليتمكنوا من القبض على الأشياء وأوكدها هذه الصناعات، وآكلات اللحم لما قدر أن يكون معايشها من الصيد خلقت لهم أكف لطاف مدمجة ذوات براثن ومخاليب تصلح لاخذ الصيد، ولا تصلح للصناعات، وآكلات النبات لما قدر أن يكونوا لا ذات صنعة ولا ذات صيد خلقت لبعضها أظلاف تقيها خشونة الأرض

إذا حاول طلب الرعي، ولبعضها حوافر ململمة ذوات قعر كأخمص القدم تنطبق على الأرض ليتهيأ للركوب والحمولة، تأمل التدبير في خلق آكلات اللحم من الحيوان حين خلقت ذوات أسنان حداد، وبراثن شداد، وأشداق وأفواه واسعة، فإنه لما قدر أن يكون طعمها اللحم خلقت خلقة تشاكل ذلك وأعينت بسلاح وأدوات تصلح للصيد وكذلك تجد سباع الطير ذوات مناقير ومخاليب مهيأة لفعلها، ولو كانت الوحوش ذوات مخالب كانت قد أعطيت مالا يحتاج إليه لأنها لا تصيد ولا تأكل اللحم، ولو كانت السباع ذوات أظلاف كانت قد منعت ما تحتاج إليه أعني السلاح الذي به تصيد وتتعيش، أفلا ترى كيف أعطي كل واحد من الصنفين ما يشاكل صنفه وطبقته بل ما فيه بقاؤه وصلاحه.

انظر الآن إلى ذوات الأربع كيف تراها تتبع اماتها مستقلة بأنفسها لا تحتاج إلى الحمل والتربية كما تحتاج أولاد الانس، فمن أجل أنه ليس عند أمهاتها ما عند أمهات البشر من الرفق والعلم بالتربية والقوة عليها بالأكف والأصابع المهيأة لذلك أعطيت النهوض والاستقلال بأنفسها، وكذلك ترى كثيرا من الطير كمثل الدجاج و الدراج والقبج تدرج وتلقط حين ينقاب عنها البيض. فأما ما كان منها ضعيفا لا نهوض فيه كمثل فراخ الحمام واليمام والحمر فقد جعل في الأمهات فضل عطف عليها فصارت تمج الطعام في أفواهها بعدما توعيه حواصلها فلا تزال تغذوها حتى تستقل بأنفسها ولذلك لم ترزق الحمام فراخا كثيرة مثل ما ترزق الدجاج لتقوى الام على تربية فراخها فلا تفسد ولا تموت فكل أعطي بقسط من تدبير الحكيم اللطيف الخبير.

انظر إلى قوائم الحيوان كيف تأتي أزواجا لتتهيأ للمشي، ولو كانت أفرادا لم تصلح لذلك لان الماشي ينقل قوائمه ويعتمد على بعض، فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على واحدة، وذو الأربع ينقل اثنين ويعتمد على اثنين، وذلك من خلاف لان ذا الأربع لو كان ينقل قائمتين من أحد جانبيه ويعتمد على قائمتين من الجانب الآخر

لما يثبت على الأرض كما لا يثبت السرير وما أشبهه فصار ينقل اليمنى من مقاديمه مع اليسرى من مآخيره، وينقل الأخريين أيضا من خلاف فيثبت على الأرض ولا يسقط إذا مشى.

أما ترى الحمار كيف يذل للطحن والحمولة وهو يرى الفرس مودعا منعما، والبعير لا يطيقه عدة رجال لو استعصى، كيف كان ينقاد للصبي؟ والثور الشديد كيف كان يذعن لصاحبه حتى يضع النير على عنقه ويحرث به؟ والفرس الكريم يركب السيوف والأسنة بالمواتاة لفارسه، والقطيع من الغنم يرعاه رجل واحد ولو تفرقت الغنم فأخذ كل واحد منها في ناحية لم يلحقها، وكذلك جميع الأصناف مسخرة للانسان فبم كانت كذلك؟ إلا بأنها عدمت العقل والروية فإنها لو كانت تعقل وتروى في الأمور كانت خليقة أن تلتوي على الانسان في كثير من مآربه، حتى يمتنع الجمل على قائده، والثور على صاحبه، وتتفرق الغنم عن راعيها، وأشباه هذا من الأمور، و كذلك هذه السباع لو كانت ذات عقل وروية فتوازرت على الناس كانت خليقة أن تجتاحهم فمن كان يقوم للأسد والذئاب والنمورة والدببة لو تعاونت وتظاهرت على الناس؟ أفلا ترى كيف حجر ذلك عليها وصارت مكان ما كان يخاف من إقدامها ونكايتها تهاب مساكن الناس وتحجم عنها ثم لا تظهر ولا تنشر لطلب قوتها إلا بالليل؟ فهي مع صولتها كالخائف للانس بل مقموعة ممنوعة منهم، ولولا ذلك لساورتهم في مساكنهم وضيعت عليهم ثم جعل في الكلب من بين هذه السباع عطف على مالكه ومحاماة عنه و حفاظ له فهو ينتقل على الحيطان والسطوح في ظلمة الليل لحراسة منزل صاحبه، وذب الدغار عنه ويبلغ من محبته لصاحبه أن يبذل نفسه للموت دونه ودون ماشيته وماله، ويألفه غاية الألف حتى يصبر معه على الجوع والجفوة فلم طبع الكلب على هذا

الألف إلا ليكون حارسا للانسان، له عين بأنياب ومخالب ونباح هائل ليذعر منه السارق ويتجنب المواضع التي يحميها ويخفرها.

بيان: وأوكدها أي أوكد الأشياء وأحوجها إلى هذا النوع من الخلق هذه الصناعات ويحتمل إرجاع الضمير إلى جنس البشر فيكون فعلا أي ألزمها أو ألهمها هذه الصناعات ولا يبعد إرجاعه إلى الأكف أيضا. قوله عليه السلام: مدمجة أي انضم بعضها إلى بعض. قال الجوهري: دمج الشئ دموجا إذا دخل في الشئ واستحكم فيه، وأدمجت الشئ إذا لففته في ثوب، وفي بعض النسخ: مدبحة بالباء والحاء المهملة، ولعل المراد معوجة من قولهم: دبح تدبيحا أي بسط ظهره وطأطأ رأسه، وهو تصحيف. والبراثن من السباع والطير بمنزلة الأصابع من الانسان. والمخلب: ظفر البرثن. والململم بفتح اللامين: المجتمع المدور المصموم. والأخمص من باطن القدم مالا يصيب الأرض. و الشدق: جانب الفم. والطعم بالضم: الطعام. والامات جمع الام، وقيل: إنما تستعمل في البهائم، وأما في الناس فيقال: أمهات. ويقال: قاب الطير بيضته فلقها فانقابت. واليمام حمام الوحش. والحمر بضم الحاء وفتح الميم طائر وقد يشدد الميم. ويقال: مج الرجل الطعام من فيه: إذا رمى به. والمودع من الخيل بفتح الدال: المستريح. ونير الفدان بالكسر: الخشبة المعترضة في عنق الثورين، قوله عليه السلام: يركب السيوف أي يستقبلها بجرأة كأنه يركبها أو بمعنى يرتكب مواجهتها. والمواتاة: الموافقة. والدببة كعنبة جمع الدب. ويقال: أحجم القوم عنه أي نكصوا وتأخروا وتهيبوا أخذه. وساوره:

واثبه. ويقال: حاميت عنه أي منعت منه. والعين بالفتح: الغلظ في الجسم والخشونة.

والخفر: المنع.

يا مفضل تأمل وجه الدابة كيف هو، فإنك ترى العينين شاخصتين أمامها لتبصر ما بين يديها لئلا تصدم حائطا أو تتردى في حفرة، وترى الفم مشقوقا شقا في أسفل الخطم، ولو شق كمكان الفم من الانسان في مقدم الذقن لما استطاع أن يتناول به شيئا من الأرض ألا ترى أن الانسان لا يتناول الطعام بفيه ولكن بيده تكرمة له على سائر الآكلات؟ فلما لم يكن للدابة يد تتناول بها العلف جعل خطمها مشقوقا من أسفله

لتقبض به على العلف ثم تقضمه، واعينت بالجحفلة تتناول بها ما قرب وما بعد. اعتبر بذنبها والمنفعة لها فيه فإنه بمنزلة الطبق على الدبر والحيأ جميعا يواريهما ويسترهما، ومن منافعها فيه أن ما بين الدبر ومراقي البطن منها وضر يجتمع عليه الذباب والبعوض فجعل لها الذنب كالمذبة تذب بها عن ذلك الموضع، ومنها أن الدابة تستريح إلى تحريكه وتصريفه يمنة ويسرة فإنه لما كان قيامها على الأربع بأسرها وشغلت المقدمتان بحمل البدن عن التصرف والتقلب كان لها في تحريك الذنب راحة، وفيه منافع أخرى يقصر عنها الوهم يعرف موقعها في وقت الحاجة إليها فمن ذلك أن الدابة ترتطم في الوحل فلا يكون شئ أعون على نهوضها من الاخذ بذنبها، وفي شعر الذنب منافع للناس كثيرة يستعملونها في مأربهم، ثم جعل ظهرها مسطحا مبطوحا على قوائم أربع ليتمكن من ركوبها، وجعل حياها بارزا من ورائها ليتمكن الفحل من ضربها، ولو كان أسفل البطن كمكان الفرج من المرأة لم يتمكن الفحل منها، ألا ترى أنه لا يستطيع بأن يأتيها كفاحا كما يأتي الرجل المرأة.

تأمل مشفر الفيل وما فيه من لطيف التدبير فإنه يقوم مقام اليد في تناول العلف والماء وازدرادهما إلى جوفه، ولولا ذلك ما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض لأنه ليست له رقبة يمدها كسائر الانعام، فلما عدم العنق أعين مكان ذلك بالخرطوم الطويل ليسدله فيتناول به حاجته، فمن ذا الذي عوضه مكان العضو الذي عدمه ما يقوم مقامه إلا الرؤوف بخلقه؟ وكيف يكون هذا بالاهمال كما قالت الظلمة؟

فإن قال قائل: فما باله لم يخلق ذا عنق كسائر الانعام؟ قيل له: إن رأس الفيل واذنيه أمر عظيم وثقل ثقيل، ولو كان ذلك على عنق عظيمة لهدها وأوهنها فجعل رأسه ملصقا بجسمه لكيلا ينال منه ما وصفنا، وخلق له مكان العنق هذا المشفر ليتناول به غذاءه فصار مع عدمه العنق مستوفيا ما فيه بلوغ حاجته.

انظر الآن كيف جعل حيا الأنثى من الفيلة في أسفل بطنها فإذا هاجت للضراب

ارتفع وبرز حتى يتمكن الفحل من ضربها، فاعتبر كيف جعل حيا الأنثى من الفيلة على خلاف ما عليه في غيرها من الانعام ثم جعلت فيه هذه الخلة ليتهيأ للامر الذي فيه قوام النسل ودوامه.

فكر في خلق الزرافة واختلاف أعضائها وشبهها بأعضاء أصناف من الحيوان، فرأسها رأس فرس، وعنقها عنق جمل، وأظلافها أظلاف بقرة، وجلدها جلد نمر، وزعم ناس من الجهال بالله عز وجل أن نتاجها من فحول شتى! قالوا: وسبب ذلك أن أصنافا من حيوان البر إذا وردت الماء تنزو على بعض السائمة وينتج مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أصناف شتى، وهذا جهل من قائله وقلة معرفته بالبارئ جل قدسه، وليس كل صنف من الحيوان يلقح كل صنف، فلا الفرس يلقح الجمل، ولا الجمل يلقح البقر، وإنما يكون التلقيح من بعض الحيوان فيما يشاكله ويقرب من خلقه كما يلقح الفرس الحمارة فيخرج بينهما البغل، ويلقح الذئب الضبع فيخرج بينهما السمع، على أنه ليس يكون في الذي يخرج من بينهما عضو من كل واحد منهما كما في الزرافة عضو من الفرس، وعضو من الجمل، وأظلاف من البقرة، بل يكون كالمتوسط بينهما الممتزج منهما كالذي تراه في البغل، فإنك ترى رأسه واذنيه وكفله وذنبه وحوافره وسطا بين هذه الأعضاء من الفرس والحمار، وشحيجه كالممتزج من صهيل الفرس ونهيق الحمار، فهذا دليل على أنه ليست الزرافة من لقاح أصناف شتى من الحيوان كما زعم الجاهلون، بل هي خلق عجيب من خلق الله للدلالة على قدرته التي لا يعجزها شئ، وليعلم أنه خالق أصناف الحيوان كلها، يجمع بين ما يشاء من أعضائها في أيها شاء ويفرق ما شاء منها في أيها شاء، ويزيد في الخلقة ما شاء، وينقص منها ما شاء، دلالة على قدرته على الأشياء، وأنه لا يعجزه شئ أراده جل وتعالى، فأما طول عنقها والمنفعة لها في ذلك فإن منشأها ومرعاها في غياطل ذوات أشجار شاهقة ذاهبة طولا في الهواء فهي تحتاج إلى طول العنق لتناول بفيها أطراف تلك الأشجار فتتقوت من ثمارها.

تأمل خلق القرد وشبهه بالانسان في كثير من أعضائه أعني الرأس والوجه و المنكبين والصدر، وكذلك أحشاؤه شبيهة أيضا بأحشاء الانسان، وخص من ذلك بالذهن

والفطنة التي بها يفهم عن سائسه ما يومي إليه، ويحكي كثيرا مما يرى الانسان يفعله حتى أنه يقرب من خلق الانسان وشمائله في التدبير في خلقته على ما هي عليه أن يكون عبرة للانسان في نفسه فيعلم أنه من طينة البهائم وسنخها إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب، وأنه لولا فضيلة فضله الله بها في الذهن والعقل والنطق كان كبعض البهائم، على أن في جسم القرد فضولا أخرى يفرق بينه وبين الانسان كالخطم والذنب المسدل والشعر المجلل للجسم كله، وهذا لم يكن مانعا للقرد أن يلحق بالانسان لو أعطي مثل ذهن الانسان وعقله ونطقه، والفصل الفاصل بينه وبين الانسان بالصحة هو النقص في العقل والذهن والنطق.

بيان: شخص البصر: ارتفع، وشخص الرجل بصره: إذا فتح عينيه. والخطم بالفتح من كل طائر منقاره ومن كل دابة مقدم أنفه وفمه. وقضم كسمع: أكل بأطراف أسنانه. والجحفلة بمنزلة الشفة للبغال والحمير والخيل، وهي بتقديم الجيم على الحاء المهملة. والطبق محركه: غطاء كل شئ. والحيأ: الفرج. والمراد بمراقي البطن ما ارتفع منه من وسطه أو قرب منه. والوضر: الدرن. والمذبة بكسر الميم: ما يذب به الذباب. وبطحه: ألقاه على وجهه. وكفحته كفحا وكفاحا: إذا استقبلته. والمشفر من البعير كالجحفلة من الفرس. وقال الجوهري: الزرافة والزرافة بفتح الزاي وضمها مخففة الفاء: دابة يقال لها بالفارسية: اشتر گاو پلنگ. وقال الفيروزآبادي: السمع بكسر السين وسكون الميم: ولد الذئب من الضبع لا يموت حتف أنفه كالحية، وعدوه أسرع من الطير، ووثبته تزيد على ثلاثين ذراعا. وقال: شحيج البغل والحمار: صوته والغياطل: جمع الغيطل وهو الشجر الكثير الملتف. قوله عليه السلام: أن يكون أي خلق كذلك لان يكون عبرة للانسان. والسنخ بالكسر: الأصل. قوله: بالصحة هو النقص في العقل أي الفصل الصحيح الذي يصلح واقعا أن يكون فاصلا. وفي أكثر النسخ: " وهو " وعلى هذا لا يبعد أن تكون تصحيف القحة أي قلة الحياء.

انظر يا مفضل إلى لطف الله جل اسمه بالبهائم كيف كسيت أجسامهم هذه الكسوة من الشعر والوبر والصوف ليقيها من البرد وكثرة الآفات، وألبست قوائمها الأظلاف و

الحوافر والأخفاف ليقيها من الحفا، إذ كانت لا أيدي لها ولا أكف ولا أصابع مهيأة للغزل والذبح فكفوا بأن جعل كسوتهم في خلقتهم باقية عليهم ما بقوا لا يحتاجون إلى تجديدها والاستبدال بها، فأما الانسان فإنه ذو حيلة وكف مهيأة للعمل فهو ينسج و يغزل ويتخذ لنفسه الكسوة، ويستبدل بها حالا بعد حال، وله في ذلك صلاح من جهات، من ذلك: أنه يشتغل بصنعة اللباس عن العبث وما يخرجه إليه الكفاية، ومنها: أنه يستريح إلى خلع كسوته إذا شاء، ولبسها إذا شاء، ومنها: أن يتخذ لنفسه من الكسوة ضروبا لها جمال وروعة فيتلذذ بلبسها وتبديلها. وكذلك يتخذ بالرفق من الصنعة ضروبا من الخفاف والنعال يقي بها قدميه، وفي ذلك معايش لمن يعمله من الناس ومكاسب يكون فيها معاشهم، ومنها أقواتهم وأقوات عيالهم، فصار الشعر والوبر والصوف يقوم للبهائم مقام الكسوة والأظلاف والحوافر، والأخفاف مقام الحذاء.

بيان: قال الجوهري: قال الكسائي: رجل حاف بين الحفوة والحفاء بالمد، و هو الذي يمشي بلا خف ولا نعل، وقال: وأما الذي حفي من كثرة المشي أي رقت قدمه أو حافره فإنه حف بين الحفا مقصورا، وأحفاه غيره. انتهى. قوله عليه السلام: و روعة من قولهم: راعني الشئ: أعجبني.

فكريا مفضل في خلقة عجيبة جعلت في البهائم، فإنهم يوارون أنفسهم إذا ماتوا كما يواري الناس موتاهم، وإلا فأين جيف هذه الوحوش والسباع وغيرها لا يرى منها شئ؟ وليست قليلة فتخفى لقلتها، بل لو قال قائل: إنها أكثر من الناس لصدق، فاعتبر ذلك بما تراه في الصحاري والجبال من أسراب الظبا والمها والحمير والوعول والأيائل وغير ذلك من الوحوش، وأصناف السباع من الأسد والضباع والذئاب والنمور وغيرها، وضروب الهوام والحشرات ودواب الأرض، وكذلك أسراب الطير من الغربان و القطا والإوز والكراكي والحمام وسباع الطير جميعا وكلها لا يرى منها شئ إذا

ماتت إلا الواحد بعد الواحد يصيده قانص أو يفترسه سبع فإذا أحسوا بالموت كمنوا في مواضع خفية فيموتون فيها، ولولا ذلك لامتلأت الصحاري منها حتى تفسد رائحة الهواء، ويحدث الأمراض والوباء، فانظر إلى هذا الذي يخلص إليه الناس وعملوه بالتمثيل الأول الذي مثل لهم كيف جعل طبعا وادكارا في البهائم وغيرها ليسلم الناس من معرة ما يحدث عليهم من الأمراض والفساد.

توضيح: السرب - بالكسر - والسربة: القطيع من الظباء والقطا والخيل ونحوها والجمع أسراب. والمهاة: البقرة الوحشية والجمع مها. والوعل - بالفتح وككتف -:

تيس الجبل والجمع: وعال ووعول. والأيل بضم الهمزة وكسرها وفتح الياء المشددة وكسيد: الذكر من الأوعال، ويقال: هو الذي يسمى بالفارسية: " گوزن " والجمع أيائيل. والقانص: الصائد. وخلص إليه: وصل. والمراد بالتمثيل ما ذكره الله تعالى في قصة قابيل. والمعرة: الأذى.

فكر يا مفضل في الفطن التي جعلت في البهائم لمصلحتها بالطبع والخلقة لطفا من الله عز وجل لهم، لئلا يخلو من نعمه جل وعز أحد من خلقه لا بعقل وروية فإن الأيل يأكل الحيات فيعطش عطشا شديدا فيمتنع من شرب الماء خوفا من أن يدب السم في جسمه فيقتله، ويقف على الغدير وهو مجهود عطشا، فيعج عجيجا عاليا ولا يشرب منه ولو شرب لمات من ساعته، فانظر إلى ما جعل من طباع هذه البهيمة من تحمل الظماء الغالب خوفا من المضرة في الشرب، وذلك مما لا يكاد الانسان العاقل المميز يضبطه من نفسه، والثعلب إذا أعوزه الطعم تماوت ونفخ بطنه حتى يحسبه الطير ميتا فإذا وقعت عليه لتنهشه وثب عليها فأخذها، فمن أعان الثعلب العديم النطق والروية بهذه الحيلة إلا من توكل بتوجيه الرزق له من هذا وشبهه؟ فإنه لما كان الثعلب يضعف عن كثير مما يقوى عليه السباع من مساورة الصيد أعين بالدهاء والفطنة والاحتيال لمعاشه، والدلفين يلتمس صيد الطير فيكون حيلته في ذلك أن يأخذ السمك فيقتله و

يشرحه حتى يطفوا على الماء، يكمن تحته ويثور الماء الذي عليه حتى لا يتبين شخصه، فإذا وقع الطير على السمك الطافي وثب إليها فاصطادها، فانظر إلى هذه الحيلة كيف جعلت طبعا في هذه البهيمة لبعض المصلحة؟.

قال المفضل: فقلت: خبرني يا مولاي عن التنين والسحاب، فقال عليه السلام: إن السحاب كالموكل به يختطفه حيثما ثقفه، كما يختطف حجر المقناطيس الحديد، فهو لا يطلع رأسه في الأرض خوفا من السحاب ولا يخرج إلا في القيظ مرة إذا صحت السماء فلم يكن فيه نكتة من غيمة، قلت: فلم وكل السحاب بالتنين يرصده ويختطفه إذا وجده؟ قال: ليدفع عن الناس مضرته.

بيان: قوله: لا بعقل وروية، لعل المراد أن هذه الأمور من محض لطفه تعالى حيث يلهمهم ذلك لا بعقل وروية، وفي أكثر النسخ: لا يعقل ومروته، وهو تصحيف و المراد معلوم. والجهد: الطاقة والمشقة أي أصابته مشقة عظيمة من العطش. و العجيج: الصياح ورفع الصوت. وأعوزه الشئ أي احتاج إليه. والتماوت: إظهار الموت حيلة. والمساورة: هي الوثوب على وجه الصيد. وقال الفيروزآبادي: الدلفين بالضم دابة بحرية تنجي الغريق وقوله عليه السلام: يثور الماء أي يهيجه ويحركه.

والتنين: حية عظيمة معروفة. وثقفه أي وجده. والقيظ: صميم الصيف من طلوع الثريا إلى طلوع سهيل. والصحو: ذهاب الغيم.

قال المفضل: فقلت: قد وصفت لي يا مولاي من أمر البهائم ما فيه معتبر لمن اعتبر فصف لي الذرة والنمل والطير، فقال عليه السلام:

يا مفضل تأمل وجه الذرة الحقيرة الصغيرة هل تجد فيها نقصا عما فيه صلاحها؟

فمن أين هذا التقدير والصواب في خلق الذرة إلا من التدبير القائم في صغير الخلق و كبيره؟.

انظر إلى النمل واحتشادها في جمع القوت وإعداده، فإنك ترى الجماعة منها إذا نقلت الحب إلى زبيتها بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو غيره، بل للنمل في ذلك من الجد والتشمير ما ليس للناس مثله، أما تريهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل؟ ثم يعمدون إلى الحب فيقطعونه قطعا لكيلا ينبت فيفسد عليهم فإن أصابه ندى أخرجوه فنشروه حتى يجف، ثم لا يتخذ النمل الزبية إلا في نشر من الأرض كي لا يفيض السيل فيغرقها فكل هذا منه بلا عقل ولا روية بل خلقة خلق عليها لمصلحة لطفا من الله عز وجل.

انظر إلى هذا الذي يقال له: الليث، وتسميه العامة أسد الذباب، وما أعطي من الحيلة والرفق في معاشه، فإنك تراه حين يحس بالذباب قد وقع قريبا منه تركه مليا حتى كأنه موات لا حراك به، فإذا رأى الذباب قد اطمأن وغفل عنه دب دبيبا دقيقا حتى يكون منه بحيث يناله وثبه ثم يثب عليه فيأخذه فإذا أخذه اشتمل عليه بجسمه كله مخافة أن ينجو منه فلا يزال قابضا عليه حتى يحس بأنه قد ضعف واسترخى ثم يقبل عليه فيفترسه ويحيى بذلك منه، فأما العنكبوت فإنه ينسج ذلك النسج فيتخذه شركا ومصيدة للذباب ثم يكمن في جوفه فإذا نشب فيه الذباب أجال عليه يلدغه ساعة بعد ساعة فيعيش بذلك منه فكذلك يحكى صيد الكلاب والفهود، وهكذا يحكى صيد الاشراك والحبائل.

فانظر إلى هذه الدويبة الضعيفة كيف جعل في طبعها ما لا يبلغه الانسان إلا بالحيلة واستعمال آلات فيها، فلا تزدر بالشئ إذا كانت العبرة فيه واضحة كالذرة والنملة وما أشبه ذلك فإن المعنى النفيس قد يمثل بالشئ الحقير فلا يضع منه ذلك كما لا يضع من الدينار وهو من ذهب أن يوزن بمثقال من حديد.

بيان: الاحتشاد: الاجتماع. والزبية بالضم: الحفرة. والنشر بالفتح وبالتحريك:

المكان المرتفع. وقال الجوهري: الليث: الأسد وضرب من العناكب يصطاد الذباب بالوثب: انتهى. والموات بالفتح: ما لا روح فيه. ويقال: ما به حراك كسحاب أي حركة.

والشرك بالتحريك: حبالة الصائد. ويقال: أحال عليه بالسوط يضربه أي أقبل. قوله عليه السلام: فكذلك أي كفعل الليث. وقوله: هكذا أي كالعنكبوت. والازدراء: الاحتقار.

قوله عليه السلام: فلا يضع منه أي لا ينقص من قدر المعنى النفيس تمثيله بالشئ الحقير، قال الفيروزآبادي: وضع عنه: حط من قدره.

تأمل يا مفضل جسم الطائر وخلقته فإنه حين قدر أن يكون طائرا في الجو خفف جسمه وادمج خلقه، فاقتصر به من القوائم الأربع على اثنتين، ومن الأصابع الخمس على أربع، ومن منفذين للزبل والبول على واحد يجمعهما، ثم خلق ذا جؤجؤ محدد ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيف ما أخذ فيه، كما جعل السفينة بهذه الهيئة لتشق الماء وتنفذ فيه، وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران، وكسي كله الريش ليداخله الهواء فيقله، ولما قدر أن يكون طعمه الحب واللحم يبلعه بلعا بلا مضغ نقص من خلقه الأسنان، وخلق له منقار صلب جاس يتناول به طعمه فلا ينسجح من لقط الحب، ولا يتقصف من نهش اللحم، ولما عدم الأسنان وصار يزدرد الحب صحيحا واللحم غريضا أعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحنا يستغني به عن المضغ، واعتبر ذلك بأن عجم العنب وغيره يخرج من أجواف الانس صحيحا، ويطحن في أجواف الطير لا يرى له أثر، ثم جعل مما يبيض بيضا ولا يلد ولادة لكيلا يثقل عن الطيران فإنه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتى تستحكم لأثقلته وعاقته عن النهوض

والطيران فجعل كل شئ من خلقه مشاكلا للامر الذي قدر أن يكون عليه ثم صار الطائر السائح في هذا الجو يقعد على بيضه فيحضنه أسبوعا، وبعضها أسبوعين، وبعضها ثلاثة أسابيع حتى يخرج الفرخ من البيضة ثم يقبل عليه فيزقه الريح لتتسع حوصلته للغذاء ثم يربيه ويغذيه بما يعيش به فمن كلفه أن يلقط الطعم ويستخرجه بعد أن يستقر في حوصلته ويغذو به فراخه؟ ولأي معنى يحتمل هذه المشقة وليس بذي روية ولا تفكر؟

ولا يأمل في فراخه ما يأمل الانسان في ولده من العز والرفد وبقاء الذكر؟ فهذا هو فعل يشهد بأنه معطوف على فراخه، لعله لا يعرفها ولا يفكر فيها وهي دوام النسل وبقاؤه لطفا من الله تعالى ذكره.

انظر إلى الدجاجة كيف تهيج لحضن البيض والتفريخ وليس لها بيض مجتمع ولا وكر موطى بل تنبعث وتنتفخ وتقوقى وتمتنع من الطعم حتى يجمع لها البيض فتحضنه وتفرخ فلم كان ذلك منها إلا لإقامة النسل؟ ومن أخذها بإقامة النسل ولا روية ولا تفكر لولا أنها مجبولة على ذلك؟.

اعتبر بخلق البيضة وما فيها من المح الأصفر الخاثر، والماء الأبيض الرقيق، فبعضه لينتشر منه الفرخ، وبعضه ليغذي به، إلى أن تنقاب عنه البيضة، وما في ذلك من التدبير فإنه لو كان نشؤ الفرخ في تلك القشرة المستحصنة التي لا مساغ لشئ إليها لجعل معه في جوفها من الغذاء ما يكتفي به إلى وقت خروجه منها، كمن يحبس في حبس حصين لا يوصل إلى من فيه فيجعل معه من القوت ما يكتفي به إلى وقت خروجه منه.

فكر في حوصلة الطائر وما قدر له، فإن مسلك الطعم إلى القانصة ضيق لا ينفذ فيه الطعام إلا قليلا قليلا، فلو كان الطائر لا يلقط حبة ثانية حتى تصل الأولى إلى القانصة لطال عليه، ومتى كان يستوفي طعمه؟ فإنما يختلسه اختلاسا لشدة الحذر،

فجعلت الحوصلة كالمخلاة المعلقة أمامه ليوعي فيها ما أدرك من الطعم بسرعة ثم تنفذه إلى القانصة على مهل، وفى الحوصلة أيضا خلة أخرى، فإن من الطائر ما يحتاج إلى أن يزق فراخه فيكون رده للطعم من قرب أسهل عليه.

توضيح: أقله أي حمله ورفعه. وجسا كدعا: صلب ويبس. ويقال: سحجت جلده فانسحج أي قشرته فانقشر. والتقصف: التكسر. والغريض الطري، أي غير مطبوخ. والعجم بالتحريك: النوى وحضن الطائر بيضته يحضنه: إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحه. وزق الطائر فرخه يزقه أي أطعمه بفيه. وتقوقى أي تصيح. والمح بضم الميم والحاء المهملة: صفرة البيض، وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة: وقال الأصمعي: اخثرت الزبد؟ تركته خاثرا، وذلك إذا لم تذبه: وتنقاب أي تنفلق.

قال المفضل: فقلت يا مولاي إن قوما من المعطلة يزعمون أن اختلاف الألوان والاشكال في الطير إنما يكون من قبل امتزاج الاخلاط واختلاف مقاديرها بالمرج و الاهمال. فقال:

يا مفضل هذا الوشي الذي تراه في الطواويس والدراج والتدارج على استواء ومقابلة كنحو ما يخط بالأقلام كيف يأتي به الامتزاج المهمل على شكل واحد لا يختلف؟

ولو كان بالاهمال لعدم الاستواء ولكان مختلفا.

تأمل ريش الطير كيف هو؟ فإنك تراه منسوجا كنسج الثوب من سلوك دقاق قد الف بعضه إلى بعض كتأليف الخيط إلى الخيط والشعرة إلى الشعرة، ثم ترى ذلك النسج إذا مددته ينفتح قليلا ولا ينشق لتداخله الريح فيقل الطائر إذا طار، وترى في وسط الريشة عمودا غليظا متينا قد نسج عليه الذي هو مثل الشعر ليمسكه بصلابته، وهو القصبة التي هو في وسط الريشة، وهو مع ذلك أجوف ليخف على الطائر ولا يعوقه عن الطيران.

بيان: المرج بالتحريك: الفساد والاضطراب والاختلاط. وفي بعض النسخ بالزاي المعجمة والأول أظهر والوشي: نقش الثوب ويكون من كل لون. والسلوك: جمع السلك وهو جمع السلكة - بالكسر -: الخط يخاط بها.

هل رأيت يا مفضل هذا الطائر الطويل الساقين؟ وعرفت ماله من المنفعة في طول ساقيه: فإنه أكثر ذلك في ضحضاح من الماء فتراه بساقين طويلين كأنه ربيئة فوق مرقب وهو يتأمل ما يدب في الماء فإذا رأى شيئا مما يتقوت به خطا خطوات رقيقا حتى يتناوله، ولو كان قصير الساقين وكان يخطو نحو الصيد ليأخذه يصيب بطنه الماء فيثور و يذعر منه فيتفرق عنه فخلق له ذلك العمودان ليدرك بهما حاجته ولا يفسد عليه مطلبه.

تأمل ضروب التدبير في خلق الطائر فإنك تجد كل طائر طويل الساقين طويل العنق وذلك ليتمكن من تناول طعمه من الأرض ولو كان طويل الساقين قصير العنق لما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض، وربما أعين مع طول العنق بطول المناقير ليزداد الامر عليه سهولة له وإمكانا أفلا ترى أنك لا تفتش شيئا من الخلقة إ؟ وجدته على غاية الصواب والحكمة؟.

توضيح: ماء ضحضاح أي قريب القعر. والربيئة بالهمز: العين والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو، ولا يكون إلا على جبل. أو شرف. والمرقب: الموضع المشرف يرتفع عليه الرقيب. والذعر: الخوف.

انظر إلى العصافير كيف تطلب أكلها بالنهار فهي لا تفقده؟ ولا هي تجده مجموعا معدا بل تناله بالحركة والطلب، وكذلك الخلق كله فسبحان من قدر الرزق كيف قوته؟ فلم يجعل مما لا يقدر عليه إذ جعل للخلق حاجة إليه ولم يجعله مبذولا وينال بالهوينا إذ كان لا صلاح في ذلك فإنه لو كان يوجد مجموعا معدا كانت البهائم تتقلب عليه ولا تنقلع حتى تبشم فتهلك، وكان الناس أيضا يصيرون بالفراغ إلى غاية الأشر والبطر حتى يكثر الفساد ويظهر الفواحش.

أعلمت ما طعم هذه الأصناف من الطير التي لا تخرج إلا بالليل كمثل البوم والهام والخفاش؟ قلت: لا يا مولاي، قال: إن معاشها من ضروب تنتشر في هذا الجو من البعوض والفراش وأشباه الجراد واليعاسيب، وذلك أن هذه الضروب مبثوثة في الجو لا يخلو منها موضع واعتبر ذلك بأنك إذا وضعت سراجا بالليل في سطح أو عرصة دار اجتمع عليه من هذا شئ كثير فمن أين يأتي ذلك كله إلا من القرب؟.

فإن قال قائل: أنه يأتي من الصحاري والبراري: قيل له: كيف يوافي تلك الساعة من موضع بعيد؟ وكيف يبصر من ذلك البعد سراجا في دار محفوفة بالدور فيقصد إليه؟ مع أن هذه عيانا تتهافت على السراج من قرب فيدل ذلك على أنها منتشرة في كل موضع من الجو، فهذه الأصناف من الطير تلتمسها إذا خرجت فتتقوت بها.

فانظر كيف وجه الرزق لهذه الطيور التي لا تخرج إلا بالليل من هذه الضروب المنتشرة في الجو، واعرف مع ذلك المعنى في خلق هذه الضروب المنتشرة التي عسى أن يظن ظان أنها فضل لا معنى له، خلق الخفاش خلقة عجيبة بين خلقة الطير وذوات الأربع أقرب، وذلك أنه ذو أذنين ناشزتين وأسنان ووبر وهو يلد ولادا ويرضع ويبول ويمشي إذا مشى على أربع، وكل هذا خلاف صفة الطير، ثم هو أيضا مما يخرج بالليل ويتقوت مما يسري في الجو من الفراش وما أشبهه، وقد قال قائلون: إنه لا طعم للخفاش، وإن غذاءه من النسيم وحده، وذلك يفسد ويبطل من جهتين: إحديهما خروج ما يخرج منه من الثفل والبول فإن هذا لا يكون من غير طعم، والأخرى أنه ذو أسنان ولو كان لا يطعم شيئا لم يكن للأسنان فيه معنى، وليس في الخلقة شئ لا معنى له، وأما المآرب فيه فمعروفة

حتى أن زبله يدخل في بعض الاعمال، ومن أعظم الإرب فيه خلقته العجيبة الدالة على قدرة الخالق جل شأنه، وتصرفها فيما شاء كيف شاء لضرب من المصلحة. فأما الطائر الصغير الذي يقال له: " ابن تمرة " فقد عشش في بعض الأوقات في بعض الشجر فنظر إلى حية عظيمة قد أقبلت نحو عشه فاغرة فاها لتبلعه فبينما هو يتقلب ويضطرب في طلب حيلة منها إذا وجد حسكة فحملها فألقاها في فم الحية، فلم تزل الحية تلتوي وتتقلب حتى ماتت. أفرأيت لو لم أخبرك بذلك كان يخطر ببالك أو ببال غيرك أنه يكون من حسكة مثل هذه المنفعة العظيمة أو يكون من طائر صغير أو كبير مثل هذه الحيلة؟ اعتبر بهذا وكثير من الأشياء تكون فيها منافع لا تعرف إلا بحادث يحدث به أو خبر يسمع به.

انظر إلى النحل واحتشاده في صنعة العسل، وتهيئة البيوت المسدسة وما ترى في ذلك اجتماعه من دقائق الفطنة فإنك إذا تأملت العمل رأيته عجيبا لطيفا، وإذا رأيت المعمول وجدته عظيما شريفا موقعه من الناس، وإذا رجعت إلى الفاعل ألفيته غبيا جاهلا بنفسه فضلا عما سوى ذلك، ففي هذا أوضح الدلالة على أن الصواب والحكمة في هذه الصنعة ليس للنحل بل هي للذي طبعه عليها وسخره فيها لمصلحة الناس.

انظر إلى هذا الجراد ما أضعفه وأقواه فإنك إذا تأملت خلقه رأيته كأضعف الأشياء، وإن دلفت عساكره نحو بلد من البلدان لم يستطع أحد أن يحميه منه.

ألا ترى أن ملكا من ملوك الأرض لو جمع خيله ورجله ليحمي بلاده من الجراد لم يقدر على ذلك؟ أفليس من الدلائل على قدرة الخالق أن يبعث أضعف خلقه إلى أقوى خلقه فلا يستطيع دفعه؟ انظر إليه كيف ينساب على وجه الأرض مثل السيل فيغشي السهل و الجبل والبدو والحضر، حتى يستر نور الشمس بكثرته فلو كان هذا مما يصنع بالأيدي

متى كان يجتمع منه هذه الكثرة، وفي كم من سنة كان يرتفع فاستدل بذلك على القدرة التي لا يؤودها شئ ويكثر عليها.

تأمل خلق السمك ومشاكلته للامر الذي قدر أن يكون عليه فإنه خلق غير ذي قوائم لأنه لا يحتاج إلى المشي إذا كان مسكنه الماء، وخلق غير ذي رية لأنه لا يستطيع أن يتنفس وهو منغمس في اللجة، وجعلت له مكان القوائم أجنحة شداد يضرب بها في جانبيه كما يضرب الملاح بالمجاذيف من جانبي السفينة، وكسي جسمه قشورا متانا متداخلة كتداخل الدروع والجواشن لتقيه من الآفات فأعين بفضل حسن في الشم لان بصره ضعيف والماء يحجبه، فصار يشم الطعم من البعد البعيد فينتجعه، وإلا فكيف يعلم به وبموضعه؟ واعلم أن من فيه إلى صماخيه منافذ فهو يعب الماء بفيه ويرسله من صماخيه فتروح إلى ذلك كما يتروح غيره من الحيوان إلى تنسم هذا النسيم.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.