پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب التوحيد

باب 5 الخبر المروى عن المفضل بن عمر في التوحيد المشتهر

ج ۳، ص ۱۵۱–۱۷۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳

فكتب أبو عبد الله عليه السلام:

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد وفقنا الله وإياك لطاعته، وأوجب لنا بذلك رضوانه برحمته، وصل كتابك تذكر فيه ما ظهر في ملتنا، وذلك من قوم من أهل الالحاد بالربوبية قد كثرت عدتهم واشتدت خصومتهم، وتسأل أن أصنع للرد عليهم والنقض لما في أيديهم كتابا على نحو ما رددت على غيرهم من أهل البدع والاختلاف، ونحن نحمد الله على النعم السابغة والحجج البالغة والبلاء المحمود عند الخاصة والعامة فكان من نعمه العظام وآلائه الجسام التي أنعم بها تقريره قلوبهم بربوبيته، وأخذه ميثاقهم بمعرفته، وإنزاله عليهم كتابا فيه شفاء لما في الصدور من أمراض الخواطر ومشتبهات الأمور، ولم يدع لهم ولا لشئ من خلقه حاجة إلى من سواه، واستغنى عنهم، وكان الله غنيا حميدا.

ولعمري ما اتي الجهال من قبل ربهم وأنهم ليرون الدلالات الواضحات و العلامات البينات في خلقهم، وما يعاينون من ملكوت السماوات والأرض والصنع العجيب المتقن الدال على الصانع، ولكنهم قوم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي، وسهلوا لها سبيل الشهوات، فغلبت الأهواء على قلوبهم، واستحوذ الشيطان بظلمهم عليهم، وكذلك يطبع الله على قلوب المعتدين. والعجب من مخلوق يزعم أن الله يخفى على عباده وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله، وتأليف يبطل حجته

ولعمري لو تفكروا في هذه الأمور العظام لعاينوا من أمر التركيب البين، ولطف التدبير الظاهر، ووجود الأشياء مخلوقة بعد أن لم تكن، ثم تحولها من طبيعة إلى طبيعة، وصنيعة بعد صنيعة، ما يدلهم ذلك على الصانع فإنه لا يخلو شئ منها من أن يكون فيه أثر تدبير وتركيب يدل على أن له خالقا مدبرا، وتأليف بتدبير يهدي إلى واحد حكيم.

وقد وافاني كتابك ورسمت لك كتابا كنت نازعت فيه بعض أهل الأديان من أهل الانكار، وذلك أنه كان يحضرني طبيب من بلاد الهند، وكان لا يزال ينازعني في رأيه، ويجادلني على ضلالته، فبينا هو يوما يدق إهليلجة ليخلطها دواءا احتجت إليه من أدويته، إذ عرض له شئ من كلامه الذي لم يزل ينازعني فيه من ادعائه أن الدنيا لم تزل ولا تزال شجرة تنبت وأخرى تسقط، نفس تولد وأخرى تتلف، وزعم أن انتحالي المعرفة لله تعالى دعوى لا بينة لي عليها، ولا حجة لي فيها، وأن ذلك أمر أخذه الآخر عن الأول، والأصغر عن الأكبر، وأن الأشياء المختلفة والمؤتلفة والباطنة والظاهرة إنما تعرف بالحواس الخمس: نظر العين، وسمع الاذن، وشم الانف، وذوق الفم، ولمس الجوارح، ثم قاد منطقه على الأصل الذي وضعه فقال: لم يقع شئ من حواسي على خالق يؤدي إلى قلبي، إنكار الله تعالى.

ثم قال: أخبرني بم تحتج في معرفة ربك الذي تصف قدرته وربوبيته، و إنما يعرف القلب الأشياء كلها بالدلالات الخمس التي وصفت لك؟ قلت: بالعقل الذي في قلبي، والدليل الذي أحتج به في معرفته.

قال: فأنى يكون ما تقول وأنت تعرف أن القلب لا يعرف شيئا بغير الحواس الخمس؟ فهل عاينت ربك ببصر، أو سمعت صوته بأذن، أو شممته بنسيم، أو ذقته بفم، أو مسسته بيد فأدى ذلك المعرفة إلى قلبك؟ قلت: أرأيت إذ أنكرت الله وجحدته

- لأنك زعمت أنك لا تحسه بحواسك التي تعرف بها الأشياء - وأقررت أنا به هل بد من أن يكون أحدنا صادقا والآخر كاذبا؟ قال: لا.

قلت: أرأيت إن كان القول قولك فهل يخاف علي شئ مما أخوفك به من عقاب الله؟ قال: لا.

قلت: أفرأيت إن كان كما أقول والحق في يدي ألست قد أخذت فيما كنت أحاذر من عقاب الخالق بالثقة وأنك قد وقعت بجحودك وإنكارك في الهلكة؟ قال: بلى.

قلت: فأينا أولى بالحزم وأقرب من النجاة؟ قال: أنت، إلا أنك من أمرك على ادعاء وشبهة، وأنا على يقين وثقة، لأني لا أرى حواسي الخمس أدركته، وما لم تدركه حواسي فليس عندي بموجود.

قلت: إنه لما عجزت حواسك عن إدراك الله أنكرته، وأنا لما عجزت حواسي عن إدراك الله تعالى صدقت به.

قال: وكيف ذلك؟ قلت: لان كل شئ جرى فيه أثر تركيب لجسم، أو وقع عليه بصر للون فما أدركته الابصار ونالته الحواس فهو غير الله سبحانه لأنه لا يسبه الخلق، وأن هذا الخلق ينتقل بتغيير وزوال، وكل شئ أشبه التغيير والزوال فهو مثله، وليس المخلوق كالخالق ولا المحدث كالمحدث.

شرح: قوله عليه السلام: والبلاء المحمود عند الخاصة والعامة أي النعمة التي يحمدها ويقر بها الخاص والعام لنا وهو العلم، أو النعم التي شملت الخاص والعام كما سيفصله عليه السلام بعد ذلك. قوله عليه السلام: ما اتي الجهال أي ما أتاهم الضرر والهلاك إلا من قبلهم. قال الفيروزآبادي: أتى كعنى أشرف عليه العدو. وقال الجزري: في حديث أبي هريرة: في العدوي إني قلت أتيت. أي دهيت وتغير عليك حسك فتوهمت ما ليس بصحيح صحيحا. قوله عليه السلام: استحوذ الشيطان أي غلب واستولى. قوله عليه السلام: و صنيعة أي احسان، ويحتمل أن يراد بها هنا الخلقة المصنوعة. قوله عليه السلام: لجسم بفتح اللام أي البتة هو جسم. وكذا قوله: للون. ويدل على أن التركيب الخارجي إنما يكون في الجسم وأن المبصر بالذات هو اللون. قوله عليه السلام: أشبه التغيير أي المتغير، أو ذا التغيير بتقدير مضاف.

متن: قال: إن هذا لقول، ولكني لمنكر ما لم تدركه حواسي فتؤديه إلى قلبي، فلما اعتصم بهذه المقالة ولزم هذه الحجة قلت: أما إذ أبيت إلا أن تعتصم بالجهالة، وتجعل المحاجزة حجة فقد دخلت في مثل ما عبت وامتثلت ما كرهت، حيث قلت: إني اخترت الدعوى لنفسي لان كل شئ لم تدركه حواسي عندي بلا شئ.

قال: وكيف ذلك؟ قلت : لأنك نقمت على الادعاء ودخلت فيه فادعيت أمرا لم تحط به خبرا ولم تقله علما فكيف استجزت لنفسك الدعوى في إنكارك الله، ودفعك أعلام النبوة والحجة الواضحة وعبتها علي؟ أخبرني هل أحطت بالجهات كلها وبلغت منتهاها؟ قال: لا. قلت: فهل رقيت إلى السماء التي ترى؟ أو انحدرت إلى الأرض السفلى فجلت في أقطارها؟ أو هل خضت في غمرات البحور واخترقت نواحي الهواء فيما فوق السماء وتحتها إلى الأرض وما أسفل منها فوجدت ذلك خلاء من مدبر حكيم عالم بصير؟ قال: لا. قلت: فما يدريك لعل الذي أنكره قلبك هو في بعض ما لم تدركه حواسك ولم يحط به علمك.

قال: لا أدري لعل في بعض ما ذكرت مدبرا، وما أدري لعله ليس في شئ من ذلك شئ! قلت: أما إذ خرجت من حد الانكار إلى منزلة الشك فإني أرجو أن تخرج إلى المعرفة.

قال: فإنما دخل علي الشك لسؤالك إياي عما لم يحط به علمي، ولكن من أين يدخل علي اليقين بما لم تدركه حواسي؟ قلت: من قبل إهليلجتك هذه.

قال: ذاك إذا أثبت للحجة، لأنها من آداب الطب الذي أذعن بمعرفته قلت: إنما أردت آن آتيك به من قبلها لأنها أقرب الأشياء إليك، ولو كان شئ أقرب إليك منها لاتيتك من قبله، لان في كل شئ أثر تركيب وحكمة، وشاهدا يدل على

الصنعة الدالة على من صنعها ولم تكن شيئا، ويهلكها حتى لا تكون شيئا. قلت:

فأخبرني هل ترى هذه إهليلجة؟ قال: نعم.

قلت: أفترى غيب ما في جوفها؟ قال: لا قلت: أفتشهد أنها مشتملة على نواة ولا تراها؟ قال: ما يدريني لعل ليس فيها شئ. قلت: أفترى أن خلف هذا القشر من هذه الإهليلجة غائب لم تره من لحم أو ذي لون؟ قال: ما أدري لعل ما ثم غير ذي لون ولا لحم. قلت: أفتقر أن هذه الإهليلجة التي تسميها الناس بالهند موجودة؟

لاجتماع أهل الاختلاف من الأمم على ذكرها. قال: ما أدري لعل ما اجتمعوا عليه من ذلك باطل! قلت: أفتقر أن الإهليلجة في أرض تنبت؟ قال: تلك الأرض وهذه واحدة وقد رأيتها. قلت: أفما تشهد بحضور هذه الإهليلجة على وجود ما غاب من أشباهها؟

قال: ما أدري لعله ليس في الدنيا إهليلجة غيرها. فلما اعتصم بالجهالة قلت: أخبرني عن هذه الإهليلجة أتقر أنها خرجت من شجرة، أو تقول: إنها هكذا وجدت؟ قال:

لا بل من شجرة خرجت. قلت: فهل أدركت حواسك الخمس ما غاب عنك من تلك الشجرة؟ قال: لا. قلت: فما أراك إلا قد أقررت بوجود شجرة لم تدركها حواسك.

قال: أجل ولكني أقول: إن الإهليلجة والأشياء المختلفة شئ لم تزل تدرك، فهل عندك في هذا شئ ترد به قولي؟ قلت: نعم أخبرني عن هذه الإهليلجة هل كنت عاينت شجرتها وعرفتها قبل أن تكون هذه الإهليلجة فيها؟ قال: نعم. قلت: فهل كنت تعاين هذه الإهليلجة؟ قال: لا. قلت: أفما تعلم أنك كنت عاينت الشجرة وليس فيها الإهليلجة، ثم عدت إليها فوجدت فيها الإهليلجة أفما تعلم أنه قد حدث فيها ما لم تكن؟ قال ما أستطيع أن أنكر ذلك ولكني أقول: إنها كانت فيها متفرقة. قلت: فأخبرني هل رأيت تلك الإهليلجة التي تنبت منها شجرة هذه الإهليلجة قبل أن تغرس؟ قال: نعم.

قلت: فهل يحتمل عقلك أن الشجرة التي تبلغ أصلها وعروقها وفروعها ولحاؤها وكل ثمرة جنيت، وورقة سقطت ألف ألف رطل كانت كامنة في هذه الإهليلجة؟ قال: ما

يحتمل هذا العقل ولا يقبله القلب. قلت: أقررت أنها حدثت في الشجرة؟ قال: نعم و لكني لا أعرف أنها مصنوعة فهل تقدر أن تقررني بذلك؟ قلت: نعم أرأيت أني إن أريتك تدبيرا أتقر أن له مدبرا، وتصويرا أن له مصورا؟. قال: لابد من ذلك.

قلت: ألست تعلم أن هذه الإهليلجة لحم ركب على عظم فوضع في جوف متصل بغصن مركب على ساق يقوم على أصل فيقوى بعروق من تحتها على جرم متصل بعض ببعض؟

قال: بلى. قلت: ألست تعلم أن هذه الإهليلجة مصورة بتقدير وتخطيط، وتأليف و تركيب وتفصيل متداخل بتأليف شئ في بعض شئ، به طبق بعد طبق وجسم على جسم ولون مع لون، أبيض في صفرة، ولين على شديد، في طبائع متفرقة، وطرائق مختلفة، وأجزاء مؤتلفة مع لحاء تسقيها، وعروق يجري فيها الماء، وورق يسترها وتقيها من الشمس أن تحرقها، ومن البرد أن يهلكها، والريح أن تذبلها؟ قال: أفليس لو كان الورق مطبقا عليها كان خيرا لها؟ قلت: الله أحسن تقديرا لو كان كما تقول لم يصل إليها ريح يروحها، ولا برد يشددها، ولعفنت عند ذلك، ولو لم يصل إليها حر الشمس لما نضجت، ولكن شمس مرة وريح مرة وبرد مرة قدر الله ذلك بقوة لطيفة ودبره بحكمة بالغة.

قال: حسبي من التصوير فسر لي التدبير الذي زعمت أنك ترينه. قلت: أرأيت الإهليلجة قبل أن تعقد إذ هي في قمعها ماء بغير نواة ولا لحم ولا قشر ولا لون ولا طعم ولا شدة؟ قال: نعم. قلت: أرأيت لو لم يرفق الخالق ذلك الماء الضعيف الذي هو مثل الخردلة في القلة والذلة ولم يقوه بقوته ويصوره بحكمته ويقدره بقدرته هل كان ذلك الماء يزيد على أن يكون في قمعه غير مجموع بجسم وقمع وتفصيل؟ فإن زاد زاد ماءا متراكبا غير مصور ولا مخطط ولا مدبر بزيادة أجزاء ولا تأليف أطباق. قال: قد أريتني من تصوير شجرتها وتأليف خلقتها وحمل ثمرتها وزيادة أجزائها وتفصيل تركيبها أوضح

الدلالات، وأظهر البينة على معرفة الصانع، ولقد صدقت بان الأشياء مصنوعة، و لكني لا أدري لعل الإهليلجة والأشياء صنعت أنفسها؟ قلت: أو لست تعلم أن خالق الأشياء والإهليلجة حكيم عالم بما عاينت من قوة تدبيره؟ قال: بلى. قلت: فهل ينبغي للذي هو كذلك أن يكون حدثا؟ قال: لا. قلت: أفلست قد رأيت الإهليلجة حين حدثت وعاينتها بعد أن لم تكن شيئا ثم هلكت كأن لم تكن شيئا؟ قال: بلى، وإنما أعطيتك أن الإهليلجة حدثت ولم أعطك أن الصانع لا يكون حادثا لا يخلق نفسه. قلت: ألم تعطني أن الحكيم الخالق لا يكون حدثا، وزعمت أن الإهليلجة حدثت؟ فقد أعطيتني أن الإهليلجة مصنوعة، فهو عز وجل صانع الإهليلجة، وإن رجعت إلى أن تقول: إن الإهليلجة صنعت نفسها ودبرت خلقها فما زدت أن أقررت بما أنكرت، ووصفت صانعا مدبرا أصبت صفته، ولكنك لم تعرفه فسميته بغير اسمه قال: كيف ذلك؟ قلت:

لأنك أقررت بوجود حكيم لطيف مدبر، فلما سألتك من هو؟ قلت: الإهليلجة.

قد أقررت بالله سبحانه، ولكنك سميته بغير اسمه، ولو عقلت وفكرت لعلمت أن الإهليلجة أنقص قوة من أن تخلق نفسها، وأضعف حيلة من أن تدبر خلقها.

قال: هل عندك غير هذا؟ قلت: نعم، أخبرني عن هذه الإهليلجة التي زعمت أنها صنعت نفسها ودبرت أمرها كيف صنعت نفسها صغيرة الخلقة، صغيرة القدرة، ناقصة القوة، لا تمتنع أن تكسر وتعصر وتؤكل؟ وكيف صنعت نفسها مفضولة مأكولة مرة قبيحة المنظر لا بهاء لها ولا ماء؟ قال: لأنها لم تقو إلا على ما صنعت نفسها أو لم تصنع إلا ما هويت. قلت: أما إذ أبيت إلا التمادي في الباطل فأعلمني متى خلقت نفسها و دبرت خلقها قبل أن تكون أو بعد أن كانت؟ فإن زعمت أن الإهليلجة خلقت نفسها بعد ما كانت فإن هذا لمن أبين المحال! كيف تكون موجودة مصنوعة ثم تصنع نفسها مرة أخرى؟ فيصير كلامك إلى أنها مصنوعة مرتين، ولان قلت: إنها خلقت نفسها ودبرت خلقها قبل أن تكون إن هذا من أوضح الباطل وأبين الكذب! لأنها قبل أن تكون ليس بشئ فكيف يخلق لا شئ شيئا؟ وكيف تعيب قولي: إن شيئا يصنع لا شيئا، ولا تعيب قولك: إن لا شئ يصنع لا شيئا؟ فانظر أي القولين أولى بالحق؟ قال:

قولك. قلت: فما يمنعك منه؟ قال: قد قبلته واستبان لي حقه وصدقه بأن الأشياء المختلفة والإهليلجة لم يصنعن أنفسهن، ولم يدبرن خلقهن، ولكنه تعرض لي أن الشجرة هي التي صنعت الإهليلجة لأنها خرجت منها. قلت: فمن صنع الشجرة: قال:

الإهليلجة الأخرى! قلت: اجعل لكلامك غاية أنتهي إليها فإما أن تقول: هو الله سبحانه فيقبل منك، وإما أن تقول: الإهليلجة فنسألك.

قال: سل. قلت: أخبرني عن الإهليلجة هل تنبت منها الشجرة إلا بعدما ماتت وبليت وبادت؟ قال: لا. قلت: إن الشجرة بقيت بعد هلاك الإهليلجة مائة سنة، فمن كان يحميها ويزيد فيها، ويدبر خلقها ويربيها، وينبت ورقها؟ مالك بد من أن تقول:

هو الذي خلقها، ولان قلت: الإهليلجة وهي حية قبل أن تهلك وتبلى وتصير ترابا، وقد ربت الشجرة وهي ميتة أن هذا القول مختلف. قال: لا أقول: ذلك. قلت أفتقر بأن الله خلق الخلق أم قد بقي في نفسك شئ من ذلك؟ قال: إني من ذلك على حد وقوف ما أتخلص إلى أمر ينفذ لي فيه الامر. قلت: أما إذ أبيت إلا الجهالة وزعمت أن الأشياء لا يدرك إلا بالحواس فإني أخبرك أنه ليس للحواس دلالة على الأشياء، ولا فيها معرفة إلا بالقلب، فإنه دليلها ومعرفها الأشياء التي تدعي أن القلب لا يعرفها إلا بها.

شرح: قوله عليه السلام: وامتثلت قال الفيروزآبادي: امتثل طريقته: تبعها فلم يعدها.

قوله: نقمت علي أي عبت وكرهت. قوله: من لحم قال الفيروزآبادي: لحم كل شئ لبه.

قوله تلك الأرض أي أشار إلى الأرض، وقال أقر بوجود هذه الأرض التي أرى، والإهليلجة الواحدة التي في يدي. قوله: كانت فيها متفرقة لعله اختار مذهب انكسار غورس ومن تبعه من الدهرية القائلين بالكمون والبروز، وأن كل شئ كامن، ويومي إليه جوابه. قوله عليه السلام: في قمعها قال الفيروزآبادي: القمع محركة: بثرة تخرج في أصول الأشفار، وقال القمع بالفتح والكسر وكعنب: ما التزق بأسفل التمرة والبسرة ونحوهما انتهى. وعلى التقديرين استعير لما يبدو من الإهليلجة ابتداءا في شجرها من القشرة الرقيقة الصغيرة التي فيها ماء، والأول أبلغ. قوله عليه السلام: غير مجموع بجسم أي هل كان يزيد بغير أن يضم. إليه جسم آخر من خارج، أو قمع آخر مثله، أو بغير قمعه

أي قلعه وتفصيله أي تفريقه ليدخل فيه شئ أو يضم إلى شئ. قوله عليه السلام: فإن زاد أي فإن سلم أنه كان يمكن أن يزيد بطبيعته بغير ما ذكر كانت زيادته ماءا متراكبا بعضه فوق بعض فقط كما كان أولا لا بتخطيط وتصوير وتدبير وتأليف إذ يحكم العقل بديهة أن مثل تلك الأفاعيل المختلفة المنطبقة على قانون الحكمة لا تصدر عن طبيعة عادمة للشعور و الإرادة. قوله عليه السلام: فهل ينبغي إشارة إلى ما يحكم به الوجدان من أن من كان على هذا المبلغ من العلم والحكمة والتدبير لا يكون ممكنا محدثا محتاجا في العلم وسائر الأمور إلى غيره، إلا أن يفيض عليه من العالم بالذات، وهو إقرار بالصانع. قوله: ولم أعطك.

غفل الهندي عما كان يلزم من اعترافيه. قوله عليه السلام: وإن رجعت أي إن قلت: إن الصانع القديم الحكيم هو طبيعة الإهليلجة صنعت هذا الشخص منها فقد أقررت بالصانع و سميته الطبيعة، إذ هي غير حكيم ولا ذات إرادة فقد أقررت بالصانع وأخطأت في التسمية، أو المراد أنك بعد الاعتراف بالخالق الحكيم القديم لو قلت: إنه هذه الإهليلجة فقد أقررت بما أنكرت أي نقضت قولك الأول، وقلت بالنقيضين، ولا محمل لتصحيحه إلا أن تقول: سميت ما أقررت به بهذا الاسم، وهذا لا يضرنا بعدما تيسر لنا من إقرارك، ويحتمل أن يكون هذا كلاما على سبيل الاستظهار في المجادلة أي إن تنزلنا عما أقررت به من قدم الحكيم وحدوث الإهليلجة يكفينا إقرارك بكون الخالق حكيما، إذ معلوم أنها ليست كذلك، فقد سميت الصانع الحكيم بهذا الاسم. قوله عليه السلام: مفضولة إذ ظاهر أن كثيرا من المخلوقات أفضل وأشرف منها. قوله عليه السلام: هو الذي خلقها أي لابد أن يكون مربيها هو خالقها، فإن قلت: إن الخالق والمربي واحد وهي الإهليلجة خلقت عند كونها حية، وربت بعد موتها فالقول مختلف إذ خلقها تدريجي، وعند خلق أي مقدار من الشجرة لابد من انقلاب بعضها شجرة فلم تكن الإهليلجة باقية بعد تمام خلق ذلك المقدار، والخلق والتربية ممزوجان لا يصلح القول بكونها حية عند أحدهما ميتة عند الآخر، ويحتمل أن يكون المراد أن القول بأن الخالق والمربي واحد و القول بأن الإهليلجة بعد موتها ربت متنافيان، لان موتها عبارة عن استحالتها بشئ آخر، فالمربي شئ آخر سوى الإهليلجة. وفي بعض النسخ: وقد رأيت الشجرة. قوله:

ما أتخلص أي ما أصل إلى أمر يجري فيه أمري أي حكمي، ويمكني أن أحكم بصحته.

ثم لما علم عليه السلام أن سبب توقفه اقتصاره على حكم الحواس بين عليه السلام أن الحواس داخلة تحت حكم العقل، ولابد من الرجوع إلى العقل في معرفة الأشياء.

متن: فقال: أما إذ نطقت بهذا فما أقبل منك إلا بالتخليص والتفحص منه بإيضاح وبيان وحجة وبرهان. قلت: فأول ما أبدأ به أنك تعلم أنه ربما ذهب الحواس، أو بعضها ودبر القلب الأشياء التي فيها المضرة والمنفعة من الأمور العلانية والخفية فأمر بها ونهى فنفذ فيها أمره وصح فيها قضاؤه.

قال: إنك تقول في هذا قولا يشبه الحجة، ولكني أحب أن توضحه لي غير هذا الايضاح. قلت: ألست تعلم أن القلب يبقى بعد ذهاب الحواس؟ قال: نعم ولكن يبقى بغير دليل على الأشياء التي تدل عليها الحواس. قلت: أفلست تعلم أن الطفل تضعه أمه مضغة ليس تدله الحواس على شئ يسمع ولا يبصر ولا يذاق ولا يلمس ولا يشم؟ قال:

بلى. قلت: فأية الحواس دلته علي طلب اللبن إذا جاع، والضحك بعد البكاء إذا روى من اللبن؟ وأي حواس سباع الطير ولاقط الحب منها دلها على أن تلقي بين أفراخها اللحم والحب فتهوى سباعها إلى اللحم، والآخرون إلى الحب؟ وأخبرني عن فراخ طير الماء ألست تعلم أن فراخ طير الماء إذا طرحت فيه سبحت، وإذا طرحت فيه فراخ طير البر غرقت والحواس واحدة، فكيف انتفع بالحواس طير الماء وأعانته على السباحة ولم تنتفع طير البر في الماء بحواسها؟ وما بال طير البر إذا غمستها في الماء ساعة ماتت وإذا أمسكت طير الماء عن الماء ساعة ماتت؟ فلا أرى الحواس في هذا إلا منكسرة عليك، ولا ينبغي ذلك أن يكون إلا من مدبر حكيم جعل للماء خلقا وللبر خلقا.

أم أخبرني ما بال الذرة التي لا تعاين الماء قط تطرح في الماء فتسبح، وتلقى الانسان ابن خمسين سنة من أقوى الرجال وأعقلهم لم يتعلم السباحة فيغرق؟ كيف لم يدله عقله ولبه وتجاربه وبصره بالأشياء مع اجتماع حواسه وصحتها أن يدرك ذلك بحواسه كما أدركته الذرة إن كان ذلك إنما يدرك بالحواس؟ أفليس ينبغي لك أن تعلم أن القلب الذي هو معدن العقل في الصبي الذي وصفت وغيره مما سمعت من الحيوان

هو الذي يهيج الصبي إلى طلب الرضاع، والطير اللاقط على لقط الحب، والسباع على ابتلاع اللحم؟.

قال: لست أجد القلب يعلم شيئا إلا بالحواس! قلت: أما إذ أبيت إلا النزوع إلى الحواس فإنا لنقبل نزوعك إليها بعد رفضك لها، ونجيبك في الحواس حتى يتقرر عندك أنها لا تعرف من سائر الأشياء إلا الظاهر مما هو دون الرب الاعلى سبحانه و تعالى، فأما ما يخفى ولا يظهر فليست تعرفه، وذلك أن خالق الحواس جعل لها قلبا احتج به على العباد، وجعل للحواس الدلالات على الظاهر الذي يستدل بها على الخالق سبحانه، فنظرت العين إلى خلق متصل بعضه ببعض فدلت القلب على ما عاينت، وتفكر القلب حين دلته العين على ما عاينت من ملكوت السماء وارتفاعها في الهواء بغير عمد يرى، ولا دعائم تمسكها لا تؤخر مرة فتنكشط، ولا تقدم أخرى فتزول، ولا تهبط مرة فتدنو، ولا ترتفع أخرى فتنأى، لا تتغير لطول الأمد ولا تخلق لاختلاف الليالي والأيام، ولا تتداعى منها ناحية، ولا ينهار منها طرف، مع ما عاينت من النجوم الجارية السبعة المختلفة بمسيرها لدوران الفلك، وتنقلها في البروج يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة، منها السريع، ومنها البطئ، ومنها المعتدل السير، ثم رجوعها واستقامتها، وأخذها عرضا وطولا، وخنوسها عند الشمس وهي مشرقة وظهورها إذا غربت، وجري الشمس والقمر في البروج دائبين لا يتغيران في أزمنتهما وأوقاتهما يعرف ذلك من يعرف بحساب موضوع وأمر معلوم بحكمة يعرف ذووا الألباب أنها ليست من حكمة الانس، ولا تفتيش الأوهام، ولا تقليب التفكر، فعرف القلب حين دلته العين على ما عاينت أن لذلك الخلق والتدبير والامر العجيب صانعا يمسك السماء المنطبقة أن تهوى إلى الأرض وأن الذي جعل الشمس والنجوم فيها خالق السماء، ثم نظرت العين إلى ما استقلها من الأرض فدلت القلب على ما عاينت فعرف القلب بعقله أن ممسك الأرض الممتدة أن تزول أو تهوى في الهواء - وهو يرى الريشة يرمى بها فتسقط مكانها وهي في الخفة على

ما هي عليه - هو الذي يمسك السماء التي فوقها، وأنه لولا ذلك لخسفت بما عليها من ثقلها وثقل الجبال والأنام والأشجار والبحور والرمال، فعرف القلب بدلالة العين أن مدبر الأرض هو مدبر السماء. ثم سمعت الاذن صوت الرياح الشديدة العاصفة والمينة الطيبة، وعاينت العين ما يقلع من عظام الشجر ويهدم من وثيق البنيان، وتسفى من ثقال الرمال، تخلى منها ناحية وتصبها في أخرى، بلا سائق تبصره العين، ولا تسمعه الاذن، ولا يدرك بشئ من الحواس، وليست مجسدة تلمس ولا محدودة تعاين، فلم تزد العين والاذن وسائر الحواس على أن دلت القلب أن لها صانعا، وذلك أن القلب يفكر بالعقل الذي فيه، فيعرف أن الريح لم تتحرك من تلقائها وأنها لو كانت هي المتحركة لم تكفف عن التحرك، ولم تهدم طائفة وتعفي أخرى، ولم تقلع شجرة وتدع أخرى إلى جنبها، ولم تصب أرضا وتنصرف عن أخرى فلما تفكر القلب في أمر الريح علم أن لها محركا هو الذي يسوقها حيث يشاء، ويسكنها إذا شاء، ويصيب بها من يشاء، و يصرفها عمن يشاء، فلما نظر القلب إلى ذلك وجدها متصلة بالسماء، وما فيها من الآيات فعرف أن المدبر القادر على أن يمسك الأرض والسماء هو خالق الريح ومحركها إذا شاء، وممسكها كيف شاء، ومسلطها على من يشاء. وكذلك دلت العين والاذن القلب على هذه الزلزلة، وعرف ذلك بغيرهما من حواسه حين حركته فلما دل الحواس على تحريك هذا الخلق العظيم من الأرض في غلظها وثقلها، وطولها وعرضها، وما عليها من ثقل الجبال والمياه والأنام وغير ذلك، وإنما تتحرك في ناحية ولم تتحرك في ناحية أخرى وهي ملتحمة جسدا واحدا، وخلقا متصلا بلا فصل ولا وصل، تهدم ناحية وتخسف بها وتسلم أخرى، فعندها عرف القلب أن محرك ما حرك منها هو ممسك ما امسك منها، وهو محرك الريح وممسكها، وهو مدبر السماء والأرض وما بينهما، وأن الأرض لو كانت هي المزلزلة لنفسها لما تزلزلت ولما تحركت، ولكنه الذي دبرها وخلقها حرك منها ما شاء. ثم نظرت العين إلى العظيم من الآيات من السحاب

المسخر بين السماء والأرض بمنزلة الدخان لا جسد له يلمس بشئ من الأرض و الجبال، يتخلل الشجرة فلا يحرك منها شيئا، ولا يهصر منها غصنا، ولا يعلق منها بشئ يعترض الركبان فيحول بعضهم من بعض من ظلمته وكثافته، ويحتمل من ثقل الماء و كثرته ما لا يقدر على صفته، مع ما فيه من الصواعق الصادعة، والبروق اللامعة، والرعد والثلج والبرد والجليد ما لا تبلغ الأوهام صفته ولا تهتدي القلوب إلى كنه عجائبه، فيخرج مستقلا في الهواء يجتمع بعد تفرقه ويلتحم بعد تزايله، تفرقه الرياح من الجهات كلها إلى حيث تسوقه بإذن الله ربها، يسفل مرة ويعلو أخرى، متمسك بما فيه من الماء الكثير الذي إذا أزجاه صارت منه البحور، يمر على الأراضي الكثيرة والبلدان المتنائية لا تنقص منه نقطة، حتى ينتهي إلى ما لا يحصى من الفراسخ فيرسل ما فيه قطرة بعد قطرة، وسيلا بعد سيل، متتابع على رسله حتى ينقع البرك وتمتلي الفجاج، و تعتلي الأودية بالسيول كأمثال الجبال غاصة بسيولها، مصمخة الآذان لدويها و هديرها فتحي بها الأرض الميتة، فتصبح مخضرة بعد أن كانت مغبرة، ومعشبة بعد أن كانت مجدبة، قد كسيت ألوانا من نبات عشب ناضرة زاهرة مزينة معاشا للناس الانعام، فإذا أفرغ الغمام ماءه أقلع وتفرق وذهب حيث لا يعاين ولا يدرى أين توارى، فأدت العين ذلك إلى القلب فعرف القلب أن ذلك السحاب لو كان بغير مدبر وكان ما وصفت من تلقاء نفسه ما احتمل نصف ذلك من الثقل من الماء، وإن كان هو الذي يرسله لما احتمله ألفي فرسخ أو أكثر، ولأرسله فيما هو أقرب من ذلك، ولما أرسله قطرة بعد قطرة، بل كان يرسله إرسالا فكان يهدم البنيان ويفسد النبات، ولما جاز إلى بلد و

ترك آخر دونه، فعرف القلب بالأعلام المنيرة الواضحة أن مدبر الأمور واحد، وأنه لو كان اثنين أو ثلاثة لكان في طول هذه الأزمنة والأبد والدهر اختلاف في التدبير وتناقض في الأمور، ولتأخر بعض وتقدم بعض، ولكان تسفل بعض ما قد علا، ولعلا بعض ما قد سفل، ولطلع شئ وغاب فتأخر عن وقته أو تقدم ما قبله فعرف القلب بذلك أن مدبر الأشياء ما غاب منها وما ظهر هو الله الأول، خالق السماء وممسكها، وفارش الأرض وداحيها، وصانع ما بين ذلك مما عددنا وغير ذلك مما لم يحص.

وكذلك عاينت العين اختلاف الليل والنهار دائبين جديدين لا يبليان في طول كرهما، ولا يتغيران لكثرة اختلافهما، ولا ينقصان عن حالهما، النهار في نوره وضيائه، والليل في سواده وظلمته، يلج أحدهما في الآخر حتى ينتهي كل واحد منهما إلى غاية محدودة معروفة في الطول والقصر على مرتبة واحدة ومجرى واحد، مع سكون من يسكن في الليل، وانتشار من ينتشر في الليل، وانتشار من ينتشر في النهار، وسكون من يسكن في النهار، ثم الحر والبرد وحلول أحدهما بعقب الآخر حتى يكون الحر بردا، والبرد حرا في وقته وإبانه، فكل هذا مما يستدل به القلب على الرب سبحانه وتعالى، فعرف القلب بعقله أن من دبر هذه الأشياء هو الواحد العزيز الحكيم الذي لم يزل ولا يزال، وأنه لو كان في السماوات والأرضين آلهة معه سبحانه لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، ولفسد كل واحد منهم على صاحبه.

وكذلك سمعت الاذن ما أنزل المدبر من الكتب تصديقا لما أدركته القلوب بعقولها، وتوفيق الله إياها، وما قاله من عرفه كنه معرفته بلا ولد ولا صاحبة ولا شريك فأدت الاذن ما سمعت من اللسان بمقالة الأنبياء إلى القلب.

شرح: قوله عليه السلام: ربما ذهب الحواس إما بالنوم كما سيأتي أو بآفة فإن العقل لا محالة يدله على أن يشير إلى بعض ما يصلحه، ويطلب ما يقيمه بأي وجه كان، على أن ذهاب الحواس الخمس لا ينافي بقاء النطق. قوله عليه السلام: إلا النزوع إلى الحواس أي الاشتياق إليها، والحاصل أنا نوافقك ونستدل لك بما تدل عليه الحواس، وإن كنت رفضتها وتركيتها وسلمت فيما مضى كونها معزولة عن بعض الأشياء فنقول: إن حكم

العقل بوجود الصانع إنما هو من جهة ما دلته الحواس عليه مما نشاهده من آثار صنعه تعالى. قوله عليه السلام: فتنكشط الانكشاط: الانكشاف. وقوله تعالى: وإذا السماء كشطت أي قلعت كما يقلع السقف، ولعل المراد بالتأخر تأخر ما يحاذي رؤوسنا بحيث يرى ما وراءه، وبالتقدم أن يتحرك جميعها حركة أينية حتى يخرج من بينها، ويحتمل أن يكون المراد فيهما معا إما الأول أو الثاني، ويكون التعبير عن أحدهما بالانكشاط وعن الآخر بالزوال لمحض تفنن العبارة، وعلى التقادير المراد بالزوال الزوال عنا وعن محاذاتنا. قوله عليه السلام: ولا يتداعى قال الجوهري: تداعت الحيطان للخراب أي تهادمت. وقال: انهار أي انهدم قوله عليه السلام: ثم رجوعها إشارة إلى ما يعرض للمتحيرة من الرجعة والاستقامة والإقامة. وقوله عليه السلام: وأخذها عرضا وطولا إشارة إلى كونها تارة عن جنوب المعدل، وتارة عن شمالها، وكون بعضها تارة عن جنوب منطقة البروج وتارة عن شمالها، وإلى حركة المائل في السفليين وعرض الوراب والانحراف و الاستواء فيهما، وإلى ميل الذروة والحضيض في المتحيرة. وخنوسها: غيبتها و استتارها تحت شعاع الشمس. قوله عليه السلام: المنطبقة أي المحيطة بجميع الخلق، وفي بعض النسخ المظلة. واستقلها أي حملها ورفعها. قوله عليه السلام: متصلة بالسماء أي داخلة في ذلك النظام شبيهة بها فيه. قوله عليه السلام: يلمس بشئ لعل المراد الاصطكاك الذي يحصل منه صوت، وفي بعض النسخ كشئ، ويحتمل أن يكون تصحيف يشبه بشئ. وقال الفيروزآبادي: الهصر: الجذب. والإمالة. والكسر. والدفع. والادناء. وعطف شئ رطب كغصن ونحوه وكسره من غير بينونة. وقال: الجليد: ما يسقط على الأرض من الندى فيجمد. انتهى. وقوله عليه السلام: أزجاه أي دفعه. والرسل بالكسر: التأني والرفق.

وينقع بالياء على المعلوم أو بالتاء على المجهول. والبرك كعنب جمع بركة وهي معروفة.

والفجاج بالضم: الطريق الواسع بين جبلين، وبالكسر جمع الفج بمعناه. والاعتلاء:

الارتفاع. وقوله عليه السلام: غاصة أي ممتلئة. والمصمخة لعلها مشتقة من الصماخ أي

تؤدى الصماخ، والأظهر مصممة. قوله عليه السلام: من نبات بالإضافة على أن يكون مصدرا، أو بالتنوين ليكون عشب بدل بعض له. والاقلاع عن الامر: الكف عنه. و الكر: الرجوع. قوله عليه السلام: مع سكون من يسكن في الليل أي جعل في معظم المعمورة طول كل منهما وقصره على حد محدود لا يتجاوزه لئلا تفوت مصلحة كل منهما من السكون في الليل والانتشار في النهار، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أصل الحكمة في حصول الليل والنهار. قوله عليه السلام: وانتشار من ينتشر في الليل كالخفاش والبعوضة وسائر ما ينتشر في الليل من الهوام، وكالخائف والمسافر الذي تصلحه حركة الليل. قوله: إذا لذهب أي لو كان معه آلهة كما يقولون لذهب كل إله منهم بما خلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الآخرين، ووقع بينهم التجاذب والتغالب كما هو حال ملوك الدنيا إذ يستحيل كونهما واجبين كاملين وهذا شأن الناقص، ويحتمل أن يكون الغرض نفي الآلهة الناقصة الممكنة التي جعلوها شريكا للواجب تعالى شأنه، وسيأتي الكلام فيه في باب التوحيد. وفي بعض النسخ هكذا: " ولعلا بعضهم على بعض، ولافسد كل واحد منهم على صاحبه، وكذلك سمعت الاذن ما أنزل الله من كتبه على ألسن أنبيائه تصديقا لما أدركته العقول بتوفيق الله إياها وعونه لها إذا أرادت ما عنده أنه الأول لا شبيه له، ولا مثل له، ولا ضد له، ولا تحيط به العيون، ولا تدركه الأوهام كيف هو لأنه لا كيف له وإنما الكيف للمكيف المخلوق المحدود المحدث غير أنا نوقن أنه معروف بخلقه موجود بصنعه فتبارك الله وتعالى اسمه لا شريك له فعرف القلب بعقله أنه لو كان معه شريك كان ضعيفا ناقصا، ولو كان ناقصا ما خلق الانسان ولاختلفت التدابير وانتقضت الأمور، مع النقص الذي يوصف به الأرباب المتفردون والشركاء المتعانتون. قال: قد أتيتني ".

متن: فقال: قد أتيتني من أبواب لطيفة بما لم يأتني به أحد غيرك إلا أنه لا يمنعني من ترك ما في يدي إلا الايضاح والحجة القوية بما وصفت لي وفسرت. قلت: أما إذا حجبت عن الجواب واختلف منك المقال فسيأتيك من الدلالة من قبل نفسك خاصة ما يستبين لك أن الحواس لا تعرف شيئا إلا بالقلب، فهل رأيت في المنام أنك تأكل

وتشرب حتى وصلت لذة ذلك إلى قلبك؟ قال: نعم. قلت: فهل رأيت أنك تضحك وتبكي وتجول في البلدان التي لم ترها والتي قد رأيتها حتى تعلم معالم ما رأيت منها؟

قال: نعم مالا أحصي. قلت: هل رأيت أحدا من أقاربك من أخ أو أب أو ذي رحم قد مات قبل ذلك حتى تعلمه وتعرفه كمعرفتك إياه قبل أن يموت؟ قال: أكثر من الكثير.

قلت: فأخبرني أي حواسك أدرك هذه الأشياء في منامك حتى دلت قلبك على معاينة الموتى وكلامهم، وأكل طعامهم، والجولان في البلدان، والضحك والبكاء وغير ذلك؟

قال: ما أقدر أن أقول لك أي حواسي أدرك ذلك أو شيئا منه، وكيف تدرك وهي بمنزلة الميت لا تسمع ولا تبصر؟ قلت: فأخبرني حيث استيقظت ألست قد ذكرت الذي رأيت في منامك تحفظه وتقصه بعد يقظتك على إخوانك لا تنسى منه حرفا؟ قال: إنه كما تقول وربما رأيت الشئ في منامي ثم لا أمسي حتى أراه في يقظتي كما رأيته في منامي. قلت:

فأخبرني أي حواسك قررت علم ذلك في قلبك حتى ذكرته بعد ما استيقظت؟ قال:

إن هذا الامر ما دخلت فيه الحواس. قلت: أفليس ينبغي لك أن تعلم حيث بطلت الحواس في هذا أن الذي عاين تلك الأشياء وحفظها في منامك قلبك الذي جعل الله فيه العقل الذي احتج به على العباد؟ قال: إن الذي رأيت في منامي ليس بشئ إنما هو بمنزلة السراب الذي يعاينه صاحبه وينظر إليه لا يشك فيه أنه ماء فإذا انتهى إلى مكانه لم يجده شيئا فما رأيت في منامي فبهذه المنزلة!.

قلت: كيف شبهت السراب بما رأيت في منامك من أكلك الطعام الحلو والحامض، وما رأيت من الفرح والحزن؟ قال: لان السراب حيث انتهيت إلى موضعه صار لا شئ، وكذلك صار ما رأيت في منامي حين انتبهت! قلت: فأخبرني إن أتيتك بأمر وجدت لذته في منامك وخفق لذلك قلبك ألست تعلم أن الامر على ما وصفت لك؟ قال: بلى.

قلت: فأخبرني هل احتلمت قط حتى قضيت في امرأة نهمتك عرفتها أم لم تعرفها؟ قال: بلى مالا أحصيه. قلت: ألست وجدت لذلك لذة على قدر لذتك في يقظتك فتنتبه وقد أنزلت الشهوة حتى تخرج منك بقدر ما تخرج منك في اليقظة، هذا كسر لحجتك في السراب. قال: ما يرى المحتلم في منامه شيئا إلا ما كانت

حواسه دلت عليه في اليقظة. قلت: ما زدت على أن قويت مقالتي، وزعمت أن القلب يعقل الأشياء ويعرفها بعد ذهاب الحواس وموتها فكيف أنكرت أن القلب يعرف الأشياء وهو يقظان مجتمعة له حواسه، وما الذي عرفه إياها بعد موت الحواس وهو لا يسمع ولا يبصر؟ ولكنت حقيقا أن لا تنكر له المعرفة وحواسه حية مجتمعة إذا أقررت أنه ينظر إلى الامرأة بعد ذهاب حواسه حتى نكحها وأصاب لذته منها، فينبغي لمن يعقل حيث وصف القلب بما وصفه به من معرفته بالأشياء والحواس ذاهبة أن يعرف أن القلب مدبر الحواس ومالكها ورائسها والقاضي عليها، فإنه ما جهل الانسان من شئ فما يجهل أن اليد لا تقدر على العين أن تقلعها، ولا على اللسان أن تقطعه، وأنه ليس يقدر شئ من الحواس أن يفعل بشئ من الجسد شيئا بغير إذن القلب ودلالته و تدبيره لان الله تبارك وتعالى جعل القلب مدبرا للجسد، به يسمع وبه يبصر وهو القاضي والأمير عليه، لا يتقدم الجسد إن هو تأخر، ولا يتأخر إن هو تقدم، وبه سمعت الحواس وأبصرت، إن أمرها ائتمرت، وإن نهاها انتهت، وبه ينزل الفرح والحزن، وبه ينزل الألم، إن فسد شئ من الحواس بقي على حاله، وإن فسد القلب ذهب جميعا حتى لا يسمع ولا يبصر.

قال: لقد كنت أظنك لا تتخلص من هذه المسألة وقد جئت بشئ لا أقدر على رده قلت: وأنا أعطيك تصاديق ما أنبأتك به وما رأيت في منامك في مجلسك الساعة. قال:

افعل فإني قد تحيرت في هذه المسألة. قلت: أخبرني هل تحدث نفسك من تجارة أو صناعة أو بناء أو تقدير شئ وتأمر به إذا أحكمت تقديره في ظنك؟ نعم. قلت: فهل أشركت قلبك في ذلك الفكر شيئا من حواسك؟ قال: لا. قلت: أفلا تعلم أن الذي أخبرك به قلبك حق؟ قال: اليقين هو، فزدني ما يذهب الشك عني ويزيل الشبه من قلبي.

شرح: خفق القلب: اضطرابه. والنهمة: بلوغ الهمة في الشئ، والنهم بالتحريك إفراط الشهوة في الطعام. أقول: قد عرفت أن القلب يطلق في مصطلح الاخبار على النفس الناطقة، ولما كان السائل منكرا لادراك ما سوى الحواس الظاهرة نبهه عليه السلام على خطائه بمدركات الحواس الباطنة التي هي آلات النفس.

أقول: ذكر السيد ابن طاووس قدس الله روحه في كتاب النجوم من هذه الرسالة جملة ليست فيما عندنا من النسخ فلنذكرها:

" قلت: أخبرني هل يعرف أهل بلادك علم النجوم؟ قال: إنك لغافل عن علم أهل بلادي بالنجوم! قلت: وما بلغ من علمهم بها؟ فقال: إنا نخبرك عن علمهم بخصلتين تكتفي بهما عما سواهما. قلت: فأخبرني ولا تخبرني إلا بحق. قال بديني لا أخبرك إلا بحق وبما عاينت. قلت: هات.

قال: أما إحدى الخصلتين فإن ملوك الهند لا يتخذون إلا الخصيان. قلت: و لم ذاك؟ قال: لان لكل رجل منهم منجما حاسبا فإذا أصبح أتى باب الملك فقاس الشمس وحسب فأخبره بما يحدث في يومه ذلك، وما حدث في ليلته التي كان فيها، فإن كانت امرأة من نسائه قارفت شيئا يكرهه أخبره، فقال: فلان قارف كذا وكذا مع فلانة، ويحدث في هذا اليوم كذا وكذا.

قلت: فأخبرني عن الخصلة الأخرى. قال: قوم بالهند بمنزلة الخناقين عندكم يقتلون الناس بلا سلاح ولا خنق ويأخذون أموالهم. قلت: وكيف يكون هذا؟ قال.

يخرجون مع الرفقة والتجار بقدر ما فيها من الرجالة فيمشون معهم أياما ليس معهم سلاح، ويحدثون الرجال ويحسبون حساب كل رجل من التجار فإذا عرف أجمعهم موضع النفس من صاحبه وكزكل واحد منهم صاحبه الذي حسب به في ذلك الموضع فيقع جميع التجار موتى! قلت: إن هذا أرفع من الباب الأول إن كان ما تقول حقا!

قال: أحلف لك بديني إنه حق ولربما رأيت ببلاد الهند قد اخذ بعضهم وامر بقتله.

قلت: فأخبرني كيف كان هذا حتى اطلعوا عليه؟ قال: بحساب النجوم. قلت:

فما سمعت كهذا علما قط، وما أشك أن واضعه الحكيم العليم، فأخبرني من وضع هذا العلم الدقيق الذي لا يدرك بالحواس ولا بالعقول ولا بالفكر؟ قال: حساب النجوم وضعته الحكماء وتوارثه الناس ".

متن: قلت: أخبرني هل يعلم أهل بلادك علم النجوم؟ قال: إنك لغافل عن علم أهل بلادي بالنجوم فليس أحد أعلم بذلك منهم. قلت: أخبرني كيف وقع علمهم بالنجوم وهي مما لا يدرك بالحواس ولا بالفكر؟ قال: حساب وضعته الحكماء وتوارثته الناس فإذا سألت الرجل منهم عن شئ قاس الشمس ونظر في منازل الشمس والقمر وما للطالع من النحوس، وما للباطن من السعود، ثم يحسب ولا يخطئ، ويحمل إليه المولود فيحسب له ويخبر بكل علامة فيه بغير معاينة وما هو مصيبه إلى يوم يموت. قلت: كيف دخل الحساب في مواليد الناس؟ قال: لان جميع الناس إنما يولدون بهذه النجوم، ولولا ذلك لم يستقم هذا الحساب فمن ثم لا يخطئ إذا علم الساعة واليوم والشهر والسنة التي يولد فيها المولود. قلت: لقد توصفت علما عجيبا ليس في علم الدنيا أدق منه ولا أعظم إن كان حقا كما ذكرت، يعرف به المولود الصبي وما فيه من العلامات ومنتهى أجله وما يصيبه في حياته، أوليس هذا حسابا تولد به جميع أهل الدنيا من كان من الناس؟ قال:

لا أشك فيه. قلت: فتعال ننظر بعقولنا كيف علم الناس هذا العلم وهل يستقيم أن يكون لبعض الناس إذا كان جميع الناس يولدون بهذه النجوم، وكيف عرفها بسعودها ونحوسها، وساعاتها وأوقاتها، ودقائقها ودرجاتها، وبطيئها وسريعها، ومواضعها من السماء، ومواضعها تحت الأرض، ودلالتها على غامض هذه الأشياء التي وصفت في السماء وما تحت الأرض، فقد عرفت أن بعض هذه البروج في السماء، وبعضها تحت الأرض، و كذلك النجوم السبعة منها تحت الأرض ومنها في السماء فما يقبل عقلي أن مخلوقا من أهل الأرض قدر على هذا. قال: وما أنكرت من هذا؟ قلت: إنك زعمت أن جميع أهل الأرض إنما يتوالدون بهذه النجوم، فأرى الحكيم الذي وضع هذا الحساب بزعمك من بعض أهل الدنيا، ولا شك إن كنت صادقا أنه ولد ببعض هذه النجوم والساعات و الحساب الذي كان قبله، إلا أن تزعم أن ذلك الحكيم لم يولد بهذه النجوم كما ولد سائر الناس. قال: وهل هذا الحكيم إلا كسائر الناس؟ قلت: أفليس ينبغي أن يدلك عقلك على أنها قد خلقت قبل هذا الحكيم الذي زعمت أنه وضع هذا الحساب، وقد زعمت أنه ولد ببعض هذه النجوم؟ قال: بلى.

قلت: فكيف اهتدى لوضع هذه النجوم؟ وهل هذا العلم إلا من معلم كان قبلهما وهو الذي أسس هذا الحساب الذي زعمت أنه أساس المولود، والأساس أقدم من المولود، والحكيم الذي زعمت أنه وضع هذا إنما يتبع أمر معلم هو أقدم منه، وهو الذي خلقه مولودا ببعض هذا النجوم، وهو الذي أسس هذه البروج التي ولد بها غيره من الناس فواضع الأساس ينبغي أن يكون أقدم منها، هب إن هذا الحكيم عمر مذ كانت الدنيا عشرة أضعاف، هل كان نظره في هذه النجوم إلا كنظرك إليها معلقة في السماء أو تراه كان قادرا على الدنو منها وهي في السماء حتى يعرف منازلها و مجاريها، نحوسها وسعودها، ودقائقها، وبأيتها تكسف الشمس والقمر، وبأيتها يولد كل مولود، وأيها السعد وأيها النحس، وأيها البطئ وأيها السريع، ثم يعرف بعد ذلك سعود ساعات النهار ونحوسها، وأيها السعد وأيها النحس، وكم ساعة يمكث كل نجم منها تحت الأرض، وفي أي ساعة تغيب، وأي ساعة تطلع، وكم ساعة يمكث طالعا، وفي أي ساعة تغيب، وكم استقام لرجل حكيم كما زعمت من أهل الدنيا أن يعلم علم السماء مما لا يدرك بالحواس، ولا يقع عليه الفكر، ولا يخطر على الأوهام وكيف اهتدى أن يقيس الشمس حتى يعرف في أي برج، وفي أي برج القمر، وفي أي برج من السماء هذه السبعة السعود والنحوس وما الطالع منها وما الباطن؟ وهي معلقة في السماء وهو من أهل الأرض لا يراها إذا توارت بضوء الشمس إلا أن تزعم أن هذا الحكيم الذي وضع هذا العلم قد رقى إلى السماء، وأنا أشهد أن هذا العالم لم يقدر على هذا العلم إلا بمن في السماء، لان هذا ليس من علم أهل الأرض.

قال: ما بلغني أن أحدا من أهل الأرض رقى إلى السماء. قلت: فلعل هذا الحكيم فعل ذلك ولم يبلغك؟ قال: ولو بلغني ما كنت مصدقا. قلت: فأنا أقول قولك، هبه رقى إلى السماء هل كان له بد من أن يجري مع كل برج من هذه البروج، ونجم من هذه النجوم من حيث يطلع إلى حيث يغيب، ثم يعود إلى الآخر حتى يفعل مثل ذلك حتى يأتي على آخرها؟ فإن منها ما يقطع السماء في ثلاثين سنة، ومنها ما يقطع دون ذلك، وهل كان له بد من أن يجول في أقطار السماء حتى يعرف مطالع السعود منها والنحوس،

والبطئ والسريع، حتى يحصي ذلك؟ أو هبه قدر على ذلك حتى فرغ مما في السماء هل كان يستقيم له حساب ما في السماء حتى يحكم حساب ما في الأرض وما تحتها و أن يعرف ذلك مثل ما قد عاين في السماء؟ لان مجاريها تحت الأرض على غير مجاريها في السماء، فلم يكن يقدر على أحكام حسابها ودقائقها وساعاتها إلا بمعرفة ما غاب عنه تحت الأرض منها، لأنه ينبغي أن يعرف أي ساعة من الليل يطلع طالعها، وكم يمكث تحت الأرض، وأية ساعة من النهار يغيب غائبها لأنه لا يعاينها، ولا ما طلع منها ولا ما غاب، ولابد من أن يكون العالم بها واحدا وإلا لم ينتفع بالحساب إلا تزعم أن ذلك الحكيم قد دخل في ظلمات الأرضين والبحار فسار مع النجوم والشمس والقمر في مجاريها على قدر ما سار في السماء حتى علم الغيب منها، وعلم ما تحت الأرض على قدر ما عاين منها في السماء.

قال: وهل أريتني أجبتك إلى أن أحدا من أهل الأرض رقى إلى السماء وقدر على ذلك حتى أقول: إنه دخل في ظلمات الأرضين والبحور؟ قلت: فكيف وقع هذا العلم الذي زعمت أن الحكماء من الناس وضعوه وأن الناس كلهم مولدون به وكيف عرفوا ذلك الحساب وهو أقدم منهم؟.

أقول: في نسخة السيد ابن طاووس هنها زيادة:

" قال: أرأيت إن قلت لك: إن البروج لم تزل وهي التي خلقت أنفسها على هذا الحساب ما الذي ترد علي؟ قلت: أسألك كيف يكون بعضها سعدا وبعضها نحسا، وبعضها مضيئا وبعضها مظلما، وبعضها صغيرا وبعضها كبيرا؟.

قال: كذلك أرادت أن تكون بمنزلة الناس، فإن بعضهم جميل، وبعضهم قبيح، وبعضهم قصير، وبعضهم طويل، وبعضهم أبيض، وبعضهم أسود، وبعضهم صالح، وبعضهم طالح. قلت: فالعجب منك إني أراودك منذ اليوم على أن تقر بصانع فلم تجبني إلى ذلك حتى كان الآن أقررت بأن القردة والخنازير خلقن أنفسهن!.

قال: لقد بهتني بما لم يسمع الناس مني! قلت: أفمنكر أنت لذلك؟ قال:

أشد إنكار. قلت: فمن خلق القردة والخنازير إن كان الناس والنجوم خلقن أنفسهن؟

فلابد من أن تقول: إنهن من خلق الناس، أو خلقن أنفسهن، أفتقول: إنها من خلق الناس؟ قال : لا. قلت: فلابد من أن يكون لها خالق أو هي خلقت أنفسها، فإن قلت:

إنها من خلق الناس أقررت أن لها خالقا، فإن قلت: لابد أن يكون لها خالق فقد صدقت وما أعرفنا به، ولئن قلت: إنهن خلقن أنفسهن فقد أعطيتني فوق ما طلبت منك من الاقرار بصانع. ثم قلت: فأخبرني بعضهن قبل بعض خلقن أنفسهن أم كان ذلك في يوم واحد؟ فإن قلت: بعضهن قبل بعض فأخبرني السماوات وما فيهن والنجوم قبل الأرض والانس والذر خلقن أم بعد ذلك؟ فإن قلت: إن الأرض قبل أفلا ترى قولك:

إن الأشياء لم تزل قد بطل حيث كانت السماء بعد الأرض؟.

قال: بلى ولكن أقول: معا جميعا خلقن. قلت: أفلا ترى أنك قد أقررت أنها لم تكن شيئا قبل أن خلقن، وقد أذهبت حجتك في الأزلية؟ قال: إني لعلى حد وقوف، ما أدري ما أجيبك فيه لأني أعلم أن الصانع إنما سمي صانعا لصناعته، والصناعة غير الصانع، والصانع غير الصناعة لأنه يقال للرجل: الباني لصناعته البناء، والبناء غير الباني والباني غير البناء، وكذلك الحارث غير الحرث والحرث غير الحارث. قلت:

فأخبرني عن قولك: إن الناس خلقوا أنفسهم فبكمالهم خلقوها أرواحهم وأجسادهم وصورهم وأنفاسهم أم خلق بعض ذلك غيرهم؟ قال: بكمالهم لم يخلق ذلك ولا شيئا منهم غيرهم.

قلت: فأخبرني الحياة أحب إليهم أم الموت؟ قال: أو تشك أنه لا شئ أحب إليهم من الحياة، ولا أبغض إليهم من الموت؟ قلت فأخبرني من خلق الموت الذي يخرج أنفسهم التي زعمت أنهم خلقوها؟ فإنك لا تنكر أن الموت غير الحياة، وأنه هو الذي يذهب بالحياة. فإن قلت: إن الذي خلق الموت غيرهم، فإن الذي خلق الموت هو الذي خلق الحياة، ولئن قلت: هم الذين خلقوا الموت لأنفسهم إن هذا لمحال من القول! وكيف خلقوا لأنفسهم ما يكرهون إن كانوا كما زعمت خلقوا أنفسهم؟ هذا ما يستنكر من ضلالك أن تزعم أن الناس قدروا على خلق أنفسهم بكمالهم وأن الحياة أحب إليهم من الموت وخلقوا ما يكرهون لأنفسهم!.

قال: ما أجد واحدا من القولين ينقاد لي ولقد قطعته علي قبل الغاية التي كنت أريدها. قلت: دعني فإن من الدخول في أبواب الجهالات مالا ينقاد من الكلام، و إنما أسألك عن معلم هذا الحساب الذي علم أهل الأرض علم هذه النجوم المعلقة في السماء. " أقول: رجعنا إلى ما في النسخ المشهورة:

قال: ما أجد يستقيم أن أقول: إن أحدا من أهل الأرض وضع علم هذه النجوم المعلقة في السماء. قلت: فلابد لك أن تقول: إنما علمه حكيم عليم بأمر السماء والأرض ومدبرهما. قال: إن قلت هذا فقد أقررت لك بإلهك الذي تزعم أنه في السماء. قلت:

أما أنك فقد أعطيتني أن حساب هذه النجوم حق، وأن جميع الناس ولدوا بها. قال:

الشك في غير هذا.

قلت: وكذلك أعطيتني أن أحدا من أهل الأرض لم يقدر على أن يغيب مع هذه النجوم والشمس والقمر في المغرب حتى يعرف مجاريها ويطلع معها إلى المشرق. قال: الطلوع إلى السماء دون هذا. قلت: فلا أراك تجد بدا من أن تزعم أن المعلم لهذا من السماء.

قال: لئن قلت أن ليس لهذا الحساب معلم لقد قلت إذا غير الحق، ولئن زعمت أن أحدا من أهل الأرض علم ما في السماء وما تحت الأرض لقد أبطلت لان أهل الأرض لا يقدرون على علم ما وصفت لك من حال هذه النجوم والبروج بالمعاينة والدنو منها فلا يقدرون عليه لان علم أهل الدنيا لا يكون عندنا إلا بالحواس، وما يدرك علم هذه النجوم التي وصفت بالحواس لأنها معلقة في السماء وما زادت الحواس على النظر إليها حيث تطلع وحيث تغيب، فأما حسابها ودقائقها ونحوسها وسعودها وبطيئها وسريعها وخنوسها ورجوعها فأنى تدرك بالحواس أو يهتدى إليها بالقياس؟.

قلت: فأخبرني لو كنت متعلما مستوصفا لهذا الحساب من أهل الأرض أحب إليك أن تستوصفه وتتعلمه، أم من أهل السماء؟ قال: من أهل السماء، إذ كانت النجوم معلقة فيها حيث لا يعلمها أهل الأرض.

قلت: فافهم وأدق النظر وناصح نفسك ألست تعلم أنه حيث كان جميع أهل الدنيا إنما يولدون بهذه النجوم على ما وصفت في النحوس والسعود أنهن كن قبل الناس؟ قال:

ما أمتنع أن أقول هذا. قلت: أفليس ينبغي لك أن تعلم أن قولك: إن الناس لم يزالوا ولا يزالون قد انكسر عليك حيث كانت النجوم قبل الناس، فالناس حدث بعدها، و لئن كانت النجوم خلقت قبل الناس ما تجد بدا من أن تزعم أن الأرض خلقت قبلهم.

قال: ولم تزعم أن الأرض خلقت قبلهم؟ قلت: ألست تعلم أنها لو لم تكن الأرض جعل الله لخلقه فراشا ومهادا ما استقام الناس ولا غيرهم من الأنام، ولا قدروا أن يكونوا في الهواء إلا أن يكون لهم أجنحة؟ قال: وماذا يغني عنهم الأجنحة إذا لم تكن لهم معيشة؟

قلت: ففي شك أنت من أن الناس حدث بعد الأرض والبروج؟ قال: لا ولكن على اليقين من ذلك.

قلت: آتيك أيضا بما تبصره. قال: ذلك أنفى للشك عني. قلت: ألست تعلم أن الذي تدور عليه هذه النجوم والشمس والقمر هذا الفلك؟ قال: بلى. قلت: أفليس قد كان أساسا لهذه النجوم؟ قال: بلى. قلت: فما أرى هذه النجوم التي زعمت أنها مواليد الناس إلا وقد وضعت بعد هذا الفلك لأنه به تدور البروج وتسفل مرة وتصعد أخرى.

قال: قد جئت بأمر واضح لا يشكل على ذي عقل أن الفلك الذي تدور به النجوم هو أساسها الذي وضع لها لأنها إنما جرت به. قلت: أقررت أن خالق النجوم التي يولد بها الناس سعودهم ونحوسهم هو خالق الأرض لأنه لو لم يكن خلقها لم يكن ذرء.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.