پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد السادس

باب 1 المبعث واظهار الدعوة وما لقى صلى الله عليه وآله من

ج ۱۸، ص ۲۰۳–۲۳۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۴

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۸

وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يطوف فشتمه عقبة بن أبي معيط، وألقى عمامته في عنقه، وجره من المسجد، فأخذوه من يده، وكان (صلى الله عليه وآله) يوما جالسا على الصفا فشتمه أبو جهل، ثم شج رأسه حمزة بن عبد المطلب. [شعر] لقد عجبت لأقوام ذوي سفه * من القبيلين: من سهم ومخزوم القائلين لما جاء النبي به * هذا حديث أتانا غير ملزوم فقد أتاهم بحق غير ذي عوج * ومنزل من كتاب الله معلوم من العزيز الذي لا شئ يعدله * فيه مصاديق من حق وتعظيم فإن تكونوا له ضدا يكن لكم * ضدا بغلباء مثل الليل علكوم فآمنوا بنبي - لا أبالكم - * ذي خاتم صاغه الرحمان مختوم بيان: قال الجزري: في الحديث عليك بذات الدين تربت يداك، ترب الرجل: إذا افتقر، أي لصق بالتراب، وأترب: إذا استغنى، وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الامر به، وقال: الغلباء: الغليظة العنق، وهم يصفون السادة بغلظ الرقبة وطولها، وقال: العلكوم: القوية الصلبة.

أقول: يحتمل أن يكون الموصوف بهما الناقة أو الفرقة والجماعة.

34 - مناقب ابن شهرآشوب: ابن عباس وأنس: أوحى الله إليه يوم الاثنين: السابع والعشرين من رجب وله أربعون سنة.

ابن مسعود: إحدى وأربعون سنة.

ابن المسيب وابن عباس، ثلاث وأربعون سنة، وكان لإحدى عشرة خلون من ربيع الأول، وقيل: لعشر خلون من ربيع الأول، وقيل: بعث في شهر رمضان لقوله:

" شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن " أي ابتداء إنزاله للسابع عشر أو الثامن عشر عن ابن عباس: والرابع والعشرين.

عن أبي الخلد: قام يدعو الناس وأقام أبو طالب بنصرته، فأسلم خديجة وعلي وزيد، واسري به بعد النبوة بسنتين، وقالوا: بسنة وستة أشهر بعد رجوعه من الطائف.

الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: اكتتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة مستخفيا خائفا خمس سنين ليس يظهر، وعلي (عليه السلام) معه وخديجة، ثم أمره الله أن يصدع بما يؤمر فظهر وأظهر أمره.

35 - تفسير العياشي: عن زرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قوله: " خير الماكرين " قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد كان لقي من قومه بلاء شديدا حتى أتوه ذات يوم وهو ساجد حتى طرحوا عليه رحم شاة، فأتته ابنته وهو ساجد لم يرفع رأسه فرفعته عنه ومسحته، ثم أراه الله بعد ذلك الذي يحب، إنه كان ببدر وليس معه غير فارس واحد!

ثم كان معه يوم الفتح اثنا عشر ألفا، حتى جعل أبو سفيان والمشركون يستغيثون ثم لقي أمير المؤمنين (عليه السلام) من الشدة والبلاء والتظاهر عليه، ولم يكن معه أحد من قومه بمنزلته، أما حمزة - رضي الله عنه - فقتل يوم أحد، وأما جعفر - رضي الله عنه - فقتل يوم مؤتة.

36 - تفسير الإمام العسكري: قال علي بن محمد (عليه السلام) إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما ترك التجارة إلى الشام، وتصدق بكل ما رزقه الله تعالى من تلك التجارات كان يغد وكل يوم إلى حراء يصعده

وينظر من قلله إلى آثار رحمة الله، وإلى أنواع عجائب رحمته وبدائع حكمته، وينظر إلى أكناف السماء وأقطار الأرض والبحار والمفاوز والفيافي، فيعتبر بتلك الآثار، ويتذكر بتلك الآيات، ويعبد الله حق عبادته، فلما استكمل أربعين سنة ونظر الله عز وجل إلى قلبه فوجده أفضل القلوب وأجلها وأطوعها وأخشعها وأخضعها أذن لأبواب السماء ففتحت ومحمد ينظر إليها، وأذن للملائكة فنزلوا ومحمد ينظر إليهم، وأمر بالرحمة فأنزلت عليه من لدن ساق العرش إلى رأس محمد وغرته، ونظر إلى جبرئيل الروح الأمين المطوق بالنور طاووس الملائكة هبط إليه وأخذ بضبعه وهزه وقال: يا محمد اقرأ، قال: وما أقرء؟ قال يا محمد " اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم " ثم أوحى إليه ما أوحى إليه ربه عز وجل ثم صعد إلى العلو ونزل محمد (صلى الله عليه وآله) من الجبل وقد غشيه من تعظيم جلال الله وورد عليه من كبير شأنه ما ركبه الحمى والنافض يقول وقد اشتد عليه ما يخافه من تكذيب قريش في خبره ونسبتهم إياه إلى الجنون، وإنه يعتريه شياطين، وكان من أول أمره أعقل خلق الله، وأكرم براياه، وأبغض الأشياء إليه الشيطان وأفعال المجانين وأقوالهم، فأراد الله عز وجل أن يشرح صدره، ويشجع قلبه، فأنطق الله الجبال والصخور والمدر، وكلما وصل إلى شئ منها ناداه: السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا ولي الله، السلام عليك يا رسول الله أبشر، فإن الله عز وجل قد فضلك وجملك و

زينك وأكرمك فوق الخلائق أجمعين من الأولين والآخرين، لا يحزنك أن تقول قريش إنك مجنون، وعن الدين مفتون، فإن الفاضل من فضله رب العالمين،، والكريم من كرمه خالق الخلق أجمعين، فلا يضيقن صدرك من تكذيب قريش وعتاة العرب لك، فسوف يبلغك ربك أقصى منتهى الكرامات، ويرفعك إلى أرفع الدرجات، وسوف ينعم ويفرح أولياءك بوصيك علي بن أبي طالب ، وسوف يبث علومك في العباد والبلاد بمفتاحك وباب مدينة حكمتك: علي بن أبي طالب، وسوف يقر عينك ببنتك فاطمة، وسوف يخرج منها ومن علي الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وسوف ينشر في البلاد دينك وسوف يعظم أجور المحبين لك ولأخيك، وسوف يضع في يدك لواء الحمد فتضعه في يد أخيك علي، فيكون تحته كل نبي وصديق وشهيد، يكون قائدهم أجمعين إلى جنات النعيم، فقلت في سري: يا رب من علي بن أبي طالب الذي وعدتني به؟ - وذلك بعد ما ولد علي (عليه السلام) وهو طفل -، أهو ولد عمي. وقال بعد ذلك لما تحرك علي وليدا وهو معه: أهو هذا ففي كل مرة من ذلك أنزل عليه ميزان الجلال، فجعل محمد في كفة منه، و مثل له علي (عليه السلام) وسائر الخلق من أمته إلى يوم القيامة في كفة فوزن بهم فرجح، ثم اخرج محمد من الكفة وترك علي في كفة محمد التي كان فيها فوزن بسائر أمته فرجح بهم وعرفه رسول الله بعينه وصفته ونودي في سره: يا محمد هذا علي بن أبي طالب صفيي الذي أؤيد به هذا الدين، يرجح على جميع أمتك بعدك، فذلك حين شرح الله صدري بأداء الرسالة، وخفف عني مكافحة الأمة، وسهل علي مبارزة العتاة الجبابرة من قريش.

37 - إعلام الورى: أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة: قال أخبرنا الحافظ أبو عبد الله

عن محمد بن يعقوب، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكر، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن أبي الأشعث، عن إسماعيل بن أياس بن عفيف، عن أبيه، عن جده عفيف أنه قال: كنت امرءا تاجرا فقدمت منى أيام الحج، وكان العباس بن عبد المطلب امرءا تاجرا فأتيته أبتاع منه وأبيعه، قال فبينا نحن، إذا خرج رجل من خبأ يصلي فقام تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت تصلي، وخرج غلام يصلي معه، فقلت: يا عباس ما هذا الدين؟ إن هذا الدين ما ندري ما هو؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله وأن كنوز كسرى وقيصر يستفتح عليه وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به، قال عفيف: فليتني كنت آمنت به يومئذ فكنت أكون ثانيا تابعه.

إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق وقال في الحديث: إذ خرج من خبأ فوثب نظر إلى السماء فلما رآها قد مالت قام يصلي، ثم ذكر قيام خديجة خلفه.

وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل بإسناد ذكره عن مجاهدين حبر قال: كان مما أنعم الله على علي بن أبي طالب وأراد به الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للعباس عمه وكان من أيسر بني هاشم: يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق

حتى نخفف عنه من عياله. وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بعثه الله نبيا، فاتبعه علي وآمن به وصدقه.

38 - إعلام الورى: جدت قريش في أذى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان أشد الناس عليه عمه أبو لهب وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم جالسا في الحجر فبعثوا إلى سلى الشاة فألقوه على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاغتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك، فجاء إلى أبي طالب فقال: يا عم كيف حسبي فيكم؟ قال: وما ذاك يا ابن أخ؟ قال: إن قريشا ألقوا علي السلى، فقال لحمزة خذ السيف، وكانت قريش جالسة في المسجد، فجاء أبو طالب ومعه السيف وحمزة ومعه السيف فقال: أمر السلى على سبالهم، فمن أبى فاضرب عنقه. فما تحرك أحد حتى أمر السلى على سبالهم، ثم التفت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا ابن أخ هذا حسبك فينا.

وفي كتاب دلائل النبوة عن أبي داود، عن شعبة ، عن أبي إسحاق سمعت عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله قال: بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساجدا وحوله ناس من قريش وثم سلى بعير فقالوا: من يأخذ سلى هذا الجزور أو البعير فيفرقه على ظهره، فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهر النبي (صلى الله عليه وآله)، وجاءت فاطمة (عليها السلام) فأخذته من ظهره، ودعت على من صنع ذلك، قال عبد الله: فما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا عليهم إلا يومئذ، فقال: " اللهم عليك الملا من قريش، اللهم عليك أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف - أو أبي بن خلف - شك شعبة.

قال عبد الله: ولقد رأيتهم قتلوا يوم بدر وألقوا في القليب - أو قال: في بئر - غير أن أمية بن خلف - أو أبي بن خلف - كان رجلا بادنا فقطع قبل أن يبلغ البئر، أخرجه البخاري في الصحيح.

قال: وأخبرنا الحافظ، أخبرنا أبو بكر الفقيه، أخبرنا بشر بن موسى حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا بنان بن بشر.، وابن أبي خالد قالا: سمعنا قيسا يقول سمعنا خبابا يقول: أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو متوسد برده في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة شديدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: إن كان من كان قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه.

رواه البخاري في الصحيح عن الحميدي، وأخرجاه من وجه آخر عن إسماعيل.

قال: وحدثنا الحافظ بإسناده عن هشام، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر بعمار وأهله وهم يعذبون في الله، فقال: أبشروا آل عمار فإن موعدكم الجنة.

وأخبرنا ابن بشران العدل بإسناده عن مجاهد قال: أول شهيد كان استشهد في الاسلام أم عمار: سمية، طعنها أبو جهل بطعنة في قبلها.

وروى علي بن إبراهيم بن هاشم بإسناده قال: كان أبو جهل تعرض لرسول الله (صلى الله عليه وآله)

وآذاه بالكلام، واجتمعت بنو هاشم فأقبل حمزة وكان في الصيد، فنظر إلى اجتماع الناس فقال: ما هذا؟ فقالت له امرأة من بعض السطوح: يا با يعلى إن عمرو بن هشام تعرض لمحمد وآذاه، فغضب حمزة ومر نحو أبي جهل وأخذ قوسه فضرب بها رأسه، ثم احتمله فجلد به الأرض، واجتمع الناس وكاد يقع فيهم شر، فقالوا له: يا با يعلى صبوت إلى دين ابن أخيك قال: نعم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله - على جهة الغضب والحمية - فلما رجع إلى منزله ندم فغدا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا ابن أخ أحقا ما تقول؟ فقرأ عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) سورة من القرآن فاستبصر حمزة، وثبت على دين الاسلام، وفرح رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسر أبو طالب بإسلامه، وقال في ذلك:

[ف‍] صبرا أبا يعلى على دين أحمد * وكن مظهرا للدين وفقت صابرا وحط من أتى بالدين من عند ربه * بصدق وحق لا تكن حمز كافرا فقد سر ني إذ قلت إنك مؤمن * فكن لرسول الله في الله ناصرا وناد قريشا بالذي قد أتيته * جهارا وقل ما كان أحمد ساحرا قصص الأنبياء: كان أبو جهل تعرض لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وذكر مثله.

39 - تفسير فرات بن إبراهيم: الحسين بن سعيد معنعنا، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما نزلت علي " وأنذر عشيرتك الأقربين " ورهطك منهم المخلصين، فقال أبو جعفر (عليه السلام) هذه قراءة عبد الله.

40 - تفسير فرات بن إبراهيم: عبيد بن كثير معنعنا، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في قوله تعالى: " وأنذر عشيرتك الأقربين " قال: دعاهم - يعني النبي (صلى الله عليه وآله) - فجمعهم على فخذة شاة وقدح من لبن،

أو قال: قعب من لبن، وإن فيهم يومئذ ثلاثين رجلا يأكل كل رجل جذعة، قال:

فأكلنا حتى شبعنا، وشربنا حتى روينا.

41 - تفسير فرات بن إبراهيم: الحسن بن علي بن عفان معنعنا عن أبي رافع - رضي الله عنه - أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع ولد عبد المطلب في الشعب وهم يومئذ - ولده لصلبه وأولادهم - أربعون رجلا، فصنع لهم رجل شاة، وثرد لهم ثريدة فصب عليه ذلك المرق واللحم، ثم قدموها إليهم فأكلوا منه حتى شبعوا، ثم سقاهم عسا واحدا، فشربوا كلهم من ذلك العس حتى رووا، ثم قال أبو لهب: والله وإن منا نفر يأكل أحدهم الجفرة وما يصلحها فما يكاد يشبعه، ويشرب الفرق من النبيذ فما يرويه، وإن ابن أبي كبشة دعانا على رجل شاة وعس من شراب فشبعنا وروينا، إن هذا لهو السحر المبين، قال: ثم دعاهم فقال لهم: إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، ورهطي المخلصين، وإنكم عشيرتي الأقربون، ورهطي المخلصون، وإن الله لم يبعث نبيا إلا جعل له أخا من أهله ووارثا ووصيا ووزيرا، فأيكم يقوم فيبايعني على أنه أخي ووزيري ووارثي دون أهلي، ووصيي وخليفتي في أهلي، ويكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي فأمسك القوم، فقال: والله ليقومن قائمكم أو لتكونن في غير كم ثم لتندمن، فقام علي (عليه السلام) وهم ينظرون إليه كلهم فبايعه وأجابه إلى ما دعاه إليه، فقال: ادن مني، فدنا منه فقال: افتح فاك فمج في فيه من ريقه، وتفل بين كتفيه وبين ثدييه، فقال أبو لهب لبئس ما حبوت به ابن عمك، أجابك فملأت فاه ووجهه بزاقا، قال: فقال النبي (صلى الله عليه وآله)

بل ملأته علما وحلما وفهما.

بيان: الجفر من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر، وفصل عن أمه، وأخذ في الرعى، والأنثى جفرة، ذكره الجزري، وقال: كان المشركون ينسبون النبي (صلى الله عليه وآله ) إلى أبي كبشة وهو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان، شبهوه به، وقيل: إنه كان كان جد النبي (صلى الله عليه وآله) من قبل أمه، فأرادوا أنه نزع في الشبه إليه.

42 - الكافي: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن الحسن قال: سمعت جعفرا (عليه السلام) يقول: جاء جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد ربك يقرؤك السلام ويقول لك: دار خلقي.

43 - الكافي: أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن حمزة بن بزيع، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض.

44 - الكافي: العدة، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن علي، عن عبيد بن يحيى الثوري العطار، عن محمد بن الحسين العلوي، عن أبيه، عن جده، عن علي (عليه السلام) قال: لما أمر الله عز وجل رسوله (صلى الله عليه وآله) بإظهار الاسلام وظهر الوحي رأى قلة من المسلمين، وكثرة من المشركين. فاهتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) هما شديدا، فبعث الله عز وجل إليه جبرئيل (عليه السلام) بسدر من سدرة المنتهى فغسل به رأسه فجلا به همه.

45 - الكافي: الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: إن الناس لما كذبوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) هم الله تبارك وتعالى بهلاك أهل الأرض إلا عليا فما سواه بقوله: " فتول عنهم فما أنت بملوم " ثم بداله فرحم المؤمنين ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله): " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ".

أقول: سيأتي في باب عمل النيروز عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) إن يوم النيروز هو اليوم الذي هبط فيه جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد مضى بعض أخبار الباب في أبواب المعجزات.

46 - وروى السيد ابن طاووس في كتاب سعد السعود من كتاب تفسير محمد بن العباس بن مروان، عن حسين بن الحكم الخيبري، عن محمد بن جرير، عن زكريا بن يحيى، عن عفان بن سلمان، قال: وحدثنا محمد بن أحمد الكاتب عن جده، عن عفان، وحدثنا عبد العزيز بن يحيى، عن موسى بن زكريا، عن الواحد بن غياث، قالا: حدثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن أبي ربيعة بن ناجد إن رجلا قال لعلي (عليه السلام): يا أمير المؤمنين لم ورثت ابن عمك دون عمك؟ قالها ثلاث مرات حتى اشرأب الناس، ونشروا آذانهم، ثم قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) - أودعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) - بني عبد المطلب، كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق، قال: فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا، قال: وبقي الطعام كما هو، كأنه لم يمس ولم يشرب، فقال: يا بني عبد المطلب إني بعثت إليكم بخاصة، وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي؟ فلم يقم إليه أحد، قال:

فقمت وكنت أصغر القوم سنا، فقال: أجلس، قال: ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: اجلس حتى كانت الثالثة، ضرب يده على يدي، فقال: فلذلك ورثت ابن عمي دون عمي.

بيان: قال الجزري: فيه: فينادي يوم القيامة مناد فيشرئبون لصوته، أي يرفعون رؤوسهم لينظروا إليه، وكل رافع رأسه مشرئب.

47 - أقول: ثم روى السيد - رحمه الله - في الكتاب المسطور من الكتاب المذكور عن محمد الباهلي، عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، عن عمار بن حماد الأنصاري، عن عمرو بن شمر، عن مبارك بن فضال والعامة عن الحسن، عن رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إن قوما خاضوا في بعض أمر علي (عليه السلام) بعد الذي كان من وقعة الجمل، قال الرجل الذي سمع من الحسن الحديث: ويلكم ما تريدون من أول السابق بالايمان بالله، والاقرار بما جاء من عند الله؟ لقد كنت عاشر عشرة من ولد عبد المطلب إذ أتانا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: أجيبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى غد في منزل أبي طالب، فتغامزنا، فلما ولى قلنا: أترى محمدا أن يشبعنا اليوم؟ وما منا يومئذ من العشرة رجلا إلا وهو يأكل الجذعة السمينة، ويشرب الفرق من اللبن، فغدوا عليه في منزل أبي طالب وإذا نحن برسول الله (صلى الله عليه وآله) فحييناه بتحية الجاهلية، وحيانا هو بتحية الاسلام، فأول ما أنكرنا منه ذلك، ثم أمر بجفنة من خبز ولحم فقدمت إلينا، ووضع يده اليمنى على ذروتها وقال: بسم الله كلوا على اسم الله، فتغيرنا لذلك ثم تمسكنا لحاجتنا إلى الطعام، وذلك أننا جوعنا أنفسنا للميعاد بالأمس فأكلنا حتى انتهينا والجفنة كما هي مدفقة، ثم دفع إلينا عسا من لبن، فكان علي يخدمنا فشربنا كلنا حتى روينا والعس على حاله، حتى إذا فرغنا قال: يا بني عبد المطلب إني نذير لكم من الله جل وعز إني أتيتكم بما لم يأت به أحد من العرب، فإن تطيعوني ترشدوا وتفلحوا وتنجحوا، إن هذه مائدة أمرني الله بها فصنعتها لكم كما صنع عيسى بن مريم (عليه السلام) لقومه، فمن كفر بعد ذلك منكم فإن الله يعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، واتقوا الله و اسمعوا ما أقول لكم، واعلموا يا بني عبد المطلب إن الله لم يبعث رسولا إلا جعل له أخا

ووزيرا ووصيا ووارثا من أهله، وقد جعل لي وزيرا كما جعل للأنبياء قبلي، وإن الله قد أرسلني إلى الناس كافة، وأنزل علي " وأنذر عشيرتك الأقربين " ورهطك المخلصين، وقد والله أنبأني به وسماه لي، ولكن أمرني أن أدعوكم وأنصح لكم، وأعرض عليكم لئلا يكون لكم الحجة فيما بعد، وأنتم عشيرتي وخالص رهطي، فأيكم يسبق إليها، على أن يؤاخيني في الله ويوازرني في الله جل وعز، ومع ذلك يكون لي يدا على جميع من خالفني فأتخذه وصيا ووليا ووزيرا، يؤدي عني، ويبلغ رسالتي، ويقضي ديني من بعدي وعداتي، مع أشياء اشترطها، فسكتوا فأعادها ثلاث مرات كلها ليسكتون ويثب فيها علي، فلما سمعها أبو لهب، قال: تبا لك يا محمد ولما جئتنا به، ألهذا دعوتنا؟ وهم أن يقوم موليا، فقال: أما والله لتقومن أو يكون في غيركم، وقال: يحرصهم لئلا يكون لاحد منهم فيما بعد حجة، قال: فوثب علي (عليه السلام) فقال: يا رسول الله أنالها، فقال رسول الله: يا أبا الحسن أنت لها، قضي القضاء، وجف القلم، يا علي اصطفاك الله بأولها وجعلك ولي آخرها.

بيان: قوله: تمسكنا لعل المعنى أمسكنا عن الكلام متكلفين، قوله: مدفقة، أي ممتلئة ينصب الطعام من أطرافها.

48 - نهج البلاغة: إلى أن بعث الله سبحانه محمدا لانجاز عدته، وتمام نبوته، مأخوذا على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته، كريما ميلاده، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة وأهواء منتشرة، وطرائق متشتتة، بين مشبه لله بخلقه، أو ملحد في اسمه، أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة، ثم اختار سبحانه لمحمد

لقاءه، ورضي له ما عنده، وأكرمه عن دار الدنيا، ورغب به عن مقاربة البلوى، فقبضه إليه كريما (صلى الله عليه وآله).

بيان: الضمير في عدته راجع إلى الله، وفي نبوته إلى الرسول، ويحتمل إرجاعهما إلى الرسول بأن يكون الإضافة في عدته إضافة إلى المفعول، كما يحتمل إرجاعهما إلى الله بأن يكون المراد بقوله: نبوته النبوة التي سنها وقدرها لاصلاح الخلق، والسمة:

العلامة، والميلاد: وقت الولادة، والطرائق: المذاهب، والتشتت: التفرق والانتشار، قوله: ملحد في اسمه، أي يطلق عليه وينسب إليه مالا يليق به. أو يطلق اسمه على غيره.

قوله: أو مشير إلى غيره كالدهرية وعبدة الأصنام، وفي قوله: ملل وما بعده تقدير مضاف أي ذووا ملل، أو الحمل على المبالغة، أو يقدر المضاف في المبتدء وبعضها مؤكدة لبعض، و يمكن الفرق بوجه.

49 - نهج البلاغة: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالدين المشهور، والعلم المأثور والكتاب المسطور، والنور الساطع، والضياء اللامع، والامر الصادع إزاحة للشبهات ، واحتجاجا بالبينات، وتحذيرا بالآيات، وتخويفا للمثلات، والناس في فتن انجذم فيها حبل الدين، وتزعزعت سواري اليقين، واختلف النجر، وتشتت الامر، وضاق المخرج، وعمي المصدر، فالهدى خامل، والعمى شامل، عصي الرحمن، ونصر الشيطان، وخذل الايمان، فانهارت دعائمه، وتنكرت معالمه، ودرست سبله، وعفت شركه، أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه، ووردوا مناهله، بهم سارت أعلامه وقام لواؤه، في فتن

داستهم بأخفافها، ووطئتهم بأظلافها، وقامت على سنابكها، فهم فيها تائهون حائرون، جاهلون مفتونون، في خير دار، وشر جيران، نومهم سهود، وكحلهم دموع، بأرض عالمها ملجم، وجاهلها مكرم.

توضيح: قوله: والعلم المأثور، العلم إما بالكسر أو بفتحتين أي ما يهتدى به و المأثور: المقدم على غيره، والمنقول، ولا يخفى مناسبتهما، والصادع: الظاهر الجلي و المثلات جمع مثلة بفتح الميم وضم الثاء: العقوبة، قوله: انجذم أي انقطع، وفي بعض النسخ بالزاي بمعناه، والزعزعة: الاضطراب، والسواري جمع السارية وهي الدعامة، و النجر: الأصل والطبع، فانهارت أي انهدمت وتنكرت: أي تغيرت والشرك بضمتين جمع شركة بفتحتين وهي معظم الطريق أو وسطها قوله: في فتن داستهم متعلق بقوله: سارت وقام، أو خبر ثان لقوله: والناس، والسنابك: أطراف مقدم الحافر، قوله: في خير دار، إما خبر ثالث، أو متعلق بقوله: تائهون وما بعده، والمراد بخير الدار مكة وبشر الجيران كفار قريش، والعالم الملجم من آمن به، والجاهل المكرم من كذبه، وفيه احتمالات أخر لا يناسب المقام، وقوله (عليه السلام): نومهم سهود، وكحلهم دموع، كناية عن كثرة الفتن فيهم بحيث كانوا لا ينامون اهتماما بأنفسهم، وإعدادا لقتال عدوهم، ويبكون على قتلاهم وما ذهب منهم من الأموال وغيرها.

50 - نهج البلاغة: أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم، واعتزام من الفتن، وانتشار من الأمور، وتلظ من الحروب، والدنيا كاسفة النور، ظاهرة الغرور على حين اصفرار من ورقها، وإياس من ثمرها، واغورار من مائها، قد درست أعلام الهدى، وظهرت أعلام الردى، فهي متجهمة لأهلها، عابسة في وجه طالبها، ثمرها

الفتنة، وطعامها الجيفة، وشعارها الخوف، ودثارها السيف.

بيان: الفترة: انقطاع الوحي بين الرسل ، والهجعة: النوم، والاعتزام: العزم، كأن الفتنة مصممة للهرج والفساد، وفي بعض النسخ بالراء المهملة أي كثرة وشدة، وفي الكافي: واعتراض، من قولهم: اعترض الفرس: إذا مشى على غير الطريق، والتلظي:

التلهب، والاغورار: ذهاب الماء: من غار الماء: إذا ذهب، ومنه قوله تعالى: " إن أصبح ماؤكم غورا " والدروس: الامحاء والتهجم: العبوس، والمراد بالجيفة ما كانوا يكتسبونه بالمكاسب المحرمة في الجاهلية أو ما كانوا يأكلون من الحيوانات التي أزهقت روحها بغير التذكية وفي تشبيه الخوف بالشعار والسيف بالدثار وجوه من اللطف والبلاغة.

51 - نهج البلاغة: بعثه والناس ضلال في حيرة، وحاطبون في فتنة قد استهوتهم الأهواء، واستزلتهم الكبرياء، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء حيارى في زلزال من الامر وبلاء من الجهل، فبالغ (صلى الله عليه وآله) في النصيحة، ومضى على الطريقة، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة.

بيان: الحاطب: هو الذي يجمع الحطب، ويقال: حاطب دليل لمن يجمع بين الصواب والخطاء، ويتكلم بالغث والسمين.

أقول: ويحتمل أن يكون (عليه السلام) استعار الحطب لما يكتسبونه من الاعمال، لأنها كانت مما يحرقهم في النار، وفي بعض النسخ خابطون، أي كانت حركاتهم على غير نظام.

قوله (عليه السلام): استهوتهم الأهواء، أي دعتهم وجذبتهم إلى أنفسها، أو إلى مهاوي الهلاك،

ويقال: استخفه. أي وجده خفيفا وخف عليه تحريكه، والزلزال بالفتح اسم، وبالكسر مصدر.

52 - نهج البلاغة: أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) وليس أحد من العرب يقرأ كتابا، ولا يدعي نبوة ولا وحيا، فقاتل بمن أطاعه من عصاه، يسوقهم إلى منجاتهم، و يبادر الساعة أن تنزل بهم، يحسر الحسير، ويقف الكسير، فيقيم عليه حتى يلحقه غايته، إلا هالكا لا خير فيه حتى أراهم منجاتهم، وبوأهم محلتهم، فاستدارت رحاهم، و استقامت قناتهم.

ايضاح: قوله: وليس أحد من العرب يقرأ كتابا، أي في زمانه (صلى الله عليه وآله) وما قاربه، فلا ينافي بعثة هود وصالح وشعيب (عليهم السلام) في العرب، وأما خالد بن سنان فلو ثبت بعثته فلم يكن يقرأ كتابا ويدعي شريعة، وإنما نبوته كانت مشابهة لنبوة جماعة من أنبياء بني إسرائيل لم يكن لهم كتب ولا شرائع، مع أنه يمكن أن يكون المراد الزمان الذي بعده.

قوله (عليه السلام): ويبادر الساعة أن تنزل بهم، أي يسارع إلى هدايتهم وتسليكهم لسبيل الله كيلا تنزل بهم الساعة على عمى منهم عن صراط الله، قوله (عليه السلام): يحسر الحسير، الحسير الذي أعيى في طريقه، والغرض وصفه (صلى الله عليه وآله) بالشفقة على الخلق في حال أسفارهم معه في الغزوات ونحوها، أي أنه كان يسير في آخرهم، ويفتقد المنقطع منهم عن عياء أو انكسار مركوب فلا يزال يلطف به حتى يبلغه أصحابه، إلا مالا يمكن إيصاله ولا يرجى، أو المراد من وقف قدم عقله في السلوك إلى الله أو انكسر لضلاله كان (صلى الله عليه وآله) هو المقيم له على المحجة البيضاء ويهديه حتى يوصله إلى الغاية المطلوبة الا من لا يرجى فيه الخير كأبي جهل وأبي لهب وأضرابهما، ومنجاتهم: نجاتهم، أو محل نجاتهم، ومحلتهم: منزلهم، واستدارة رحاهم كناية عن اجتماعهم واتساق أمورهم.

53 - نهج البلاغة: أرسله داعيا إلى الحق، وشاهدا على الخلق، فبلغ رسالات ربه غير

وان ولا مقصر، وجاهد في الله أعداءه غير واهن ولا معذر، إمام من اتقى، وبصر من اهتدى.

بيان: الواني: الفاتر الكال، والواهن: الضعيف، والمعذر: المعتذر من غير عذر.

54 - نهج البلاغة: أرسله على حين فترة من الرسل، وتنازع من الألسن، فقفي به الرسل، وختم به الوحي، فجاهد في الله المدبرين عنه، والعادلين به.

بيان: العادلون به: الجاعلون له عديلا ومثله.

55 - نهج البلاغة: فبعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالحق ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته ومن طاعة الشيطان إلى طاعته، بقرآن قد بينه وأحكمه، ليعلم العباد ربهم إذا جهلوه، وليقروا به إذ جحدوه، وليثبتوه بعد إذ أنكروه، فتجلى سبحانه لهم في كتابه من غير أن يكونوا رأوه، بما أراهم من قدرته، وخوفهم من سطوته، وكيف محق من محق بالمثلات واحتصد من احتصد بالنقمات.

بيان أحكمه أي أتقنه ومنعه من الفساد لفظا ومعنى، وليقروا به ، أي باللسان وليثبتوه أي بالقلب، فتجلى سبحانه لهم، أي ظهر وانكشف بما نبههم عليه فيه من آيات القدرة والقصص، وقيل المراد بالكتاب عالم الايجاد لاشتماله على آثار الصنع ومحق الشئ: أبطله ومحاه، والاحتصاد: قطع الزرع وهنا كناية عن استئصالهم.

56 - نهج البلاغة: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ونجيبه وصفوته، لا يوازى فضله، ولا يجبر فقده أضاءت به البلاد بعد الضلالة المظلمة، والجهالة الغالبة، والجفوة الجافية، والناس

يستحلون الحريم، ويستذلون الحكيم، يحيون على فترة، ويموتون على كفرة.

بيان: لا يوازى: أي لا يساوي فضله ولا يبلغه أحد، والجبر: إصلاح العظم من كسر والغالبة: في بعض النسخ بالياء المثناة أي المجاوزة عن الحد. والحفوة: غلظ الطبع وقساوة القلب والوصف للمبالغة كشعر شاعر، والمراد بالفترة هنا انقطاع الوحي أو ترك الاجتهاد في الطاعات.

57 - نهج البلاغة: أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم، وانتقاض من المبرم، فجاءهم بتصديق الذي بين يديه، والنور المقتدى به.

بيان: المبرم من الحبل: المفتول، وانتقاضه كناية عن تعطيل قواعد الشرع، و تزلزل أساس الدين.

58 - نهج البلاغة - بعثه بالنور المضئ، والبرهان الجلي، والمنهاج البادي والكتاب الهادي، أسرته خير أسرة، وشجرته خير شجرة، أغصانها معتدلة، وثمارها متهدلة، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، علا بها ذكره، وامتد بها صوته، أرسله بحجة كافية. وموعظة شافية، ودعوة متلافية، أظهر به الشرائع المجهولة، وقمح به البدع المدخولة وبين به الاحكام المفصولة.

بيان: لعل المراد بالنور المضئ نور النبوة، وبالبرهان الجلي المعجزات الباهرة وبالمنهاج البادي شريعته الواضحة، وأسرته: أهل بيته (صلى الله عليه وآله)، وشجرته: أصله وقبيلته، و اعتدال أغصانه كناية عن تقارب أهل بيته في الفضل والكمال، أو عدم الاختلاف بينهم،

قوله (عليه السلام): متهدلة، أي متدلية، كناية عن سهولة اجتناء العلم منها وظهورها وكثرتها وقوله (عليه السلام): ودعوة متلافية، لتلافيها ما فسد من قلوبهم، ونظام أمورهم في الجاهلية، قوله (عليه السلام): المفصولة، أي ببيانه (صلى الله عليه وآله)، أو فصلها الله سبحانه وأوضحها له (صلى الله عليه وآله).

59 - نهج البلاغة: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصفي، وأمينه الرضي (صلى الله عليه وآله) أرسله بوجوب الحجج، وظهور الفلج، وإيضاح المنهج، فبلغ الرسالة صادعا بها، وحمل على المحجة دالا عليها، وأقام أعلام الاهتداء ومنار الضياء، وجعل أمراس الاسلام متينة، وعرى الايمان وثيقه.

بيان: قوله: بوجوب الحجج، أي تمامها ونفوذها ولزومها، والفلج بالتحريك:

النصرة والغلبة، والمرسة بالتحريك: الحبل، وجمع جمعه أمراس، والمتانة: الشدة.

60 - نهج البلاغة: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، دعا إلى طاعته، وقاهر أعداءه جهادا عن دينه: لا يثنيه عن ذلك اجتماع على تكذيبه، والتماس لاطفاء نوره.

بيان: لا يثنيه، أي لا يصرفه ولا يعطفه.

61 - نهج البلاغة: ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صلى الله عليه وآله)، فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته إنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلا أنك لست بنبي، ولكنك وزير، وإنك لعلى خير.

بيان: قال ابن أبي الحديد: وأما رنة الشيطان فروى أحمد بن حنبل في مسنده عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال كنت مع رسول الله صبيحة الليلة التي أسري به فيها و هو بالحجر يصلي، فلما قضى صلاته وقضيت صلاتي سمعت رنة شديدة، فقلت: يا رسول

الله ما هذه الرنة؟ قال: ألا تعلم؟ هذه رنة الشيطان، علم أنه أسري بي الليلة إلى السماء فأيس من أن يعبد في هذه الأرض.

وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) ما يشابه هذا لما بايعه الأنصار السبعون ليلة العقبة، سمع من العقبة صوت عال في جوف الليل: يا أهل مكة هذا مذمم والصباة معه قد أجمعوا على حربكم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للأنصار: ألا تسمعون ما يقول هذا أزب الكعبة يعني شيطانها - وقد روي أزيب العقبة - ثم التفت إليه فقال: أتسمع يا عدو الله؟ أما والله لأفرغن لك انتهي.

أقول : وهاتان الرنتان غير ما ورد في الخبر، وهي إحدى الرنتين اللتين مضتا في الخبرين.

62 - نهج البلاغة: ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، خاض إلى رضوان الله كل غمرة، و تجرع فيه كل غصة، وقد تلون له الأدنون، وتألب عليه الاقصون، وخلعت إليه العرب أعنتها، وضربت إلى محاربته بطون رواحلها، حتى أنزلت بساحته عداوتها من أبعد الدار وأسحق المزار.

بيان: الغمرة: الزحمة من الماء والناس، والشدة، وخوضها: اقتحامها، قوله (عليه السلام) وقد تلون أي تغير أقاربه ألوانا وتألب: أي تجمع عليه الأبعدون نسبا، قوله (عليه السلام) وخلعت هذا مثل سائر أي أوجفوا إليه مسرعين لمحاربته، لان الخيل إذا خلعت أعنتها كان أسرع لجريها، والسحق: البعد.

63 - نهج البلاغة: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله وأعلام الهدى دارسة، ومناهج الدين طامسة، فصدع بالحق ونصح للخلق، وهدى إلى الرشد، وأمر بالقصد (صلى الله عليه وآله).

64 - نهج البلاغة: بعثه حين لا علم قائم، ولا منار ساطع، ولا منهج واضح.

بيان: الساطع: المرتفع.

65 - نهج البلاغة: ثم إن الله سبحانه بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالحق حين دنا من الدنيا الانقطاع وأقبل من الآخرة الاطلاع، وأظلمت بهجتها بعد إشراق، وقامت بأهلها على ساق، وخشن منها مهاد، وأزف منها قياد، في انقطاع من مدتها، واقتراب من أشراطها، وتصرم من أهلها، وانفصام من حلقتها، وانتشار من سببها، وعفاء من أعلامها، وتكشف من عوراتها، وقصر من طولها، جعله الله سبحانه بلاغا لرسالته، وكرامة لامته، وربيعا لأهل زمانه ورفعة لأعوانه، وشرفا لأنصاره.

بيان: على ساق، أي على شدة، والمهاد: الفراش، قوله (عليه السلام): وأزف منها قياد أي قرب منها انقياد للانقطاع والزوال، وأشراط الساعة: علاماتها، والتصرم: الانقضاء والانفصام، الانقطاع، وكنى بالحلقة عن نظامها واجتماع أهلها بالنواميس والشرائع والسبب: كل شئ يتوصل به إلى غيره، وانتشاره كناية عن فساد أسباب ذلك النظام والعفاء: الدروس والهلاك، ويمكن أن يكون المراد بالأعلام العلماء والصلحاء قوله من طولها، أي من امتدادها، وقرئ الطول بكسر الطاء وفتح الواو بمعنى الحبل.

66 - نهج البلاغة: أرسله بالضياء، وقدمه في الاصطفاء، فرتق به المفاتق، وساور به المغالب وذلل به الصعوبة، وسهل به الحزونة، حتى سرح الضلال عن يمين وشمال.

بيان: قوله (عليه السلام): في الاصطفاء أي على غيره من الأنبياء والأوصياء، والمفاتق جمع مفتق، أي أصلح به المفاسد والأمور المنتشرة، والمساورة: المواثبة أي كسر به (صلى الله عليه وآله) سورة من أراد الطغيان، والحزن: المكان الغليظ الخشن، والحزونة: الخشونة، قوله (عليه السلام) حتى سرح الضلال، أي طرده وأسرع به ذهابا عن يمين وشمال، من قولهم: ناقة سرح ومنسرحة، أي سريعة.

67 - نهج البلاغة: فصدع بما امر به، وبلغ رسالة ربه، فلم الله به الصدع، ورتق به

الفتق، وألف به بين ذوي الأرحام، بعد العداوة الواغرة في الصدور، والضغائن القادحة في القلوب.

بيان: لم الله شعثه، أي أصلح وجمع ما تفرق من أموره، والصدع: الشق وكذا الفتق، والرتق: ضده، والوغرة: شدة توقد الحر، ومنه قيل: في صدره علي وغر، بالتسكين، أي ضغن وعداوة، وتوقد من الغيظ، والضغينة: الحقد، أي الحقد الذي يقدح النار في القلوب ويوقدها فيها.

68 - نهج البلاغة: إن الله سبحانه بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) نذيرا للعالمين، وأمينا على التنزيل وأنتم معشر العرب على شر دين، وفي شر دار، منيخون بين حجارة خشن وحيات صم، تشربون الكدر، وتأكلون الجشب: وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة.

بيان: قوله (عليه السلام): شر دار أي باعتبار شمول الكفر والضلالة، أو باعتبار أن أكثرها البوادي، ولقلة المعمورة وقلة الماء فلا ينافي كونها خير دار للصالحين لشرافة المكان ويحتمل أن يكون المراد الدار المجازية أي دار الجاهلية، والإناخة: الإقامة بالمكان والحية الصماء: التي لا تنزجر بالصوت، كأنها لا تسمع وربما يراد بها الصلبة الشديدة وقيل: يجوز أن يعني بالحجارة والحيات المجاز: يقال للأعداء حياة وإنه لحجر خشن المس: إذا كان ألد الخصام، والجشب: الطعام الغليظ الخشن والذي لا إدام معه.

قوله (عليه السلام): معصوبة أي مشدودة.

69 - نهج البلاغة: إن الله سبحانه بعث محمدا وليس أحد من العرب يقرأ كتابا ولا يدعي نبوة فساق الناس حتى بوأهم محلتهم، وبلغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم، واطمأنت صفاتهم.

بيان: قوله (عليه السلام): حتى بوأهم محلتهم، أي أسكنهم منزلتهم التي خلقوا لأجلها من الاسلام والايمان والعلم وسائر الكمالات بحسب استعداداتهم، والمنجاة: محل النجاة والقناة: الرمح واستقامتها كناية عن القوة والغلبة والدولة، والصفاة: الحجر الأملس المنبسط، استعيرت لحالهم التي كانوا عليها من النهب والغارة والخوف والتزلزل، فكانوا كالواقف على حجر أملس متزلزل، فاطمأنت أحوالهم، وسكنوا في مواطنهم بسبب مقدمه (صلى الله عليه وآله).

70 - نهج البلاغة: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ابتعثه والناس يضربون في غمرة، و يموجون في حيرة، قد قادتهم أزمة الحين، واستغلقت على أفئدتهم أقفال الرين.

بيان: الضرب: السير السريع، والضارب: السابح، والغمرة: الماء الكثير، والحين: الهلاك، واستغلقت، أي تعسر فتحها، والرين: الطبع والتغطية.

71 - أقول: قال الكازروني في المنتقى فيما رواه بإسناده: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت به مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتعبد فيه، حتى فجأه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك وساق الحديث إلى أن قال:

كان ورقة بن نوفل ابن عم خديجة: امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب العبراني بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: يا ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال ورقة: هذا الناموس الأكبر الذي أنزل الله تعالى على موسى (عليه السلام) يا ليتني فيها جذعا أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله (عليه السلام): أو مخرجي هم قال: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة، ثم أتاه الوحي الناموس جبرئيل (عليه السلام) وصاحب سر الملك.

قوله: جذعا، أي شابا قويا كالجذع من الدواب حتى أبالغ في نصرك قوله :

مؤزرا، أي بالغا في القوة، لم ينشب بفتح الشين، أي لم يمكث ولم يحدث شيئا ولم يشتغل به.

وفي رواية أخرى أن خديجة أتت ورقة وقالت: أخبرني عن جبرئيل ما هو؟ قال:

قدوس قدوس ما ذكر جبرئيل في بلدة لا يعبدون فيها الله، قالت: إن محمد بن عبد الله أخبرني أنه أتاه، قال: فإن كان جبرئيل هبط إلى هذه الأرض لقد أنزل الله إليها خيرا عظيما، هو الناموس الأكبر الذي أتى موسى وعيسى عليهما السلام بالرسالة والوحي، قالت: فأخبرني هل تجد فيما قرأت من التوراة والإنجيل أن الله يبعث نبيا في هذا الزمان يكون يتيما فيؤويه الله، وفقيرا فيغنيه الله تكفله امرأة من قريش أكثرهم حسبا، وذكرت كلاما آخر فقال لها: نعته مثل نعتك يا خديجة؟ قالت: فهل تجد غيرها؟ قال: نعم، إنه يمشي على الماء كما مشى عيسى بن مريم وتكلمه الموتى كما كلمت عيسى بن مريم (عليه السلام)، وتسلم عليه الحجارة وتشهد له الأشجار، وأخبرها بنحو قول بحيرا، ثم انصرفت عنه وأتت عداسا الراهب وكان شيخا قد وقع حاجباه على عينيه من الكبر فقالت: يا عداس أخبرني عن جبرئيل (عليه السلام) ما هو؟ فقال: قدوس قدوس وخر ساجدا، وقال: ما ذكر جبرئيل في بلدة لا يذكر الله فيها ولا يعبد، قالت: أخبرني عنه قال: لا والله لا أخبرك حتى تخبرني من أين عرفت اسم جبرئيل؟ قالت: لي عليك عهد الله وميثاقه بالكتمان؟ قال: نعم، قالت:

أخبرني به محمد بن عبد الله أنه أتاه، قال عداس: ذلك الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى عليهم السلام بالوحي والرسالة، والله لئن كان نزل جبرئيل على هذه الأرض لقد نزل إليها خير عظيم، ولكن يا خديجة إن الشيطان ربما عرض للعبد فأراه أمورا، فخذي كتابي هذا فانطلقي به إلى صاحبك فإن كان مجنونا فإنه سيذهب عنه، وإن كان من أمر الله فلن يضره، ثم انطلقت بالكتاب معها، فلما دخلت منزلها إذا هي برسول الله (صلى الله عليه وآله) مع جبرئيل (عليه السلام) قاعد يقرؤه هذه الآيات: " ن * والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن كل لأجرا غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم * فستبصر ويبصرون * بأيكم المفتون " أي الضال، أو المجنون، فلما سمعت خديجة قراءته اهتزت فرحا، ثم رآه (صلى الله عليه وآله) عداس فقال: اكشف لي عن ظهرك، فكشف فإذا خاتم النبوة يلوح بين كتفيه، فلما نظر عداس إليه خر ساجدا يقول: قدوس قدوس، أنت والله النبي الذي بشر بك موسى وعيسى عليهما السلام أما والله يا خديجة ليظهرن له أمر عظيم، ونبأ كبير، فوالله يا محمد إن عشت حتى تؤمر بالدعاء لأضربن بين يديك بالسيف هل أمرت بشئ بعد؟ قال: لا، قال: ستؤمر ثم تؤمر ثم تكذب ثم يخرجك قومك والله ينصرك وملائكته.

قال ابن إسحاق: كان أول من اتبع رسول الله (صلى الله عليه وآله) خديجة، وكان أول ذكر آمن به علي (عليه السلام) هو يومئذ ابن عشر سنين، ثم زيد بن حارثة، قيل: ثم أسلم بلال، وقيل ثم أبو بكر، ثم الزبير وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمان بن عوف.

وقال ابن الأثير في الكامل: قال الواقدي: وأسلم أبو ذر قالوا: رابعا أو خامسا، وأسلم عمرو بن عيينة السلمي رابعا أو خامسا، وقيل: إن الزبير كان رابعا أو خامسا، و أسلم خالد بن سعيد بن العاص خامسا.

وقال في المنتقى: ومما كان في مبعثه (صلى الله عليه وآله) رمي الشياطين بالشهب بعد عشرين يوما من البعث، روي عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) دحر الجن ورموا بالكواكب، وكانوا قبل يستمعون، لكل قبيل من الجن مقعد يستمعون فيه، فأول من فزع لذلك أهل الطائف، فجعلوا يذبحون لآلهتهم من كان له أبل أو غنم كل يوم حتى كادت أموالهم يذهب، ثم تناهوا وقال بعضهم لبعض: ألا ترون معالم السماء كما هي لم يذهب منها شئ، وقال إبليس: هذا أمر حدث في الأرض، ائتوني من كل أرض بتربة، فكان يؤتى بالتربة فيشمها ويلقيها حتى اتي بتربة تهامة فشمها وقال: هنا الحدث.

ومما كان في مبعثه (صلى الله عليه وآله) ما روي أنه لما بعث الله نبيه أصبح كسرى ذات غداة وقد انفصم طاق ملكه من وسطها، فلما رأى ذلك أحزنه، وقال " شاه بشكست " يقول: الملك انكسر، ثم دعا كهانه وسحرته ومنجميه وقال: انظروا في ذلك الامر، فنظروا ثم قالوا: ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق تخصب عنه الأرض كأفضل ما أخصبت من ملك كان قبله.

وروي عن الحسن البصري أن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالوا: يا رسول الله ما حجة الله على كسرى فيك؟ قال: بعث الله عز وجل ملكا فأخرج يده من سور جدار بيته الذي هو فيه تلألأ نورا، فلما رآها فزع، فقال: لم تفزع يا كسرى؟ إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا فاتبعه تسلم دنياك وآخرتك، قال: سأنظر.

وعن أبي سلمة قال: بعث الله عز وجل ملكا إلى كسرى وهو في بيت من بيوت

إيوانه الذي لا يدخل عليه فيه أحد، فلم يرعه الا به قائما على رأسه في يده عصا بالهاجرة في ساعته التي كان يقيل فيها، فقال: يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا، فقال: بهل بهل بالفارسية، ومعناها خل خل وأمهل ولا تكسر، فانصرف عنه، ثم دعا حراسه و حجابه فتغيظ عليهم وقال: من أدخل الرجل علي؟ قالوا: ما دخل عليك أحد ولا رأيناه حتى إذا كان العام القابل أتاه في الساعة التي أتاه فيها فقال له كما قال له، ثم قال:

أتسلم أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بهل بهل، فخرج عنه فدعا كسرى حجابه وبوابه فتغيظ عليهم وقال لهم كما قال أول مرة، فقالوا: ما رأينا أحدا دخل عليك، حتى إذا كان في العام الثالث أتاه في الساعة التي جاء فيها وقال له كما قال، ثم قال: أتسلم أو أكسر هذه العصا؟ فقال: بهل بهل، قال: فكسر العصا، ثم خرج، فهلك كسرى عند ذلك.

ويروى عن أبي سلمة أنه قال: ذكر لي أن الملك إنما دخل عليه بقارورتين في يده ثم قال: أسلم، فلم يفعل فضرب إحداهما على الأخرى فرضضهما ثم خرج، وكان من هلاكه ما كان.

ويروى أن خالد بن وبدة كان رئيسا في المجوس وأسلم، قال: كان كسرى إذا ركب ركب أمامه رجلان فيقولان له ساعة فساعة: أنت عبد ولست برب، فيشير برأسه، أي نعم، قال: فركب يوما فقالا له: ذلك، فلم يشر برأسه، فشكوا إلى صاحب شرطه فركب صاحب شرطه ليعاتبه، وكان كسرى قد نام، فلما وقع صوت حوافر الدواب في سمعه استيقظ فدخل عليه صاحب شرطه فقال: أيقظتموني ولم تدعوني أنام إني رأيت أنه رمي بي فوق سبع سماوات، فوقفت بين يدي الله تعالى، فإذا رجل بين يديه عليه إزار ورداء فقال لي: سلم مفاتيح خزائن أرضي إلى هذا، فأيقظتموني، قال: وصاحب الإزار والرداء يعني به النبي (صلى الله عليه وآله).

72 - تفسير العياشي: عن عمار بن ميثم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قرأ رجل عند

أمير المؤمنين (عليه السلام) " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " فقال:

بلى، والله لقد كذبوه أشد التكذيب، ولكنها مخففة " لا يكذبونك ": لا يأتون بباطل يكذبونك به حقك.

الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن محمد بن أبي حمزة، عن يعقوب بن شعيب، عن عمران بن ميثم عنه (عليه السلام) مثله.

73 - تفسير العياشي: عن الحسين بن المنذر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: " فإنهم لا يكذبونك " قال: لا يستطيعون إبطال قولك.

74 - الاختصاص: قرن إسرافيل برسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاث سنين يسمع الصوت ولا يرى شيئا، ثم قرن به جبرئيل (عليه السلام) عشرين سنة، وذلك حيث أوحى إليه فأقام بمكة عشر سنين، ثم هاجر إلى المدينة فأقام بها عشر سنين، وقبض (صلى الله عليه وآله) وهو ابن ثلاث وستين سنة.

75 - الطرف للسيد بن طاووس: نقلا من كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد، عن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألت عن بدء الاسلام كيف أسلم علي؟ وكيف أسلمت خديجة؟ فقال: تأبى إلا أن تطلب أصول العلم ومبتدأه، أما والله إنك لتسأل تفقها، ثم قال: سألت أبي (عليه السلام) عن ذلك فقال لي: لما دعاهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي ويا خديجة أسلمتما لله وسلمتما له، وقال: إن جبرئيل عندي يدعو كما إلى بيعة الاسلام فأسلما تسلما، وأطيعا تهديا، فقالا: فعلنا وأطعنا يا رسول الله فقال: إن جبرئيل عندي يقول لكما: إن للاسلام شروطا وعهودا ومواثيق، فابتدءاه بما شرط الله عليكما لنفسه و

لرسوله أن تقولا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه، لم يتخذ ولدا ولم يتخذ صاحبة، إلها واحدا مخلصا، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله إلى الناس كافة بين يدي الساعة، ونشهد أن الله يحيي ويميت ويرفع ويضع ويغني ويفقر ويفعل ما يشاء ويبعث من في القبور، قالا: شهدنا، قال: وإسباغ الوضوء على المكاره، وغسل الوجه واليدين والذراعين ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين، وغسل الجنابة في الحر والبرد، وإقام الصلاة، و أخذ الزكاة من حلها، ووضعها في أهلها، وحج البيت، وصوم شهر رمضان، والجهاد في سبيل الله، وبر الوالدين، وصلة الرحم والعدل في الرعية والقسم بالسوية والوقوف عند الشبهة ورفعها إلى الامام، فإنه لا شبهة عنده، وطاعة ولي الأمر بعدي، ومعرفته في حياتي وبعد موتي، والأئمة من بعده واحد بعد واحد، وموالاة أولياء الله ومعاداة أعداء الله والبراءة من الشيطان الرجيم وحزبه وأشياعه، والبراءة من الأحزاب: تيم وعدي و أمية وأشياعهم وأتباعهم والحياة على ديني وسنتي ودين وصيي، وسنته إلى يوم القيامة والموت على مثل ذلك، وترك شرب الخمر وملاحاة الناس، يا خديجة فهمت ما شرط ربك عليك؟ قالت: نعم وآمنت وصدقت ورضيت وسلمت، قال علي: وأنا على ذلك، فقال:

يا علي تبايعني على ما شرطت عليك؟ قال: نعم، قال: فبسط رسول الله (صلى الله عليه وآله) كفه ووضع كف علي (عليه السلام) في كفه وقال: بايعني يا علي على ما شرطت عليك وأن تمنعني مما تمنع منه نفسك فبكى علي (عليه السلام) وقال: بأبي وأمي لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.