بحارالانوار · المجلد السادس
باب 1 المبعث واظهار الدعوة وما لقى صلى الله عليه وآله من
ج ۱۸، ص ۱۴۷–۱۷۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۴
وقال تعالى: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم و يعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون 151.
وقال تعالى: واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم 231.
وقال تعالى: تلك الآيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين 252.
آل عمران " 3 ": واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون 103.
وقال تعالى: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين 164.
النساء " 4 ": ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك و أرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا * من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا 79 و 80.
وقال تعالى: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين - إلى قوله -: لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا 163 - 166.
المائدة " 5 " يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين 67.
وقال تعالى: ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون 99.
الانعام " 6 " قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين 14. إلى آخر الآيات.
وقال تعالى: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون 33.
وقال تعالى: قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين 90.
وقال تعالى: اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين * ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل * ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون 106 - 108.
إلى قوله تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون 112 و 113.
إلى قوله تعالى: أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون * وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون 122 و 123.
الأعراف " 7 ": قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون 158.
وقال: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين 199.
الأنفال " 8 "، وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم * وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون * وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون * وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء و تصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون 32 - 35.
التوبة " 9 ": هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون 33.
يونس " 10 ": وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون 46.
يوسف " 12 ": نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن و إن كنت من قبله لمن الغافلين 3.
وقال تعالى: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين 108.
الرعد " 13 ": إنما أنت منذر ولكل قوم هاد 7.
وقال تعالى: وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ و علينا الحساب 40.
الحجر " 15 ": لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين * وقل إني أنا النذير المبين، كما أنزلنا على المقتسمين * الذين جعلوا القرآن عضين * فوربك لنسئلنهم أجمعين، عما كانوا يعملون * فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر
فسوف يعلمون * ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين * واعبد ربك حتى يأتيك اليقين 88 - 99.
النحل " 16 ": وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون 64.
وقال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين 89.
وقال تعالى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين 125.
الاسرى " 17 ": نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا 47 و 48.
الكهف " 18 ": واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا 27.
مريم " 19 ": أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا * أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا * ونرثه ما يقول ويأتينا فردا 77 - 80.
وقال تعالى: فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا 97.
طه " 20 ": كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا * من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيمة وزرا 99 و 100.
الأنبياء " 21 ": وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا * أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون 36.
الحج " 22 ": ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير 3 و 4.
وقال تعالى: قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين 49.
وقال تعالى: لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الامر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم 67.
الفرقان " 25 ": وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا * قال ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا * وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكف به بذنوب عباده خبيرا 56 - 58. الشعراء " 26 ": لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين 3 و 4.
وقال تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين 214.
فاطر " 35 ": إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور * إن أنت إلا نذير * إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا 22 - 24.
يس " 36 " لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين 70.
المؤمن " 40 ": فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون 77.
حمعسق " 42 ": فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير 15.
وقال تعالى: ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور 52 و 53.
الزخرف " 43 ": فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون * أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون * فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون 41 - 44.
الفتح " 48 ": إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله و تعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا 8 و 9.
الذاريات " 51 ": فتول عنهم فما أنت بملوم * وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين 54 و 55.
الطور " 52 ": فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون 29.
النجم " 53 ": فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا - إلى قوله تعالى - هذا نذير من النذر الأولى 29 - 56.
القمر " 54 ": فتول عنهم 6.
القلم " 68 ": فلا تطع المكذبين * ودوا لو تدهن فيدهنون * ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد أثيم * عتل بعد ذلك زنيم. إلى آخر الآيات 8 - 52.
المعارج " 70 ": سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع * من الله ذي المعارج 1 - 3.
وقال تعالى: فما للذين كفروا قبلك مهطعين * عن اليمين وعن الشمال عزين * أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم. إلى آخر السورة 36 - 44.
المزمل " 72 ": إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا * فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا 15 و 16.
المدثر " 74 " يا أيها المدثر * قم فأنذر - إلى قوله: - ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * وبنين شهودا * ومهدت له تمهيدا * ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه كان لآياتنا عنيدا * سأرهقه صعودا * إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول البشر * سأصليه سقر 1 - 26 إلى قوله تعالى: - فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة * بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة 49 - 52.
القيمة " 75 ": فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى * ثم ذهب إلى أهله يتمطى * أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى 31 - 35.
النبأ " 87 ": عم يتسائلون * عن النبأ العظيم * الذي هم فيه مختلفون 1 - 3.
عبس " 80 ": قتل الانسان ما أكفره * من أي شئ خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره * ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره * كلا لما يقض ما أمره 17 - 23.
التكوير " 81 ": إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالأفق المبين * وما هو على الغيب بضنين * وما هو بقول شيطان رجيم * فأين تذهبون * إن هو إلا ذكر للعالمين * لمن شاء منكم أن يستقيم 19 - 28.
المطففين " 83 ": إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * و إذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * وما أرسلوا عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون 29 - 36.
الاعلى " 87 ": سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى * ونيسرك لليسرى، فذكر إن نفعت الذكرى، سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيى 6 - 13.
الغاشية " 88 ": فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر * إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر * إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم 21 - 26.
البلد " 90 ": لا اقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد * ووالد وما ولد * لقد خلقنا الانسان في كبد * أيحسب أن لن يقدر عليه أحد * يقول أهلكت مالا لبدا * أيحسب أن لم يره أحد * ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين 1 - 10.
العلق " 96 ": اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم إلى آخر السورة 1 - 19.
البينة " 98 " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى
تأتيهم البينة * رسول من الله يتلو صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة * ما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءتهم البينة 1 - 4.
القريش " 106 ": لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. السورة 1 - 4.
الماعون " 107 " أرأيت الذي يكذب بالدين. 1 - 7 الجحد " 109 ": قل يا أيها الكافرون. السورة 1 - 6.
تبت " 111 ": تبت يدا أبي لهب. السورة 1 - 5.
الفلق " 113 ": قل أعوذ برب الفلق. إلى آخر السورة 1 - 5.
تفسير: قال البيضاوي: " من خير " فسر الخير بالوحي وبالعلم والنصرة، ولعل المراد به ما يعم ذلك.
" ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون " أي بالفكر والنظر، إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي.
" واذكروا نعمت الله عليكم " التي من جملتها الهداية وبعثة محمد (صلى الله عليه وآله) بالشكر و القيام بحقوقها " وما انزل عليكم من الكتاب والحكمة " القرآن والسنة " يعظكم به " بما أنزل عليكم.
" إذ كنتم أعداء " أي في الجاهلية متقاتلين " فألف بين قلوبكم " بالاسلام " فأصبحتم بنعمته إخوانا " متحابين مجتمعين على الاخوة في الله، وقيل كان الأوس والخزرج أخوين لأبوين فوقع بين أولادهما العداوة، وتطاولت الحروب مأة وعشرين سنة حتى أطفأها الله بالاسلام، وألف بينهم رسول الله (صلى الله عليه وآله).
" وكنتم على شفا حفرة من النار " مشرفين على الوقوع في نار جهنم لكفر كم، إذ لو أدرككم الموت في تلك الحالة لوقعتم في النار " فأنقذكم منها " بالاسلام، وشفا البئر:
طرفها وجانبها.
قال الطبرسي رحمه الله: قال مقاتل: افتخر رجلان من الأوس والخزرج: ثعلبة بن غنم بن الأوس، وأسعد بن زرارة من الخزرج، فقال الأوسي: منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنا حنظلة غسيل الملائكة، ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حمى الديار، ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن له، ورضي الله بحكمه في بني قريظة، وقال الخزرجي: منا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم، فجرى الحديث بينهما تعصبا و تفاخرا، وناديا فجاء الأوس إلى الأوسي، والخزرج إلى الخزرجي، ومعهم السلاح فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فركب حمارا وأتاهم فأنزل الله هذه الآيات، فقرأها عليهم فاصطلحوا.
قوله تعالى: " من أنفسهم " قال البيضاوي: من نسبهم، أو من جنسهم عربيا مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة، ويكونوا واقفين على حاله في الصدق والأمانة مفتخرين به، و قرئ " من أنفسهم " أي من أشرفهم، لأنه (صلى الله عليه وآله) كان من أشرف القبائل " ويزكيهم " يطهرهم من دنس الطبائع وسوء العقائد والاعمال " وإن كانوا " إن هي المخففة.
" ما أصابك من حسنة " من نعمة " فمن الله " أي تفضلا منه " وما أصابك من سيئة " من بلية " فمن نفسك " لأنها السبب فيها لاجتلابها بالمعاصي.
قال الطبرسي: قيل: خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) والمراد به الأمة، وقيل: خطاب للانسان، أي ما أصابك أيها الانسان.
قوله، " حفيظا " أي تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها، إنما عليك البلاغ و
علينا الحساب.
" إنا أوحينا إليك كما أوحينا ": قال البيضاوي: جواب لأهل الكتاب عن اقتراحهم أن ينزل عليهم كتابا من السماء واحتجاج عليهم بأن أمره في الوحي كسائر الأنبياء " لكن الله يشهد " استدراك عن مفهوم ما قبله، وكأنه لما تعنتوا عليه بسؤال كتاب ينزل عليهم من السماء، واحتج عليهم بقوله: " إنا أوحينا إليك " قال: إنهم لا يشهدون ولكن الله يشهد، أو إنهم أنكروه ولكن الله يثبته ويقرره " بما أنزل إليك " من القرآن المعجز الدال على نبوتك، روي أنه لما نزلت " إنا أوحينا إليك " قالوا: ما نشهد لك، فنزلت، " أنزله بعلمه " أنزله متلبسا بعلمه الخاص به، وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ، أو بحال من يستعد النبوة ويستأهل نزول الكتاب عليه، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم " والملائكة يشهدون " أيضا بنبوتك " وكفى بالله شهيدا " أي وكفى بما أقام من الحجج على صحة نبوتك عن الاستشهاد بغيره.
قوله تعالى: " بلغ ما انزل إليك من ربك " أقول: سيأتي أنها نزلت في ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام).
" والله يعلم ما تبدون وما تكتمون " أي من تصديق أو تكذيب أو الأعم.
قوله تعالى: " قل أغير الله " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: إن أهل مكة قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا محمد تركت ملة قومك وقد علمنا أنه لا يحملك على ذلك إلا الفقر، فإنا نجمع لك من أموالنا حتى تكون من أغنانا، فنزلت.
قوله تعالى: " قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون " قال الطبرسي رحمه الله، أي ما يقولون: إنك شاعر أو مجنون، وأشباه ذلك " فإنهم لا يكذبونك " قرأ نافع والكسائي والأعشى عن أبي بكر " لا يكذبونك " بالتخفيف، وهو قراءة علي (عليه السلام) والمروي عن الصادق (عليه السلام)، والباقون بفتح الكاف والتشديد، واختلف في معناه على وجوه:
أحدها: لا يكذبونك بقلوبهم اعتقادا، وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب عنادا
وهو قول أكثر المفسرين، ويؤيده ما روي عن سلام بن مسكين، عن أبي يزيد المدني أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقي أبا جهل فصافحه أبو جهل، فقيل له في ذلك فقال: والله إني لاعلم أنه صادق، ولكن متى كنا تبعا لعبد مناف؟! فأنزل الله هذه الآية.
وثانيها: أن المعنى لا يكذبونك بحجة ولا يتمكنون من إبطال ما جئت به ببرهان، ويؤيده ما روي عن علي (عليه السلام) أنه كان يقرأ لا يكذبونك ويقول: إن المراد بها أنهم لا يؤتون بحق هو أحق من حقك.
وثالثها: أن المراد لا يصادفونك كاذبا.
ورابعها: أن المراد لا ينسبونك إلى الكذب فيما أتيت به، لأنك كنت عندهم أمينا صدوقا، وإنما يدفعون ما أتيت به ويقصدون التكذيب بآيات الله.
وخامسها: أن المراد أن تكذيبك راجع إلي، ولست مختصا به لأنك رسول، فمن رد عليك فقد رد علي.
قوله تعالى: " قل لا أسألكم عليه " أي على التبليغ، وقيل: القرآن " أجرا " أي جعلا من قبلكم " إن هو " أي التبليغ، وقيل: القرآن، أو الغرض " إلا ذكرى للعالمين " تذكير وعظة لهم.
قوله تعالى: " ولا تسبوا " قال الطبرسي رحمه الله: قال ابن عباس: لما نزلت " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " الآية، قال المشركون: يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا، أو لنهجون ربك؟ فنزلت الآية، وقال قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فنهاهم الله عن ذلك لئلا يسبوا الله، فإنهم قوم جهلة، وسئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قول النبي (صلى الله عليه وآله): " إن الشرك أخفى من دبيب النمل على صفوانة سوداء في ليلة ظلماء " فقال:
كان المؤمنون يسبون ما يعبد المشركون من دون الله، وكان المشركون يسبون ما يعبد المؤمنون، فنهى الله المؤمنين عن سب آلهتهم لكيلا يسبوا - الكفار - إله المؤمنين، فيكون
المؤمنون قد أشركوا من حيث لا يعلمون.
وفي قوله: " أو من كان ميتا " قيل: إنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل وذلك أن أبا جهل آذى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأخبر بذلك حمزة وهو على دين قومه، فغضب و جاء ومعه قوس فضرب بها رأس أبي جهل وآمن، عن ابن عباس، وقيل: نزلت في عمار بن ياسر حين آمن وأبي جهل، عن عكرمة، وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام)، وقيل: إنها عامة في كل مؤمن وكافر.
قوله تعالى: " إني رسول الله إليكم " قال البيضاوي: الخطاب عام، وكان رسول الله مبعوثا إلى كافة الثقلين وسائر الرسل إلى أقوامهم " جميعا " حال من إليكم " الذي له ملك السماوات والأرض " صفة لله، أو مدح منصوب، أو مرفوع، أو مبتدأ خبره " لا إله إلا هو " و على الوجوه الأول بيان لما قبله " يحيي ويميت " مزيد تقرير لاختصاصه بالألوهية.
قوله تعالى: " وإذ قالوا اللهم " قال الطبرسي رحمه الله: القائل لذلك النضر بن الحارث وروي في الصحيحين أنه من قول أبي جهل، " وما كان الله ليعذبهم " أي أهل مكة بعذاب الاستيصال " وأنت فيهم " أي وأنت مقيم بن أظهرهم، قال ابن عباس إن الله لم يعذب قومه حتى أخرجوه منها " وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون " أي وفيهم بقية المؤمنين بعد خروجك من مكة، وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما خرج من مكة بقيت فيها بقية من المؤمنين لم يهاجروا لعذر وكانوا على عزم الهجرة، فرفع الله العذاب عن مشركي مكة لحرمة استغفارهم، فلما خرجوا أذن الله في فتح مكة، وقيل: معناه وما يعذبهم الله بعذاب الاستيصال في الدنيا وهم يقولون: غفرانك ربنا، وإنما يعذبهم على شركهم في الآخرة، وفي تفسير علي بن إبراهيم لما قال النبي (صلى الله عليه وآله) لقريش: إني أقتل جميع ملوك الدنيا، وأجر الملك إليكم فأجيبوني إلى ما أدعوكم إليه تملكون بها العرب، ويدين لكم العجم، فقال أبو جهل: " اللهم إن كان هذا هو الحق، الآية حسدا لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال: غفرانك اللهم ربنا، فأنزل الله " وما كان الله ليعذبهم " الآية، ولما هموا بقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) و
أخرجوه من مكة أنزل الله سبحانه " وما لهم أن لا يعذبهم الله " الآية، فهذبهم الله بالسيف يوم بدر وقتلوا، وقيل: معناه لو استغفروا لم يعذبهم، وفي ذلك استدعاء للاستغفار، وقال مجاهد: وفي أصلابهم من يستغفر " وما كانوا " أي المشركون " أولياءه " أي أولياء المسجد الحرام " إن أولياءه " أي ما أولياء المسجد الحرام " إلا المتقون " هذا هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) " وما كان صلاتهم " أي صلاة هؤلاء المشركين الصادين عن المسجد الحرام " إلا مكاء وتصدية ".
قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون: وصلاتهم معناه دعاؤهم، أي يقيمون المكاء والتصدية مكان الدعاء والتسبيح، وقيل: أراد ليست لهم صلاة ولا عبادة، وإنما يحصل منهم ما هو ضرب من اللهو واللعب، فالمسلمون الذين يطيعون الله ويعبدونه عند هذا البيت أحق بمنع المشركين منه.
وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا صلى في المسجد الحرام قام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه فيصفران، ورجلان عن يساره فيصفقان بأيديهما، فيخلطان عليه صلاته، فقتلهم الله جميعا ببدر، ولهم يقول ولبقية بني عبد الدار: " فذوقوا العذاب " أي عذاب السيف يوم بدر، أو عذاب الآخرة.
" بعض الذي نعدهم " أي من العقوبة في الدنيا ومنها وقعة بدر " أو نتوفينك " أي نميتنك قبل أن ينزل ذلك بهم، قيل: إن الله سبحانه وعد نبيه (صلى الله عليه وآله) أن ينتقم له منهم إما في حياته أو بعد وفاته، ولم يحده بوقت.
قوله تعالى: " وإن كنت من قبله " أي قبل الوحي أو القرآن " لمن الغافلين " عن الحكم والقصص التي في القرآن.
" قل هذه سبيلي " أي طريقتي وسنتي " أدعو إلى الله " أي إلى توحيده وعدله ودينه " على بصيرة " على يقين ومعرفة وحجة، لا على وجه التقليد والظن " أنا ومن اتبعني " أي أدعوكم أنا، ويدعوكم أيضا من آمن بي واتبعني، وسيأتي أن المراد به أمير المؤمنين (عليه السلام) " وسبحان الله " أي سبح الله تسبيحا، أو قل: سبحان الله، وقيل:
اعتراض بين الكلامين.
قوله: " ولكل قوم هاد " أي أنت لكل قوم، أو المعنى جعل الله لكل قوم هاديا وستأتي الاخبار في ذلك في كتاب الإمامة.
قوله تعالى: " وإما نرينك بعض الذي نعدهم " قال الطبرسي: أي نعد هؤلاء الكفار من نصر المؤمنين عليهم، وتمكينك منهم بالقتل والأسر واغتنام الأموال " أو نتوفينك " أي نقبضنك إلينا قبل أن نريك ذلك، وبين بذلك أن بعض ذلك في حياته، وبعضه بعد وفاته " فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب " أي عليك أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم، وتقوم بما أمرناك بالقيام به، وعلينا حسابهم ومجازاتهم والانتقام منهم إما عاجلا وإما آجلا، وفي هذا دلالة على أن الاسلام سيظهر على سائر الأديان في أيامه و بعد وفاته، وقد وقع المخبر به على وفق الخبر.
" ولا تحزن عليهم " أي على كفار قريش أن لم تؤمنوا ونزل بهم العذاب " واخفض جناحك " أي تواضع " للمؤمنين " وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إلى نفسه بسط جناحه ثم خفضه " فاصدع بما تؤمر " أي أظهر وأعلن وصرح بما أمرت به غير خائف " وأعرض عن المشركين " أي لا تخاصمهم إلى أن تؤمر بقتالهم، أولا تلتفت إليهم ولا تخف منهم " وكن من الساجدين " أي المصلين " حتى يأتيك اليقين " أي الموت المتيقن.
" بالحكمة " أي القرآن، وقيل: هي المعرفة بمراتب الافعال في الحسن والقبح و الصلاح والفساد " والموعظة الحسنة " هي الصرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه، والتزهيد في فعله " وجادلهم بالتي هي أحسن " أي ناظرهم بالقرآن وبأحسن ما عندك من الحجج، وقيل: هو أن يجادلهم على قدر ما يحتملونه، كما جاء في الحديث " أمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم ".
قوله تعالى: " نحن أعلم بما يستمعون به " قد مر تفسيره في كتاب الاحتجاج.
قوله: " لا مبدل لكلماته " أي لآياته وكتبه أو مواعيده وتقديراته أو أنبيائه وحججه
صلوات الله عليهم. قوله: " ملتحدا " أي ملجأ ومعدلا ومحيصا.
قوله تعالى: " أفرأيت الذي كفر بآياتنا " قال الطبرسي رحمه الله روي في الصحيح عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا غنيا وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لن أكفر به حتى نموت و نبعث، فقال: فإني لمبعوث بعد الموت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد، فنزلت.
قوله تعالى: " لدا " اللد جمع الألد وهو الشديد الخصومة " من لدنا ذكرا " أي كتابا مشتملا على الأقاصيص والاخبار، حقيقا بالتفكر والاعتبار، وقيل: ذكرا جميلا بين الناس " من أعرض عنه " عن الذكر أو عن الله " فإنه يحمل يوم القيامة وزرا " عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وذنوبه.
قوله تعالى: " ومن الناس من يجادل " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: المراد به النضر ابن الحارث فإنه كان كثير الجدال، وكان يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وينكر البعث.
قوله تعالى: " لكل أمة " أي أهل دين " جعلنا منسكا " متعبدا أو شريعة تعبدوا بها " هم ناسكوه " ينسكونه " فلا ينازعنك " سائر أرباب الملل " في الامر " في أمر الدين أو النسائك لأنهم أهل عناد، أو لان دينك أظهر من أن يقبل النزاع. وقيل: المراد نهي الرسول عن الالتفات إلى قولهم وتمكينهم من المناظرة، فإنها إنما تنفع طالب حق، وهؤلاء أهل مراء وقيل: نزلت في كفار خزاعة قالوا للمسلمين: مالكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله؟ " إلا من شاء " أي إلا فعل من شاء " أن يتخذ إلى ربه سبيلا " أن يتوب إليه ويطلب الزلفى عنده بالايمان والطاعة، فصور ذلك بصورة الاجر من حيث إنه مقصود فعله، وقيل: الاستثناء منقطع " باخع نفسك " أي قاتل نفسك " أن لا يكونوا مؤمنين "
لئلا يؤمنوا، أو خيفة أن لا يؤمنوا " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية " أي دلالة ملجئة إلى الايمان، أو بلية قاسرة إليه.
" وأنذر عشيرتك الأقربين " قال الطبرسي رحمه الله: أي رهطك الأدنين، واشتهرت القصة بذلك عند الخاص والعام، وفي الخبر المأثور عن البراء بن عازب أنه قال: لما نزلت هذه الآية جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا الرجل منهم يأكل المسنة ويشرب العس فأمر عليا (عليه السلام) برجل شاة فأدمها ثم قال: ادنوا بسم الله، فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتى صدروا، ثم دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال: هلموا اشربوا بسم الله، فشربوا حتى رووا، فبدرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل، فسكت (صلى الله عليه وآله) يومئذ ولم يتكلم، ثم دعاهم من الغد إلى مثل ذلك من الطعام والشراب، ثم أنذرهم رسول الله فقال: يا بني عبد المطلب إني أنا النذير إليكم من الله عز وجل والبشير فأسلموا وأطيعوني تهتدوا، ثم قال: من يؤاخيني و يوازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي ويقضي ديني؟ فسكت القوم فأعادها ثلاثا كل ذلك يسكت القوم ويقول علي: أنا، فقال في المرة الثالثة: أنت، فقام القوم و هم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك، فقد امر عليك، أورده الثعلبي في تفسيره، وروى عن أبي رافع هذه القصة وأنه جمعهم في الشعب فصنع لهم رجل شاة فأكلوا حتى تضلعوا، وسقاهم عسا فشربوا كلهم حتى رووا، ثم قال: إن الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين وأنتم عشيرتي ورهطي، وإن الله لم يبعث نبيا إلا وجعل له من أهله أخا ووزيرا ووارثا ووصيا وخليفة في أهله، فأيكم يقوم فيبايعني على أنه أخي ووارثي ووزيري ووصيي و يكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ فسكت القوم فقال: ليقومن
قائمكم أو ليكونن من غيركم ثم لتندمن، ثم أعاد الكلام ثلاث مرات، فقام علي (عليه السلام) فبايعه فأجابه، ثم قال: ادن مني، فدنا منه ففتح فاه ومج في فيه من ريقه وتفل بين كتفيه وثدييه، فقال أبو لهب: بئس ما حبوت به ابن عمك أن أجابك فملأت فاه ووجهه بزاقا، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ملأته حكما وعلما.
وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الصفا فقال:
يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: مالك؟ فقال: أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم ما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، قال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا جميعا؟! فأنزل الله تعالى: " تبت يدا أبي لهب " إلى آخر السورة. وفي قراءة ابن مسعود: " وأنذر عشيرتك الأقربين * ورهطك منهم المخلصين " وروي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام).
قوله تعالى: " إن الله يسمع من يشاء " بهدايته فيوفقه لفهم آياته والاتعاظ بعظاته " وما أنت بمسمع من في القبور " ترشيح لتمثيل المصرين على الكفر بالأموات، ومبالغة في إقناطه عنهم " إن أنت إلا نذير " فما عليك إلا الانذار، وأما الاسماع فلا إليك.
قوله: " لينذر " أي القرآن أو الرسول (صلى الله عليه وآله) " من كان حيا " أي عاقلا فهما، فإن الغافل كالميت، أو مؤمنا في علم الله، فإن الحياة الأبدية بالايمان، وتخصيص الانذار به، لأنه المنتفع به " ويحق القول " أي تجب كلمة العذاب على الكافرين المصرين على الكفر " فاصبر إن وعد الله " بهلاك الكفار " حق " كائن لا محالة " فإما نرينك " " ما " مزيدة لتأكيد الشرط " بعض الذي نعدهم " وهو القتل والأسر " أو نتوفينك " قبل أن تراه " فإلينا يرجعون " يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم.
قوله تعالى: " لا حجة " أي لا حجاج ولا خصومة.
قوله تعالى: " فاستمسك بالذي أوحي إليك " أي من القرآن بأن تتلوه حق تلاوته
وتتبع أوامره، وتنتهي عما نهي فيه عنه " إنك على صراط مستقيم " أي على دين حق " وإنه لذكر لك ولقومك " أي وإن القرآن الذي أوحي إليك لشرف لك ولقومك من قريش " وسوف تسألون " عن شكر ما جعله الله لكم من الشرف، أو عما يلزمكم من القيام بحق القرآن.
أقول: سيأتي في الاخبار أن المراد بالقوم الأئمة (عليهم السلام) وهم يسألون عن علم القرآن.
قوله تعالى: " فتول عنهم " أي فأعرض عن مجادلتهم بعد ما كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الاصرار والعناد " فما أنت بملوم " على الاعراض بعد ما بذلت جهدك في البلاغ " وذكر " ولا تدع التذكير والموعظة " فإن الذكرى تنفع المؤمنين " من قدر الله إيمانه، أو من آمن فإنه يزداد بصيرة.
" فذكر " فاثبت على التذكير ولا تكترث بقولهم " فما أنت بنعمة ربك " بحمد الله و إنعامه " بكاهن ولا مجنون " كما يقولون.
" فأعرض عمن تولى " أي عن دعوته والاهتمام بشأنه، فإن من كانت الدنيا منتهى همته ومبلغ علمه لا تزيده الدعوة إلا عنادا.
" هذا نذير من النذر الأولى " أي هذا القرآن نذير من جنس الانذارات المتقدمة أو هذا الرسول نذير من جنس المنذرين الأولين.
" فتول عنهم " لعلمك أن الانذار لا يغني فيهم.
قوله تعالى: " ودوا لو تدهن فيدهنون " أي تلين لهم في دينك فيلينون في دينهم " كل حلاف " أي كثير الحلف بالباطل لقلة مبالاته بالكذب " مهين " من المهانة وهي القلة في الرأي والتميز، وقيل: ذليل عند الله وعند الناس، قيل: يعنى الوليد بن المغيرة، عرض على النبي (صلى الله عليه وآله) المال ليرجع عن دينه، وقيل: الأخنس بن شريق، وقيل: الأسود ابن عبد يغوث هماز، أي عياب " مشاء بنميم " أي يفسد بين الناس بالنميمة " مناع للخير " أي بخيل بالمال أو عن الاسلام " معتد " متجاوز في الظلم " أثيم " كثير الاثم " عتل بعد ذلك " أي جاف غليظ بعد ما عد من مثالبه " زنيم " أي دعي ملصق إلى قوم ليس
منهم " أن كان ذا مال وبنين " أي قال ذلك حينئذ لان كان متمولا مستظهرا بالبنين من فرط غروره، أو علة ل " لا تطع " أي لا تطع من هذه مثالبه لان كان ذا مال " سنسمه " بالكي " على الخرطوم " أي على الانف، وقد أصاب أنف الوليد جراحة يوم بدر فبقي أثره، وقيل هو عبارة عن غاية الاذلال، أو نسود وجهه يوم القيامة.
قوله تعالى: " سأل سائل " قال البيضاوي: أي دعا داع به، بمعنى استدعاه، ولذلك عدي الفعل بالباء، والسائل نضر بن الحارث فإنه قال: " إن كان هذا هو الحق من عندك " أو أبو جهل فإنه قال: " فأسقط علينا كسفا من السماء " سأله استهزاء، أو الرسول استعجل بعذابهم.
أقول: ستأتي أخبار كثيرة في أنها نزلت في النعمان بن الحارث الفهري حين أنكر ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء " فرماه الله بحجر على رأسه فقتله.
قوله: " مهطعين " أي مسرعين " عزين " أي فرقا شتى، قيل: كان المشركون يحلقون حول رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلقا حلقا ويستهزؤون بكلامه " أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم " بلا إيمان، وهو إنكار لقولهم: لو صح ما يقوله لنكونن فيها أفضل حظا منهم كما في الدنيا.
" إنا أرسلنا إليكم رسولا " يا أهل مكة " شاهدا عليكم " يشهد عليكم يوم القيامة بالإجابة والامتناع. " وبيلا " أي ثقيلا.
قوله تعالى: " يا أيها المدثر " قال الطبرسي رحمه الله أي المتدثر بثيابه، قال الأوزاعي: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: سألت أبا سلمة أي القرآن انزل من قبل قال: " يا أيها المدثر " فقلت: أو " اقرأ باسم ربك "؟ فقال: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن انزل قبل؟ قال: " يا أيها المدثر " فقلت: أو " اقرأ "؟ قال جابر: أحدثكم ما
حدثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحدا، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء، يعني جبرئيل (عليه السلام)، فقلت: دثروني دثروني فصبوا علي ماء، فأنزل الله عز وجل: " يا أيها المدثر " وفي رواية: فخشيت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني، فنزل: " يا أيها المدثر * قم فأنذر " أي ليس بك ما تخافه من الشيطان، إنما أنت نبي فأنذر الناس وادعهم إلى التوحيد.
وفي هذا ما فيه لان الله تعالى لا يوحي إلى رسوله إلا بالبراهين النيرة، والآيات البينة الدالة على أن ما يوحي إليه إنما هو من الله تعالى، فلا يحتاج إلى شئ سواها ولا يفزع ولا يفزع ولا يفرق، وقيل: معناه يا أيها الطالب صرف الأذى بالدثار اطلبه بالانذار، وخوف قومك بالنار إن لم يؤمنوا، وقيل: إنه كان قد تدثر بشملة صغيرة لينام فقال: يا أيها النائم قم من نومك فأنذر قومك، وقيل: إن المراد به الجد في الامر والقيام بما ارسل به، فكأنه قيل له: لا تنم عما أمرتك به، وهذا كما تقول العرب: فلان لا ينام في أمره، إذا وصف بالجد وصدق العزيمة.
وقال في قوله تعالى: " ذرني ومن خلقت وحيدا ": نزلت الآيات في الوليد بن المغيرة المخزومي، وذلك أن قريشا اجتمعت في دار الندوة فقال لهم الوليد: إنكم ذووا أحساب وذووا أحلام، وإن العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم على أمر مختلف، فأجمعوا أمركم على شئ واحد، ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: نقول: إنه شاعر، فعبس عندها وقال: قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر، فقالوا: نقول: إنه كاهن، قال:
إذا يأتونه فلا يجدونه يحدث بما يحدث به الكهنة، قالوا: نقول: إنه مجنون، قال:
إذا يأتونه فلا يجدونه مجنونا، قالوا: نقول: إنه ساحر، قال: وما الساحر؟ فقالوا:
بشر يحببون بين المتباغضين، ويبغضون بين المتحابين، قال: فهو ساحر، فخرجوا فكان
لا يلقى أحد منهم النبي (صلى الله عليه وآله) إلا قال: يا ساحر يا ساحر، واشتد عليه ذلك، فأنزل الله تعالى: " يا أيها المدثر " إلى قوله: " إلا قول البشر " عن مجاهد، ويروى أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما انزل عليه " حم تنزيل الكتاب " قام إلى المسجد والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته فلما فطن النبي (صلى الله عليه وآله) لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الانس ولا من كلام الجن، وإنه له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمعذق، وإنه ليعلو وما يعلى، ثم انصرف إلى منزله فقال قريش: صبأ والله الوليد، والله ليصبأن قريش كلهم، وكان يقال للوليد: ريحانة قريش، فقال لهم أبو جهل:
أنا أكفيكموه، فانطلق فقعد إلى جنب الوليد حزينا، فقال له: مالي أراك حزينا يا ابن أخي؟ قال: هذه قريش يعيبونك على كبر سنك ويزعمون أنك زينت كلام محمد، فقام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال: تزعمون أن محمدا مجنون ؟ فهل رأيتموه يخنق قط؟
قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن؟ فهل رأيتم عليه شيئا من ذلك؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر؟ فهل رأيتموه أنه ينطق بشعر قط؟ قالوا: اللهم لا، قال:
تزعمون أنه كذاب؟ فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟ قالوا: اللهم لا، وكان يسمى الصادق الأمين قبل النبوة من صدقه، قالت قريش للوليد: فما هو؟ فتفكر في نفسه ثم نظر وعبس فقال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، فهو ساحر، وما يقوله سحر يؤثر.
أقول: قد مر تفسير الآيات في كتاب الاحتجاج.
ثم قال رحمه الله في قوله: " عليها تسعة عشر ": قالوا لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أما تسمعون ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار
تسعة عشر، وأنتم الدهم والشجعان أفيعجز كل عشرة منكم أن تبطشوا برجل من خزنة جهنم؟ فقال أبو الأسد الجمحي: أنا أكفيكم سبعة عشر عشرة على ظهري، وسبعة على بطني، فاكفوني أنتم اثنين، فنزل تمام الآيات.
وقال رحمه الله في قوله: كأنهم حمر مستنفرة " أي وحشية نافرة " فرت من قسورة " يعنى الأسد عن عطاء والكلبي، قال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت منه، كذلك هؤلاء الكفار إذا سمعوا النبي (صلى الله عليه وآله) يقرأ القرآن هربوا منه، وقيل: القسورة الرماة ورجال القنص. " بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة " أي كتبا من السماء تنزل إليهم بأسمائهم أن آمنوا بمحمد، وقيل: معناه أنهم يريدون صحفا من الله تعالى بالبراءة من العقوبة وإسباغ النعمة حتى يؤمنوا، وقيل: يريد كل واحد منهم أن يكون رسولا يوحى إليه متبوعا، وأنف من أن يكون تابعا.
وقال في قوله تعالى: " ثم ذهب إلى أهله يتمطى " أي رجع إليهم يتبختر ويختال في مشيه، قيل: إن المراد بذلك أبو جهل بن هشام " أولى لك فأولى " هذا تهديد من الله له، والمعنى وليك المكروه يا أبا جهل وقرب منك، وجاءت الرواية أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذ بيد أبي جهل ثم قال له: " أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى " فقال أبو جهل: بأي شئ تهددني؟ لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا، وإني لأعز أهل هذا الوادي، فأنزل الله سبحانه كما قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقيل: معناه: الذم أولى لك من تركه.
إلا أنه حذف، وكثر في الكلام حتى صار بمنزلة الويل لك، وصار من المحذوف الذي لا يجوز إظهاره، وقيل: هو وعيد على وعيد، وقيل: معناه وليك الشر في الدنيا وليك، ثم وليك الشر في الآخرة وليك، والتكرار للتأكيد، وقيل: بعدا لك من خيرات
الدنيا، وبعدا لك من خيرات الآخرة، وقيل: أولى لك ما تشاهده يا أبا جهل يوم بدر فأولى لك في القبر، ثم أولى لك يوم القيامة - ولذلك أدخل " ثم " - فأولى لك في النار.
وقال في قوله تعالى: " عم يتساءلون ": أصله " عما " قالوا: لما بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخبرهم بتوحيد الله وبالبعث بعد الموت وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم، أي يسأل بعضهم بعضا على طريق الانكار والتعجب فيقولون: ماذا جاء به محمد؟ وما الذي أتى به؟ فأنزل الله " عم يتساءلون " أي عن أي شئ يتساءلون، والمعنى تفخيم القصة، ثم ذكر أن تساءلهم عماذا فقال: " عن النبأ العظيم " وهو القرآن، وقيل: هو نبأ القيامة، وقيل:
كل ما اختلفوا فيه من أصول الدين.
أقول: سيأتي أنه ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) في أخبار كثيرة.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " قتل الانسان " أي عذب ولعن، وهو إشارة إلى كل كافر، وقيل: هو أمية بن خلف، وقيل: عتبة بن أبي لهب إذ قال: كفرت برب النجم إذا هوى " ما أكفره " أي ما أشد كفره؟! وقيل: إن ما للاستفهام، أي أي شئ أوجب كفره؟ أي ليس ههنا شئ يوجب الكفر، فما الذي دعاه إليه مع كثرة نعم الله عليه؟
" من أي شئ خلقه " استفهام للتقرير، وقيل: معناه لم لا ينظر إلى أصل خلقته ليدله على وحدانية الله تعالى؟ " من نطفة خلقه فقدره " أطوارا: نطفة ثم علقة إلى آخر خلقه، وعلى حد معلوم من طوله وقصره وسمعه وبصره وأعضائه وحواسه ومدة عمره ورزقه وجميع أحواله " ثم السبيل يسره " أي سبيل الخروج من بطن أمه، أو طريق الخير والشر
" كلا " أي حقا " لما يقض ما أمره " من إخلاص عبادته، ولم يؤد حق الله عليه مع كثرة نعمه.
وقال في قوله تعالى: " إنه لقول رسول كريم " أي إن القرآن قول رسول كريم على ربه وهو جبرئيل (عليه السلام)، وهو كلام الله أنزله على لسانه، ثم وصف جبرئيل فقال:
" ذي قوة " أي فيما كلف وامر به من العلم والعمل وتبليغ الرسالة، وقيل: ذي قدرة في نفسه " عند ذي العرش مكين " أي متمكن عند الله خالق العرش، رفيع المنزلة عنده " مطاع ثم " أي في السماء تطيعه الملائكة، قالوا: ومن طاعة الملائكة لجبرئيل (عليه السلام) أنه أمر خازن الجنة ليلة المعراج حتى فتح لمحمد (صلى الله عليه وآله) أبوابها فدخلها ورأي ما فيها، وأمر خازن النار ففتح له عنها حتى نظر إليها " أمين " على وحي الله ورسالاته إلى أنبيائه، وفي الحديث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لجبرئيل: ما أحسن ما أثنى عليك ربك: " ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين " فما كانت قوتك؟ وما كانت أمانتك؟ فقال: أما قوتي فإني بعثت إلى مدائن قوم لوط وهي أربع مدائن في كل مدينة أربعمأة ألف مقاتل سوى الذراري فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماوات أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم هويت بهن فقلبتهن، وأما أمانتي فإني لم أؤمر بشئ فعدوته إلى غيره، ثم خاطب سبحانه جماعة الكفار فقال: " وما صاحبكم " الذي يدعوكم إلى الله " بمجنون " والمجنون: المغطى على عقله حتى لا يدرك الأمور على ما هي عليه " ولقد رآه بالأفق المبين " أي رأي محمد (صلى الله عليه وآله) جبرئيل (عليه السلام) على صورته التي خلقه الله تعالى عليها حيث تطلع الشمس وهو الأفق الاعلى من ناحية المشرق " وما هو على الغيب بضنين " قرأ أهل البصرة غير سهل وابن كثير والكسائي بالظاء والباقون بالضاد، فعلى الأول أي ليس بمتهم فيما يخبر به عن الله، وعلى الثاني أي ليس ببخيل فيما يؤدي عن الله " وما هو بقول شيطان رجيم " أي ليس القرآن بقول شيطان ألقاه إليه، كما قال المشركون: إن الشيطان يلقي إليه كما يلقي إلى الكهنة " فأين تذهبون " فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم؟ أو فأين تعدلون عن القرآن؟ " إن هو إلا ذكر للعالمين " أي ما القرآن إلا عظة وتذكرة للخلق
" لمن شاء منكم أن يستقيم " على أمر الله وطاعته.
وقال في قوله: " إن الذين أجرموا " يعني كفار قريش ومترفيهم كأبي جهل و الوليد ابن المغيرة والعاص بن وائل وأصحابهم " كانوا من الذين آمنوا " يعني أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) مثل عمار وخباب وبلال وغيرهم " يضحكون " على وجه السخرية بهم و الاستهزاء في دار الدنيا، أو من جدهم في عبادتهم لانكارهم البعث، أو لايهام العوام أن المسلمين على باطل " وإذا مروا " أي المؤمنون " بهم يتغامزون " أي يشير بعضهم إلى بعض بالأعين والحواجب استهزاء بهم، وقيل: نزلت في علي (عليه السلام) وذلك أنه كان في نفر من المسلمين جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه، فنزلت الآية قبل أن يصل علي (عليه السلام) وأصحابه إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، قوله: " فكهين " أي إذا رجع هؤلاء الكفار إلى أهلهم رجعوا معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم " وما أرسلوا عليهم حافظين " أي لم يرسل هؤلاء الكفار حافظين على المؤمنين ما هم عليه، وما كلفوا حفظ أعمالهم.
قوله تعالى: " سنقرئك فلا تنسى " قال البيضاوي: أي سنقرئك على لسان جبرئيل أو سنجعلك قارئا بإلهام القراءة فلا تنسى أصلا من قوة الحفظ " إلا ما شاء الله " نسيانه بأن ينسخ تلاوته، وقيل: المراد به القلة، أو نفي النسيان رأسا " إنه يعلم الجهر وما يخفى " ما ظهر من أحوالكم وما بطن، أو جهرك بالقراءة مع جبرئيل وما دعاك إليه من مخافة النسيان فيعلم ما فيه صلاحكم من إبقاء وإنساء " ونيسرك لليسرى " ونعدك للطريقة اليسرى في حفظ الوحي أو التدين، ونوفقك لها، ولهذه النكتة قال: " نيسرك " لا " نيسر لك " عطف على سنقرئك، و " إنه يعلم " اعتراض " فذكر " بعد ما استتب لك الامر " إن نفعت الذكرى " لعل هذه الشرطية إنما جاءت بعد تكرير التذكير وحصول اليأس عن البعض لئلا يتعب نفسه ويتلهف عليهم، أو لذم المذكرين، واستبعاد تأثير الذكرى فيهم، أو للاشعار بأن التذكير إنما يجب إذا ظن نفعه، ولذلك امر بالاعراض عمن تولى
" سيذكر من يخشى " سيتعظ وينتفع بها من يخشى الله " ويتجنبها " ويتجنب الذكرى " الأشقى " الكافر، فإنه أشقى من الفاسق، أو الأشقى من الكفرة لتوغله في الكفر " الذي يصلى النار الكبرى " أي نار جهنم " ثم لا يموت فيها " فيستريح " ولا يحيى " حياة تنفعه.
" لست عليهم بمصيطر " بمتسلط " إلا من تولى وكفر " لكن من تولى وكفر، " فيعذبه الله العذاب الأكبر " يعني عذاب الآخرة، وقيل: متصل، فإن جهاد الكفار وقتلهم تسلط، وكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وقيل: هو استثناء من قوله:
" فذكر ". " إن إلينا إيابهم " رجوعهم " ثم إن علينا حسابهم، في المحشر.
" لا اقسم بهذا البلد " أقسم سبحانه بمكة وقيده بحلول الرسول (صلى الله عليه وآله) فيه إظهارا لمزيد فضله، وإشعارا بأن شرف المكان شرف أهله، وقيل: حل مستحل تعرضك فيه " ووالد " أي آدم أو إبراهيم (عليهما السلام) " وما ولد " ذريته أو محمد (صلى الله عليه وآله) " في كبد " أي تعب ومشقة، وهو تسلية للرسول (صلى الله عليه وآله) بما كان يكابده من قريش، والضمير في " أيحسب " لبعضهم الذي كان يكابد منه أكثر، أو يغتر بقوته كأبي الأشد بن كلدة، فإنه كان يبسط تحت قدمه أديم عكاظي ويجذبه عشرة فيتقطع ولا يزل قدماه، أو لكل أحد منهم أو الانسان " أن لن يقدر عليه أحد " فينتقم منه " يقول " أي في ذلك الوقت : " أهلكت مالا لبدا " أي كثيرا، والمراد ما أهلكه سمعة ومفاخرة ومعاداة للرسول (صلى الله عليه وآله) " أيحسب
أن لم يره أحد "، حين كان ينفق أو بعد ذلك فيسأله عنه.
وقال الطبرسي: قيل: هو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وذلك أنه أذنب ذنبا فاستفتى النبي (صلى الله عليه وآله) فأمره أن يكفر، فقال: لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد عن مقاتل.
" اقرأ باسم ربك " أي اقرأ القرآن مفتتحا باسمه، أو مستعينا به، وقيل: الباء زائدة أي اقرأ اسم ربك الذي خلق كل شئ " خلق الانسان من علق " جمع علقة " اقرأ " تكرير للمبالغة، أو الأول مطلق، والثاني للتبليغ، أو في الصلاة، ولعله لما قيل: اقرأ باسم ربك فقال: ما أنا بقارئ، فقيل له: " اقرأ وربك الأكرم " الزائد في الكرم على كل كريم " الذي علم بالقلم " أي الخط بالقلم " علم الانسان ما لم يعلم " بخلق القوى، ونصب الدلائل، وإنزال الآيات، فيعلمك القراءة وإن لم تكن قارئا، وأكثر المفسرين على أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن، وأول يوم نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو قائم على حراء علمه خمس آيات من أول هذه السورة، وقيل: سورة المدثر، وقيل:
سورة الحمد.
" لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب " أي اليهود والنصارى " والمشركين " أي عبدة الأصنام " منفكين " عما كانوا عليه من دينهم " حتى تأتيهم البينة " أي الرسول (صلى الله عليه وآله) أو القرآن " رسول من الله " بدل من " البينة " بنفسه، أو بتقدير مضاف. أو مبتدء " يتلو صحفا مطهرة " صفته أو خبره، والرسول وإن كان أميا لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالي لها، وقيل المراد جبرئيل، وكون الصحف مطهرة أن الباطل لا يأتي ما فيها، و أنها لا يمسها إلا المطهرون " فيها كتب قيمة " مكتوبات مستقيمة ناطقة بالحق " وما تفرق الذين أوتوا الكتاب " عما كانوا عليه بأن آمن بعضهم وكفر آخرون " إلا من بعد ما جاءتهم " البشارة به في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم فكانت الحجة قائمة عليهم.
قوله تعالى " رحلة الشتاء " قال الطبرسي: كانت لقريش رحلتان في كل سنة رحلة في الشتاء إلى اليمن، لأنها بلاد حامية، ورحلة في الصيف إلى الشام لأنها بلاد باردة ولولا هاتان الرحلتان لم يمكنهم به مقام، وقيل: إن كلتا الرحلتين كانت إلى الشام ولكن رحلة الشتاء في البحر إلى وايله طلبا للدفء، ورحلة الصيف إلى بصرى وأذرعات طلبا للهواء.
وقال في قوله: " أرأيت الذي يكذب بالدين ": أي بالجزاء والحساب، قال الكلبي:
نزلت في العاص بن وائل السهمي، وقيل: في الوليد بن المغيرة عن السدي ومقاتل، وقيل:
في أبي سفيان كان ينحر في كل أسبوع جزورين، فأتاه يتيم فسأله شيئا فقرعه بعصاه عن ابن جريح، وقيل: في رجل من المنافقين عن ابن عباس. " يدع اليتيم " أي يدفعه بعنف " ولا يحض على طعام المسكين " أي لا يطعمه ولا يحث عليه إذا عجز.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.