بحارالانوار · المجلد السادس
باب 1 المبعث واظهار الدعوة وما لقى صلى الله عليه وآله من
ج ۱۸، ص ۱۷۴–۲۰۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۴
أقول: قد مضى سبب نزول سورة الجحد في كتاب الاحتجاج.
وقال الطبرسي: روى ابن جبير، عن ابن عباس قال: صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم الصفا فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش فقالوا له: مالك؟ فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك لهذا دعوتنا جميعا؟ فأنزل الله هذه السورة: " تبت يدا أبي لهب وتب " أي خسرت يداه أو صفرتا من كل خير، وهو ابن عبد المطلب عم النبي (صلى الله عليه وآله) " وامرأته " وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان " حمالة الحطب " كانت تحمل الغضا والشوك فتطرحه في طريق رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا خرج إلى الصلاة ليعقره عن ابن عباس، وفي رواية الضحاك: قال الربيع بن أنس كانت تبث وتنشر الشوك على طريق الرسول (صلى الله عليه وآله) فيطأه كما يطأ أحدكم الحرير، وقيل: إنها كانت تمشي بالنميمة بين الناس فتلقي بينهم العداوة، وتوقد نارها بالتهييج كما يوقد النار
الحطب، فسمي النميمة حطبا عن ابن عباس، وقيل: معناه حمالة الخطايا " في جيدها حبل من مسد " أي حبل من ليف، وإنما وصفها بهذه الصفة تخسيسا لها وتحقيرا، وقيل:
حبل تكون له خشونة الليف، وحرارة النار، وثقل الحديد يجعل في عنقها زيادة في عذابها، وقيل: في عنقها سلسلة من حديد طولها سبعون ذراعا تدخل في فيها، وتخرج من دبرها، وتدار على عنقها في النار عن ابن عباس، وسميت السلسلة مسدا لأنها ممسودة، أي مفتولة، وقيل: إنها كانت لها قلادة فاخرة من جوهر فقالت: لأنفقها في عداوة محمد، فتكون عذابا في عنقها يوم القيامة عن سعيد بن المسيب، ويروى عن أسماء بنت أبي بكر قالت:
لما نزلت هذه السورة أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول:
مذمما أبينا * ودينه قلينا وأمره عصينا والنبي (صلى الله عليه وآله) جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنها لن تراني - وقرأ قرآنا فاعتصم به كما قال - وقرأ: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا " فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالت: يا أبا بكر أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب البيت ما هجاك، قالت: فولت وهي تقول:
قريش علمت أني بنت سيدها. وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: صرف الله سبحانه عني، ثم إنهم يذمون مذمما وأنا محمد.
أقول: قد مر تفسير سورة الفلق في باب عصمته (صلى الله عليه وآله).
1 - إكمال الدين: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن ابن عميرة، عن داود بن يزيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غيبته لم يعلم بها أحد.
2 - إكمال الدين: ابن الوليد، عن سعد والصفار معا عن ابن أبي الخطاب واليقطيني معا،
عن صفوان، عن ابن مسكان، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال اكتتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة مختفيا خائفا خمس سنين ليس يظهر أمره، وعلي (عليه السلام) اكتتم معه وخديجة (عليها السلام) ثم أمره الله أن يصدع بما امر به، فظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأظهر أمره.
الغيبة للشيخ الطوسي: عن سعد، مثله.
3 - إكمال الدين: وفي خبر آخر إنه (صلى الله عليه وآله) كان مختفيا بمكة ثلاث سنين.
4 - إكمال الدين: أبي وابن الوليد معا عن سعد والحميري ومحمد العطار وأحمد بن إدريس جميعا عن ابن عيسى وابن أبي الخطاب وإبراهيم بن هاشم جميعا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن عبيد الله الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مكث رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة بعد ما جاءه الوحي عن الله تبارك وتعالى ثلاثة عشر سنة، منها ثلاث سنين مختفيا خائفا لا يظهر حتى أمره الله أن يصدع بما امر به، فأظهر حينئذ الدعوة.
الغيبة للشيخ الطوسي: سعد، مثله.
5 - الخصال: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: رن إبليس أربع رنات أولهن: يوم لعن، وحين اهبط إلى الأرض، وحين بعث محمد (صلى الله عليه وآله) على حين فترة من الرسل، وحين أنزلت أم الكتاب، ونخر نخرتين: حين أكل آدم (عليه السلام) من الشجرة، وحين اهبط من الجنة.
بيان: الرنة: الصياح، والنخير: صوت بالأنف.
6 - علل الشرائع: الطالقاني، عن الجلودي، عن الجوهري، عن عبد الواحد بن غياث، عن
أبي عوانة، عن عمر بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد أن رجلا قال لعلي (عليه السلام): يا أمير المؤمنين بما ورثت ابن عمك دون عمك؟ فقال: يا معشر الناس ففتحوا آذانهم واستمعوا فقال (عليه السلام): جمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطلب في بيت رجل منا ، - أو قال أكبرنا - فدعا بمد ونصف من طعام وقدح له يقال له: الغمر، فأكلنا وشربنا وبقي الطعام والشراب كما هو، وفينا من يأكل الجذعة، ويشرب الفرق، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن: قد ترون هذه فأيكم يبايعني على أنه أخي ووارثي ووصيي؟ فقمت إليه وكنت أصغر القوم وقلت: أنا، قال: أجلس، ثم قال ذلك ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول: اجلس، حتى كان في الثالثة فضرب بيده على يدي فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي.
بيان: الغمر بضم الغين وفتح الميم: القدح الصغير، والفرق بالفتح وقد يحرك:
مكيال هو ستة عشر رطلا.
7 - علل الشرائع: الطالقاني عن الجلودي، عن المغيرة بن محمد، عن إبراهيم بن محمد الأزدي عن قيس بن الربيع وشريك بن عبد الله، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لما نزلت: " وأنذر عشيرتك الأقربين " أي رهطك المخلصين، دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطلب وهم إذ ذاك أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا، فقال: أيكم يكون أخي ووارثي ووزيري و وصيي وخليفتي فيكم بعدي؟ فعرض عليهم ذلك رجلا رجلا كلهم يأبى ذلك حتى أتى علي، فقلت: أنا يا رسول الله، فقال: يا بني عبد المطلب هذا أخي ووارثي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي، فقام القوم يضحك بعضهم إلى بعض ويقولون لأبي طالب: قد أمرك
أن تسمع وتطيع لهذا الغلام.
أقول: ورواه السيد في الطرف بإسناده عن الأعمش مثله.
8 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن إبليس رن رنينا لما بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) على حين فترة من الرسل، وحين أنزلت أم الكتاب.
9 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: " حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا " أي عينا " أو تكون لك جنة " أي بستان " من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا " من تلك العيون " أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا " وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إنه سيسقط من السماء كسف لقوله: " وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم " وقوله: " أو تأتي بالله والملائكة قبيلا " و القبيل: الكثير " أو يكون لك بيت من زخرف " المزخرف بالذهب " أو ترقى في السماء و ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " يقول: من الله إلى عبد الله بن أبي أمية أن محمدا صادق، وأني أنا بعثته، ويجئ معه أربعة من الملائكة يشهدون أن الله هو كتبه فأنزل الله: " قال سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا.
أقول: سيأتي ما يوضح الخبر في باب فتح مكة.
10 - تفسير علي بن إبراهيم: " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين " فإنها نزلت بمكة بعد أن نبئ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بثلاث سنين، وذلك أن النبوة نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الاثنين، وأسلم علي (عليه السلام) يوم الثلاثاء، ثم أسلمت خديجة بنت خويلد زوجة النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم دخل أبو طالب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يصلي وعلي (عليه السلام) بجنبه، وكان مع أبي طالب رضي الله عنه جعفر رضي الله عنه فقال له أبو طالب: صل جناح
ابن عمك، فوقف جعفر رضي الله عنه على يسار رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فبدر رسول الله من بينهما، فكان يصلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وجعفر وزيد بن حارثة وخديجة، فلما أتى لذلك سنون أنزل الله عليه " اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين " وكان المستهزؤون برسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن طلاطلة الخزاعي.
أقول: ثم ساق الحديث إلى آخر خبر هلاك المستهزئين على ما نقلنا عنه في أبواب المعجزات، ثم قال: فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقام على الحجر فقال: يا معشر قريش يا معشر العرب أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وآمركم بخلع الأنداد والأصنام فأجيبوني تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم، وتكونون ملوكا في الجنة، فاستهزؤوا منه وقالوا: جن محمد بن عبد الله، ولم يجسروا عليه لموضع أبي طالب، فاجتمعت قريش على أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا، فإن كان يحمله على ذلك العدم جمعنا له مالا فيكون أكثر قريش مالا، ونزوجه أي امرأة شاء من قريش، فقال له أبو طالب:
ما هذا يا ابن أخ؟ فقال: يا عم هذا دين الله الذي ارتضاه لأنبيائه ورسله، بعثني الله رسولا إلى الناس، فقال: يا ابن أخ إن قومك قد أتوني يسألوني أن أسألك أن تكف عنهم، فقال يا عم لا أستطيع أن أخالف أمر ربي، فكف عنه أبو طالب، ثم اجتمعوا إلى أبي طالب فقالوا: أنت سيد من ساداتنا فادفع إلينا محمد لنقتله وتملك علينا، فقال أبو طالب قصيدته الطويلة يقول فيها:
ولما رأيت القوم لاود بينهم * وقد قطعوا كل العرى والوسائل كذبتم وبيت الله يبزى محمد * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل
فلما اجتمعت قريش على قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكتبوا الصحيفة القاطعة، جمع أبو طالب بني هاشم وحلف لهم بالبيت والركن والمقام والمشاعر في الكعبة لئن شاكت محمدا شوكة لآتين عليكم يا بني هاشم، فأدخله الشعب وكان يحرسه بالليل والنهار قائما بالسيف على رأسه أربع سنين، فلما خرجوا من الشعب حضر أبا طالب الوفاة فدخل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يجود بنفسه فقال: يا عم ربيت صغيرا، وكفلت يتيما، فجزاك الله عني خيرا، أعطني كلمة أشفع لك بها عند ربي، فروي أنه لم يخرج من الدنيا حتى أعطى رسول الله الرضا.
بيان: قال الجزري: يبزى أي يقهر ويغلب، أراد لا يبزى فحذف " لا " من جواب القسم، وهي مرادة، أي لا يقهر ولم نقاتل عنه وندافع، وفلان يناضل عن فلان: إذا رامى عنه وحاج وتكلم بعذره ودفع عنه.
11 - تفسير علي بن إبراهيم: " وأنذر عشيرتك الأقربين " قال: نزلت: " ورهطك منهم المخلصين " قال: نزلت بمكة فجمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بني هاشم وهم أربعون رجلا كل واحد منهم يأكل الجذع ويشرب القربة فاتخذ لهم طعاما يسيرا بحسب ما أمكن فأكلوا حتى شبعوا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من يكون وصيي ووزيري وخليفتي؟ فقال أبو لهب: هذا ما سحركم محمد، فتفرقوا، فلما كان اليوم الثاني أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ففعل بهم مثل ذلك ثم سقاهم اللبن فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيكم يكون وصيي ووزيري وخليفتي؟ فقال
أبو لهب: هذا ما سحركم محمد، فتفرقوا، فلما كان يوم الثالث أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ففعل بهم مثل ذلك، ثم سقاهم اللبن فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيكم يكون وصيي ووزيري وخليفتي وينجز عداتي ويقضي ديني؟ فقام علي (عليه السلام) وكان أصغرهم سنا وأحمشهم ساقا، وأقلهم مالا، فقال: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت هو.
12 - تفسير علي بن إبراهيم: " وعجبوا أن جاءهم منذر منهم " قال: نزلت بمكة، لما أظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدعوة بمكة اجتمعت قريش إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سفه أحلامنا، وسب آلهتنا وأفسد شبابنا، وفرق جماعتنا، فإن كان الذي يحمله على ذلك العدم جمعنا له مالا حتى يكون أغنى رجل في قريش ونملكه علينا، فأخبر أبو طالب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك فقال: لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري ما أردته، و لكن يعطوني كلمة يملكون بها العرب، ويدين لهم بها العجم، ويكونون ملوكا في الجنة، فقال لهم أبو طالب: ذلك، فقالوا : نعم وعشر كلمات، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فقالوا: ندع ثلاث مأة وستين إلها ونعبد إلها واحدا؟!
فأنزل الله سبحانه: " وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب - إلى قوله - إلا اختلاق " أي تخليط.
13 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن الأصبهاني، عن المنقري، عن حفص قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا حفص إن من صبر صبر قليلا، وإن من جزع جزع قليلا، ثم قال:
عليك بالصبر في جميع أمورك، فإن الله بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) وأمره بالصبر والفرق، فقال:
" واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا وقال: " ادفع بالتي هي أحسن "
السيئة " فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " فصبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى قابلوه بالعظام، ورموه بها، فضاق صدره فأنزل الله: " ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون " ثم كذبوه ورموه فحزن لذلك فأنزل الله: " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون * ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا " فألزم نفسه (صلى الله عليه وآله) الصبر فقعدوا وذكروا الله تبارك وتعالى وكذبوه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد صبرت في نفسي وأهلي و وعرضي ولا صبر لي على ذكرهم إلهي، فأنزل الله: " ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب * فاصبر على ما يقولون " فصبر (صلى الله عليه وآله) في جميع أحواله، ثم بشر في الأئمة من عترته ووصفوا بالصبر، فقال: " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون " فعند ذلك قال (صلى الله عليه وآله): الصبر من الايمان كالرأس من البدن، فشكر الله له ذلك فأنزل الله عليه: " وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا
يعرشون " فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): آية بشرى وانتقام، فأباح الله قتل المشركين حيث وجدوا فقتلهم على يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأحبائه، وعجل له ثواب صبره مع ما ادخر له في الآخرة.
الكافي: علي، عن أبيه، وعلي بن محمد القاساني، عن الأصبهاني مثله.
14 - قصص الأنبياء: ذكر علي بن إبراهيم وهو من أجل رواة أصحابنا أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأن آتيا أتاه فيقول: يا رسول الله، وكان بين الجبال يرعى غنما فنظر إلى شخص يقول له: يا رسول الله، فقال له: من أنت؟ قال:
أنا جبرئيل، أرسلني الله إليك ليتخذك رسولا، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكتم ذلك فأنزل جبرئيل بماء من السماء، فقال: يا محمد فتوضأ، فعلمه جبرئيل الوضوء على الوجه واليدين من المرفق ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين، وعلمه الركوع والسجود، فدخل علي إلى رسول الله صلوات الله عليهما وهو يصلي - هذا لما تم له (صلى الله عليه وآله) أربعون سنة - فلما نظر إليه يصلي قال: يا أبا القاسم ما هذا؟ قال: هذه الصلاة التي أمرني الله بها، فدعاه إلى الاسلام فأسلم، وصلى معه، وأسلمت خديجة، فكان لا يصلي إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلي (عليه السلام) وخديجة (عليها السلام) خلفه، فلما أتى لذلك أيام دخل أبو طالب إلى منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه جعفر، فنظر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي بجنبه يصليان، فقال لجعفر: يا جعفر صل جناح ابن عمك، فوقف جعفر بن أبي طالب من الجانب الآخر، ثم خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى بعض أسواق العرب فرأى زيدا فاشتراه لخديجة ووجده غلاما كيسا، فلما تزوجها وهبته له، فلما نبئ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أسلم زيد أيضا، فكان يصلي خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي وجعفر وزيد وخديجة.
بيان: قوله: صل جناح ابن عمك، أمر من وصل يصل، أي لما كان علي (عليه السلام ) في أحد جنبيه بمنزلة جناح واحد فقف بجنبه الآخر ليتم جناحاه، ويحتمل التشديد من الصلاة، والأول أظهر.
15 - قصص الأنبياء: قال علي بن إبراهيم: ولما أتى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) زمان، عند ذلك أنزل الله عليه: " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين " فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) و قام على الحجر وقال يا معشر قريش يا معشر العرب، أدعوكم إلى عبادة الله وخلع الأنداد والأصنام، وأدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فأجيبوني تملكون بها العرب، و تدين لكم بها العجم، وتكونون ملوكا، فاستهزؤوا منه وضحكوا وقالوا: جن محمد بن عبد الله وآذوه بألسنتهم، وكان من يسمع من خبره ما سمع من أهل الكتب يسلمون، فلما رأت قريش من يدخل في الاسلام جزعوا من ذلك ومشوا إلى أبي طالب وقالوا: كف عنا ابن أخيك، فإنه قد سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، وأفسد شبابنا، وفرق جماعتنا، وقالوا:
يا محمد إلى ما تدعو؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وخلع الأنداد كلها، قالوا: ندع ثلاثمأة وستين إلها، ونعبد إلها واحدا؟ وحكى الله تعالى عز وعلا قولهم: " وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب * أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب " إلى قوله: " بل لما يذوقوا عذاب " ثم قالوا لأبي طالب: إن كان ابن أخيك يحمله على هذا العدم جمعنا له مالا فيكون أكثر قريش مالا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مالي حاجة في المال فأجيبوني تكونوا ملوكا في الدنيا وملوكا في الآخرة، فتفرقوا ثم جاءوا إلى أبي طالب فقالوا: أنت سيد من ساداتنا، وابن أخيك فرق جماعتنا، فهلم ندفع إليك أبهى فتى من قريش وأجملهم وأشرفهم عمارة بن الوليد يكون لك ابنا، وتدفع إلينا محمدا لنقتله، فقال أبو طالب: ما أنصفتموني، تسألوني أن أدفع إليكم ابني لتقتلوه، وتدفعون إلي ابنكم لأربيه لكم، فلما أيسوا منه كفوا.
16 - قصص الأنبياء: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يكف عن عيب آلهة المشركين، ويقرأ عليهم القرآن، وكان الوليد بن المغيرة من حكام العرب يتحاكمون إليه في الأمور، وكان له عبيد عشرة عند كل عبد ألف دينار يتجر بها، وملك القنطار، وكان عم أبي جهل، فقالوا له: عبد شمس ما هذا الذي يقول محمد؟ أسحر، أم كهانة، أم خطب؟ فقال: دعوني أسمع كلامه، فدنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو جالس في الحجر فقال: يا محمد أنشدني شعرك، فقال: ما هو بشعر ولكنه كلام الله الذي بعث أنبياءه ورسله به فقال: أتل، فقرأ: " بسم الله الرحمن الرحيم " فلما سمع الرحمن استهزأ منه وقال: تدعو إلى رجل باليمامة بسم الرحمن؟!، قال:
لا ولكني أدعو إلى الله وهو الرحمن الرحيم، ثم افتتح حم السجدة، فلما بلغ إلى قوله:
" فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " وسمعه، اقشعر جلده وقامت كل شعرة في بدنه، وقام ومشى إلى بيته، ولم يرجع إلى قريش، فقالوا: صبأ أبو عبد شمس إلى دين محمد، فاغتمت قريش وغدا عليه أبو جهل فقال: فضحتنا يا عم، قال:
يا ابن أخ ما ذاك وإني على دين قومي، ولكني سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود، قال أفشعر هو؟ قال: ما هو بشعر، قال: فخطب؟ قال: لا، إن الخطب كلام متصل، وهذا كلام منثور لا يشبه بعضه بعضا، له طلاوة، قال: فكهانة هو؟ قال: لا، قال: فما هو؟ قال: دعني أفكر فيه، فلما كان من الغد قالوا: يا عبد شمس ما تقول؟ قال: قولوا: هو سحر، فإنه أخذ بقلوب الناس فأنزل الله تعالى فيه: " ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * وبنين شهودا " إلى قوله: " عليها تسعة عشر ".
وفي حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة قال: جاء وليد بن المغيرة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: اقرأ علي، فقال: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " فقال: أعد،
فأعاد، فقال: والله إن له الحلاوة والطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمعذق، وما هذا بقول بشر.
مناقب ابن شهرآشوب: ذكر القصتين مختصرا مثله.
بيان: في القاموس: الطلاوة مثلثة: الحسن والبهجة والقبول، وفي النهاية:
العذق بالفتح: النخلة، وبالكسر: العرجون بما فيه من الشماريخ، ومنه حديث مكة، وأعذق أذخرها، أي صارت له عذوق وشعب، وقيل: أعذق بمعنى أزهر.
17 - قصص الأنبياء: كان قريش يجدون في أذى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان أشد الناس عليه عمه أبو لهب، فكان (صلى الله عليه وآله) ذات يوم جالسا في الحجر فبعثوا إلى سلى الشاة فألقوه على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاغتم من ذلك، فجاء إلى أبي طالب فقال: يا عم كيف حسبي فيكم؟
قال: وما ذاك يا ابن أخ؟ قال: إن قريشا ألقوا على السلى، فقال لحمزة: خذ السيف، و كانت قريش جالسة في المسجد، فجاء أبو طالب ومعه السيف، وحمزة ومعه السيف، فقال:
أمر السلى على سبالهم، فمن أبي فاضرب عنقه، فما تحرك أحد حتى أمر السلى على سبالهم، ثم التفت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: يا ابن أخ هذا حسبك منا وفينا.
18 - مناقب ابن شهرآشوب: ابن عباس دخل النبي (صلى الله عليه وآله) الكعبة وافتتح الصلاة، فقال أبو جهل:
من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته؟ فقام ابن الزبعري وتناول فرثا ودما وألقى ذلك عليه، فجاء أبو طالب وقد سل سيفه، فلما رأوه جعلوا ينهضون فقال: والله لئن قام أحد جللته بسيفي، ثم قال: يا ابن أخي من الفاعل بك؟ قال: هذا عبد الله، فأخذ أبو طالب فرثا ودما، وألقى عليه.
وفي روايات متواترة إنه أمر عبيده أن يلقوا السلى عن ظهره ويغسلوه، ثم أمرهم
أن يأخذوه فيمروا على أسبلتهم بذلك.
وفي رواية البخاري: إن فاطمة (عليها السلام) أماطته، ثم أوسعتهم شتما وهم يضحكون فلما سلم النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " اللهم عليك الملا من قريش، اللهم عليك أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف " فوالله الذي لا إله إلا هو ما سمى النبي (صلى الله عليه وآله) يومئذ أحد إلا وقد رأيته يوم بدر وقد اخذ برجله يجر إلى القليب مقتولا إلا أمية فإنه كان منتفخا في درعه فتزايل من جره فأقروه و ألقوا عليه الحجر.
محمد بن إسحاق: وقف النبي (صلى الله عليه وآله) على قليب بدر فقال: " بئس عشيرة الرجل كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، ثم قال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقد وجدت ما وعدني ربي حقا " ثم قال:
إنهم يسمعون ما أقول أقول: تمامه في فضائل أبي طالب (عليه السلام).
19 - إكمال الدين: أبي وابن الوليد معا، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب ومحمد بن عيسى معا، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): ما أجاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحد قبل علي بن أبي طالب وخديجة صلوات الله عليهما، ولقد مكث رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة ثلاث سنين مختفيا خائفا يترقب ويخاف قومه والناس.
20 - تفسير علي بن إبراهيم: علي بن جعفر، عن محمد بن عبد الله الطائي، عن ابن أبي عمير، عن حفص الكناسي قال: سمعت عبد الله بن بكر الأرجاني قال: قال لي الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: أخبرني عن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان عاما للناس؟ أليس قد قال الله في محكم كتابه " وما أرسلناك إلا كافة للناس " لأهل الشرق والغرب، وأهل السماء والأرض من الجن
والانس هل بلغ رسالته إليهم كلهم؟ قلت: لا أدري، قال: يا ابن بكر إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يخرج من المدينة فكيف بلغ أهل الشرق والغرب؟ قلت: لا أدري، قال: إن الله تبارك وتعالى أمر جبرئيل فاقتلع الأرض بريشة من جناحه ونصبها لمحمد (صلى الله عليه وآله) وكانت بين يديه مثل راحته في كفه ينظر إلى أهل الشرق والغرب ويخاطب كل قوم بألسنتهم، ويدعوهم إلى الله وإلى نبوته بنفسه، فما بقيت قرية ولا مدينة إلا ودعاهم النبي (صلى الله عليه وآله) بنفسه.
21 - الكافي: علي، عن أبيه، عن القاسم، عن جده الحسن، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا تدع صيام يوم سبع وعشرين من رجب فإنه اليوم الذي نزلت فيه النبوة على محمد (صلى الله عليه وآله).
22 - الكافي: العدة، عن سهل، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال بعث الله عز وجل محمدا (صلى الله عليه وآله) رحمة للعالمين في سبع وعشرين من رجب الخبر.
23 - أمالي الطوسي: المفيد، عن ابن قولويه، عن محمد بن الحسن الجوهري، عن الأشعري، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن كثير النوا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: في اليوم السابع والعشرين من رجب نزلت النبوة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخبر.
24 - الكافي: علي بن محمد رفعه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يوم سبعة وعشرين من رجب نبئ فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحديث.
أقول: سيأتي مثله بأسانيد في كتاب الصوم.
25 - عيون أخبار الرضا (ع): في علل الفضل عن الرضا (عليه السلام) قال: فإن قال: فلم جعل الصوم في شهر رمضان خاصة دون سائر الشهور؟ قيل: لان شهر رمضان هو الشهر الذي أنزل الله تعالى فيه القرآن إلى قوله (عليه السلام) وفيه نبئ محمد (صلى الله عليه وآله).
بيان هذا الخبر مخالف لسائر الأخبار المستفيضة، ولعل المراد به معنى آخر ساوق لنزول القرآن أو غيره من المعاني المجازية، أو يكون المراد بالنبوة في سائر الأخبار الرسالة، ويكون النبوة فيه بمعنى نزول الوحي عليه (صلى الله عليه وآله) فيما يتعلق بنفسه كما سيأتي تحقيقه، ويمكن حمله على التقية فإن العامة قد اختلفوا في زمان بعثته (صلى الله عليه وآله) على خمسة أقوال:.
الأول: لسبع عشرة خلت من شهر رمضان.
الثاني: لثمان عشرة خلت من رمضان.
الثالث: لأربع وعشرين خلت من شهر رمضان.
الرابع: للثاني عشر من ربيع الأول.
الخامس: لسبع وعشرين من رجب، وعلى الأخير اتفاق الامامية.
26 - الكافي: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة وبريد العجلي قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنما أنت منذر ولكل قوم هاد فقال:
المنذر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلي الهادي، وفي كل زمان إمام منا يهديهم إلى ما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله).
27 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل قال: حدثنا محمد بن جرير الطبري سنة ثمان وثلاث مائة قال: حدثنا محمد بن حيد الرازي، عن سلمة بن الفضل الأبرش، عن محمد بن إسحاق:
عن عبد الغفار بن القاسم، قال أبو المفضل: وحدثنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي - واللفظ له - عن محمد بن الصباح الجرجرائي، عن سلمة بن صالح الجعفي، عن سليمان الأعمش وأبي مريم جميعا عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله): " وأنذر عشيرتك الأقربين دعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لي يا علي إن الله تعالى أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين قال: فضقت بذلك ذرعا، وعرفت أني متى أباديهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره، فصمت على ذلك وجاءني جبرئيل فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرت به عذبك، ربك فاصنع لنا يا علي صاعا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملا لنا عسا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم أجمع وهم يؤمئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلما اجتمعوا له دعاني بالطعام الذي صنعت له فجئت به،
فلما وضعته تناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) جذمة من اللحم فنتفها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصفحة، ثم قال: خذوا بسم الله، فأكل القوم حتى صدروا مالهم بشئ من الطعام حاجة وما أرى إلا مواضع أيديهم وأيم الله الذي نفس علي بيده أن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم، ثم جئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعها، وأيم الله أن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لشد ما سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال لي من الغد: يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم أجمعهم لي، قال: ففعلت ثم جمعتهم فدعاني بالطعام فقربته لهم، ففعل كما فعل بالأمس وأكلوا حتى ما لهم به من حاجة، ثم قال: أسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا، ثم تكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله عز وجل أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤمن بي ويؤازرني على أمري فيكون أخي ووصيي ووزيري وخليفتي في أهلي من بعدي؟ قال: فأمسك القوم، وأحجموا عنها جميعا، قال: فقمت وإني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا، فقلت: أنا يا نبي الله أكون وزيرك على ما بعثك الله به، قال: فأخذ بيدي، ثم قال: إن هذا أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.
تفسير فرات بن إبراهيم: جعفر بن محمد بن أحمد الأودي بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مثله.
بيان: العس بالضم: القدح الكبير، والجذمة بالكسر: القطعة، قوله (عليه السلام):
أرمصهم عينا، الرمص بالتحريك: وسخ يجتمع في مؤق العين، ولما كان الغالب أن ذلك يكون في الأطفال كنى (عليه السلام) عن صغر السن بذلك، وكذا عظم البطن، ورجل احمش الساقين: دقيقهما.
28 - أمالي الطوسي: بإسناده عن إبراهيم بن صالح، عن زيد بن الحسن، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رقدت بالأبطح على ساعدي، وعلي عن يميني وجعفر عن يساري، وحمزة عند رجلي، قال: فنزل جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ففزعت لخفق أجنحتهم قال: فرفعت رأسي فإذا إسرافيل يقول لجبرئيل: إلى أي الأربعة بعثت وبعثنا معك؟ قال: فركض برجله فقال: إلى هذا وهو محمد سيد النبيين، ثم قال: من هذا الآخر قال: هذا أخوه ووصيه وهو سيد الوصيين، ثم قال: فمن الآخر؟ قال: جعفر بن أبي طالب له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنة، ثم قال: فمن الآخر؟ قال: عمه حمزة وهو سيد الشهداء يوم القيامة.
29 - مناقب ابن شهرآشوب: أرسله الله تعالى بعد أربعين سنة من عمره حين تكامل بها واشتد قواه ليكون متهيئا ومتأهبا لما أنذر به، ولبعثته درجات: أولاها: الرؤيا الصادقة، والثانية: ما رواه الشعبي وداود بن عامر أن الله تعالى قرن جبرئيل بنبوة رسوله ثلاث سنين يسمع حسه ولا يرى شخصه، ويعلمه الشئ بعد الشئ، ولا ينزل عليه القرآن، فكان في هذه المدة مبشرا غير مبعوث إلى الأمة، والثالثة: حديث خديجة وورقة بن نوفل، الرابعة:
أمره بتحديث النعم فأذن له في ذكره دون إنذاره، قوله: " وأما بنعمة ربك فحدث "
أي بما جاءك من النبوة، والخامسة: حين نزل عليه القرآن بالأمر والنهي فصار به مبعوثا ولم يؤمر بالجهر ونزل: " يا أيها المدثر " فأسلم علي وخديجة ثم زيد ثم جعفر، و السادسة: امر بأن يعم بالانذار بعد خصوصه ويجهر بذلك، ونزل: " فأصدع بما تؤمر " قال ابن إسحاق: وذلك بعد ثلاث سنين من مبعثه، ونزل: " وأنذر عشيرتك الأقربين " فنادى يا صباحاه، والسابعة: العبادات لم يشرع منها مدة مقامه بمكة إلا الطهارة والصلاة وكانت فرضا عليه وسنة لامته، ثم فرضت الصلوات الخمس بعد إسرائه وذلك في السنة التاسعة من نبوته، فلما تحول إلى المدينة فرض صيام شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة في شعبان، وحولت القبلة، وفرض زكاة الفطر، وشرع فيها صلاة العيد، وكان فرض الجمعة في أول الهجرة بدلا من صلاة الظهر، ثم فرضت زكاة الأموال، ثم الحج والعمرة والتحليل والتحريم والحظر والإباحة والاستحباب والكراهة، ثم فرض الجهاد ثم ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) ونزل: " اليوم أكملت لكم دينكم ".
30 - مناقب ابن شهرآشوب: علي بن إبراهيم بن هاشم القمي في كتابه: إن النبي (صلى الله عليه وآله) لما أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأن آتيا أتاه فيقول: يا رسول الله، فينكر ذلك:
فلما طال عليه الامر كان يوما بين الجبال يرعى غنما لأبي طالب فنظر إلى شخص يقول:
يا رسول الله، فقال له: من أنت؟ قال: أنا جبرئيل أرسلني الله إليك ليتخذك رسولا، فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله) خديجة بذلك، فقالت: يا محمد أرجوا أن يكون كذلك، فنزل عليه جبرئيل و أنزل عليه ماء من السماء وعلمه الوضوء والركوع والسجود، فلما تم له أربعون سنة علمه حدود الصلاة، ولم ينزل عليه أوقاتها، فكان يصلي ركعتين في كل وقت.
أبو ميسرة وبريدة: إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا انطلق بارزا سمع صوتا: يا محمد، فيأتي خديجة ويقول: يا خديجة قد خشيت أن يكون خالط عقلي شئ، إني إذا خلوت أسمع صوتا وأرى نورا.
محمد بن كعب وعائشة: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة، وكان
يرى الرؤيا فتأتيه مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلا فكان يخلو بغار حراء فسمع نداء يا محمد، فغشي عليه، فلما كان اليوم الثاني سمع مثله نداء فرجع إلى خديجة وقال: زملوني زملوني فوالله لقد خشيت على عقلي، فقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق فانطلقت خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل، فقال ورقة: هذا والله الناموس الذي انزل على موسى وعيسى (عليهما السلام )، وإني أرى في المنام ثلاث ليال أن الله أرسل في مكة رسولا اسمه محمد وقد قرب وقته، ولست أرى في الناس رجلا أفضل منه، فخرج (صلى الله عليه وآله) إلى حراء فرأى كرسيا من ياقوتة حمراء، مرقاة من زبرجد، ومرقاة من لؤلؤ، فلما رأى ذلك غشي عليه، فقال ورقة: يا خديجة فإذا أتته الحالة فاكشفي عن رأسك، فإن خرج فهو ملك، وإن بقي فهو شيطان، فنزعت خمارها فخرج الجائي، فلما اختمرت عاد، فسأله ورقة عن عن صفة الجائي فلما حكاه قام وقبل رأسه وقال: ذاك الناموس الأكبر الذي نزل على موسى وعيسى (عليهما السلام)، ثم قال: أبشر فإنك أنت النبي الذي بشر به موسى وعيسى عليهما السلام وإنك نبي مرسل، ستؤمر بالجهاد، وتوجه نحوها وأنشأ يقول:
فإن يك حقا يا خديجة فاعلمي * حديثك إيانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما * من الله وحي يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز عزا لدينه * ويشقى به الغاوي الشقي المضلل فريقان منهم: فرقة في جنانه * وأخرى بأغلال الجحيم تغلل ومن قصيدة له:
يا للرجال لصرف الدهر والقدر * وما لشئ قضاه الله من غير
حتى خديجة تدعوني لأخبرها *. وما لنا بخفي العلم من خبر فخبرتني بأمر قد سمعت به * فيما مضى من قديم الناس والعصر بأن أحمد يأتيه فيخبره * جبريل أنك مبعوث إلى البشر ومن قصيدة له:
فخبرنا عن كل خير بعلمه * وللحق أبواب لهن مفاتح وإن ابن عبد الله أحمد مرسل * إلى كل من ضمت عليه الأباطح وظني به أن سوف يبعث صادقا * كما ارسل العبدان نوح وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له * بهاء ومنشور من الذكر واضح وروي أنه نزل جبرئيل على جياد أصفر والنبي (صلى الله عليه وآله) بين علي (عليه السلام) وجعفر، فجلس جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجله، ولم ينبهاه إعظاما له، فقال ميكائيل:
إلى أيهم بعثت؟ قال: إلى الأوسط، فلما انتبه أدى إليه جبرئيل الرسالة عن الله تعالى، فلما نهض جبرئيل ليقوم أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بثوبه ثم قال: ما اسمك، قال: جبرئيل، ثم نهض النبي (صلى الله عليه وآله) ليلحق بقومه فما مر بشجرة ولا مدرة إلا سلمت عليه وهنأته، ثم كان جبرئيل يأتيه ولا يدنو منه إلا بعد أن يستأذن عليه، فأتاه يوما وهو بأعلى مكة فغمز بعقبه بناحية الوادي فانفجر عين فتوضأ جبرئيل، وتطهر الرسول، ثم صلى الظهر وهي أول صلاة فرضها الله عز وجل، وصلى أمير المؤمنين (عليه السلام) مع النبي (صلى الله عليه وآله)، ورجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من يومه إلى خديجة فأخبرها، فتوضأت وصلت صلاة العصر من ذلك اليوم.
وروي أن جبرئيل (عليه السلام) أخرج قطعة ديباج فيها خط فقال: اقرأ، قلت: كيف أقرء ولست بقارئ؟ إلى ثلاث مرات، فقال في المرة الرابعة، " اقرأ باسم ربك " إلى قوله: " ما لم يعلم " ثم أنزل الله تعالى جبرئيل وميكائيل (عليهما السلام) ومع كل واحد منهما سبعون ألف ملك، وأتي بالكرسي ووضع تاجا على رأس محمد (صلى الله عليه وآله) وأعطى لواء الحمد بيده فقال:
اصعد عليه واحمد الله، فلما نزل عن الكرسي توجه إلى خديجة فكان كل شئ يسجد له ويقول بلسان فصيح: السلام عليك يا نبي الله، فلما دخل الدار صارت الدار منورة، فقالت
خديجة: وما هذا النور؟ قال: هذا نور النبوة، قولي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فقالت طال ما قد عرفت ذلك، ثم أسلمت، فقال: يا خديجة إني لأجد بردا، فدثرت عليه فنام فنودي: " يا أيها المدثر " الآية، فقام وجعل إصبعه في اذنه وقال: الله أكبر، الله أكبر فكان كل موجود يسمعه يوافقه.
وروي أنه لما نزل قوله: " وأنذر عشيرتك الأقربين " صعد رسول الله ذات يوم الصفا فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: مالك؟ قال: أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم ما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا دعوتنا؟! فنزلت سورة تبت.
قتادة: إنه خطب ثم قال: " أيها الناس إن الرائد لا يكذب أهله، ولو كنت كاذبا لما كذبتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم حقا خاصة، وإلى الناس عامة والله لتموتون كما تنامون، ولتبعثون كما تستيقظون، ولتحاسبون كما تعملون، و لتجزون بالاحسان إحسانا، وبالسوء سوءا، وإنها الجنة أبدا، والنار أبدا وإنكم أول من أنذرتم " ثم فتر الوحي فجزع لذلك النبي (صلى الله عليه وآله) جزعا شديدا، فقالت له خديجة:
لقد قلاك ربك، فنزل سورة الضحى، فقال لجبرئيل: ما يمنعك أن تزورنا في كل
يوم؟ فنزل " وما نتنزل إلا بأمر ربك - إلى قوله: - نسيا ".
بيان: قال الجزري: فيه ذكر جياد وهو موضع بأسفل مكة معروف من شعابها، وقال الجوهري: الرائد: الذي يرسل في طلب الكلاء، يقال: لا يكذب الرائد أهله.
31 - مناقب ابن شهرآشوب: الفائق: إنه لما اعترض أبو لهب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند إظهار الدعوة قال له أبو طالب: يا أعور ما أنت وهذا:
قال الأخفش: الأعور الذي خيب، وقيل: يا ردي، ومنه الكلمة العوراء، وقال ابن الاعرابي: الذي ليس له أخ من أبيه وأمه.
ابن عباس: إن الوليد بن المغيرة أتى قريشا فقال: إن الناس يجتمعون غدا بالموسم وقد فشا أمر هذا الرجل في الناس وهم يسألونكم عنه فما تقولون؟ فقال أبو جهل أقول: إنه مجنون، وقال أبو لهب: أقول: إنه شاعر، وقال عقبة بن أبي معيط: أقول:
إنه كاهن، فقال الوليد: بل أقول: هو ساحر، يفرق بين الرجل والمرأة وبين الرجل و أخيه وأبيه، فأنزل الله تعالى: " ن * والقلم " الآية، وقوله: " وما هو بقول شاعر " الآية.
وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يقرأ القرآن فقال أبو سفيان والوليد وعتبة وشيبة للنضر بن الحارث: ما يقول محمد؟ فقال: أساطير الأولين، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية فنزل: " ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة " الآية.
الكلبي: قال النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية: يا محمد لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة أملاك يشهدون عليه أنه من عند الله، وأنك رسوله فنزل: " ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس " وقال قريش مكة أو يهود المدينة: إن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء، وإنما أرض الأنبياء الشام، فأت الشام، فنزل: " وإن
كادوا ليستفزونك من الأرض " وقال أهل مكة: تركت ملة قومك وقد علمنا أنه لا يحملك على ذلك إلا الفقر، فإنا نجمع لك من أموالنا حتى تكون من أغنانا، فنزل:
" قل أغير الله أتخذ وليا " وكان المشركون إذا قيل لهم: ماذا أنزل ربكم على محمد، قالوا أساطير الأولين، فنزل: " وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم: الآية.
ابن عباس. قالت قريش: إن القرآن ليس من عند الله وإنما يعلمه بلعام، وكان قينا بمكة روميا نصرانيا، وقال الضحاك: أرادوا به سلمان، وقال مجاهد: عبدا لبني الحضرمي يقال له: يعيش، فنزل: " ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر " الآية.
وقوله: " وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه " محمد واختلقه من تلقاء نفسه " وأعانه عليه قوم آخرون " يعنون عداسا مولى خويطب ويسارا غلام العلا بن الحضرمي وحبرا مولى عامر، وكانوا من أهل الكتاب فكذبهم الله تعالى فقال: فقد جاؤوا ظلما " الآيات.
32 - مناقب ابن شهرآشوب: ابن عباس ومجاهد في قوله: " وقال الذين كفروا لولا انزل عليه القرآن جملة واحدة " كما أنزلت التوراة والإنجيل، فقال الله تعالى: " كذلك " متفرقا " لنثبت به فؤادك " وذلك أنه كان يوحى في كل حادثة، ولأنها نزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون والقرآن نزل على نبي أمي، ولان فيه ناسخا ومنسوخا، وفيه ما هو جواب لمن سأله أمور، وفيه ما هو إنكار لما كان، وفيه ما هو حكاية شئ جرى،
ولم يزل (صلى الله عليه وآله) يريهم الآيات ويخبرهم بالمغيبات فنزل: ولا تعجل بالقرآن " الآية، ومعناه لا تعجل بقراءته عليهم حتى انزل عليك التفسير في أوقاته كما انزل عليك التلاوة.
باع خباب بن الأرت سيوفا من العاص بن وائل فجاءه يتقاضاه، فقال: أليس يزعم محمد أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب وفضة وثياب وخدم؟ قال : بلى، قال: فأنظرني أقضك هناك حقك، فوالله لا تكون هنالك وأصحابك عند الله آثر مني، فنزل: " أفرأيت الذي كفر بآياتنا " إلى قوله: " فردا ".
وتكلم النضر بن الحارث مع النبي (صلى الله عليه وآله) فكلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى أفحمه ثم قال: " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " الآية: فلما خرج النبي (صلى الله عليه وآله) قال ابن الزبعرى: أما والله لو وجدته في مجلس لخصمته، فسلوا محمدا أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، و النصارى تعبد عيسى، فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا ويل أمه، أما علم أن " ما " لما لا يعقل و " من " لمن يعقل؟ فنزل: " إن الذين سبقت لهم " الآية.
وقالت اليهود: ألست لم تزل نبيا؟ قال: بلى قالت: فلم لم تنطق في المهد كما نطق عيسى (عليه السلام)؟ فقال: إن الله عز وجل خلق عيسى من غير فحل، فلولا أنه نطق في المهد لما كان لمريم عذر إذ اخذت بما يؤخذ به مثلها، وأنا ولدت بين أبوين.
واجتمعت قريش إليه فقالوا: إلى ما تدعونا يا محمد؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد كلها، قالوا: ندع ثلاث مائة وستين إلها ونعبد إلها واحدا؟ فنزل:
" وعجبوا أن جاءهم منذر منهم " إلى قوله: " عذاب ".
نزل أبو سفيان وعكرمة وأبو الأعور السلمي على عبد الله بن أبي وعبد الله بن أبي سرح فقالوا: يا محمد ارفض ذكر آلهتنا وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك فشق ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله)، فأمر فأخرجوا من المدينة، ونزل: " ولا تطع الكافرين " من أهل مكة " والمنافقين " من أهل المدينة.
ابن عباس عيروا النبي بكثرة التزوج وقالوا: لو كان نبيا لشغلته النبوة عن تزوج النساء، فنزل " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ".
ابن عباس: والأصم: كان النبي (صلى الله عليه وآله) يصلي عند المقام فمر به أبو جهل فقال: يا محمد ألم أنهك عن هذا وتوعده، فأغلظ له رسول الله وانتهره، فقال: يا محمد بأي شئ تهددني أما والله إني لأكبر هذا الوادي ناديا، فنزلت: " أرأيت الذي ينهى " إلى قوله: " فليدع ناديه * سندع الزبانية " فقال ابن عباس: لو نادى لاخذته الزبانية بالعذاب مكانه.
القرظي: قالت قريش: يا محمد شتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فإن طلبت مالا أعطيناك، أو الشرف سودناك، أو كان بك علة داويناك، فقال (صلى الله عليه وآله):
ليس شئ من ذلك، بل بعثني الله إليكم رسولا، وأنزل كتابا، فإن قبلتم ما جئت به فهو حظكم في الدنيا والآخرة: وإن تردوه أصبر حتى يحكم الله بيننا، قالوا: فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك، ويجعل لنا كنوزا وجنانا وقصورا من ذهب، أو يسقط علينا السماء كما زعمت كسفا، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، فقال عبد الله بن أمية المخزومي والله لا أؤمن بك حتى تتخذ سلما إلى السماء، ثم ترقى وأنا أنظر، فقال أبو جهل:
إنه أبى إلا سب الآلهة، وشتم الآباء، وإني أعاهد الله لأحملن حجرا، فإذا سجد ضربت به رأسه، فانصرف النبي (صلى الله عليه وآله) حزينا، فنزل " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا " الآيات.
الكلبي، قالت قريش: يا محمد تخبرنا عن موسى وعيسى وعاد وثمود فأت بآية حتى نصدقك، فقال (صلى الله عليه وآله): أي شئ تحبون أن آتيكم به؟ قالوا: اجعل لنا الصفا ذهبا، وابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك، وأرنا الملائكة يشهدون لك، أو ائتا بالله والملائكة قبيلا، فقال (صلى الله عليه وآله): فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقوني؟ قالوا: والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين، فقام (صلى الله عليه وآله) يدعو أن يجعل الصفا ذهبا، فجاءه جبرئيل (عليه السلام) فقال: إن شئت أصبح الصفا ذهبا، ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال (صلى الله عليه وآله): بل يتوب تائبهم، فنزل: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ".
وروي أن قريشا كانوا يلعنون اليهود والنصارى بتكذيبهم الأنبياء، ولو أتاهم نبي لنصروه، فلما بعث الله النبي (صلى الله عليه وآله) كذبوه، فنزلت هذه الآية، وكانوا يشيرون إليه بالأصابع بما حكى الله عنهم: وإذا رأوك " إن يتخذونك إلا هزوا " يقول بعضهم لبعض: " أهذا الذي يذكر آلهتكم " وذلك قوله: إنها جماد لا تنفع ولا تضر " وهم بذكر الرحمان هم كافرون " ومشش أبي بن خلف بعظم رميم ففته في يده ثم نفخه فقال: أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد ما ترى؟ فنزل " وضرب لنا مثلا " السورة.
وذكروا أنه كان إذا قدم على النبي (صلى الله عليه وآله) وفد ليعلموا علمه انطلقوا بأبي لهب إليهم وقالوا له: أخبر عن ابن أخيك، فكان يطعن في النبي (صلى الله عليه وآله)، وقال الباطل، وقال:
إنا لم نزل نعالجه من الجنون، فيرجع القوم ولا يلقونه.
طارق المحاربي: رأيت النبي (صلى الله عليه وآله) في سويقة ذي المجاز عليه حلة حمراء وهو يقول:
" يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وأبو لهب يتبعه ويرميه بالحجارة وقد أدمى كعبه وعرقوبيه، وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه فإنه كذاب.
بيان: المش: مسح اليد بالشئ والخلط.
33 - مناقب ابن شهرآشوب: روى أبو أيوب الأنصاري أن النبي (صلى الله عليه وآله) وقف بسوق ذي المجاز فدعاهم إلى الله، والعباس قائم يسمع الكلام، فقال: أشهد أنك كذاب، ومضى إلى أبي لهب وذكر ذلك فأقبلا يناديان إن ابن أخينا هذا كذاب، فلا يغرنكم عن دينكم، قال واستقبل النبي (صلى الله عليه وآله) أبو طالب فاكتنفه، وأقبل على أبي لهب والعباس فقال لهما: ما تريدان تربت أيديكما، والله إنه لصادق القيل، ثم أنشأ أبو طالب:
أنت الأمين أمين الله لا كذب * والصادق القول لا لهو ولا لعب أنت الرسول رسول الله نعلمه * عليك تنزل من ذي العزة الكتب مقاتل: إنه رفع أبو جهل يوما بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد أنت من ذلك الجانب، ونحن من هذا الجانب، فاعمل أنت على دينك ومذهبك وإننا عاملون على ديننا ومذهبنا، فنزل " وقالوا قلوبنا في أكنة ".
ابن عباس: كان جماعة إذا صح جسم أحدهم ونتجت فرسه وولدت امرأته غلاما و كثرت ما شيته رضي بالاسلام، وإن أصابه وجع أو سوء قال: ما أصبت في هذا الدين إلا سوءا، فنزل: " ومن الناس من يعبد الله على حرف ".
ونهى أبو جهل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الصلاة وقال: إن رأيت محمدا يصلي لأطأن عنقه فنزل: " فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا ".
ابن عباس في قوله: " وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا " قال وفد ثقيف:
نبايعك على ثلاث لا ننحني، ولا نكسر إلها بأيدينا، وتمتعنا باللات سنة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا خير في دين ليس فيه ركوع وسجود، فأما كسر أصنامكم
بأيديكم فذاك لكم، وأما الطاغية اللات فإني غير ممتعكم بها، قالوا: أجلنا سنة حتى نقبض ما يهدى لآلهتنا، فإذا قبضناها كسرناها وأسلمنا، فهم بتأجيلهم فنزلت هذه الآية.
قال قتادة: فلما سمع قوله: " ثم لا تجد لك علينا نصيرا " قال: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.