بحارالانوار · المجلد السادس
2 - - باب ms05989 آخر في كيفية صدور الوحي، ونزول جبرئيل عليه
ج ۱۸، ص ۲۴۳–۲۷۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۲
طه " 20 ": ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما 114.
الفرقان " 25 ": وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا 32.
الشعراء: " 26 " وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين 192 - 195.
النمل: " 27 " وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم 6.
حمعسق: " 42 " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم * وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم 51 و 52.
النجم: " 53 " علمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى - إلى قوله -: أو أدنى 5 - 9 القيامة: " 75 " لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه 16 - 19.
تفسير: قال البيضاوي في قوله تعالى: " وما نتنزل إلا بأمر ربك ": حكاية قول جبرئيل (عليه السلام) حين استبطأه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، ولم يدر ما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه، فأبطأ عليه خمسة عشر يوما وقيل: أربعين يوما، حتى قال المشركون ودعه ربه وقلاه، ثم نزل ببيان ذلك، و التنزل: النزول على مهل، لأنه مطاوع نزل، وقد يطلق التنزل بمعنى النزول مطلقا، كما يطلق نزل بمعنى أنزل، والمعنى وما ننزل وقتا غب وقت إلا بأمر الله على ما تقتضيه حكمته، وقرئ " وما يتنزل " بالياء، والضمير للوحي " له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك " وهو ما نحن فيه من الأماكن أو الأحايين لا ننقل من مكان إلى مكان ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيته " وما كان ربك نسيا " تاركا لك، أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الامر به ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة، وإنما كان لحكمة، رآها فيه.
قوله تعالى: " ولا تعجل بالقرآن " قال الطبرسي: فيه وجوه:
أحدها أن معناه لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبرئيل من إبلاغه، فإنه (صلى الله عليه وآله) كان يقرأ معه ويعجل بتلاوته مخافة نسيانه، أي تفهم ما يوحى إليك إلى أن يفرغ الملك من تلاوته، ولا تقرأ معه ثم اقرأ بعد فراغه منه.
وثانيها: أن معناه لا تقرئ به أصحابك ولا تمله حتى يتبين لك معانيه.
وثالثها: أن معناه ولا تسأل إنزال القرآن قبل أن يأتيك وحيه، لأنه تعالى إنما ينزله بحسب المصلحة وقت الحاجة.
قوله تعالى: " كذلك لنثبت به فؤادك " قال البيضاوي: أي كذلك أنزلناه مفرقا لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه، لان حاله يخالف حال موسى وعيسى وداود (عليهم السلام)
حيث كان أميا وكانوا يكتبون، فلو القي عليه جملة لتعيي بحفظه، ولان نزوله بحسب الوقائع يوجب مزيد بصيرة وخوض في المعنى، ولأنه إذا نزل منجما ويتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوة قلبه، ولأنه إذا نزل به جبرئيل حالا بعد حال يثبت به فؤاده، ومن فوائد التفريق معرفة الناسخ والمنسوخ، ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية، فإنه يعين على البلاغة " ورتلناه ترتيلا " أي وقرأنا عليك شيئا بعد شئ على توءدة وتمهل في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين سنة.
قوله تعالى: " ما كان لبشر " أي لا يصح له " أن يكلمه الله إلا وحيا " أي إلهاما و قذفا في القلوب، أو إلقاء في المنام " أو من وراء حجاب " أي يكلمه من وراء حجاب كما كلم موسى (عليه السلام) بخلق الصوت في الطور، وكما كلم نبينا (صلى الله عليه وآله) في المعراج، وهذا إما على سبيل الاستعارة والتشبيه، فإن من يسمع الكلام ولا يرى المتكلم، يشبه حاله بحال من يكلم من وراء حجاب، أو المراد بالحجاب الحجاب المعنوي من كماله تعالى، ونقص الممكنات، ونوريته تعالى، وظلمانية غيره، كما سبق تحقيقه في كتاب التوحيد " أو يرسل رسولا، أي ملكا " فيوحي بإذنه ما يشاء "، فظهر أن وحيه تعالى منحصر في أقسام ثلاثة: إما بالالهام والالقاء في المنام، أو بخلق الصوت بحيث يسمعه الموحى إليه، أو بإرسال ملك، وعلم الملك أيضا يكون على هذه الوجوه، والملك الأول لا يكون علمه إلا بوجهين منها، وقد يكون بأن يطالع في اللوح، وسيأتي تحقيقه في الاخبار " إنه علي " عن أن يدرك بالابصار " حكيم " في جميع الأفعال " وكذلك أوحينا إليك روحا " قيل:
المراد القرآن، وقيل جبرئيل وسيأتي في الاخبار أن المراد به روح القدس، فعلى الأخيرين المراد ب " أوحينا " أرسلنا " من أمرنا " أي بأمرنا " أو أنه من عالم الامر، وقد مر تحقيقه و
سيأتي " ما كنت تدري " أي قبل الوحي " ما الكتاب ولا الايمان " قيل: الكتاب: القرآن، والايمان الصلاة، وقيل: المراد أهل الايمان على حذف المضاف، وقيل: المراد به الشرائع ومعالم الايمان، وهو (صلى الله عليه وآله) لم يكن في حال من الأحوال على غير الايمان، واستدل بهذه الآية على أنه (صلى الله عليه وآله) لم يكن قبل النبوة متعبدا بشرع، وسيأتي تحقيقه. " ولكن جعلناه " أي القرآن أو الروح أو الايمان.
قوله تعالى: " علمه شديد القوى " قال الطبرسي - رحمه الله - يعني جبرئيل (عليه السلام) أي القوي في نفسه وخلقته " ذو مرة " أي قوة وشدة في خلقه، ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط، ومن شدته صيحته لقوم ثمود حتى هلكوا، وقيل: ذو صحة وخلق حسن، و قيل: " شديد القوى " في ذات الله " ذو مرة " أي صحة في الجسم، سليم من الآفات والعيوب وقيل: ذو مرة، أي ذو مرور في الهواء ذاهبا وجائيا ونازلا وصاعدا " فاستوى " أي جبرئيل على صورته التي خلق عليها بعد انحداره إلى محمد (صلى الله عليه وآله) " وهو بالأفق الاعلى " أي أفق المشرق، قالوا: إن جبرئيل (عليه السلام) كان يأتي النبي (صلى الله عليه وآله) في صورة الآدميين، فسأله رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء أما في الأرض ففي الأفق الاعلى وذلك أن محمدا (صلى الله عليه وآله) كان بحراء فطلع له جبرئيل (عليه السلام) من المشرق فسد الأفق إلى المغرب فخر النبي (صلى الله عليه وآله) مغشيا عليه فنزل جبرئيل (عليه السلام) في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه، وهو قوله: " ثم دنا فتدلى " وتقديره ثم تدلى، أي قرب بعد بعده وعلوه في الأفق الاعلى فدنا من محمد (صلى الله عليه وآله)، قال الحسن و قتادة: ثم دنا جبرئيل بعد استوائه بالأفق الاعلى من الأرض فنزل إلى محمد (صلى الله عليه وآله)، وقال الزجاج: معنى دنا وتدلى واحد، أي قرب فزاد في القرب، وقيل: فاستوى، أي ارتفع وعلا إلى السماء بعد أن علم محمدا وقيل: اعتدل واقفا في الهواء بعد أن كان ينزل بسرعة ليراه النبي (صلى الله عليه وآله)، وقيل: معناه استوى جبرئيل ومحمد (صلى الله عليه وآله) بالأفق الاعلى يعني السماء
الدنيا ليلة المعراج " فكان قاب قوسين أو أدنى " أي كان ما بين جبرئيل وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) قاب قوسين، قال عبد الله بن مسعود: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى جبرئيل وله ستمائة جناح.
أقول سيأتي تفسير بقية الآيات في باب المعراج.
قوله تعالى: " لا تحرك به لسانك " قال البيضاوي: أي بالقرآن قبل أن يتم وحيه " لتعجل به " لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك " إن علينا جمعه " في صدرك " و قرآنه " وإثبات قراءته في لسانك " فإذا قرأناه " بلسان جبرئيل عليك " فاتبع قرآنه " قراءته، وتكرر فيه حتى يرسخ في ذهنك " ثم إن علينا بيانه " بيان ما أشكل عليك من معانيه.
1 - العقائد: الاعتقاد في نزول الوحي من عند الله عز وجل بالأمر والنهي: إعتقادنا في ذلك أن بين عيني إسرافيل لوحا، فإذا أراد الله عز وجل أن يتكلم بالوحي ضرب اللوح جبين إسرافيل، فينظر فيه فيقرأ ما فيه، فليقيه ميكائيل، ويلقيه ميكائيل إلى جبرئيل عليهم السلام، ويلقيه جبرئيل إلى الأنبياء عليهم السلام، وأما الغشية التي كانت تأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) حتى يثقل ويعرق فإن ذلك كان يكون منه عند مخاطبة الله عز وجل إياه فأما جبرئيل فإنه كان لا يدخل على النبي (صلى الله عليه وآله) حتى يستأذنه إكراما له، وكان يقعد بين يديه قعدة العبد.
بيان: قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في شرح هذا الكلام: هذا أخذه أبو جعفر من شواذ الحديث، وفيه خلاف لما قدمه من أن اللوح ملك من ملائكة الله تعالى، وأصل الوحي هو الكلام الخفي، ثم قد يطلق على كل شئ قصد به إلى إفهام المخاطب
على الستر له عن غيره، والتخصيص له به دون من سواه، وإذا أضيف إلى الله تعالى كان فيما يخص به الرسل صلى الله عليهم خاصة دون من سواهم على عرف الاسلام و شريعة النبي (صلى الله عليه وآله)، قال الله تعالى: " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه " الآية، فاتفق أهل الاسلام على أن الوحي كان رؤيا مناما وكلاما سمعته أم موسى على الاختصاص وقال تعالى: " وأوحى ربك إلى النحل " الآية، يريد به الالهام الخفي إذ كان خالصا لمن أفرده دون من سواه، فكان علمه حاصلا للنحل بغير كلام جهر به المتكلم فأسمعه غيره، وقال تعالى: " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم " بمعنى يوسوسون إلى أوليائهم بما يلقونه من الكلام في أقصى أسماعهم، فيخصون بعلمهم دون من سواهم، وقال: " فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم " يريد به أشار إليهم من غير إفصاح
الكلام، شبه ذلك بالوحي لخفائه عمن سوى المخاطبين، ولستره عمن سواهم، وقد يري الله في المنام خلقا كثيرا ما يصح تأويله ويثبت حقه، لكنه لا يطلق - بعد استقرار الشريعة - عليه اسم الوحي، ولا يقال في هذا الوقت لمن طبعه الله على علم تفسير العياشي: إنه يوحى إليه وعندنا أن الله تعالى يسمع الحجج بعد نبيه صلى الله عليهم كلاما يلقيه إليهم في علم ما يكون، لكنه لا يطلق عليه اسم الوحي، لما قدمناه من إجماع المسلمين على أنه لا وحي لاحد بعد نبينا، وإنه لا يقال في شئ مما ذكرنا: إنه أوحى إلى أحد، ولله تعالى أن يبيح إطلاق الكلام أحيانا، ويحظره أحيانا، ويمنع السمات بشئ حينا ويطلقها حينا، وأما المعاني فإنها لا تتغير عن حقائقها على ما قدمناه، وأما الوحي من الله تعالى إلى نبيه فقد كان تارة بإسماعه الكلام من غير واسطة، وتارة بإسماعه الكلام على ألسن الملائكة والذي ذكره أبو جعفر - رحمه الله - من اللوح والقلم وما يثبت فيه فقد جاء به حديث إلا أنا لا نعزم على القول به، ولا نقطع على الله بصحته، ولا نشهد منه إلا بما علمناه، وليس الخبر به متواتر يقطع العذر، ولا عليه إجماع، ولا نطق القرآن به، ولا ثبت عن حجة الله تعالى فينقاد له، والوجه أن نقف فيه ونجوزه ولا نقطع به ولا نرده، ونجعله في حيز الممكن فأما قطع أبي جعفر به وعلمه على اعتقاده فهو مستند إلى ضرب من التقليد، ولسنا من التقليد في شئ.
3 - العقائد: الاعتقاد في نزول القرآن: اعتقادنا في ذلك أن القرآن نزل في شهر رمضان في ليلة القدر جملة واحدة إلى البيت المعمور، ثم نزل من البيت المعمور في مدة عشرين سنة، وأن الله تبارك وتعالى أعطى نبيه العلم جملة واحدة، ثم قال له: " ولا تعجل بالقرآن
من قبل أن يقضى إليك وحيه " وقال عز وجل: " لا تحرك به لسانك لتعجل به " إلى قوله : " بيانه ".
بيان: قال الشيخ المفيد - رحمه الله - الذي ذهب إليه أبو جعفر في هذا الباب أصله حديث واحد لا يوجب علما ولا عملا، ونزول القرآن على الأسباب الحادثة حالا بحال يدل على خلاف ما تضمنه الحديث، وذلك أنه قد تضمن حكم ما حدث، وذكر ما جرى على وجهه، وذلك لا يكون على الحقيقة إلا بحدوثه عند السبب، ألا ترى إلى قوله تعالى: " و قالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم " وقوله: " وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم مالهم بذلك من علم " وهذا خبر عن ماض، ولا يجوز أن يتقدم مخبره، فيكون حينئذ خبرا عن ماض وهو لم يقع، بل هو في المستقبل، وأمثال ذلك في القرآن كثيرة، وقد جاء الخبر بذكر الظهار وسببه، وأنه لما جادلت النبي (صلى الله عليه وآله) في ذكر الظهار أنزل الله تعالى " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها " وهذه قصة كانت بالمدينة، فكيف ينزل الله تعالى الوحي بها بمكة قبل الهجرة، فيخبر أنها قد كانت ولم تكن، ولو تتبعنا قصص القرآن لجاء مما ذكرناه كثيرا ينسد به المقال، وفيما ذكرنا منه كفاية لذوي الألباب، وما أشبه ما جاء به من الحديث بمذهب المشبهة الذين زعموا أن الله تعالى لم يزل متكلما بالقرآن ومخبرا عما يكون بلفظ كان، وقد رد عليهم أهل التوحيد بنحو ما
ذكرناه، وقد يجوز أن الخبر بنزول القرآن جملة في ليلة القدر المراد به أنه نزل جملة منه في ليلة القدر، ثم تلاه ما نزل منه إلى وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، فأما أن يكون نزل بأسره وجميعه في ليلة القدر فهو بعيد مما يقتضيه ظاهر القرآن، والتواتر من الاخبار، و إجماع العلماء على اختلافها في الآراء، وأما قوله تعالى: " ولا تعجل بالقرآن " ففيه وجهان غير ما ذكره أبو جعفر وعول فيه على حديث شاذ:
أحدهما: أن الله تعالى نهاه عن التسرع إلى تأويل القرآن قبل الوحي إليه به، وإن كان في الامكان من جهة اللغة ما لو قالوه على مذهب أهل اللسان.
والوجه الآخر: أن جبرئيل (عليه السلام) كان يوحي إليه بالقرآن فيتلوه معه حرفا بحرف، فأمره الله تعالى أن لا يفعل ذلك، ويصغي إلى ما يأتيه به جبرئيل أو ينزله الله تعالى عليه بغير واسطة حتى يحصل الفراغ منه، فإذا تم الوحي به تلاوة ونطق به فاقرأه، فأما ما ذكره المعول على الحديث من التأويل فبعيد، لأنه لا وجه لنهي الله تعالى عن العجلة بالقرآن الذي هو في السماء الرابعة حتى يقضى إليه وحيه، لأنه لم يكن محيطا علما بما في السماء الرابعة قبل الوحي به إليه، فلا معنى لنهيه عما ليس في إمكانه، اللهم إلا أن يقول قائل ذلك: إنه كان محيطا بعلم القرآن المودع في السماء الرابعة فينتقض كلامه ومذهبه أنه كان في السماء الرابعة، لان ما في صدر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحفظه في الأرض فلا معنى لاختصاصه بالسماء، ولو كان ما في حفظ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوصف بأنه في السماء الرابعة خاصة لكان ما في حفظ غيره موصوفا بذلك، ولا وجه حينئذ يكون
لإضافته إلى السماء الرابعة ولا إلى السماء الأولى، ومن تأمل ما ذكرناه علم أن تأويل الآية على ما ذكره المتعلق بالحديث بعيد عن الصواب انتهى كلامه رفع الله مقامه.
وأقول: أما الاعتراض الأول الذي أورده قدس سره على الصدوق رحمه الله فغير وارد، إذ ثبت بالأخبار المستفيضة أن جميع الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه أثبتها في اللوح المحفوظ قبل خلق السماء والأرض، ثم ينزل منها بحسب المصالح في كل وقت وزمان، وأما انطباقها على الوقائع المتأخرة فلا ينافي ذلك، لان الله تعالى عالم بما يتكلمون ويصدر منهم ويقع بينهم بعد ذلك، فأثبت في القرآن المثبت في اللوح جواب جميع ذلك على وفق علمه الذي لا يتخلف، فالمضي إنما يكون بالنسبة إلى زمان التبليغ إلى الخلق فلا استبعاد في أن ينزل هذا الكتاب جملة على النبي (صلى الله عليه وآله) ويأمره بأن لا يقرأ على الأمة شيئا منه إلا بعد أن ينزل كل جزء منه في وقت معين يناسب تبليغه، وفي واقعة معينة يتعلق بها، وأما تشبيه صاحب هذا القول بالمشبهة القائلين بقدم كلام الله فلا يخفى ما فيه، لان صاحب هذا القول لا يقول بقدم القرآن المؤلف من الحروف، ولا بكونه صفة قديمة لله، قائمة بذاته تعالى، فأي مفسدة تلزم عليه، وأما المشابهة في أنه يمكن نفي القولين بتلك الآيات ففيه أن نفي هذا المذهب السخيف أيضا بتلك الآيات لا يتم بل ثبت بطلانه بسائر البراهين الموردة في محالها، وأما الاعتراضات التي أوردها على تفسير الصدوق للآية الكريمة فلعلها مبنية على الغفلة عن مراده فإن الظاهر أن الصدوق رحمه الله أراد بذلك الجمع بين الآيات والروايات، ودفع ما يتوهم من التنافي بينها، لأنه دلت الآيات على نزول القرآن في ليلة القدر، والظاهر نزول جميعه فيها، ودلت الآثار والاخبار على نزول القرآن في عشرين أو ثلاث وعشرين سنة، وورد في بعض الروايات أن القرآن نزل في أول ليلة من شهر رمضان، ودل بعضها على أن ابتداء نزوله في المبعث فجمع بينها بأن: في ليلة القدر نزل القرآن جملة من اللوح إلى السماء الرابعة لينزل من السماء الرابعة إلى الأرض بالتدريج، ونزل في أول ليلة من شهر رمضان جملة القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله) ليعلم هو، لا ليتلوه على الناس، ثم ابتداء نزوله آية آية وسورة سورة في المبعث أو غيره
ليتلوه على الناس، وهذا الجمع مؤيد بالاخبار، ويمكن الجمع بوجوه أخر سيأتي تحقيقها في باب ليلة القدر وغيره، فقوله رحمه الله: إن الله تعالى أعطى نبيه (صلى الله عليه وآله) العلم جملة لا يعني به أنه أعطاه بمحض النزول إلى البيت المعمور ليرد عليه ما أورده رحمه الله، ولا أن المراد بالنزول إلى البيت المعمور أنه علمه النبي (صلى الله عليه وآله)، وهذا منه رحمه الله غريب، وأما اللوح الذي ذكره أولا أنه يضرب جبين إسرافيل (عليه السلام) فيحتمل أن يكون المراد به اللوح المحفوظ، ويكون ذلك عند أول النزول إلى البيت المعمور، أو يكون المراد اللوح الذي ثبت فيه القرآن في السماء الرابعة، ولعله بعد نظر إسرافيل في اللوح على الوجهين يجد فيه علامة يعرف بها مقدار ما يلزمه إنزالها، أو يكون لوحا آخر ينقش فيه شئ فشئ عند إرادة الوحي، ولا ينافي انتقاش الأشياء فيه كونه ملكا كما اعترض عليه المفيد رحمه الله وإن كان بعيدا.
3 - تفسير علي بن إبراهيم: " وما كان لبشر أن يكلمه الله " الآية، قال: وحي مشافهة، ووحي إلهام، وهو الذي يقع في القلب " أو من وراء حجاب " كما كلم الله نبيه (صلى الله عليه وآله)، وكما كلم الله موسى (عليه السلام) من النار " أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء " قال: وحي مشافهة يعني إلى الناس، ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله): " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " قال: روح القدس، هي التي قال الصادق (عليه السلام) في قوله:
" ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " قال: هو ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو مع الأئمة.
أقول: سيأتي في تفسير النعماني عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: وأما تفسير وحي النبوة والرسالة فهو قوله تعالى: " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل " إلى آخر الآية، وأما وحي الالهام فهو قوله عز وجل: " وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما
يعرشون " ومثله " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم " وأما وحي الإشارة فقوله عز وجل: " فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا " أي أشار إليهم كقوله تعالى: " أن لاتكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا " وأما وحي التقدير فقوله تعالى: " وأوحى في كل سماء أمرها وقدر فيها أقواتها وأما وحي الامر فقوله سبحانه: " وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي " وأما وحي الكذب فقوله عز وجل: " شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض " إلى آخر الآية، وأما وحي الخبر فقوله سبحانه: " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين.
4 - قرب الإسناد: اليقطيني، عن القداح، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: احتبس الوحي على النبي (صلى الله عليه وآله) فقيل: احتبس عنك الوحي يا رسول الله؟ قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
وكيف لا يحتبس عني الوحي وأنتم لا تقلمون أظفاركم ولا تنقون روائحكم.
بيان: قوله: روائحكم، أي الكريهة، وفي الكافي وبعض نسخ المنقول منه رواجبكم وهو أظهر، وهي مفاصل أصول الأصابع، أو بواطن مفاصلها، أو هي قصب الأصابع أو مفاصلها، أو ظهور السلاميات، أو ما بين البراجم من السلاميات، أو المفاصل التي تلي الأنامل، ذكرها الفيروزآبادي.
5 - علل الشرائع: ابن البرقي، عن أبيه، عن جده، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن جميع، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان جبرئيل إذا أتي النبي (صلى الله عليه وآله) قعد بين يديه قعدة العبد، وكان لا يدخل حتى يستأذنه.
6 - التوحيد: أبي، عن سعد عن ابن هاشم، عن ابن أبي نجران، عن محمد بن سنان، عن إبراهيم والفضل ابني محمد الأشعريين، عن عبيد بن زرارة، عن أبيه قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك الغشية التي كانت تصيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا نزل عليه الوحي؟ قال: فقال ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد، ذاك إذا تجلى الله له، قال:
ثم قال: تلك النبوة يا زرارة، وأقبل يتخشع.
بيان: تجلي الله تعالى. ظهور آيات عظمته وجلاله، أو هو كناية عن غاية المعرفة.
7 - التوحيد: ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله الفراء، عن محمد بن مسلم، ومحمد بن مروان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما علم
رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن جبرئيل (عليه السلام) من قبل الله إلا بالتوفيق.
تفسير العياشي: عن محمد بن هارون عنه (عليه السلام) مثله.
بيان: أي وفقه بأن علم علما ضروريا أنه جبرئيل وليس بشيطان أو قرن الوحي بمعجزات علم بها أنه من قبل الله.
8 - التوحيد، الإحتجاج: فيما أجاب به أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أسئلة الزنديق المدعي للتناقض في القرآن: قال (عليه السلام): وأما قوله: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء " وقوله: " وكلم الله موسى تكليما " وقوله: " وناداهما ربهما " وقوله: " يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة " فأما قوله: " ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ": ما ينبغي لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا وليس بكائن إلا من وراء حجاب " أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء " كذلك قال الله تبارك وتعالى علوا كبيرا، قد كان الرسول يوحى إليه من رسل السماء، فتبلغ رسل السماء رسل الأرض، وقد كان الكلام بين رسل أهل الأرض وبينه من غير أن يرسل بالكلام مع رسل أهل السماء، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا جبرئيل هل رأيت ربك؟ فقال جبرئيل: إن ربي لا يرى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
من أين تأخذ الوحي؟ فقال: آخذه من إسرافيل، فقال: ومن أين يأخذه إسرافيل؟ قال:
يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين، قال: فمن أين يأخذه ذلك الملك؟ قال: يقذف في قلبه قذفا، فهذا وحي، وهو كلام الله عز وجل، وكلام الله ليس بنحو واحد، منه ما كلم
الله به الرسل، ومنه ما قذفه في قلوبهم، ومنه رؤيا يريها الرسل، ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ فهو كلام الله، فاكتف بما وصفت لك من كلام الله فإن معنى كلام الله ليس بنحو واحد، فإنه منه ما تبلغ منه رسل السماء رسل الأرض، قال: فرجت عني فرج الله عنك، وحللت عني عقدة فعظم الله أمرك يا أمير المؤمنين.
بيان: لعل سؤاله (صلى الله عليه وآله) عن رؤية الرب تعالى بعد ما علم بالعقل أنه يمتنع عليه الرؤية ليعلم بالوحي أيضا كما علم بالعقل، وليخبر الناس بما أوحي إليه من ذلك.
9 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال جبرئيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصف إسرافيل: هذا حاجب الرب وأقرب خلق الله منه، واللوح بين عينيه من ياقوتة حمراء، فإذا تكلم الرب تبارك وتعالى بالوحي ضرب اللوح جبينه فنظر فيه، ثم ألقى إلينا نسعى به في السماوات والأرض إنه لأدنى خلق الرحمان منه وبينه وبينه تسعون حجابا من نور، يقطع دونها الابصار ما يعد ولا يوصف، وإني لأقرب الخلق منه، وبيني وبينه مسيرة ألف عام.
بيان: قوله: وبينه وبينه، أي وبين الموضع الذي جعله الله محل صدور الوحي من العرش، أو المراد بالحجب الحجب المعنوية.
10 - تفسير علي بن إبراهيم: قال علي بن إبراهيم في قوله: " بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ " قال: اللوح المحفوظ له طرفان: طرف على العرش وطرف على جبهة.
إسرافيل، فإذا تكلم الرب جل ذكره بالوحي ضرب اللوح جبين إسرافيل، فنظر في اللوح فيوحي بما في اللوح إلى جبرئيل (عليه السلام).
11 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: " حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير وذلك أن أهل السماوات لم يسمعوا وحيا فيما بين أن بعث عيسى بن مريم (عليه السلام) إلى أن بعث محمد (صلى الله عليه وآله)، فلما بعث الله جبرئيل إلى محمد (صلى الله عليه وآله) سمع أهل السماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا، فصعق أهل السماوات، فلما فرغ من الوحي انحدر جبرئيل، كلما مر بأهل السماء فزع عن قلوبهم، يقول: كشف عن قلوبهم، فقال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير.
بيان: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " حتى إذا فزع عن قلوبهم، أي كشف الفزع عن قلوبهم، واختلف في الضمير في " قلوبهم " فقيل: يعود إلى المشركين المتقدم ذكرهم، أي إذا اخرج عن قلوبهم الفزع وقت الفزع ليسمعوا كلام الملائكة " قالوا " أي قالت الملائكة لهم: " ماذا قال ربكم قالوا " أي المشركون: " الحق " أي قال الحق، فيعترفون أن ما جاء به الرسل كان حقا، عن ابن عباس وغيره، وقيل: يعود إلى الملائكة ثم اختلف فيه على وجوه:
أحدها: أن الملائكة إذا صعدوا بأعمال العباد ولهم زجل وصوت عظيم فتحسب الملائكة أنها الساعة فيخرون سجدا ويفزعون، فإذا علموا أنه ليس ذلك قالوا: " ماذا قال ربكم قالوا الحق ".
وثانيها: أن الفترة لما كان بين عيسى (عليه السلام) ومحمد (صلى الله عليه وآله) وبعث الله محمدا أنزل الله سبحانه جبرئيل بالوحي، فلما نزلت ظنت الملائكة أنه نزل بشئ من أمر الساعة فصعقوا لذلك، فجعل جبرئيل يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع، فرفعوا رؤوسهم وقال بعضهم لبعض: " ماذا قال ربكم قالوا الحق " يعني الوحي عن مقاتل والكلبي.
وثالثها: أن الله إذا أوحى إلى بعض ملائكته لحق الملائكة غشي عند سماع الوحي ويصعقون ويخرون سجدا للآية العظيمة، فإذا فزع عن قلوبهم سألت الملائكة ذلك الملك الذي أوحي إليه ماذا قال ربك؟ أو يسأل بعضهم بعضا فيعلمون أن الامر في غيرهم عن ابن مسعود، واختاره الجبائي.
12 - إكمال الدين: إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يكون بين أصحابه فيغمى عليه وهو يتصاب عرقا فإذا أفاق قال: قال الله عز وجل: كذا وكذا، وأمركم بكذا، ونهاكم عن كذا، وأكثر مخالفينا يقولون: إن ذلك كان يكون عند نزول جبرئيل (عليه السلام) عليه، فسئل الصادق (عليه السلام) عن الغشية التي كانت تأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) أكانت تكون عند هبوط جبرئيل؟ فقال: لا، إن جبرئيل (عليه السلام) إذا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) لم يدخل عليه حتى يستأذنه، فإذا دخل عليه قعد بين يديه قعدة العبد، وإنما ذلك عند مخاطبة الله عز وجل إياه بغير ترجمان وواسطة حدثنا بذلك ابن إدريس، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن الحسين بن زيد، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن ثابت، عن الصادق (عليه السلام).
13 - مناقب ابن شهرآشوب: وأما كيفية نزول الوحي فقد سأله الحارث بن هشام كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني، فقد
وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول.
وروي أنه كان إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل.
وروي أنه كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه لينفصد عرقا.
وروي أنه كان إذا نزل عليه كرب لذلك ويربد وجهه، ونكس رأسه ونكس أصحابه رؤوسهم منه، ومنه يقال: برحاء الوحي.
قال ابن عباس: كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا نزل عليه القرآن تلقاه بلسانه وشفتيه، كان يعالج من ذلك شدة، فنزل: " لا تحرك به لسانك " وكان إذا نزل عليه الوحي وجه منه ألما شديدا، ويتصدع رأسه، ويجد ثقلا، قوله: " إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا وسمعت أنه نزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستين ألف مرة.
بيان: قال في النهاية: في صفة الوحي: كأنه صلصلة على صفوان، الصلصلة: صوت الحديد إذا حرك، وقال: فيفصم عني، أي يقلع، وأفصم المطر: إذا اقلع وانكشف، وقال: فيه: كان إذا نزل عليه الوحي تفصد عرقا، أي سال عرقه، تشبيها في كثرته بالفصاد و " عرقا " منصوب على التمييز، وقال: فيه: إذا أصابه الوحي كرب له أي أصابه الكرب واربد وجهه، أي تغير إلى الغبرة، وقال: البرح: الشدة، ومنه الحديث فأخذه البرحاء أي شدة الكرب من ثقل الوحي.
14 - تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله: " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا مخففة قال: ظنت الرسل أن الشياطين تمثل لهم على صورة الملائكة.
15 - وعن أبي شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: وكلهم الله إلى أنفسهم أقل من طرفة عين.
بيان: لعل المراد أن الله وكلهم إلى أنفسهم ليزيد يقينهم بأنهم معصومون بعصمة الله، فخطر ببالهم أن ما وعدوا من عذاب الأمم لعله يكون من الشياطين، فصرف الله عنهم ذلك وعصمهم وثبتهم على اليقين بأن ما أوحي إليهم ليس للشيطان فيه سبيل.
قال الطبرسي رحمه الله: قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر " كذبوا " بالتخفيف وهي قراءة علي، وزين العابدين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد عليهم السلام وزيد بن علي، وابن عباس وابن مسعود وابن جبير وغيرهم، وقرأ الباقون بالتشديد، قال أبو علي: الضمير في " ظنوا " على قول من شدد للرسل، أي تيقنوا أو حسبوا أن القوم كذبوهم، وأما من خفف فالضمير للمرسل إليهم، أي ظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من أنهم إن لم يؤمنوا انزل بهم العذاب، وأما من زعم أن الضمير راجع إلى الرسل، أي ظن الرسل أن الذي وعد الله سبحانه أممهم على لسانهم قد كذبوا به فقد أتى عظيما لا يجوز أن ينسب مثله إلى الأنبياء ولا إلى صالحي عباد الله، وكذلك من زعم أن ابن عباس ذهب إلى أن الرسل قد ضعفوا وظنوا أنهم قد أخلفوا، لان الله لا يخلف الميعاد.
16 - تفسير العياشي: عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف لم يخف رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما يأتيه من قبل الله أن يكون ذلك مما ينزغ به الشيطان؟ قال: فقال: إن الله إذا اتخذ عبدا رسولا أنزل عليه السكينة والوقار، فكان يأتيه من قبل الله عز وجل مثل الذي يراه بعينه.
17 - الكافي: علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل، عن صفوان، وابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: في المستحاضة تأتي مقام
جبرئيل (عليه السلام)، وهو تحت الميزاب، فإنه كان مكانه إذا استأذن على نبي الله (صلى الله عليه وآله) 18 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عمن ذكره، عن ابن بكير ، عن عمر بن يزيد قال: حاضت صاحبتي وأنا بالمدينة، فذكرت ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام)، فقال مرها فلتغتسل، ولتأت مقام جبرئيل فإن جبرئيل كان يجئ فيستأذن على رسول الله، و إن كان على حال لا ينبغي أن يأذن له قام في مكانه حتى يخرج إليه، وإن أذن له دخل عليه، فقلت: وأين المكان؟ قال: حيال الميزاب الذي إذ أخرجت من الباب الذي يقال له: باب فاطمة بحذاء القبر، إذا رفعت رأسك بحذاء الميزاب، والميزاب فوق رأسك، والباب من وراء ظهرك. الخبر.
19 - علل الشرائع: الطالقاني، عن أحمد بن إسحاق المادرائي، عن أبي قلابة عبد الملك بن محمد، عن غانم بن الحسن السعدي، عن مسلم بن خالد المكي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: ما أنزل الله تبارك وتعالى كتابا ولا وحيا إلا بالعربية، فكان يقع في مسامع الأنبياء بألسنة قومهم، وكان يقع في مسامع نبينا (صلى الله عليه وآله) بالعربية فإذا كلم به قومه كلمهم بالعربية، فيقع في مسامعهم بلسانهم، وكان أحد لا يخاطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأي لسان خاطبه، إلا وقع في مسامعه بالعربية، كل ذلك يترجم جبرئيل (عليه السلام) له وعنه تشريفا من الله عز وجل له (صلى الله عليه وآله) 20 - أقول: قال في المنتقى: كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا غشيه الوحي ثقل على جسمه ما غشيه من أمر الله.
وفي الحديث المقبول أنه (صلى الله عليه وآله) أوحي إليه وهو على ناقته فبركت ووضعت جرانها بالأرض، فما تستطيع أن تتحرك، وإن عثمان كان يكتب للنبي (صلى الله عليه وآله) " لا يستوي
القاعدون " الآية، وفخذ النبي (صلى الله عليه وآله) على فخذ عثمان فجاء ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله إن بي من العذر ما ترى، فغشيه الوحي فثقلت فخذه على فخذ عثمان حتى قال:
خشيت أن ترضها، فأنزل الله سبحانه: " غير اولي الضرر ".
وروي عن أبي أروى الدوسي قال: رأيت الوحي ينزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإنه (صلى الله عليه وآله) على راحلته فترغو وتنقل يديها حي أظن أن ذراعها ينفصم، فربما بركت، وربما قامت مؤتدة يديها حتى تسرى عنه من ثقل الوحي. وإنه لينحدر منه مثل الجمان.
21 - الكافي: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر قال: سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخى عليه ستره، فقال: يا مفضل إن الله تبارك وتعالى جعل في النبي (صلى الله عليه وآله) خمسة أرواح: روح الحياة، فبه دب ودرج، وروح القوة فبه نهض وجاهد، وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الايمان فبه آمن وعدل، وروح القدس فبه حمل النبوة، فإذا قبض النبي (صلى الله عليه وآله) انتقل روح القدس فصار إلى الامام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، والأربعة الأرواح تنام وتغفل وتلهو وتزهو، وروح القدس كان يرى به.
بيان: كان يرى به، على المعلوم أو المجهول، أي كان يرى النبي (صلى الله عليه وآله) والامام بروح القدس ما غاب عنه في أقطار الأرض والسماء وما دون العرش.
22 - الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر
بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالى: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " قال: خلق من خلق الله أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده.
23 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل " يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مع الأئمة، وهو من الملكوت.
بيان: أي هو من عالم المجردات أو العلويات.
24 - الكافي: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن أسباط، عن أسباط بن سالم قال: سأله رجل من أهل هيت وأنا حاضر عن قول الله عز وجل: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا " فقال: منذ أنزل الله عز وجل ذلك الروح على محمد ما صعد إلى السماء وإنه لفينا.
25 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب الخزاز، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) " يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، لم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد (صلى الله عليه وآله)، وهو مع الأئمة يسددهم، وليس كل ما طلب وجد.
بيان: قوله: ليس كل ما طلب وجد، بيان لعظم هذه المرتبة، وأنها لا تتيسر إلا بفضل الله تعالى، وأنه ليس كل الأمور بحيث يمكن تحصيله بالطلب والكسب.
26 - الكافي: محمد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر، عن علي بن أسباط، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العلم أهو شئ يتعلمه العالم من أفواه الرجال، أم في الكتاب عندكم تقرؤونه فتعلمون منه، قال: الامر أعظم من ذلك وأوجب، أما سمعت قول الله عز وجل: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " ثم قال: أي شئ يقول أصحابكم في هذه الآية؟ أيقرون أنه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الايمان؟ فقلت: لا أدري جعلت فداك ما يقولون؟ فقال: بلى قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الايمان حتى بعث الله عز وجل الروح التي ذكر في الكتاب، فلما أوحاها إليه علم به العلم والفهم، و هي الروح التي يعطيها الله عز وجل من شاء، فإذا أعطاها عبدا علمه الفهم.
27 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن الأحول قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرسول والنبي والمحدث، قال: الرسول: الذي يأتيه جبرئيل (عليه السلام) قبلا فيراه ويكلمه، فهذا الرسول، وأما النبي فهو الذي يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيم (عليه السلام) ونحو ما كان رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل (عليه السلام) من عند الله بالرسالة، وكان محمد (صلى الله عليه وآله) حين جمع له النبوة وجاءته الرسالة من عند الله يجيئه بها جبرئيل (عليه السلام) ويكلمه بها قبلا، ومن الأنبياء من جمع له النبوة و
يرى في منامه ويأتيه الروح ويكلمه ويحدثه من غير أن يكون يرى في اليقظة، وأما المحدث فهو الذي يحدث فيسمع ولا يعاين ولا يرى في منامه.
بيان: قال الجوهري: رأيته قبلا وقبلا بالضم، أي مقابلة وعيانا، ورأيته قبلا بكسر القاف، قال الله تعالى: " أو يأتيهم العذاب قبلا " أي عيانا.
28 - بصائر الدرجات: محمد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن سماعة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الروح خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يسدده ويرشده، وهو مع الأوصياء من بعده.
أقول: سيأتي سائر الأخبار في ذلك في كتاب الإمامة.
29 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن سليمان السجستاني، عن إسحاق بن إبراهيم النهشلي، عن زكريا بن يحيى الخزاز، عن مندل بن علي، عن الأعمش، عن ابن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغدو إليه علي (عليه السلام) في الغداة، وكان يحب أن لا يسبقه إليه أحد، فإذا النبي (صلى الله عليه وآله) في صحن الدار وإذا رأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي، فقال: السلام عليك، كيف أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال:
بخير يا أخا رسول الله، فقال علي (عليه السلام): جزاك الله عنا أهل البيت خيرا، قال له دحية:
إني أحبك، وإن لك عندي مديحة أهديها إليك: أنت أمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين، وسيد ولد آدم يوم القيامة ما خلا النبيين والمرسلين، لواء الحمد بيدك يوم القيامة، تزف أنت وشيعتك مع محمد وحزبه إلى الجنان، قد أفلح من والاك، وخاب و خسر من خلاك، بحب محمد (صلى الله عليه وآله) أحبوك، وببغضه أبغضوك، ولا تنالهم شفاعة
محمد (صلى الله عليه وآله)، ادن من صفوة الله، فأخذ رأس النبي (صلى الله عليه وآله) فوضعه في حجره، فانتبه النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: ما هذه الهمهمة؟ فأخبره الحديث، فقال: لم يكن دحية، كان جبرئيل سماك باسم سماك الله تعالى به، وهو الذي ألقى محبتك في قلوب المؤمنين، و رهبتك في صدور الكافرين.
30 - أمالي الطوسي: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم بن أحمد، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال بعض أصحابنا: أصلحك الله أكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: قال جبرئيل، وهذا جبرئيل يأمرني، ثم يكون في حال أخرى يغمى عليه؟ قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنه إذا كان الوحي من الله إليه ليس بينهما جبرئيل أصابه ذلك لثقل الوحي من الله، وإذا كان بينهما جبرئيل لم يصبه ذلك فقال: قال لي جبرئيل، وهذا جبرئيل.
31 - أمالي الطوسي: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن محمد البغوي، عن بشر بن هلال عن عبد الوارث بن سعيد، عن أبي نضر، عن أبي سعيد الخدري أن جبرئيل أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم، قال: بسم، من كل شئ يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد والله يشفيك بسم الله أرقيك.
32 - أقول: قال السيد بن طاووس في كتاب سعد السعود: رأيت في تفسير منسوب إلى الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " قال: بلغنا أن عثمان بن مظعون
قال: نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله) وأنا عنده، قال: مررت عليه وهو بفناء بابه فجلست إليه، فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شاخصا إلى السماء حتى رأيت طرفه قد انقطع، ثم رأيته خفضه حتى وضعه عن يمينه، ثم ولاني ركبته وجعل ينفض برأسه كأنه الهم شيئا فقال: ثم رأيته أيضا رفع طرفة إلى السماء، ثم خفضه عن شماله ثم أقبل إلي محمر الوجه يفيض عرقا، فقلت: يا رسول الله ما رأيتك فعلت الذي فعلت اليوم!؟ ما حالك قال: ولقد رأيته؟ قلت: نعم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ذاك جبرئيل لم يكن لي همة غيره، ثم تلا عليه الآيتين، قال عثمان: فقمت من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) معجبا بالذي رأيت، فأتيت أبا طالب - رضي الله عنه - فقرأتهما عليه فعجب أبو طالب، وقال: يا آل غالب اتبعوه.
ترشدوا وتفلحوا، فوالله ما يدعو إلا إلى المكارم الأخلاق، لئن كان صادقا أو كاذبا ما يدعو إلا إلى الخير.
قال السيد: ورأيت في غير هذا التفسير أن هذا العبد الصالح قال: كان أول إسلامي
حبا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم تحقق إسلامي ذلك اليوم لما شاهدت الوحي إليه.
33 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم الجوهري، عن علي عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنا لنزاد في الليل والنهار ولو لم نزد لنفد ما عندنا: قال أبو بصير: جعلت فداك من يأتيكم به؟ قال: إن منا من يعاين، وإن منا لمن ينقر في قلبه كيت وكيت، ومنا من يسمع باذنه وقعا كوقع السلسلة في الطشت، فقلت له من الذي يأتيكم بذلك؟ قال: خلق لله أعظم من جبرئيل وميكائيل.
34 - بصائر الدرجات: العباس بن معرف: عن حماد بن عيسى، عن ربعي، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : كان جبرئيل (عليه السلام) يملي على النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يملي على علي (عليه السلام) فنام نومة ونعس نعسة فلما رجع نظر إلى الكتاب فمد يده قال: من أملى هذا عليك قال أنت، قال: لا بل جبرئيل.
35 - بصائر الدرجات: علي بن حسان، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) من الرسول؟ من النبي؟ من المحدث؟ فقال: الرسول: الذي يأتيه جبرئيل فيكلمه قبلا فيراه كما يرى أحدكم صاحبه الذي يكلمه، فهذا الرسول، والنبي: الذي يؤتي في النوم نحو رؤيا إبراهيم (عليه السلام). ونحو ما كان يأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من السبات إذا أتاه جبرئيل في النوم، فهكذا النبي، ومنهم من تجمع له الرسالة والنبوة، فكان رسول الله رسولا نبيا يأتيه جبرئيل قبلا فيكلمه ويراه ويأتيه في النوم وأما المحدث فهو الذي يسمع كلام الملك فيحدثه من غير أن يراه ومن غير أن يأتيه في النوم.
بصائر الدرجات: ابن أبي الخطاب، عن البزنطي، عن حماد بن عثمان، عن زرارة مثله.
بيان قال الجوهري: السبات: النوم وأصله الراحة.
أقول: قد مضت الأخبار الكثيرة في ذلك في كتاب قصص الأنبياء عليهم السلام.
36 - المحاسن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: أبو عبد الله (عليه السلام) كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أتاه الوحي من الله وبينهما جبرئيل (عليه السلام) يقول: هو ذا جبرئيل، وقال لي جبرئيل، وإذا أتاه الوحي وليس بينهما جبرئيل تصيبه تلك السبتة ويغشاه منه ما يغشاه لثقل الوحي عليه من الله عز وجل.
37 - تفسير العياشي: عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي (عليه السلام) قال: كان القرآن ينسخ بعضه بعضا، وإنما كان يؤخذ من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بآخره، فكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها ولم ينسخها شئ، فلقد نزلت عليه وهو على بغلته الشهباء وثقل عليها الوحي حتى وقف وتدلى بطنها حتى رئيت سرتها تكاد تمس الأرض، وأغمي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى وضع يده على ذؤابة منبه بن وهب الجمحي ثم رفع ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقرأ علينا سورة المائدة فعمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعملنا.
38 - نهج البلاغة: ولقد قرن الله به (صلى الله عليه وآله) من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره.
تذنيب: اعلم أن علماء الخاصة والعامة اختلفوا في أن النبي (صلى الله عليه وآله) هل كان قبل بعثته متعبدا بشريعة أم لا، قال العلامة - قدس الله روحه - في شرحه على مختصر ابن الحاجب: اختلف الناس في أن النبي (صلى الله عليه وآله) هل كان متعبدا بشرع أحد من الأنبياء قبله قبل النبوة أم لا، فذهب جماعة إلى أنه كان متعبدا ونفاه آخرون كأبي الحسين البصري وغيره وتوقف الغزالي والقاضي عبد الجبار والمثبتون اختلفوا فذهب بعضهم إلى أنه كان متعبدا بشرع نوح (عليه السلام)، وآخرون قالوا: بشرع إبراهيم (عليه السلام)، وآخرون بشرع موسى (عليه السلام)، وآخرون بشرع عيسى (عليه السلام)، وآخرون قالوا: بما ثبت أنه شرع.
واستدل المصنف على أنه كان متعبدا بشرع من قبله بما نقل نقلا يقارب التواتر أنه كان بصلي ويحج ويعتمر ويطوف بالبيت ويتجنب الميتة ويذكي ويأكل اللحم ويركب الحمار وهذه أمور لا يدركها العقل فلا مصير إليها إلا من الشرع واستدل آخرون على هذا المذهب أيضا بأن عيسى (عليه السلام) كان مبعوثا إلى جميع المكلفين، والنبي (صلى الله عليه وآله) كان من المكلفين، فيكن عيسى (عليه السلام) مبعوثا إليه.
والجواب: لا نسلم عموم دعوة من تقدمه.
واحتج المخالف بأنه لو كان متعبدا بشرع من قبله لكان مخالطا لأهل تلك الشريعة قضاء للعادة الجارية بذلك أو لزمته المخالطة لأرباب تلك الشريعة بحيث يستفيد منهم الاحكام، ولما كان التالي باطلا إجماعا فكذا المقدم.
والجواب: لا نسلم وجوب المخالطة، لان الشرع المنقول إليه عمن تقدمه إن كان متواترا فلا يحتاج إلى المخالطة والمناظرة، وإن كان آحادا فهو غير مقبول خصوصا مع اعتقاده بأن أهل زمانه (صلى الله عليه وآله) كانوا في غاية الالحاد، سلمنا أنه كان يلزم المخالطة، لكن المخالطة قد لا تحصل لموانع تمنع منها، فيحتمل ترك المخالطة لمن يقاربه من أرباب الشرائع المتقدمة، على تلك الموانع جمعا بين الأدلة انتهى.
وقال المرتضى رضي الله عنه في كتاب الذريعة: هل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعبدا بشرائع من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام؟ في هذا الباب مسألتان: إحداهما قبل النبوة، و الأخرى بعدها، وفي المسألة الأولى ثلاثة مذاهب:
أحدها أنه (صلى الله عليه وآله) ما كان متعبدا قطعا، والآخر أنه كان متعبدا قطعا، والثالث التوقف، وهذا هو الصحيح، والذي يدل عليه أن العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه الله تعالى من المصلحة بها في التكليف العقلي، ولا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن لا مصلحة للنبي (صلى الله عليه وآله) قبل نبوته في العبادة بشئ من الشرائع، كما أنه غير ممتنع أن يعلم أن له (صلى الله عليه وآله) في ذلك مصلحة، وإذا كان كل واحد من الامرين جائزا ولا دلالة توجب القطع على أحدهما وجب التوقف.
وليس لمن قطع على أنه ما كان متعبدا أن يتعلق بأنه لو كان تعبده (صلى الله عليه وآله) بشئ من الشرائع لكان فيه متبعا لصاحب تلك الشريعة ومقتديا به، وذلك لا يجوز لأنه أفضل الخلق، واتباع الأفضل للمفضول قبيح، وذلك أنه غير ممتنع أن يوجب الله تعالى عليه (صلى الله عليه وآله) بعض ما قامت عليه الحجة به من بعض الشرائع المتقدمة لا على وجه الاقتداء بغيره فيها ولا الاتباع، وليس لمن قطع على أنه (صلى الله عليه وآله) كان متعبدا أن يتعلق بأنه (صلى الله عليه وآله) كان يطوف بالبيت ويحج ويعتمر، ويذكي ويأكل المذكى، ويركب البهائم ويحمل عليها، وذلك أنه لم يثبت عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قبل النبوة حج أو اعتمر، ولو ثبت لقطع به على أنه كان متعبدا، وبالتظني لا يثبت مثل ذلك، ولم يثبت أيضا أنه (صلى الله عليه وآله) تولى التذكية بيده، وقد قيل أيضا إنه لو ثبت أنه ذكى بيده لجاز أن يكون من شرع غيره في ذلك الوقت أن يستعين بغيره في الذكاة، فذكى على سبيل المعونة لغيره، وأكل لحم المذكى لا شبهة في أنه غير موقوف على الشرع، لأنه بعد الذكاة قد صار مثل كل مباح من المأكل وركوب البهائم والحمل عليها يحسن عقلا إذا وقع التكفل بما يحتاج إليه من علف وغيره، ولم يثبت أنه (صلى الله عليه وآله) فعل من ذلك ما لا يستباح بالعقل فعله، وليس علمه (صلى الله عليه وآله) بأن غيره نبي بالدليل يقتضي كونه متعبدا بشريعته، بل لابد من أمر زائد على هذا العلم.
فأما المسألة الثانية فالصحيح أنه (صلى الله عليه وآله) ما كان متعبدا بشريعة نبي تقدم، وسندل عليه بعون الله، وذهب كثير من الفقهاء إلى أنه كان متعبدا، ولابد قبل الكلام في هذه المسألة من بيان جواز أن يتعبد الله تعالى نبيا بمثل شريعة النبي الأول، لان ذلك إذا لم يجز سقط الكلام في هذا الوجه من المسألة وقد قيل: إن ذلك يجوز على شرطين:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.